الرئيسية / كتاب الوعي العربي / أيلول/ سبتمبر والذكرى الأربعون لكامب ديفيد - بقلم: محمد عبد الحكم دياب

أيلول/ سبتمبر والذكرى الأربعون لكامب ديفيد - بقلم: محمد عبد الحكم دياب

21477926_1890610074299256_53573184372342784_n

Sep 29, 2018

حمل شهر أيلول/سبتمبر ذكريات كثيرة منها ما كان واعدا ومؤثرا، ومنها ما هو مؤلم وضار، وشهد تاريخ العرب في نصف القرن الأخير غياب كل ما هو واعد وحضور المؤلم والضار، الذي استقر وعشش في جحور وثنايا الحياة العربية العامة والخاصة، فمصر مثلا شهدت نهوضا مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين؛ بدأ بالإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952، ثم التصنيع واستصلاح الأراضي ونشر التعليم والاهتمام بالصحة العامة، وكسر طوق العزلة وتحقيق الجلاء وخروج الاحتلال البريطاني.

وقامت الوحدة السورية المصرية، وكانت قصيرة العمر إلا أنها أكدت أن الوحدة ممكنة.. والممكن قابل للتكرار بصورة أو بأخرى، وبعد عام من الانفصال انتفض اليمن كذلك في سبتمبر من العام التالي (1962)، وجاءت ذكرى الانفصال عام 1970 فشهدت اندلاع المعارك الدامية بين القوات الأردنية وبين قوات المقاومة الفلسطينية، وعُرفت بمعارك «أيلول الأسود»، وفي اليوم التالي لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار وحقن الدماء انتقل جمال عبد الناصر إلى جوار ربه فجأة، وترك فراغا لم يُملأ رغم مرور ثمانية وأربعين عاما على وفاته.

وخلال شهور قليلة من وفاته تكالبت عليه شتى الجهود المعادية داخليا وإقليميا وعالميا لمحو آثاره مبكرا، أما حرب 1973 فلم تأت بالأُكُل المتوقعة.. وكانت بابا مكن السياسات المضادة من إجهاض إنجازات السلاح، وإهدار دماء شهداء القتال على الجبهات المصرية والسورية والفلسطينية، وتجاهل شركاء الحرب في الجزائر وليبيا والعراق والسودان والمغرب.. فما لم يتحقق بعد هزيمة 1967 تحقق بعد انتصار السلاح في 1973.

وحين وضعت الحرب أوزارها تسارعت التنازلات بفض الاشتباك الأول، وفي مفاوضات الكيلو 101، وصولا إلى زيارة السادات البائسة للقدس المحتلة (تشرين الثاني/نوفمبر 1977)، وفي سبتمبر من العام التالي لتلك الزيارة؛ تم التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد (17 أيلول/سبتمبر 1978). ومثلت أخطر منعطفات التاريخ العربي، وصُوِّبت السهام إلى مضمون الصراع العربي الصهيوني، ووجه السادات طعنته الدامية.. فلأول مرة يبادر رئيس أكبر دولة عربية، وينفرد بتوقيع اتفاق مع عدو كانت بلاده ما زالت مشتبكة، هي وباقي العرب في حرب نظامية مستمرج من النكبة 1948 حتى حرب 1973، وكانت آخر الحروب؛ بقرار عربي صهيو غربي غير معلن؛ افسح المجال أمام حروب من نوع مختلف؛ يمكن تسميتها «حروب المرتزقة العالمية».

وبموجب اتفاقية «كامب ديفيد» اعترف السادات بشرعية الاغتصاب الصهيوني لأرض فلسطين، وفتح باب التنازلات على مصراعيه، وهو باب لم يغلق بعد؛ تنازل السادات عن الاستقلال طائعا مختارا، وأقر بالتبعية، ومنح واشنطن 99 من الأوراق السياسية والمصيرية، وما زال ذلك التنازل يورث من حاكم إلى آخر، وتنازل طوعا عن الهوية الجامعة لمصر وأشقائها العرب، وبذلك قطع الحبل السُّري الذي يربطهم، وهو العروبة، وأضعف الروابط بين مصر وبينهم، وغير جوهريا في التوجهات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

فعلى المستوى الاقتصادي فتح الباب لهدم ما بُني بالجهد والعرق والدم.. واستن سنة «الانفتاح»، وألغى الاقتصاد الحقيقي بمبادلات عشائر وقبائل هامشية وعشوائية، وأضحت أساسا للنهب والتهريب والفوضى المالية والتجارية. واختفت التنمية الشاملة من قاموس الاقتصاد الرسمي؛ الطفيلي والعشوائي والريعي.

واستقرت السياسة على التبعية، التي حلت محل التحرير والاستقلال وعدم الانحياز، واسْتُبدل التعاون مع الدول النامية الصاعدة بالاستيراد المنفلت، وقبول شروط وقيود المنظمات المالية الدولية المجحفة، وكان ذلك عربون الارتباط بالاقتصاد الغربي، والعيش على فُتاته، بكل تبعات تماهي السياسة الأمريكية بالسياسة الصهيونية.. وبذلك ضاق الخناق على مصر، وتكاد تلفظ أنفاسها.

وعلى المستوى العسكري أيا كان ما يقال عن تنويع مصادر السلاح، وصفقات السلاح الفرنسية البحرية والجوية.. فالكلمة الأخيرة هي لتل أبيب وواشنطن.. وللقيود الموضوعة من حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة حول استخدام الأسلحة والمعدات القتالية.. والعقيدة العسكرية بدورها تغيرت وصارت رديفا للعقيدتين الغربية والصهيونية. وعليه أضحت الدولة الصهيونية صديقا وحليفا، بينما يُحارب ويقاتل العرب بعضهم البعض، وذلك لم يغب عن نصوص «معاهدة السلام» الموقعة سنة 1979.. فنصت المادة السادسة في باب الأحكام ذات العلاقة بالإطار الخاص بالمعاهدة؛ نصت في بنديها:

«4 ـ يتعهد الطرفان بعدم الدخول في اي التزامات تتعارض مع هذه المعاهدة. و5 ـ مع مراعاة المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة يقر الطرفان بأنه في حالة وجود تناقض بين التزامات الأطراف بموجب هذه المعاهدة وأي من التزاماتهما الأخرى، فإن الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة تكون ملزمة ونافذة».

والعقيدة العسكرية التي انتهت بالتحالف مع تل أبيب ضد عرب وجيران؛ هم في الأصل من المنطقة وإليها، مهما اختلفت مصالحكم وسياساتهم، ونتج عن ذلك التخلي عن «أم القضايا»؛ فلسطين والأقصى، وإسقاط الحق في الاستقلال والعودة والدولة، وسلَّمت الغالبية العظمى من ملوك وأمراء وشيوخ النفط بحق الدولة الصهيونية في الوجود والاغتصاب والقضم والتهجير، واعتباره حقا دينيا، وأساسا لتوسع المشروع الصهيوني، واختزلت «أم القضايا» إلى مجرد خلافات حول ممرات ومعابر وأمن ومساحات مسموح بها، أو إحياء لصيغة «وطن بديل» وقبول «صفقة القرن»، وذلك أضاع ما تبقى من فلسطين التاريخية.. وأصبح الحل من داخل المشروع الصهيوني، وتَحَوُّل دولته من خصم إلى حكم في نفس الوقت.

وكلما مر الوقت وتقادم تتكشفت الأسرار، ونفاجأ بأن العامل الإيراني كان حافزا للتعجيل بالتوقيع على اتفاقية «كامب ديفيد»، واستخدمت كل من الثورة الإيرانية وسقوط الشاه في 1979 كذرائع لانجاز المفاوضات، ففي رسالة بعث بها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في 6 شباط/فبراير 1979 الى بيغن حثه فيها على توقيع الاتفاقية، كرد على الثورة الإيرانية، ولاستقرار «الشرق الاوسط» ومواجهة المتطرفين، حسب الرسالة.

ومما تضمنه كتاب «يوميات» السياسي الأردني المخضرم عدنان أبو عودة، الصادر العام الماضي عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وأبو عودة معروف بقربه من الملك حسين؛ تضمنت يومياته بعض أسرار «التسوية» لما بات يُعْرف الآن بالنزاع الفلسطيني الصهيوني، وأشار لنصيحة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لملك الأردن باسترجاع الضفة الغربية دون انتظار، وذكر أن عبد الناصر كان واعيا بأن تل أبيب لن تعطيه شيئًا، لذلك قال للملك «بأي طريقة كانت استرجعها لا تنتظرني ولا تنتظر موافقتي»، ونقل على لسان الملك قول الزعيم الراحل: «القدس قبل قناة السويس، وعليك ان تتحرك دوليا حتى ولو قَبَّلت يد الرئيس الأمريكي جونسون، افعل ذلك من أجل القدس، اقبل أي شيء ما عدا الصلح المنفرد»، وذهب الملك لجونسون، الذي قال له «لا أستطيع أن أفعل شيئا».

وأشار أبو عودة إلى طلب الملك مقابلة عبد الناصر سرًا، وقاد طائرته بنفسه للقاهرة، وسمع من عبد الناصر: «أَعْرِف اتصالاتك فإذا كنت قادر على استرجاع الضفة والقدس وهما الهدف من الحرب فافعل وسأساندك، أما أنا فذاهب إلى الحرب لأنهم لن يعطوا شيئًا، والمشكلة ليست سيناء أو غزة أو الجولان، ولقد بدأنا العمل وتهيئة المسرح للعمليات بحرب استنزاف»، وعاد الملك بعد فترة وأبلغ عبد الناصر بأنه لا فائدة، وخرج بعدها عبد الناصر معلنا: «إن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة».

عن admin

شاهد أيضاً

لماذا يفرُك القذافي يديه فرحًا وهو في قبره هذه الأيّام؟

عبد الباري عطوان لا بُد أنّ العقيد معمر القذافي الزعيم الليبي الراحل يفرك يديه فرحًا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *