30, Mar 2019
يبدو أن البيت الأبيض قد تحول لمصحة عقلية ونفسية، ومَوطن للحَجْر على مسؤوليه ممن يعانون من اضطرابات وعاهات نفسية وأخلاقية.. ومجرد استعراض عدد من مواقف وقرارات ترامب؛ نجده يضرب عرض الحائط بالقواعد والمعايير السياسية والقانونية والأعراف الإنسانية والقرارات الدولية. وباختصار خرج ترامب على الضوابط المتعارف عليها، فنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، واعتبرها عاصمة أبدية للدولة الصهيونية. وكلف وزير خارجيته ببناء سفارة جديدة هناك، وتعمد اختيار يوم 26/ 03/ 2019 الماضي؛ الموافق الذكرى الأربعين لتوقيع «معاهدة السلام» بين مصر والدولة الصهيونية.. وما زلنا نعيش تداعياتها حتى الآن ولسنوات طويلة قادمة؛ إذا ما استمر حال العرب على ما هو عليه، واختار الذكرى المشؤومة لفرض السيادة الصهيونية على مرتفعات الجولان السورية المحتلة.
وقد وصفت «روزماري دي كارلو» نائبة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية يوم الأربعاء الماضي (27/ 03/ 2019) في جلسة مجلس الأمن الدولي الخاصة بالأوضاع الإنسانية في سوريا.. وصفت القرار وقالت: «علينا أن نتجنب سوء الفهم والأعمال المتسببة في التصعيد» في إشارة إلى تصريحات الأمين العام بشأن تطورات الأحداث المتعلقة بالمرتفعات المحتلة في الجولان.
وسوابق ترامب كثيرة منذ أن وطئت أقدامه عتبات البيت الأبيض؛ استهلها بمنع رعايا دول عربية وإسلامية من دخول الولايات المتحدة، وطالب باعتمادات مالية ضخمة لبناء جدار فاصل بينه وبين المكسيك؛ على غرار جدار الفصل العنصري في فلسطين المحتلة.. وتبع ذلك بفرض «جزية» على المملكة العربية السعودية، وحصل منها على ما يقرب من نصف تريليون دولار ثمنا لإقامة قواعد عسكرية أمريكية – غير سعودية- بدعوى حماية المملكة(!!)، وهي أساليب ابتزاز من رئيس غير سَوِي نفسيا وأخلاقيا، ومن السهل كشف ذلك.. فشخصية ترامب، تصفها كتب ومراجع المتخصصين بـ«الشخصية النرجسية».
والتعريف المبسط لـ«النرجسية» إنها اضطراب نفسي وسلوكي يصيب الشخصية المعجبة بنفسها لدرجة الهوس، والمحبة لذاتها لحد المَرَض، وتعاني من تضخم «الأنا» الحاد، وتبالغ في تعظيم نفسها واستعراض توقيعاتها وإمضاءاتها على المراسيم الرئاسية بشكل استعراضي شديد السذاجة، وإنجازاتها كلها لإيذاء البشر وحصار الدول وعقاب الشعوب، وطال أذاه مساعديه وعزلهم واحدا تلو الآخر، وهو الذي تطلع لمعاملة صاحب مبدأ «أمريكا أولا»، واتخذ منه تبريرا للهمجية والانعزالية والعنف والظلم والابتزاز وجباية الأموال العربية، وتصور أن ذلك يعفيه من المحاسبة والمساءلة.
وتعبير «النرجسية» أوحت به أسطورة إغريقية قديمة؛ بطلها صبي اسمه نرجس أو «نرسيس» باللاتينية؛ كان جميلا، وفُتِن بجماله لدرجة الهوس، وأدمن إمعان النظر إلى وجهه على صفحة ماء بئر كان يذهب إليه بانتظام، وطال تطلعه لوجهه الجميل حتى أصابه دوار أفقده توازنه، فسقط في البئر ولقي حتفه غرقا، وأشارت الأساطير إن الفتى نرجس تحول إلى زهرة النرجس المعروفة، وأُشتُقت منها «النرجسية».
و«النرجسية» حالة من حالات اضطراب نفسي وسلوكي؛ يعاني منها ملوك ورؤساء ومسئولون مسلمون وعرب، وليس قاصرا على الرئيس الأمريكي، وعدواها منتشرة بينهم، وتبدو واضحة في تصرفات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ولها سيطرة على «المشير» عبد الفتاح السيسي، وكل منهما يعاني من تضخم «الأنا»، والتكالب الزائد على السلطة والقبض عليها بيد من حديد، وامتلك كل منهما سلطة مطلقة؛ في ظروف شاعت فيها مقولة «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة»(!!).
