Jul 08, 2017
تبدو مهارة « المشير السيسي » في تحميل فشل سياساته على الماضي تبريرا للعجز عن مواجهة أزمات الواقع الراهن، وهو يؤكد دوما أن ما ينطق به هو عين الصواب، وما يقوم به هو الحكمة التي لم تعرفها مصر من قبل؛ لم ينتقد ولو لمرة واحدة خطأ من الأخطاء الجسيمة التي أمر بها . وحين ارتدى «المشير» عباءة المؤرخ في اللقاء الشهري بمدينة الإسماعيلية الذين يختارهم، ويشرف على إعدادهم بنفسه، وسط بذخ وإسراف واضح في وقت يشكو فيه «المشير» مر الشكوى من فقر الشعب وبؤس «شبه الدولة»، ولقاءات «المشير» تُعقد في أرقى القاعات وأغلاها؛ في بلد يتضور فقرا – حسب وصفه- ويكرر دوما عبارة أن المصريين فقراء للغاية؛ «فقرا قوي».
وحين ارتدى «المشير» عباءة المؤرخ في اللقاء الشهري بمدينة الإسماعيلية (إبريل الماضي)؛ قال: أن مصر «اندبحت»؛ أي ذُبِحَت «واندبح اقتصادها»؛ أي ذُبِحَ اقتصادها في عام 1967، وأن كل الرؤساء الذين سبقوه بلا استثناء زيفوا وعي الشباب، ومسئوليته هي كشف حقيقتهم. وهو الذي اعتاد على الكلام المرسل والأحاديث المرتجلة، ولم يحد عن ذلك مطلقا، رغم ما جلبه من مشاكل وأزمات.
ومشكلة أن «المشير» أنه يستمع لنفسه فقط، وما لا ينطق به أو يأمر بتنفيذه؛ كلام غير مدروس، ويستحق صاحبه التوبيخ، وحدث أن طلب أحد المدعوين للقائه بدمياط؛ شمال شرق الدلتا؛ طلب تأجيل رفع الأسعار وربطه بزيادة الحد الأدنى للأجور إلى 3000 جنيه شهريا، انفعل «المشير» قائلا: «أنت مين؟»؛ ؟ وبعد أن عرَّف المتحدث بنفسه كعضو بمجلس النواب، احتد انفعاله: «نواب إيه؟»، وانتقل من الانفعال إلى التوبيخ : «أنت دارس الموضوع اللي بتتكلم فيه ده؟ أنت دارسه؟ إيه ده؟» ووجه حديثه إلى الجميع؛ «أنتو دارسين الكلام اللي بتقولوه ده؟». وواصل قائلا «إنت عايز الدولة تنهض، ولا تبقى ميتة؟.. لو سمحتم ادرسوا المواضيع جيدا ثم تحدثوا». وتابع: «الدولة لن تنهض بالعواطف والكلام غير المدروس»
ويثبت المشير «أنه في واد والغالبية العظمى من المواطنين في واد آخر؛ لا يشعر بمعاناتها، ولا يعنيه الاحتقان الشديد في الشارع، وقد اعتاد الهروب إلى الأمام؛ بالانفعال والتوبيخ والتأديب، وفي نفس الوقت لا يعترف بفضل أحد؛ تنكر لكل من نصره وانتصر له، ويتعامل مع الثوار والطبقة الوسطى ومحدودي الدخل بقسوة شديدة؛ لا يرحمهم، وينسى ما قدموه من تأييد جماهيري ودعم مالي من مدخراتهم، ومن وقوفهم إلى جانبه ضد «جماعات العنف المسلح»، وتفويضه في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لمواجهتها، وطريقة «المشير» في التأديب سادية للغاية
وبالنسبة لمصر التي قال عنها أنها «اندبحت واندبح اقتصادها» من خمسين عاما؛ ليس هناك من ينكر فداحة الهزيمة، التي لو حلت بشعب أو أمة أخرى ما وقفت على أرجلها لعقود، وتناسى الذبح الممنهج تحت رئاسته؛ منذ أن وقع «خطاب النوايا»، الذي أطْلق يد اثيوبيا في بناء سد النهضة، وإهدار حقوق ومصالح دولتي المصب (السودان ومصر)؟
أليس «المشير» هو نفسه واضع «سيناريو» التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير ومؤجج فتنتها؟ وهو الذي أتى بـ«صندوق النقد الدولي» ليزيد أوضاع مصر الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية سوءا؟ ولم يعبأ بنصائح وتحذيرات خبراء وفقهاء السياسة والاقتصاد والقانون؟.. ويعالج العجز المالي والاقتصادي بالاقتراض والغلاء وإلغاء الدعم، وتحميل الطبقة الوسطى والفقراء ومحدودي الدخل تكلفة الخدمات المجانية وزيادة الضرائب بأنواعها، وترك أباطرة المال ينعمون بما نهبوا وسرقوا؟، ثم يقف حجر عثرة أمام التصنيع والانتاج والاكتفاء الذاتي؛ ويدير اقتصادا عشوائيا ولقيطا، مستعيرا نهج «الجباية العثمانية»، الذي لا ينقصه إلا الجلد، وكثيرا ما يفضل طريقة البقالين وتجار التجزئة الصغار، ويترك مئات المصانع دون تأهيل أو إعادة تشغيل، ومردود التشغيل لا يُقارن بتكلفة المشروعات الريعية، أو ما يُصرف على «عاصمة جديدة»؛ لا يمكنها منافسة العاصمة التاريخية الكبرى، وما ترتب على ذلك التبديد من اقتراب التضخم إلى ما يقرب الـ 40%، ويعيد تجربة الخديوي اسماعيل في البذخ والديون والخضوع للوصاية المالية الفرنسية البريطانية على موارد ومصارف مصر وقتها.
