بداية يجب أن أعترف بأنني لست متخصصا في علم الاقتصاد ؛ ذلك العلم البالغ الأهمية الذي تقوم عليه نهضة الأمم والشعوب، وبمؤشراته يقاس تقدم الدول، ويمس حياة المواطنين كافة بدرجات متفاوتة، ويحظى باهتمام الجميع، فقراء، وأثرياء.
أكتب اليوم بروح المواطن البسيط الذي قدر له أن يعيش أكثر من حقبة سياسية واقتصادية مرت بالبلاد، كان في بعضها مشاركا وراصدا عن قرب في عملية صنع القرار، وفي البعض الآخر صار مكتفيا بعملية الرصد والتحليل.
ولعل السمة الرئيسية في كل ما تم رصده هي أن أوضاعنا على كثير من الأصعدة كانت تنتقل من سئ إلى أسوأ خاصة على الوضع الاقتصادي.
أظن أن الكثيرين من القراء يتفقون معي فيما توصلت إليه، وهو ما يجعل الكثيرين يطلقون على ما مضى بالزمن الجميل، ويترحمون على فترات سابقة.
السؤال الملح والضروري هنا .. أيه الحكاية؟ .. لماذا وصلنا لهذه المرحلة؟
في رأيي البسيط أن أصل الحكاية هي بيئة داخلية وطنية سليمة؛ قوامها إرادة وإدارة سياسية نهضوية، عصبها اقتصاد قوي، يقوم على العلم والانتاج والكفاية والعدل، فمنذ أن صرنا شعبا متخلفا عن ركب التقدم العلمي، مستهلكا أكثر مما هو منتجا، مجتمعا تغيب عنه أبسط مفاهيم العدالة الاجتماعية، والضعيف فيه لا سند له، صرنا عالة على العالم، وعلى وطننا، وعلى أنفسنا.
.
كان يا ما كان فى الخمسينات والستينات حتى 1970 كان الدولار يعادل حوالى الأربعين قرشا اكرر قرشا كما كان الجنيه المصرى يعادل حوالى 14ريال سعودى وكان كيلو اللحم بحوالى الخمسة والعشرين قرشا والبيضة بمليم كام حزمة خس على جرجير على بقدونس فوق البيعة عندما تشترى خضار والبطيخة بخمسة قروش وكان الجمبرى يوزع مجانا مع السمك وتذكرة المترو من مصر الجديدة للبلد بقرش صاغ واذا دفعت ثلاثة قروش ممكن تدخل سينما روكسى لمشاهدة فيلم وتعود للبلد . و اقول من الآخر ان ديون مصر سنة 1970 كانت كالآتى
رحل الرئيس جمال عبدالناصر فى ٢٨ سبتمبر١٩٧٠، وكانت ديون مصر كالآتى:
دين للاتحاد السوفيتى يبلغ ٢٢٠٠ مليون دولار سدد منها ٥٠٠ مليون دولار وتبقى ١٧٠٠ مليون دولار كان متفقا على عدم سدادها، وبالتالى لم تسدد حتى الآن.. كان سعر الدولار يساوى ٤٠ قرشا.. ذلك الدين كان يشمل تكاليف بناء السد العالى، والمشروعات الصناعية الإنتاجية الكبرى كالحديد والصلب، والألومينوم وغيرها، وكذلك تكلفة إعادة تعمير منطقة قناة السويس.
كما كانت هناك ديون معلقة قصيرة الأجل يبلغ مجموعها حوالى ١٣٠٠ مليون دولار، وحجم الفائدة عليها يتراوح بين ١٠% و١٤% وكلها ديون لتمويل مشروعات إنتاجية نستطيع أن نسدد أقساطها وفوائدها من عائداتها، ولم تتجاوز أقساط الديون وفوائدها السنوية مبلغ ٢٨٥ مليون دولار… كما قدم الاتحاد السوفيتى لمصر ايضا ما مجموعه ١٨٣٩ مليون دولار كديون تسدد على أقساط طويلة الأجل وبفائدة ٢.٥% سنويا.
قدر الدكتور عبدالمنعم القيسونى، ديون مصر من سنة ١٩٧١ حتى سنة ١٩٧٧ بحوالى ١٤ ألف مليون دولار (مع ملاحظة بداية ارتفاع سعر الدولار بالنسبة للجنيه المصرى فى تلك الفترة بشكل سريع وبمعدلات عالية).. وقدر عبداللطيف الحمد، وزير المالية الكويتى، إجمالى ما حصلت عليه مصر من الدول العربية فى شكل منح وقروض ومساعدات وضمانات بمبلغ يصل إلى حوالى ٢٢ ألف مليون دولار فى الفترة من سنة ١٩٧١حتى١٩٨٠.. أما المال العربى الذى كانت تحصل عليه مصر نتيجة قرارات مؤتمر الخرطوم سنة ١٩٦٧ فكان ١٢٠ مليون جنيه إسترلينى.
وفى غياب دخل قناة السويس، ودخل البترول فى سيناء، وأعباء تهجير منطقة قناة السويس بكاملها إلى الدلتا والقاهرة حققت مصر فى عهد عبدالناصر تنمية قدرها ٦ و٧% سنويا حسب تقرير البنك الدولى رقم٤٨٠أ الصادر فى شهر فبراير ١٩٧٦ وهى تنمية توازى أربعة أضعاف ما استطاعت أن تحققه مصر فى أربعين سنة سابقة على ثورة يوليو١٩٥٢، علاوة على تحملها إعادة بناء القوات المسلحة، وإتمام بناء السد العالى، وأقامت مصنع الحديد والصلب، ومصانع الألومنيوم، وثبتت الأسعار للسلع الاستهلاكية، وغير ذلك الكثير!
طيب على ضوء هذه الصورة ارجو ان يقول لى اصحاب المعلومة الصحيحة كيف ولماذاحدثت هذه الفجوة فى الأسعار وفى قيمة العملة . واين الصناعة والزراعة المصرية ولماذا انهارتا .
واكتفى بهذا القدر من الأسى والحزن وللحديث بقية
وتؤكد تجربة النهضة المصرية أن نقطة البداية لتقدم مصر، واستعادة مكانتها التي تستحقها كانت دائما وأبدا، إرادة وإدارة سياسية حقيقية ومؤمنة بإمكانيات هذا الوطن، وقدراته الكامنة التي تنتظر من يطلق لها العنان لتصنع المعجزات.
فعلها محمد علي مؤسس أول مشروع نهضة مصري في التاريخ المعاصر؛ فقد كانت لديه الإرادة والإدارة القوية والسليمة للنهوض بمصر، واستنهاض كافة مواطن القوة فيها، واستغلالها أفضل استغلال ممكن، مستعينا في ذلك بكافة السبل الداخلية والخارجية لتحقيق ذلك.
وكانت نقطة البداية في مشروع محمد علي بناء قاعدة اقتصادية وطنية متنوعة – قوية، قوامها ركيزتين رئيسيتين؛ الصناعة والزراعة، فأقام قاعدة صناعية كبرى لأول مرة في تاريخ مصر الحديث؛ وأدخل نظام المصنع بمفهومه الحديث في مصر بعد أن كان يتم الإنتاج في المنازل أو في ورش صغيرة، واستخدم الآلات الحديثة المتطورة في المصانع، واهتم بتدريب العمال المصريين عليها، ولم يكتف باستيراد الفن الإنتاجي الأوروبي فقط، إنما قام بتطويعه لخدمة الصناعة المصرية.
كما قام محمد علي باستصلاح مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ومعها بدء عصر الزراعة الكثيفة بدلا من الزراعة الواسعة نتيجة لإدخال الري الدائم وارتفاع الرقعة الزراعية من مليوني فدان سنة 1805 إلى 3.856.000 فدان سنة 1840؛ حيث كانت معظم هذه المساحات تخضع لنظام الري الدائم كما تركز اغلبها حول الدلتا .. وأدخل محاصيل جديدة نقدية بحيث تم تنوع المركب المحصول تنوعا كبيرا، وتم زيادة الإنتاج الزراعي دون أن يكون ذلك على حساب محاصيل الحبوب والغذاء التي كانت أساس الزراعة المصرية وغذاء المصريين منذ القدم، وعلى رأس هذه المحاصيل كان القطن.
لقد استطاع محمد على خلال عشرون عاما أن يحدث انقلابا في الاقتصاد المصري، ويحدث تغييرا جذريا في النظام الاقتصادي السائد، وكانت أبرز ملامحه التحول من اقتصاد اكتفاء إلى اقتصاد تبادل؛ يتجه إلى السوق العالمية بعد أن كان يستهدف السوق المحلية أساسا.