وفشل كلاهما في تغطية خشونته وعنفه بغلالة ورع وزهد غير حقيقي، وهما متعطشان للتمجيد والتفخيم والتسلط، ولارتداء أفخم الملابس وأغلاها، وفي مصر يُشْهر «المشير» سيف «التأديب والانتقام والتضييق»، ومجرد سماع كلمة نقد يخرج الوحش الكاسر في داخله؛ فيصب جام غضبه وسخطه على الجميع، وإذا لم يتنبه أي منهما لحالته يستمر ذلك السلوك ملازما له حتى لحظة دفع الثمن، وتأتي فجأة ودون إنذار وبلا مقدمات، ويشير الأطباء وأخصائيو التحليل النفسي إلى عدم وجود علاج تقليدي بالأدوية والعقاقير لأعراض «النرجسية». والحصيف عليه السعي لطلب مساعدة المتخصصين، والتأهيل والتدريب على طرق سوية في التفكير والتعامل مع البشر، والأخصائيون كثر في هذا المجال.
والنصيحة المعتمدة في التعامل مع من يعاني من أعراض «النرجسية» هي الابتعاد قدر الإمكان، لتقلبه؛ يبدو رقيقا ومهذبا ظاهريا، وينقلب إلى العكس تماما إذا ما تغير وساءت علاقته مع من يحيطونه ويتعاملون معه. والدرس المستخلص من الأسطورة الإغريقية هو المصير المفجع الذي آل إليه الفتى «نرسيس»، ولقي حتفه غرقا في نفس البئر الذي تطلع فيه إلى صورته الجميلة.
وصورة ترامب تعكسها صفحة الثروة وإثارة الفوضى والنزاعات الأهلية والبينية، وممارسة سلطة مطلقة؛ أدارت رأسه، وأنْسته منبته وأصله وفصله، وجعلت منه شخصا استعراضيا ومندفعا ومتسرعا، وضاقت أمامه الخيارات، فلم ير غير «الصهيونية العالمية»، وخنجرها المغروس في خاصرة «القارة العربية»، وهو «سراب يحسبه الظمآن ماءً».
تضخمت «الأنا» لدى ترامب، فتعالى على العالم، وأنزل عليه كل أنواع العقاب، ووسع حصاره ضد القريب في فنزويلا وأمريكا اللاتينية، والبعيد نحو الصين وروسيا وإيران وسوريا وفلسطين ولبنان، ويهدد الأصدقاء قبل الأعداء؛ بفحش القول والتهديد المتواصل، واستثنَى الدولة الصهيونية المغتصِبة للأرض العربية، ومعها جماعات الضغط الصهيو سياسية؛ يأتمر بأمرها، ويتفانى في خدمتها، وتحول البيت الأبيض على يديه لمقر تدير منه تل أبيب مشروع «الشرق الصهيوني الجديد»، بديل الوجود العربي، والملبي لمتطلبات توسعها الامبراطوري.
ووصل الأمر حد وجود تشريعات وقوانين أمريكية تُجرِّم وتُحرِّم نقد ومعارضة الحكومة الصهيونية، وتسري في 26 ولاية من الولايات الأمريكية الخمسين.. أي أكثر من نصف المؤسسات الأمريكية ومثلها من السكان يدينون بولاء مطلق للدولة الصهيونية؛ يتجاوز الولاء الأمريكي، الذي يتعرض للانتقاد والهجوم في مجلسي النواب والشيوخ.. وعلى صفحات المطبوعات وقنوات وأجهزة الإعلام.. في وقت صار فيه نقد الدولة الصهيونية مُجَرَّما ومُحَرَّما دستوريا في أغلب الولايات الأمريكية.
وأشارت الصحافة الفرنسية إلى ارتباط ذلك بالانتخابات الصهيونية القادمة، واعتبرتها صحيفة «لاكروا» هدية ترامب لنتنياهو عشية الانتخابات التشريعية، وقالت: «أن مبادرة دونالد ترامب الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان المحتلة، تعني تأكيد واشنطن دعمها لإسرائيل، كما أنها تحمل رسالة لروسيا وتنبيها لإيران، غير أن قرار الرئيس الأمريكي الأحادي الجانب لا يغير شيئا على أرض الواقع، لكنه يَقْلب الوضع الديبلوماسي القائم».
ونالت المملكة العربية السعودية نصيبها بوعيد من وزير الخارجية الأمريكية جورج بومبيو يوم الأربعاء الماضي؛ بمحاسبة أرفع المسؤولين إذا ما ثبتت مسؤوليتهم عن مقتل جمال خاشقجي.. وهو وعيد كاشف لنوايا إدارة ترامب؛ تجاه الملك سلمان وولي عهده، ولا يكترث بعلاقات تاريخية وعضوية دامت لأكثر من ثمانين عاما بين البلدين «الصديقين»(!!).. من بقي إذن مراهنا على ترامب، وقابلا بعقده النفسية وعاهاته السلوكية؟، وهل ما زال الرضوخ له ساريا؛ في ظروف لم تعشها «القارة العربية» في أسوأ مراحلها؟.. وهناك حاجة لإعادة النظر فيما جُرِّب وأوصل العرب إلى ما هم فيه، وآن أوان تحرر الملوك والرؤساء من قابليتهم للعبودية، والخضوع مرة أخرى للاستعمار من جديد!!.
مجلة الوعي العربي