.«المشير» يحكم بلا برنامج، وقلنا ذلك في السابق وذلك انتقص من شرعيته، ولا يُحمٍّل نفسه مسئولية تذكر؛ يحاسب (بكسر السين) ولا يحاسب (بفتح السين)، ويختار مساعديه من طواقم قديمة مستهلكة وملوثة وفاشلة. ويصل به الأمر حد التحكم في السلطة القضائية وسلبها سلطتها الدستورية في تعيين رؤساء الهيئات القضائية، وهذا يذكرني بقرار السادات رقم 337 لسنة 1980 بإلغاء «الرقابة الإدارية»، من أجل إطلاق يد لصوصه ورجاله في النهب واغتصاب الأراضي، والاستيلاء على مرافق ومصانع القطاع العام!!.
وحسب قوله عن مصر التي «اندبحت»، هي نفسها التي رفضت الهزيمة، وقبلت التحدي، واتخذت مواقف لا تتكرر كثيرا في التاريخ؛ بنت دولة وليس «شبه دولة» من الأنقاض؛ في ظروف استثنائية؛ تحمل فيها محمد فوزي مسؤولية قيادة القوات المسلحة ووزارة الحربية، ومعه عبد المنعم رياض رئيسا للأركان، وهو الذي وصفته الأكاديميات العسكرية الكبرى بـ«الجنرال الذهبي»؛ أدارا معا إعادة بناء القوات المسلحة من بين ركام وأنقاض الهزيمة، وكان ذلك تحت الإشراف المباشر لرئيس الدولة؛ القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكشف ذلك معادن الرجال، وأظهر ما كانت تزخر به المؤسسة العسكرية من قامات وطنية كبيرة، وكفاءات ميدانية عالية؛ واجهت صراعات وشللية؛ ضربت بجذورها منذ «الانفصال» وابتعاد سوريا عن مصر في 1961
رعى أولئك القادة العظام جيلا انتصر عسكريا في 1973؛ منهم سعد الدين الشاذلي وعبد الغني الجمسي، ومحمد علي فهمي. وأحمد بدوي، وطابور طويل من القادة الذين تخلص منهم السادات بعد زيارة القدس المحتلة وتوقيع «إتفاق سلام» مع الدولة الصهيونية، وصُقل ذلك الجيل وطُعِّم ميدانيا تحت نيران «حرب الاستنزاف»؛ وأعاد الاعتبار للعسكرية العربية وتاريخها العريق، ولم يرد ذلك على لسان «المشير» مرة، واستثنى السادات وخصه بالإشادة والتبجيل؛ رغم ما يحوم حوله من شبهة التخلص من كامل القيادة العليا للقوات المسلحة بضربة واحدة، ولم يحل لغز إسقاط طائرتهم، وماتوا جميعا ونجاة الطيار؛ تنكر «المشير» للأبطال الوطنيين، وأهمل التاريخ العسكري العربي ومعاركه بعد 1967؛(ضرب قواعد العدو، وحرب استنزاف وعبور خط بارليف على قناة السويس، فضلا عن تصعيد المقاومة في فلسطين المحتلة وسيناء)، وجاء ذلك حصيلة جهد عربي مشترك؛ مصري، سوري، جزائري، ليبي، فلسطيني، سوداني، عراقي، مغربي إلخ.
وعلى الجيل الجديد أن يضع نصب أعينه تصحيح التاريخ المختطف من مؤرخين وعسكريين سابقين متأمركين ومصهينين، ووثاِئق ذلك التاريخ القريب وأسراره متاحة لمن يرغب في أداء هذه المهمة الوطنية، ولولا جريمة السادات بتحويل نصر 1973 العسكري إلى هزيمة سياسية ما كانت «القارة العربية» تعيش الحضيض الذي تعيشه الآن
مجلة الوعي العربي