
يأتي السادس من أكتوبر كل عام محمولاّ على أعناق المجد والبطولة للجيش المصري العظيم الذي منحنا في هذا اليوم منذ خمسة وأربعين عاماّ نشوة الإنتصار العظيم الذي غمرنا حباّ وانتماءاّ ويقيناّ للوطن المفدى , وعاماّ بعد عام يأتي اليوم مشمولاّ برائحة الشهداء والوجوه السمر وذكريات النار على جبهات القتال وعبقرية الرجال في اللحظات الصعبة التي جعلت من المياه الساكنة في أعماق القناة فوراناّ ثائراّ مزلزلاّ يشق الرمال والصخور والمدى ويفتح الطريق إلى قلب سيناء الحبيبة العامرة ببطولة أولادها وصبرهم الطويل لعبور طال انتظاره .
ولعل اليقين الذي لايخالطه أدنى شك هو أن أجمل وأشمل مشهد ومعنى في تاريخنا كله هو مشهد ومعنى ” وحدة الأمة جيشاّ وشعباّ ” إن في الحرب أو في السلم , هذه الوحدة حين تتجلى نحفظها عن ظهر قلب ونلقنها للصغار ونكتبها في سجل التاريخ لتبقى مضيئة آسرة وتنتقل عبر الأجيال كمكون وراثي أصيل يدل علينا ولايشبه أحداّ غيرنا . ولعلنا نقول بوضوح لايخالطه أيضا أدنى تردد “أن المصريين هم أكثر شعوب الأرض محبة وانتماءاّ لوطنهم ” وكل منا يشعر أنه أكثر المصريين جميعاّ محبةّ وولعاّ بمصر ودفاعاّ عنها .. أليس كذلك ؟ .
وما مصر إلا هذه الوحدة العضوية المضيئة لشعبها وجيشها , وما مصر إلا هذه الكوكبة المصرية البديعة التي تكتب الكتاب والشعر والأغنية وتروض النهر وتضئ المصنع والمدرسة وتسقي الزرع وتحمي الأجنة في البطون حفاظاّ على “المكون الوراثي الخالد عبر الزمن ” . وفي كل عام تأتي الذكرى كأنها طازجة نقية من عبث الزمن والأحوال , أو هكذا نريدها حتى تبقى قادرة على الإلهام , وفي كل عام يطيب لنا أن نقرأ أنشودة جمال حمدان “6 اكتوبر في الاستراتيجية العالمية ” لنعرف مالايمكن أن نعرفه من أحد غيره عن قيمة هذا النصر الهائل . إن أعظم معنى يمكن للأجيال الجديدة أن تعيه وتحفظه في هذا اليوم هو أن جيلاّ من الآباء والأجداد كان عازماّ على النصر وانتصر, وما النصر إلا إرادة النصر , “وما النصر إلا من عند الله” . هل حقا كانت الصيحة الكبرى التي هي صيحة “الله أكبر ” تسمع في جنبات المعمورة قاطبة ؟ ولم لا ؟ أليست صيحة النصر الكبير والجيش العظيم والأمل المحلق والأمة المصرية التي علمت الدنيا كل شئ من الفنون إلى القانون .
أمام يوم النصر وذكراه نتذكر كتائب الشهداء الذين أضاؤوا عمرنا بأرواحهم الشهيده وأسماءهم المضيئة عبر الزمن , فلا الزمن قادر على هزيمة المعنى , ولا معنى الشهادة وقيمتها رهن بوقت أو مكان أو جيل , فالشهادة هي الحياة بعينها وهي أم الحقائق وأكرمها بنص ووصية وتفسير القرآن الكريم .
التحية كل التحية .. والمجد كل المجد لجيشنا العظيم في يوم نصره الأعظم , آملين أن تبقى المعاني والمضامين الكامنة في نضاله وكفاحه نبراساّ مضيئاّ للأجيال المصرية جيلا بعد جيل , وأن تبقى مصر أم الأوطان وطناّ للحرية والكرامة والتسامح والمحبة باتساع المدى .
موقع مئوية جمال عبدالناصر موقع مئوية جمال عبدالناصر