مقالات مشابهة
تاريخ النشر: 29/09/2019




القاهرة: أحمد أبو المعاطيتسعة وأربعون عاماً مرت على رحيله، في 28 سبتمبر 1970، ولا يزال هذا الحاضر دائماً في الغياب، يحتل موقعه الأثير في وجدان الملايين، من أبناء الشعب العربي، ويلتحف في نومه الأخير، بذلك الدفء الصافي من قلوب أجيال عدة، تفتّح وعيها، على إيقاعات صوته، وهو ينطلق من القاهرة، يستنهض الهمم، ويدافع عن الاستقلال والحرية والكرامة العربية، من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر.
نحو نصف قرن، ولا يزال جمال عبد الناصر، حاضراً في وجدان الأمة، ويزداد حضوراً في الغياب، كلما ادلهمّت الخطوب، ونزلت النوازل على أوطان، كانت حتى وقت قريب ملء السمع والبصر، قبل أن تتخطفها قوى الشر والإرهاب؛ لتقطع أوصالها، وتشرع في تنفيذ تلك الخطة الجهنمية، التي تجري على قدم وساق؛ لتقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ وفق «سايكس- بيكو» جديدة، لم تعد تخفى على أحد، ولا يخطئها كل ذي عين ترى وتقرأ، أو حتى كل ذي أذن تسمع، وتتعلم من دروس التاريخ.
على مدار نحو 18 عاماً، قضاها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في إعادة بناء مصر، دولةً عصريةً حديثةً، رفعت حاضرة العرب خلالها شعار: «يد تبني ويد تحمل السلاح»، جسّد جمال عبد الناصر في أفكاره ومواقفه، كثيراً من الأفكار والمبادئ التي لطالما نادى بها كبار المثقفين والمفكرين والمجددين العرب، منذ بواكير القرن الماضي، كما طالبت بها أيضاً حركات وطنية عدة ذات طابع قومي، والتي انفجرت منذ نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين؛ كرد فعل طبيعي ومباشر، على «الحركة الطورانية» وما صاحبها من محاولات دؤوبة من قبل الدولة العثمانية، لما يُعرف ب«تتريك العرب»، وما تلا تلك المحاولات من موجات استعمارية غربية، استهدفت السيطرة على المنطقة العربية، ونهب ثرواتها، وقد كان ذلك أحد الأسباب الرئيسية - إلى جانب ما كان يتمتع به من مقومات كاريزمية-؛ دفعت بأفكاره وما نادى به من مبادئ، لأن تتجاوز حدود الجغرافيا المصرية، إلى ربوع الوطن العربي، بامتداده الفسيح؛ بل والعديد من شعوب بلدان ما كان يُعرف وقتها ب«العالم الثالث»، تلك التي كانت تتوق للحرية والاستقلال، وتبحث عن العدالة والكرامة الإنسانية.
الحرية والاستقلال هما المعنيان الرئيسيان لجمال عبد الناصر؛ حيث دافع عنهما طيلة حياته القصيرة بحسابات الزمن، المديدة بحكم ما تركه من آثار، وما تزال تركته إرثاً غالياً تتوارثه الأجيال، تلك التركة التي هي مواقف وأفكار، لا تزال عصية على الموت؛ فحرية الفرد لا يمكن أن تتحقق، في وطن محتل لا يملك قراره، وحرية الوطن لن تتحقق إلا عبر حرية الفرد، وإعادة بناء الإنسان في مجتمع يقوم على العدالة الاجتماعية، التي تتجسّد بدورها في أن يتحول كل فرد، إلى شخص منتج في مجتمعه؛ عبر توفير فرص العمل، وتطوير التعليم، وتوفير الرعاية الصحية للجميع، وتعزيز الإنتاج الوطني، على نحو يسمح بالاستقلال الحقيقي، وحرية القرار والإرادة السياسية، في مجتمع ينصهر الجميع فيه تحت شعار: «الكل في واحد» متجاوزاً بذلك ما قد يختبئ تحت سطحه من نزعات أو انقسامات دينية أو مذهبية أو طائفية أو عرقية، وهي الورقة التي استخدمتها قوى الاستعمار الجديد اليوم، في تدمير العراق وسوريا وليبيا والسودان، ولا تزال تسعى لاستخدامها؛ للإجهاز على ما تبقى من لحمة العرب.
كان جمال عبد الناصر يؤمن بأن مشكلة مصر الحقيقية، تكمن في غياب التنمية؛ لذا فقد أولى هذا الملف أهمية قصوى، ليتحول حلم ثورة يوليو إلى التصنيع؛ بهدف الكفاية الإنتاجية، فكانت الأولوية في ذلك للصناعات الكيماوية إلى جانب صناعة الغزل والنسيج والصناعات المعدنية، خاصة الحديد والصلب والأسمنت، وقد تركزت تلك الصناعات الوطنية، على الشريط المأهول من وادي النيل في جنوب الصعيد، وصولاً إلى القاهرة مروراً بالدلتا حتى الإسكندرية في الشمال، وتشهد مصانع الحديد والصلب في حلوان، ومجمع مصانع الألومنيوم في نجع حمادي وشركة الأسمدة كيما، ومصانع عربات السكك الحديدية سيماف وغيرها، على تلك النهضة الصناعية الكبرى، التي تحققت في مصر خلال تلك الفترة، والتي شملت أيضاً إنشاء العديد من المصانع الحربية؛ لسد حاجة الجيش من الأسلحة والذخائر.
ويقول سامي شرف، وزير شؤون رئاسة الجمهورية الأسبق، في شهادته التي سجلها في كتابه «سنوات وأيام مع عبد الناصر» الذي صدر في سبعة أجزاء مدعمة بالوثائق، «إن مصر عبد الناصر نجحت في تحقيق تنمية، توازي أربعة أضعاف ما استطاعت أن تحققه خلال الأربعين عاماً التي استبقت ثورة يوليو عام 1952، وفي وقت تحملت مصر فيه، مهام إعادة بناء القوات المسلحة، وإتمام بناء السد العالي، وتثبيت أسعار السلع الاستهلاكية، فضلاً عن بناء مصانع الحديد والصلب».
أرسى الزعيم الراحل، قواعد هوية مصر الحقيقية؛ عبر ما نادى به من أفكار، وما وصفه هو ب«الدوائر الثلاث»، فمصر العربية لا تنفصل بأي حال عن محيطها الإفريقي والإسلامي، والثلاثة يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالعديد من العوامل الثقافية المشتركة التي تجمع ولا تفرق، ناهيك عن الحضارة والتاريخ المشترك، وما يمثله الدين الواحد للأغلبية العظمى من ساكني تلك الدوائر، في ترسيخ مجتمع يقوم على قيم ومبادئ روحية وأخلاقية واحدة، وهي المبادئ التي عاش جمال عبد الناصر يحارب عليها، ومات من أجلها.
نحو نصف قرن، ولا يزال جمال عبد الناصر، حاضراً في وجدان الأمة، ويزداد حضوراً في الغياب، كلما ادلهمّت الخطوب، ونزلت النوازل على أوطان، كانت حتى وقت قريب ملء السمع والبصر، قبل أن تتخطفها قوى الشر والإرهاب؛ لتقطع أوصالها، وتشرع في تنفيذ تلك الخطة الجهنمية، التي تجري على قدم وساق؛ لتقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ وفق «سايكس- بيكو» جديدة، لم تعد تخفى على أحد، ولا يخطئها كل ذي عين ترى وتقرأ، أو حتى كل ذي أذن تسمع، وتتعلم من دروس التاريخ.
على مدار نحو 18 عاماً، قضاها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في إعادة بناء مصر، دولةً عصريةً حديثةً، رفعت حاضرة العرب خلالها شعار: «يد تبني ويد تحمل السلاح»، جسّد جمال عبد الناصر في أفكاره ومواقفه، كثيراً من الأفكار والمبادئ التي لطالما نادى بها كبار المثقفين والمفكرين والمجددين العرب، منذ بواكير القرن الماضي، كما طالبت بها أيضاً حركات وطنية عدة ذات طابع قومي، والتي انفجرت منذ نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين؛ كرد فعل طبيعي ومباشر، على «الحركة الطورانية» وما صاحبها من محاولات دؤوبة من قبل الدولة العثمانية، لما يُعرف ب«تتريك العرب»، وما تلا تلك المحاولات من موجات استعمارية غربية، استهدفت السيطرة على المنطقة العربية، ونهب ثرواتها، وقد كان ذلك أحد الأسباب الرئيسية - إلى جانب ما كان يتمتع به من مقومات كاريزمية-؛ دفعت بأفكاره وما نادى به من مبادئ، لأن تتجاوز حدود الجغرافيا المصرية، إلى ربوع الوطن العربي، بامتداده الفسيح؛ بل والعديد من شعوب بلدان ما كان يُعرف وقتها ب«العالم الثالث»، تلك التي كانت تتوق للحرية والاستقلال، وتبحث عن العدالة والكرامة الإنسانية.
الحرية والاستقلال هما المعنيان الرئيسيان لجمال عبد الناصر؛ حيث دافع عنهما طيلة حياته القصيرة بحسابات الزمن، المديدة بحكم ما تركه من آثار، وما تزال تركته إرثاً غالياً تتوارثه الأجيال، تلك التركة التي هي مواقف وأفكار، لا تزال عصية على الموت؛ فحرية الفرد لا يمكن أن تتحقق، في وطن محتل لا يملك قراره، وحرية الوطن لن تتحقق إلا عبر حرية الفرد، وإعادة بناء الإنسان في مجتمع يقوم على العدالة الاجتماعية، التي تتجسّد بدورها في أن يتحول كل فرد، إلى شخص منتج في مجتمعه؛ عبر توفير فرص العمل، وتطوير التعليم، وتوفير الرعاية الصحية للجميع، وتعزيز الإنتاج الوطني، على نحو يسمح بالاستقلال الحقيقي، وحرية القرار والإرادة السياسية، في مجتمع ينصهر الجميع فيه تحت شعار: «الكل في واحد» متجاوزاً بذلك ما قد يختبئ تحت سطحه من نزعات أو انقسامات دينية أو مذهبية أو طائفية أو عرقية، وهي الورقة التي استخدمتها قوى الاستعمار الجديد اليوم، في تدمير العراق وسوريا وليبيا والسودان، ولا تزال تسعى لاستخدامها؛ للإجهاز على ما تبقى من لحمة العرب.
كان جمال عبد الناصر يؤمن بأن مشكلة مصر الحقيقية، تكمن في غياب التنمية؛ لذا فقد أولى هذا الملف أهمية قصوى، ليتحول حلم ثورة يوليو إلى التصنيع؛ بهدف الكفاية الإنتاجية، فكانت الأولوية في ذلك للصناعات الكيماوية إلى جانب صناعة الغزل والنسيج والصناعات المعدنية، خاصة الحديد والصلب والأسمنت، وقد تركزت تلك الصناعات الوطنية، على الشريط المأهول من وادي النيل في جنوب الصعيد، وصولاً إلى القاهرة مروراً بالدلتا حتى الإسكندرية في الشمال، وتشهد مصانع الحديد والصلب في حلوان، ومجمع مصانع الألومنيوم في نجع حمادي وشركة الأسمدة كيما، ومصانع عربات السكك الحديدية سيماف وغيرها، على تلك النهضة الصناعية الكبرى، التي تحققت في مصر خلال تلك الفترة، والتي شملت أيضاً إنشاء العديد من المصانع الحربية؛ لسد حاجة الجيش من الأسلحة والذخائر.
ويقول سامي شرف، وزير شؤون رئاسة الجمهورية الأسبق، في شهادته التي سجلها في كتابه «سنوات وأيام مع عبد الناصر» الذي صدر في سبعة أجزاء مدعمة بالوثائق، «إن مصر عبد الناصر نجحت في تحقيق تنمية، توازي أربعة أضعاف ما استطاعت أن تحققه خلال الأربعين عاماً التي استبقت ثورة يوليو عام 1952، وفي وقت تحملت مصر فيه، مهام إعادة بناء القوات المسلحة، وإتمام بناء السد العالي، وتثبيت أسعار السلع الاستهلاكية، فضلاً عن بناء مصانع الحديد والصلب».
أرسى الزعيم الراحل، قواعد هوية مصر الحقيقية؛ عبر ما نادى به من أفكار، وما وصفه هو ب«الدوائر الثلاث»، فمصر العربية لا تنفصل بأي حال عن محيطها الإفريقي والإسلامي، والثلاثة يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالعديد من العوامل الثقافية المشتركة التي تجمع ولا تفرق، ناهيك عن الحضارة والتاريخ المشترك، وما يمثله الدين الواحد للأغلبية العظمى من ساكني تلك الدوائر، في ترسيخ مجتمع يقوم على قيم ومبادئ روحية وأخلاقية واحدة، وهي المبادئ التي عاش جمال عبد الناصر يحارب عليها، ومات من أجلها.
مجلة الوعي العربي