أخبار عاجلة
الرئيسية / أخــبار / التجــربـة الناصرية بين محاولات التصفية ومحاولة العودة- د.محمد فؤاد المغازي

التجــربـة الناصرية بين محاولات التصفية ومحاولة العودة- د.محمد فؤاد المغازي




في الفترة ما بين 15 مايو 1971 حتي ظهور الحزب العربي الديمقراطي الناصري في عام 1992.

مــدخل :

هذه الدراسة تتناول تطور الحركة الناصرية في إطار محاولات التصفية من قبل خصومها وأعدائها، ومحاولات العودة من قبل التيار السياسي الذي تمثله. وتمتد الفترة الزمنية للدراسة فتبدأ بانقلاب 15 مايو 1971 وحتى ظهور الحزب العربي الديمقراطي الناصري عام 1992.

وسأكتفي هنا بالعودة إلي المقدمة التقليدية والتي تؤكد على أن القصور والأخطاء التي وردت في هذه الدراسة يتحملها الباحث وحده، أما الفضل فيعود لكل من ساهم في وصول الدراسة إلي ما هي عليه الآن. وكم أتمني ممن كان لهم دور في هذه المرحلة، أو ممن لديهم وثائق يمكن أن تصحح وتساهم في تطوير هذه الدراسة. فالدراسة هي رسالة توضيحية موثقة لأجيال لم تعش الفترة التاريخية محل الدراسة، ولأجيال قادمة من حقها أن تقرأ كل ما يتعلق بالحقبة الناصرية.

فبعد مرور ما يقرب من أربعة عقود متصلة فإن المشروع الناصري ما زال ينظر إليه كطوق نجاة للواقع المصري والعربي الذي تعددت نعوته وصفاته السلبية فمن توصيفه بالواقع المتجمد والمتحجر.. إلي توصيفه بالواقع العاجز والفاشل الذي لم يعد له دور في حركة التاريخ والحياة..وصولا إلي وصف هذا الواقع بالواقع المفرط والخائن للمصالح الوطنية والقومية. وأصبح التخلص من النظام العربي إذا كان هناك فعلا نظام عربي مطلبا شعبيا.

وما هو مطروح الآن بحثا عن إجابة بمن يكون التغيير؟ ولمن يكون التغيير؟ فالمشروع الناصري هو واحد من البدائل ويشكل الإجابة على ما هو مطروح من تساؤلات.

إضافة إلي كل هذا ما سوف يرويه الأستاذ هيكل في الحلقات القادمة على قناة الجزيرة. فهذه الدراسة تسبق الأستاذ هيكل على الأقل بربع قرن، وقبل أن تظهر قناة الجزيرة أصلا. وإن ما أحرص عليه وأتابعه هو إلي أي مدي تقترب أو تبعد حدود هذه الدراسة مع سوف يرويه الأستاذ هيكل.

الفصــــل الأولــــــــــــ

الحلقة الأولي

1: وفاة جمال عبد الناصر المفاجئــة..وانعكاساتها محليا وإقليميا ودوليا:

1:1:محليــــــــــــــــــا:

على الرغم من مظاهر التمزق والقلق التي شملت المجتمع المصري عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر المفاجئة، فإن حالة الهلع والقلق والتمزق التي تعرض لها المجتمع المصري لم تفتح بابا للحوار يطرح رؤية فيها شبهة توحي ببداية توجيه أي نقد لنظام ثورة يوليو .. أو حتي مجرد إشارة توحي ولو بالهمس بنهاية نظام ثورة 23 يوليو 1952. لكن الحديث كان دائرا لا يهدأ بحثا عن إجابة لسؤال أحادي شاع بين الجميع..من هو الشخص القادر على ملئ الفراغ الذي تركه جمال عبد الناصر؟

كان طرح السؤال في حد ذاته دليل واضح على تمسك الشعب المصري بنظام ثورة يوليو حتي بعد رحيل قائدها. ولقد ترددت أسماء عديدة من بينها أعضاء من مجلس قيادة الثورة الذين أصبحوا خارج السلطة، مثل زكريا محي الدين أو عبد اللطيف البغدادي، أو أسماء ممن ظلوا إلي جوار عبد الناصر في السلطة أمثال محمد أنور السادات وحسين الشافعي.

