بقلم : صلاح سالم
مقال الثلاثاء حول الجمالين .. جمال عبد الناصر وجمال حمدان.. المفكر الذى رسم المثال المصرى بريشة فنان.. والزعيم الذى حاول تجسيده بروحانية بطل
العظيمان.. نااصر وحمدان
في عمله الأثير “ظاهريات الروح” يقيم الفيلسوف الألماني هيجل صلة جوهرية بين ما يسميه بـ “الروح الذاتي”، أي الفكرة وهى في حالة نقية خالصة، لم تزل في علاقة ماهويه مع نفسها، لم تشتبك بالواقع ولم تتفاعل مع التاريخ بعد، وما يسميه بـ “الروح الموضوعي”، أي الواقع كمكان يمتد، والتاريخ كأزمنة تتوالى، يحدث فيهما التأثير والتأثر. هذه الصلة يشرف عليها ويلهم مسيرتها “الروح المطلق” الذي يدير حركة التاريخ ارتقاء إلى غاية قصوى هي “الحرية”، حيث يتعرف الروح المطلق على نفسه عبر صيرورة التاريخ هذه في الفن أولا بصورة حسية، ثم في الدين ثانيا بطريقة تأويلية، ثم في الفلسفة ثالثا بطريقة مجردة.
وظني أن جمال حمدان هو أبرز من صاغ الروح الذاتي لمصر، وأن جمال عبد الناصر أعظم من جسد روحها الموضوعي، فيما تبقى مصر نفسها بمثابة الروح المطلق. قدم لنا حمدان في إنجيله “شخصية مصر”، الفكرة الأكثر نقاء عنها، أي عن ذلك المثال الذي وُلد من رحم الجغرافيا والتاريخ، كما قدم لنا الصياغة الأكثر شفافية للعلاقة الصراعية بين موقعها المركزي الثابت في الجغرافيا العالمية، وموضعها المحلى الذى تقلَّب كثيرا بين سبق سياسي وهيمنة إستراتيجية وتقدم حضاري في عصر باكر من التاريخ وبين تراجع سياسي وتبعية إستراتيجية وتخلف حضاري في عصور لاحقة. أما ناصر فقدم لنا، عبر مشروعه التحديثي ولو السلطوي، التجسيد الأكثر فاعلية لمصر، على قاعدة ثورة وطنية اتسمت بالجذرية في محاربة الاستعمار والإقطاع، والصدق فى حصار الظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي، والطموح فى مناكفة الهيمنة الغربية وطلب الاستقلال الوطني والتحرر القومي. وبينما ظل المثال الحمداني رائقا، كونه تعبيرا عن ممكنات مصر بالقوة، أي الكامنة، كان التجسيد الناصرى له إشكاليا، كونه مثل إعمالا لهذه الممكنات في عالم متغير وتاريخ متحول وصراعات دائمة مع أعداء ومنافسين، في محاولة لرفع الموضع النحيل إلى مستوى الموقع الخطير، فكان النجاح أحيانا في تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات، والإخفاق أحيانا أخرى في إنجاز هذه أو بلوغ تلك.
