الرئيسية / تقارير وملفات / 45 سنة على طرد السادات للخبراء الروس من مصر بداية التيه المصرى فى الصحراء الأمريكية. بقلم : عــمرو صــابح

45 سنة على طرد السادات للخبراء الروس من مصر بداية التيه المصرى فى الصحراء الأمريكية. بقلم : عــمرو صــابح


فى مثل هذا اليوم منذ 45 عاما ، قرر الرئيس السادات طرد الخبراء الروس العاملين فى مصر كعربون صداقة للأمريكيين ، وبادرة للانقلاب على سياسات عبد الناصر ضدهم.
فور توليه رئاسة مصر ، بدأ الرئيس السادات محاولاته للبحث عن حل سلمى للصراع العربي الإسرائيلى ، عبر الاتصال بالأمريكان وبتشجيع من السعوديين ، وعبر عدة زيارات مبكرة ومتكررة للسيد كمال أدهم المشرف على المخابرات السعودية ، والمقرب من الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز، بدأت زيارات كمال أدهم عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر ، و نقل خلالها للرئيس السادات نصيحة الملك فيصل بفك الاشتباك مع الأمريكيين عبر التخلص من السوفيت ، وصارحه الرئيس السادات أنه مستعد لطرد السوفيت إذا ساعده الأمريكان على تحقيق مرحلة أولى من الانسحاب من سيناء .
فى شهر يونيو 1972 ، زار وزير الدفاع السعودى الأمير سلطان بن عبد العزيز ، ومعه السيد كمال أدهم القاهرة ، وأثارا مع الرئيس السادات مجدداً موضوع الخبراء السوفيت الذى يعيق الأمريكيين عن التدخل لحل للصراع العربي الإسرائيلى ، وطلب السعوديون من السادات أن يخبرهم بقراره بخصوص السوفيت قبل اتخاذه لكى يستطيعوا مساومة الأمريكان به بما يخدم المصالح العربية ،فى يوم 8 يوليو 1972 ، قرر الرئيس السادات لاستغناء عن خدمات الخبراء السوفيت فى مصر ، ولحرص الرئيس السادات على سرية قراره و رغبته فى إحداث أكبر تأثير ، فأنه فاجأ الجميع بالقرار ، وهو يتصور أن الأمريكيين سوف يكونوا سعداء ، إلى درجة تدفعهم إلى الاستجابة لأى شئ يطلبه ، ولكن هذا لم يحدث.
يقول هنرى كيسنجر فى مذكراته : “لماذا لم يقل لنا السادات ما كان ينوى فعله ؟ ربما لو أبلغنا مسبقا لكنا قدمنا له شيئا فى المقابل؟، فى السياسة كما فى كل شئ أخر ، فأن لا أحد مستعد لدفع ثمن لشئ حصل عليه بالفعل.
وكان تعليق الزعيم السوفيتى ليونيد بريجنيف على قرار السادات : ( لقد حقق السادات للأمريكيين أشد أحلامهم جموحا دون ثمن ).
فى حوار للدكتور محمود فوزى -وزير خارجية ورئيس وزراء مصر الأسبق- مع الكاتب الصحفى “أحمد بهاء الدين” ، قال أنه كان هناك تفاهم بين الرئيس عبد الناصر و الرئيس اليوغوسلافى تيتو ينص على إن اتخاذ مصر لخطوة مثل إخراج السوفيت من المنطقة ، لن تمررها مصر إلا بمقابل إجبار الولايات المتحدة لإسرائيل على الانسحاب من الأراضى العربية المحتلة فى إطار حل شامل للصراع العربى الاسرائيلى ، لأن غرض الرئيس عبد الناصر الحقيقى من وجود الخبراء السوفيت كان رفع مستوى المواجهة من المستوى الأقليمى بين العرب و إسرائيل إلى المستوى العالمى بين الاتحاد السوفيتى و الولايات المتحدة .
كان قرار السادات بطرد الخبراء السوفيت من مصر خياراً استراتيجياً بالنسبة إليه ، لتفكيك تركة جمال عبد الناصر السياسية ، وتحويل دفة السياسة الخارجية المصرية من خانة عدم الإنحياز ومحاربة المشروع الأمريكى الصهيونى فى العالم العربي إلى خانة الإنضواء تحت هيمنة المشروع الأمريكى فى العالم العربي.
لم يقصر السوفيت فى تسليح الدول العربية ، وعلى رأسها مصر ، بل أن أغلبها لم يسدد ثمنه ، كان هذا كله يتم فى إطار الإستراتيجية العالمية للدولة السوفيتية كقوى عظمى فى أهم منطقة إستراتيجية فى العالم .
الحقائق والأرقام تثبت قيام الأتحاد السوفيتى بتسليح (مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن وليبيا) ، بكميات ضخمة من الأسلحة الحديثة والمتطورة ، والتى خاض بها العرب كل حروبهم ضد اسرائيل ، وقد عوض الأتحاد السوفيتى مصر عن خسائرها فى حرب 1967 ، التى بلغت 80% من معدات جيشها ، وساعد السوفيت الرئيس عبد الناصر على اعادة بناء الجيش المصرى من الصفر ، بل أنه خلال المرحلة الأخيرة من حرب الاستنزاف تولت قوات سوفيتية من كتائب صواريخ وطيارين مع القوات المصرية حماية سماء مصر من غارات العدو ، واقامة حائط الصواريخ على حافة الضفة الغربية لقناة السويس .
فى عهد السادات ، واصل الأتحاد السوفيتى دعمه بالسلاح لمصر عبر صفقات ضخمة للتسليح فى أكتوبر 1971 ، ومايو 1972 ، ومارس 1973 ، وتميزت هذه الصفقات بدخول نوعيات متطورة من المعدات العسكرية ، مثل الدبابة ت 62 ، والعربة المدرعة المتطورة و المدفع الميدانى طويل المدى سكود ، ووحدات الصواريخ سام 6 المتحرك ضد الطيران المنخفض و المتوسط ، والطائرة السوخوى 9 ، 17 ، والطائرة الميج 23 ، والصواريخ سام 3 وسام 6 وسام 7 المعدل ، وفى أثناء حرب أكتوبر بدأت الإمدادات العسكرية السوفيتية لمصر وسوريا مبكرا عن طريق الجسر الجوى اعتبارا من يوم 9 أكتوبر 1973 ، بعدد 900 رحلة حملت حوالى 15000 طن معدات وأسلحة ، وعن طريق النقل البحرى اعتبارا من 9 أكتوبر 1973 ، وصلت لمصر و سوريا معدات وأسلحة تزن 63000 طن ، مما يجعل المساعدات السوفيتية للدولتين خلال فترة الحرب 78000 طن ، كما وصل من الاتحاد السوفيتى يوم 9 أكتوبر 1973 عدد 4 طائرات ميج 25 وتمركزت فى مطار غرب القاهرة ومعها 400 فرد سوفيتى من طيار و فنى و ادارى وذلك لردع اسرائيل عن القيام بأى هجوم جوى على الجبهة الداخلية ، كما وصل فى نفس اليوم 2 مدفع ميدانى صواريخ أرض / أرض طويل المدى سكود بمدربين سوفيت ، ووصل يوم 12/10/1973 اللواء الثالث صواريخ سام 6 .