وكان من مظاهر قوة الاقتصاد المصري حينها أن أصدر محمد علي في عام 1834 مرسوما فرمانا بإصدار عملة مصرية جديدة، تقوم على النظام ثنائي المعدن ( الذهب والفضة )، وبعد هذا الفرمان بعامين سُك أول جنيه مصري معدني عام 1836 وتم طرحه للتداول، وكانت قيمة أوقية الذهب = 20.69 دولار ( الأوقية = 28.35 جرام).
وتم إصدار “الجنيه” ليحل محل العملة الرئيسية المتداولة آنذاك وهو القرش، وواصل القرش تداوله بحيث يعتبر 1/100 من الجنيه، مُقسماً إلى 40 “بارة”، وفي عام 1885 أوقف إصدار البارة، وأعيد تقسيم القرش إلى عشرة أجزاء سميت بـ “عشر القرش”، حتى تم تغيير الاسم في عام 1916 إلى “مليم”.
صاحب النهضة الاقتصادية ودعمها، بناء قوة عسكرية كبرى، ونهضة تعليمية وثقافية كانت بداية لحقبة تنويرية حقيقية، عمت أنوارها كافة ربوع مصر، وامتدت تأثيراتها إلى خارجها، وجعلت من مصر دولة نموذج فيها.
كانت المحصلة الطبيعية أن استطاع محمد علي تحقيق غايته في بناء دولة مدنية حديثة قوية، إلى الدرجة التي باتت قادرة على تهديد دولة الخلافة العثمانية.
لم يكن أبناء محمد علي لديهم ذات الإدارة الإرادة التي كانت لأبيهم، ولكنهم كانوا مشغولين بالبذخ والإنفاق الترفي وزيادة الضرائب على المواطنين، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية التي تكرس لتبعية الاقتصاد المصري للاقتصاد الغربي، وبخاصة اقتصاديات إنجلترا.
وهي نفس السياسة الاقتصادية التي اتبعت طوال فترة الاحتلال الإنجليزي (1882 - 1956) إلا أن الإنجليز تعمدوا تفريغ الصناعات المصرية من مضمونها، وركزوا على جعلها مجرد أحد الاقتصاديات الموردة للمواد الخام، أو الأسواق المفتوحة لمنتجاتهم.
ومع دخول إنجلترا الحرب العالمية الأولى والثانية، استطاعت مصر سداد ديونها عبر موادها الأولية المصدرة لإنجلترا، كما شهدت مصر ما عُرف في وقت الاحتلال بمسألة تمصير الدين بجعله مستحقا لمواطنين أو لأجانب مقيمين بمصر بدلا من إنجلترا، واستطاعت مصر سداد ديونها، بل وإدانتها لإنجلترا بنحو 345 مليون جنيه إسترليني مع نهاية الحرب العالمية الثانية.
ثاني مشروع نهضة حقيقي معاصر –وليس فنكوش- كان في عهد الزعيم جمال عبد الناصر؛ الذي كان مدركا أن بناء مشروع نهضة مصري، مدعما باستقلال القرار السياسي ينطلق من تعظيم موارد القوة المصرية، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا إذا استطاعت “الدولة” أن تسترد موارد البلاد من يد غاصبيها، تديرها وتنميها بالقدر الذي يحقق في النهاية آمال وطموحات المصريين في بناء دولة قوية.
وفي هذا السياق، طبق قوانين الإصلاح الزراعى وحدد الملكية الزراعية، وأمم المشروعات الاقتصادية الكبرى التي رأى أن منهج عملها لا يخدم مشروع النهضة المصري، وعلى رأس هذه المشروعات قناة السويس التي حفرت بأرواح ودماء المصريين، وبنك مصر، أكبر مصرف تجارى فى البلاد، وكل الشركات الصناعية المرتبطة، بعدما سقط هذا الصرح العملاق تحت سيطرة الاحتكارات البريطانية والأمريكية.
وكما فعل محمد علي، أقام عبد الناصر مشروعه الوطني على قاعدتين رئيسيتين، الصناعة، والزراعة؛ فأنشئ أكبر قاعده صناعية فى العالم الثالث؛ حيث بلغ عدد المصانع اللى أنشئت فى عهده 1200 مصنعا منها المصانع الثقيلة والاستراتيجية و التحوليه؛ جعلت المجتمع المصري مجتمع الكفاية والعدل، وكانت لمصر رخاء في السلم، وسندا ودعما لها في الحرب.
وفي هذا الاطار، كان بناء السد العالى أحد أهم وأضخم ميراث تركه “عبد الناصر” للشعب، والذي ما زال يخدم المصريين حتى الآن.
وتم تحديد ملكيات الإقطاعيين بمائتى فدان فقط، فضلا عن مشروع مديرية التحرير واستصلاح أكثر من نصف مليون فدان تم توزيعها على الفلاحين، استطاعت مصر أن تحقق الاكتفاء الذاتى من مختلف محاصيلها الزراعية عدا القمح الذي حققت منه 80% من احتياجاتها، وتضاعف حجم الأرض المزروعة بمحاصيل رئيسية إستراتيجية وتحديدا القطن طويل التيلة والقمح والأرز وقصب السكر والفول والعدس والبصل، كما أنشأ عبد الناصر هيئة السلع التموينية عام 1961 لتكون مسئولة عن توفير احتياجات الشعب المصري، سواء من الأسواق الداخلية أو بالاستيراد.
وفي السياق ذاته، كانت مجانية التعليم في جميع المراحل، ولكنه تعليم تنويري حقيقي؛ شكل هوية ووجدان الأمة المصرية، وانجب الينا علماء أمثال أحمد زويل و مجدى يعقوب و يحيي المشد ومصطفى السيد و سعيد بدير و كثير من العلماء.
وهنا لابد أن نؤكد، أن أهم ما يميز مشروع عبد الناصر النهضوي عن مشروع محمد علي؛ أن الأخير كان يقيم دولة قوية لمجد شخصي وأسري، بينما ناصر كان يقيم دولة قوية حديثة لكل المصريين فقيرهم قبل ثريهم، قويهم قبل ضعيفهم، وقد برز ذلك في انحيازه إلى طبقة الفقراء كان واضحا، ورغبته في بناء طبقة متوسطة عريضة تكون أساس مجتمع الكفاية والعدل كانت صادقة، مما وسع مساحة هذه الطبقة حتى أصبحت لها الغلبة في المجتمع المصرى، وهي الطبقة التي يقوم على كتفها بناء الأوطان.
ولهذا، خرج المصريون بالملايين يطالبون ببقائه على قمة السلطة في مصر، وهو القائد المنهزم المستقيل، واصطف الملايين خلفه استعدادا لمعركة التحرير التي بدأت بعد أيام من الهزيمة، وتحمل معه المصريون ارتفاع الأسعار، ونقص بعض السلع، وغيره من الأزمات التي كان سببها توجيه جزء كبير من اقتصاد الدولة لتجهيز الجيش لاسترداد الأرض المحتلة.
والأكثر من هذا عاش عبد الناصر في وجدان وقلوب المصريين إلى الآن، ومازال مشروعه حلم يطوق له الملايين من المحيط للخليج وليس في مصر فقط.
كما أن إجمالي ديون مصر الخارجية نهاية عهد عبد الناصر لم يتجاوز 1.3 مليار دولار، مع الأخذ في الاعتبار ما قام به عبد الناصر من تمويل لإقامة السد العالي, وما تعرض له الاقتصاد بعد هزيمة 1967، وانقطاع المعونات الخارجية بشكل كبير.
في الوقت الذي تبنى فيه كل من محمد علي وجمال عبد الناصر مشروع نهضة مصري قوامه المقومات المصرية بالأساس، اشترك خلفائهما في سمة رئيسية، ألا وهي هدم مقومات هذا المشروع، من خلال تجريف البيئة الداخلية المصرية من مقومات القوة البشرية والمادية والسياسية؛ فكانت تجربة كل من السادات ومبارك في إدارة الدولة خاصة من الناحية الاقتصادية قريبة لتجربة ابني محمد علي، سعيد وإسماعيل، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي؛ ففي عهد السادات كانت هناك إغراءات كثيرة من قبل الدائنين الغربيين للسادات للتوسع في الدين، وكذلك الانفتاح الاقتصادي على الغرب واتباع سياسات اقتصادية متناقضة، بين قطاع عام مكبل، وعدم تجديد بنيته الإنتاجية، وبين اتجاه حركة استيراد غير منضبطة، مما أدى إلى عدم توصيف دقيق للهوية الاقتصادية لمصر فلا هي اشتراكية، ولا هي اقتصاد سوق حر.
وأبرز ما عبر عن تلك السياسية عصر ما سمي بالانفتاح؛ هو السبب الرئيسي في هدم مقومات مشروع النهضة المصري، وبداية حقيقية لمرحلة تجريف المجتمع المصري من عوامل قوته؛ سياسيا واقتصاديا ومعنويا، ولن نبالغ إذا قلنا أن توابعها كارثية الازالت تطارد مصر حتى الآن.
وما زاد من تداعيات سياسة السادات الكارثية، أن سياسة خليفته لم تختلف كثيرا؛ فقد اعتمد مبارك نفس السياسة من توسع في الاقتراض من الخارج، بدلا من تنمية الموارد المحلية المصرية، مما ساعد على تفاقم الدين الخارجي والمحلي لمستويات جعلت من مستوى معيشة المواطن العادي شديدة التدني، وعادت بالمجتمع المصري إلى ما كان يطلق عليه مجتمع النصف في المائة؛ حيث تسيطر طبقة صغيرة على كافة مقدرات الدولة، بينما سائر الشعب يعاني شظف العيش.
والأكثر خطورة في نهج السادات ومبارك؛ هو أنه ضرب بقوة هوية المجتمع المصري، وبؤر التنوير فيه، تلك البؤر التي تعد أولى مكامن القوة في أي مجتمع، وجهازه المناعي ضد كل مرض أو خطر يهاجمه، حيث أطلقا جرثومة الفكر الوهابي المتطرف المتمثل في تيارات الاسلام السياسي، وفي المقدمه منها جماعة الإخوان الارهابية من عقالها، بل وتلقت دعما صريحا حينا من نظام السادات، وضمنيا من نظام مبارك، وهو ما دفع ومازال يدفع ثمنه الكثير اليوم المجتمع المصري إلى الآن.
وحين قامت ثورة 25 يناير 2011، كانت أجواء الأيام الثمانية عشر الأولى منها مدعاة للتفاؤل الذي ذكرنا بأيام مجيدة كثيرة في تاريخنا، أعادت تلك الأيام الثمانية عشر الثقة المفقودة للمصريين في أنفسهم، وفي قدرتهم على النهوض ببلادهم، وقهر المستحيل، إلا أن ما حدث من تجريف ممنهج للبيئة الداخلية المصرية على جميع الأصعدة، وهيمنة فكر رجعي متطرف على عقول ملايين البسطاء من هذا المجتمع، مكن تيار متطرف من سرقة الثورة وإفراغها من مضمونها، ووصل الأمر إلى أن اغتصبت جماعة ارهابية الحكم في مصر.
وعندما صححنا المسار في 30 يونيو 2013 صار التفاؤل أكبر، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، ولكن سرعان ما صار الاحباط هو السمة الغالبة، نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتأزمة التي تعيشها البلاد، والتي هي نتاج عقود طويلة بدأت مع سياسة السداح مداح الساداتية، والتي استكملها مبارك ونجله.
وليس ما يشهده المجتمع المصري من ارتفاع جنوني في الأسعار صاحب قرار تعويم الجنيه، وأزمة وأزمة بطالة طاحنة تفتك بمستقبل وطموحات شبابنا، تجعلهم يفضلون أن يخوضوا مغامرة الموت للهجرة من الوطن للبحث عن مستقبل في بلاد غريبة، هذا بالإضافة إلى تدهور كبير في مجال الصناعة والزراعة، وتخلف ملحوظ على مسار التقدم التكنولوجي والتقني، ناهيك استمرار حالة التردي بقطاعات التعليم والصحة والثقافة والفنون والإعلام إلخ …. من مجالات كان لمصر فضل السبق والتقدم فيها سوى تداعيات لهذه السياسة.
ومن هنا لا سبيل لمصر ولشعبها سوى إعادة احياء مشروع نهضة حقيقي، يقوم على استهاض مقومات الدولة المصرية، وتهيئة بيئة داخلية صحية وسليمة لممارسة نشاط اقتصادي قوامة الكفاية والعدل، ولا يعني ذلك الانعزال عن الخارج، بل التعاون والتواصل بما يلائم احتياجاتنا، وبما يحقق مصلحتنا الوطنية.
سامى شرف
مجلة الوعي العربي