واكبت أعمال جمال حمدان الكبرى موجات صعود وهبوط المشروع الناصري، ففى سياق توهج حركة التحرر الأفريقي أخرج كتابه “إفريقيا الجديدة” محتفيا بدور مصر فيها، معربا عن تفاؤله بها، وبقدرتها على صنع مستقبل مغاير لتاريخ التخلف والعبودية الذي سيطر على إفريقيا جنوب الصحراء متحديا، بمنهجية علمية، تلك الادعاءات المغالية التي نسبت استعباد الإفريقيين للعالم العربي، ساردا عشرات الأدلة على مركزية الدور الأوروبي في تلك الجريمة الأخلاقية، التى تورط فيها الأوروبيون لصالح بناء العالم الجديد، خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية التي شهدت أبرز مآسيهم الإنسانية حتى كان القرار الشجاع والدرامي للرئيس أبراهام لنكولن بتحريرهم على نحو أفضى إلى الحرب الأهلية الأمريكية التي حسمتها قوات الاتحاد الأمريكي لصالحها. وفي مواكبة الدور المصري ضمن الدائرة الإسلامية كتب مؤلفه القيم “العالم الإسلامي المعاصر” واصفا حركة الإسلام عبر تاريخه الطويل، والطرق التي انتشر بها، مؤكدا أن دخول الاستعمار أثقل خطوات انتشار الإسلام لكنه لم يشل حركته. وفي سياق المواجهة مع إسرائيل أخرج كتابه “اليهود.. أنثروبولوجيا” كاشفا عن تعددية جذور اليهود المعاصرين، نافيا عنهم إحدى أساطيرهم التأسيسية القائلة بوحدة الأصل، اصطناعا لتاريخ كلى نقى ومتجانس، يعلو على تواريخهم الفرعية في شتى المجتمعات، وملاحظا كيف أن محاولة اصطناع ذلك التاريخ الموهوم وترويجه، قد أدت إلى قدر استثنائي من العدوانية الصهيونية تغذّى على التحالف الراسخ بين الأصولية الإنجيلية والصهيونية اليهودية على حساب الحق العربي في فلسطين، وهو تحالف فسَّره حمدان بضعف الجسد اليهودي على نحو لا يُمكِّنه من أن يصبح طرفا في صراع استراتيجي عالمى، فأقصى أماني اليهود أن يلعبوا دورا وظيفيا في خدمة المشروع الغربي، على عكس العالم العربى الإسلامى الذي يمثل طرفا أساسيا في ذلك الصراع بحكم الكتلة العددية وسابق الخبرة التاريخية في السيطرة على العالم لأربعة قرون من الزمان، حاصروا خلالها الغرب واحتلوا أجزاء من أرضه الحالية.
أما إنجيله الشهير “شخصية مصر” فيمثل حالة خاصة في هذا السياق، حيث بدأ في تأليفه قبيل يونيو 1967م، وعندما وقعت الهزيمة لم يكن قد انتهى منه فقرر نشر ما كتبه على الفور ليصدر في يوليو بين جلدتي كتاب صغير كوسيلة لبث الثقة في نفوس المصريين الملتاعة، والتأكيد لهم على أن وطنا بهذه العراقة لا يمكن أن يُهزم، وكأنما أراد أن يّردد، على طريقته المعرفية والفلسفية، صيحة عبد الناصر بأن ما حدث مجرد نكسة، إذعانا لروح مصر المطلق الذي لم يكن ليقبل بالهزيمة نهائية، ولذا كان ما كان من إعادة بناء الجيش وخوض حرب استنزاف معقدة وصعبة وجسورة، أعادت لمصر قدر من الثقة، وأفضت في نهايتها إلى نوع من التكافؤ في موازين الصراع، فعاد حمدان ليصدر الطبعة المتوسطة، الأكثر رواجا من الكتاب، في سياق توكيد ثقة المصريين بأنفسهم، قبل أن يصدر الموسوعة الكاملة بأجزائها الأربعة أعقاب انتصار أكتوبر وما رافقه من مشاعر اعتزاز وطني، ارتأى فيلسوف الجغرافيا العظيم أن يُنظِّر لها، فلولا تلك المشاعر ما تمكن الرجل من انجاز تلك الموسوعة.
وعلى هذا تصبح الشخصية المصرية لدي حمدان هي الناصرية في أعمق تجلياتها وأنبل طموحاتها، فأن تكون مصريا حقا يعنى أن تكون ناصريا يقظا، ولو لم تكن محبا لعبد الناصر، فالناصرية هنا قدر مصر ومصيرها التاريخي، إنها لحظة صدقها مع نفسها، مدار اشتغال وعيها واشتعال طموحها، وانبلاج فجرها، فهل من الصدفة أن يحمل كلا الرجلان اسم جمال؟. وهل هي مفارقة أن يرحل كلاهما تحت ضغط العدو التاريخي لمصر؟. حمدان شهيدا محترقا في حادث غامض تثور حوله ظنون الاستهداف الإسرائيلي. وعبد الناصر كمدا من هزيمة عسكرية لم يستطع تحملها وإن حاول، لأن حزنه كان شخصيا على كل جندي من شباب مصر، فضلا عن الوطن الجريح. لقد كان تنحيه عن موقعه قمة شعوره بالمأساة رغم تشكيك هزلي للبعض في صدقه، أما عودته فكانت إذعانا لروح مصر المطلق الذي لم يكن ليقبل بهزيمة نهائية أو انكسار تاريخي، فتحية له فى ذكرى رحيله المفتوحة على أفق الخلود الأبدى.
مجلة الوعي العربي