لم تقتصر خسائر مصر من قرار السادات بطرد الخبراء الروس على الجانبين العسكرى والسياسي فقط ، بل امتدت أيضاً للجانب الاقتصادى
يقول الدبلوماسي وعضو تنظيم الضباط الأحرار “جمال منصور” ، والذى كان يشغل منصب وكيل وزارة الخارجية ، عندما أصدر السادات قراره بطرد الخبراء الروس ، فى مذكراته “فى الثورة والدبلوماسية . “:
“ولم تمر بضعة أيام على خروج الخبراء الروس من مصر بعد قرار الرئيس السادات بطردهم ، حتى اتصل بى تليفونيا المهندس محمد المهيلمي رئيس هيئة التصنيع فى وزارة الصناعة ،وقال لى بالحرف الواحد : نحن واقعون فى عرضك إن خروج الخبراء السوفيت بتلك الطريقة أدى إلى توقف مصانع بالكامل ، لقد توقفت مصانع الأسمنت عن الانتاج مما يسبب لمصر خسارة فادحة ، وهنا جال فى خاطرى ثلاثة أمور :

1- ألم يكن هناك مسئول واحد يقف أمام الرئيس ليبلغه باستحالة الاستغناء عن هؤلاء الخبراء فى بعض المجالات بدلاً من التهليل والتصفيق والانصياع لقرار خاطئ مؤثر على اقتصاد مصر.
2- تذكرت كلام السفير السوفيتى فى أخر لقاء معى حين قال لى : السادات أخطأ فى اتخاذ تلك الخطوة ، وللأسف مصر ستدفع ثمن هذا القرار الخاطئ.
3- أدركت أنه لابد من عودة سياسة الباب الموارب مع السوفيت وإعادة الاتصال بهم فوراً.
بعد اتصالات ولقاءات مع السوفيت وافقوا على عودة عدد محدود من الخبراء لاعادة تشغيل المصانع المصرية المتوقفة وبزيادة من 40%-50% فى أجورهم عما كانت عليه قبل قرار السادات بطردهم.
وبعدها عاد الخبراء وعادت المصانع المصرية للعمل” .

فى 21 يونيو 1967 ، زارالرئيس السوفيتى نيقولاي بودجورنى مصر ،وقابل الرئيس جمال عبد الناصر الذى قال له :
لقد هُزمتم فى الحرب معنا بل قبلنا ، وستكون كارثة لو لم تدركوا إن سقوط مصر فى يد الأمريكان معناه سقوط العالم الثالث كله ، وخسارتكم للحرب الباردة حتى وإن كان لديكم مليون قنبلة ذرية ، يعلم الجميع انها لن تستعمل أبداً”.
وخلال حديث للرئيس “جمال عبد الناصر” لوفد من القادة السوفيت برئاسة ” ليونيد بريجينيف” خلال زيارته للاتحاد السوفيتى فى يوليو 1970 قال:
” مصيركم كقوة عظمى على المحك وليس مصير نظام حكمى فقط ، قبل الثورة الليبية كان إسقاط النظام المصري هدفاً أمريكياً ، والأن يُعلن الأمريكيون بوضوح ان اسقاط النظام المصري ضرورة ،إن المعركة الدائرة الأن ليست معركة تحرير أراضينا فقط ، بل هى أيضاً معركة تصفية الوجود السوفيتى فى الشرق الأوسط والبحر الأحمر وأفريقيا ، إذا لم تستطع مصر -لا سمح الله- أن تصفى أثار العدوان عليها وعلى الأمة العربية ، واضطرت للاستسلام وقبلت بحل جزئي للصراع العربي الإسرائيلي ، فإن الاتحاد السوفيتى سوف يخسر الحرب الباردة
للأسف تحققت نبؤة الرئيس جمال عبد الناصر ، ولكن بعد حرب أكتوبر 1973

عن admin

شاهد أيضاً

الملك فيصل بن عبد العزيز .. الأضواء و الظلال. بقلم : عـــمرو صــابح

الملك فيصل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود هو ثالث ملوك المملكة العربية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *