بقلم : عمرو صابح
فى الساعة الرابعة والثلث من مساء يوم 2 مارس عام 1981، تحركت طائرة هليوكبتر عسكرية تقل الفريق أحمد بدوى وزير الدفاع المصرى والقائد العام للقوات المسلحة ومعه ثلاثة عشر من قيادات الجيش، وذلك من ساحة قيادة قطاع سيوة بعد انتهاء جولته التفتيشية لمواقع الجيش فى المنطقة الغربية العسكرية.
بعد حوالي 30 متر فقط اختل توازن الهليوكبتر واندفعت نحو عمود كهرباء حديدى، واصطدمت مروحة الذيل بأحد أسلاك الكهرباء، وتطاير ريش المروحة، واختل توازن الطائرة ثم اصطدمت بعمود الكهرباء وتهاوت على أسلاك الكهرباء، وهوت على الأرض، واشتعلت فيها النيران، وانقلبت على جانبها الأيمن، حيث يوجد باب الدخول، انبعث دخان شديد من الطائرة، وخرج المقدم طيار سمير غيث، والرائد طيار محمد عبدالناصر، والرائد عادل نبيه، ملاح الطائرة، والرقيب أول مهندس محمد صبرى، الذين كسروا زجاج الكابينة، بينما خرج سكرتير وزير الدفاع حيث كان يجلس عند مؤخرة الطائرة.
أدى حادث سقوط الطائرة وتحطمها إلى استشهاد وزير الدفاع الفريق أحمد بدوي واللواء صلاح قاسم رئيس أركان المنطقة العسكرية الغربية، اللواء على فايق صبور قائد المنطقة الغربية، اللواء جلال سرى رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، اللواء أحمد فواد مدير إدارة الإشارة، اللواء عطية منصور رئيس هيئة الإمداد والتموين، اللواء محمد حشمت جادو رئيس هيئة التدريب، اللواء محمد أحمد المغربى نائب رئيس هيئة التنظيم والإدارة، اللواء فوزى الدسوقى مدير إدارة الأشغال العسكرية والإبرار، اللواء محمد حسن مدير إدارة المياه، عميد أركان حرب محمد السعدى عمار مدير هيئة عمليات القوات المسلحة، عميد أركان حرب محمد أحمد وهبى من هيئة العمليات بوزارة الدفاع، عقيد مازن مشرف من هيئة العمليات، عقيد أركان حرب ماجد مندور من هيئة العمليات.
أشار التقرير المبدئى عن الحادث، إلى أن الطائرة عند صعودها هبطت فجائيا مترين أو ثلاثة أمتار، وكان هناك سلك يتدلى من العمود الكهربائى الموجود على جانب المطار، وتعلق هذا السلك بالمروحة الخلفية مما أفقدها توازنها ثم ارتطمت بنفس العمود، وفى ثوان معدودات سقطت على الأرض سقوطا شديدا، كما انفجرت خزانات الوقود فاشتعلت فيها النيران بسرعة مذهلة، وقال التقرير، إن ارتطام الطائرة بالأرض أدى إلى إغلاق باب الكابينة الوحيد، فانتشر الدخان الشديد داخلها، ليصاب من فيها باختناق شديد عاق تصرفهم بسرعة، وانفجرت الكابينة، ولم يستغرق ذلك كله أكثر من 30 أو 40 ثانية.
الفريق أحمد بدوى كان واحداً من أبطال المؤسسة العسكرية المصرية، فبعد تخرجه فى الكلية الحربية شارك فى حرب فلسطين 1948 ثم العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 وحرب اليمن «1962»، وحرب 1967 والتى خرج بعدها من القوات المسلحة المصرية ضمن دفعة وزير الحربية شمس بدران على خلفية قضية محاولة انقلاب المشير عبد الحكيم عامر، وفى عام 1971 عاد للقوات المسلحة مجدداً ، وفى حرب أكتوبر 1973 كان على رأس الفرقة السابعة مشاة، وأصبح قائداً للجيش الثالث فى ديسمبر 1973، ثم اختاره السادات وزيرا للدفاع فى 14 مايو من عام 1980.
أثار حادث سقوط طائرة المشير أحمد بدوي ورفاقه من كبار قادة القوات المسلحة المصرية العديد من الأسئلة عن ملابسات الحادث الغامضة.
فالتعليمات والقوانين العسكرية الأمنية تمنع الجمع بين أكثر من ضابطين برتبة عميد في طائرة واحدة ، فكيف تم جمع هذا العدد من كبار القادة في طائرة واحدة؟!!
وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة هو أهم وأقوى رجال نظام الحكم بعد رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ، ويتم إختيار أفضل الطائرات له ويقودها أبرع الطيارين كما تقوم الشئون المعنوية للقوات المسلحة بتصوير زياراته وفعاليات عمله لتوثيقها، لماذا لم يتم تصوير زيارة المشير أحمد بدوي ورفاقه ، وهل تم تصويرها واختفى الشريط الذى صورت عليه؟!
نجا قائد الطائرة من الحادث ،ولم تمر عدة أشهر حتى لقى مصرعه على يد لص حاول سرقة منزل الطيار الذى تصدى له فأطلق عليه الرصاص ولاذ بالفرار!!
كما نجا من الحادث سكرتير المشير أحمد بدوي وزير الدفاع ،ولكن بعد بضعة أشهر أيضاً لقي حتفه فى حادث سير!!
أين ذهب أفراد فريق الحراسة الخاص بوزير الدفاع ؟!
ولماذا لم يرافقوا الوزير في ذات الطائرة ؟!
علوي حافظ، أحد الضباط الأحرار وكان عضواً بمجلس الأمة “الشعب” فى عهدي الرئيس عبد الناصر والرئيس السادات، وكان مقرباً من الرئيس السادات حتى أغسطس عام 1977 عندما أعلن فى مؤتمر بنقابة المحامين عن تأييده لقيام حزب الوفد الجديد وانضمامه لمؤسسيه فحدثت القطيعة بينه وبين الرئيس السادات.
علوي حافظ كان صديقاً للمشيرأحمد بدوي وكان يلتقي به بانتظام ، بعد وفاة السادات أصدر علوي حافظ كتاب تحت عنوان ” الفساد ” ، رصد فيه قضايا الفساد فى عهد السادات ، وقلق السادات من احتمال حدوث انقلاب عسكري يطيح بحكمه خاصة بعد تصاعد شعبية أحمد بدوي خلال توليه لمنصب وزير الدفاع.
ذكر علوي حافظ أن أحمد بدوي أخبره خلال أخر لقاء جمعه به قبيل وفاته، ان خلافاته مع السادات والدائرة المقربة منه وصلت للذروة لرفض بدوي المشاركة في الإتجار والتربح من صفقات السلاح ، واستياءه من تدخل جيهان السادات فى صفقة جلب زي جديد للقوات المسلحة ، وتوتر علاقته بحسني مبارك نائب الرئيس ، ورفضه مشروع الاستشعار الامريكي فى الصحراء الغربية ، كما انه رفض 5 دعوات لزيارة إسرائيل تم توجيهها له خلال فترة توليه لمنصب وزير الدفاع.
كتب علوي حافظ أن أحمد بدوي قال له: الرئيس أعطانى ورقة بخط يده، وبها أسماء بعض كبار قادة الجيش وقال لى: أنا عاوز دول يخرجوا من الخدمة قريبا.
فقلت له: ياريس المجموعة دى تقاريرهم نظيفة جدا ومن العناصر الممتازة، وفوجئت به يقول لى: أنا لما أقول يمشوا يعنى يمشوا، أنا القائد الأعلى للجيش. فعقبت على كلامه ،وقلت: وأنا القائد العام، ومن مهمتى أن أعرض على سيادتك من يخرج ومن يستمر فى الخدمة.
فقال السادات بحدة: «شوف بقى لو كنت عاوز تتعامل معى كما حدث من أحمد عرابى للخديوى توفيق، لا.. لا أنت أحمد عرابى ولا أنا الخديوى .. أنا مش عاوز شلل فى الجيش».
فى الساعة التاسعة وسبع دقائق من مساء يوم 2 مارس 1981، نعى الرئيس السادات شهداء الطائرة، قائلا: «إن أعمال الفريق أحمد بدوى ورفاقه ستظل مصدر إلهام للأجيال المقبلة».
قرر الرئيس أنور السادات منح الفريق الشهيد أحمد بدوي نوط الواجب من الطبقة الأولي كما قام بترقيته لرتبة المشير تكريماً له على دوره فى خدمة القوات المسلحة المصرية ، كما أصدر قرارا جمهوريا بترقية جميع شهداء الحادث للرتبة الأعلي ومنح أسمائهم نوط الواجب من الطبقة الأولي.
وفاة أحمد بدوي أدت إلى حلول الفريق محمد عبد الحليم أبو غزاله مكانه كوزير للدفاع.
بعد وفاة المشير أحمد بدوي ورفاقه بسبعة أشهر و4 أيام تم اغتيال الرئيس أنور السادات خلال العرض العسكري للاحتفال بالذكرى الثامنة لنصر أكتوبر.
خلال محاكمة المتهم عطا طايل حميده أحد قتلة الرئيس السادات، قال عطا طايل حميده فى التحقيقات : ان من دوافع اغتياله للسادات هو الانتقام لدماء أحمد بدوي ورفاقه.
فى 14 أكتوبر 1981 أصبح محمد حسني مبارك رئيساً للجمهورية خلفاً للسادات وظل الفريق محمد عبد الحليم أبو غزاله الذى تمت ترقيته لرتبة المشير وزيراً للدفاع حتى أقاله مبارك فى 11 مارس عام 1989.
رأى بعض المؤرخين أن حادث سقوط أو اسقاط طائرة المشير أحمد بدوي ورفاقه من كبار قادة القوات المسلحة هو بمثابة مذبحة القلعة الثانية!!
مذبحة القلعة الأولى حدثت لكبار قادة المماليك على يد محمد على باشا قبل 170 سنة وفى نفس اليوم 2 مارس ولكن فى عام 1811.
رحم الله المشير أحمد بدوي ورفاقه من كبار القادة.
_____________
- المصادر:
- الفساد : علوي حافظ.
- أسرار سقوط طائرة المشير أحمد بدوي : محمود فوزي.
- ذات يوم : سعيد الشحات.
- محاكمة فرعون : شوقي خالد.
مجلة الوعي العربي