هذه الأسماء أو غيرها المطرحة لخلافة عبد الناصر كان الإختيار من بينهم يجري على أرضية المقارنة بين المرشح لخلافة ناصر وبين عبد الناصر نفسه، ولم تكن المقارنة لصالح أيا من الأسماء المطروحة ، حتى أن الشخصيات المرشحة لتولي موقع ناصر في السلطة قد اعترفوا بأنفسهم عن عجزهم في ملأ الفراغ الذي تركه الرئيس جمال عبد ناصر.

كانت ردود فعل الملايين من الناس عقب وفاة عبد الناصر تعكس سلوكا عفويا يظهر وبوضوح وفي ظرف تاريخي يندر تكراره إلي أي مدي وصل تأثير الدور التاريخي لعبد الناصر في مصر والمنطقة العربية وعلاقته بالإنسان العربي العادي، كما تحولت ردود أفعال الملايين من الناس إلي باروميتر سياسي وإنساني لقياس العلاقة المتميزة والفريدة بين عبد الناصر والجماهير العربية الممتدة من المغرب حتى تخوم العراق.

فالعالم العربي لم يعرف طوال حكم ثورة يوليو 1952 قائدا وزعيما غير عبد الناصر والغرب وخصوم وأعداء عبد الناصر هم أول من يعترف بهذه الظاهره :” فقد ملأ شخص ودور جمال عبد الناصر ساحة العمل السياسي المصري والعربي والدولي _ طولا وعرضا_ زهاء خمسة عشر عاما، وأدى غيابه المفاجئ إلي ” فراغ ” في داخل النظام السياسي لم يكن من السهل على أي شخص أو مجموعة من الأشخاص ملئه، وبالذات في علاقة النظام مع المواطنين. فالأمر الذي لاشك فيه آن شعبية النظام الذي أقامته ثورة يوليو 1952 وشرعيته ارتبطت بشخصية جمال عبد الناصر، بل يمكن القول أن مصدر شرعية النظام الأساسية كانت في الزعامة الناصرية.” ([1])

وعلى الرغم من السلبيات التي لحقت بالتجربة الناصرية، فإن المظاهرات التي خرجت قبل ثلاث سنوات من وفاة جمال عبد الناصر في 9 و 10 يونيو 1967، والتي تظاهر فيها الملايين من الشعب المصري والعربي رافضين استقالة جمال عبد الناصر عقب الهزيمة العسكرية في 5 يونيو عام 1967..كانت بدورها تؤكد على العلاقة والثقة المتميزة بين عبد الناصر وبين الغالبية العظمي من الشعب العربي..حتى أن الملوك والرؤساء الذين كانوا على خلاف أو عداء مع عبد الناصر اضطروا أن يتخذوا موقفا ينسجم مع الحالة المسيطرة في المنطقة العربية وتحولت إلي مطلب يبلور موقفا عاما تجاه نظام ثورة يوليو وعبد الناصر فانضموا بدورهم إلي حشود الملايين المطالبة جمال عبد الناصر بالتراجع عن إستقالته.

لقد رأي الكثيرون من المحللين السياسيين في هذه المظاهرات استفتاء شعبيا مباشرا بغير مراسيم دستورية على ناصر ومشروعه، واعتبروا أن هذا الحشد التلقائي من الملايين بمثابة تجديد الثقة والبيعة لجمال عبد الناصر حيث..” لم ينقذ شرعية النظام الثوري في مصر غير خروج جماهير الأمة العربية يومي 9 و10 يونيو، ثمة حقيقة آن عبد الناصر أثبت شخصيا أنه أكبر من النكسة، حين عاد فور تدعيم جماهير الأمة إلي المقاومة المسلحة ضد العدوان والى قيادة حرب الاستنزاف فعلا والى الإعداد لحرب إزالة العدوان تخطيطا وإعدادا وحشدا.” ([2])

لم تكن هذه هي رؤية المحللين السياسيين فحسب، وإنما كانت أيضا رؤية السادات وتقييمه لمظاهرات 9 و10 يونيو، فأعتبر:” أن الشعب قد أستفتى في الواقع يومي 9 و10 يونيو 1967 على سياسة عبد الناصر، وأن الدولة لابد أن تسير بكل دقة على طريق عبد الناصر.” ([3])

تكررت المظاهرات التاريخية الشعبية التلقائية للمرة الثانية، وبسبب شخص جمال عبد الناصر، فقد خرج أكثر من عشرة ملايين من المصريين في شوارع القاهرة، يضاف إليهم ملايين أخري من العرب عقب وفاته يبكون على رحيل بطلهم . مثلت جنازة عبد الناصر وخروج الملايين لوداع بطلهم، يعود إلي ما “…حققه عبد الناصر أكسب القيادة الشابة قبولا عاما رغم غياب الصلة السابقة بين قيادة الثورة وبين الجماهير الواسعة..وقد حدث مع تطور التجربة تعميق للقاء السياسي وتشكلت صياغة نظرية يجد فيها القومي والشيوعي والإسلامي كثيرا من مفاهيمه وأهدافه، فزال كثير من أسباب النفور والصراع بين دعاة التغيير والتقدم، وتأهلت أسباب الوحدة الفكرية بين فئات الأمة واتجاهاتها. هذا الإنجاز الفكري المستند إلى نجاح كبير في الممارسة والتطبيق، جعل عبد الناصر زعيما للأمة بلا منازع، ورغم كل الأخطاء ونواحي القصور، كان مشهد وداعه شهادة بتوقيع الأمة على هذه الزعامة.” ([4])

إضافة إلي كل هذا فقد عبرت جنازة جمال عبد الناصر عن دلالة سياسية واضحة، تشير إلي نموذج فريد قل تكراراه في التاريخ الإنساني، ونعني بذلك النموذج في الممارسة الديمقراطية المباشرة لمجتمع شاركت الغالبية العظمي فيه بدون تدخل من أجهزة السلطة، التي لا تملك أصلا المقدرة والكفاءة في حشد تلك الملايين وبهذه السرعة الخارقة وبالرضا العام الذي لم يحظي به حاكم أو زعيم مصري سبق جمال عبد الناصر.

ففي تقرير لواحدة من الصحف الألمانية حول جنازة ناصر ذكرت الصحيفة:” لقد شهد العالم كثيرا من المواكب الجنائزية ابتداء من جينكيزخان إلي لينين وأتاتورك وغاندي وكنيدي، ولكن من المؤكد أن أكبر جنازة في تاريخ العالم قد سارت في القاهرة يوم الأول من أكتوبر سنة 1970 في وداع ناصر.” ([5])

كان الخوف والقلق على المستقبل بغير جمال عبد الناصر سمة عامة سادت الشارع العربي. فعبد الناصر كان يمثل للغالبية من العرب خاصة الطبقات الفقيرة رمزا وأملا في التخلص من السيطرة والاستغلال في الداخل على وجه الخصوص، وإنهاء الاستغلال والسيطرة الغربية من الخارج. حول تفسير تلك العلاقة بين عبد الناصر والإنسان العربي تعرض برفسور فريدمان بيتنر في واحدة من أبحاثه حول ناصر والتجربة الناصرية فكتب:” لا يوجد بلد عربي، فيه أناس تمشي في الشارع، إلا وقد نظروا إلي عبد الناصر كرمز لأمل في مستقبل أفضل، ولم يكن هذا الشعور قاصرا فقط على المصريين، وإنما شمل كل العرب، فعبد الناصر الذي أنهي الاحتلال التقليدي، قد أعطي للعرب الشعور بأن أصبح لهم هوية وكرامة.” ([6])

حول توصيف نفس العلاقة التي كانت تربط جمال عبد الناصر بالشعب العربي ودوافعها، كتب المفكر القومي د. عصمت سيف الدولة يقول:” إن الشعب العربي في مصر كان بعد تجارب حية قد قبل وأرتضى واطمأن إلى قيادة عبد الناصر. الشعب العربي كله حتى الذين كانوا يعترضون على بعض قراراته. إن دموعهم الغزيرة، وانطلاقهم الهستيري في شوارع المدن وأزقة القرى وفى المزارع وفى المصانع، وأسبوع حزنهم التاريخي بعد وفاته يوم 28 سبتمبر 1970.

أدلة انتهت المؤتمرات الدولية التي انعقدت لدراستها في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها إلى أن الشعب العربي في مصر وجمال عبد الناصر الشخص القائد الزعيم كانوا ملتحمين التحاما وجدانيا ليس أقل صلابة من الالتحام العضوي. فكانت وفاة ناصر مصحوبة بآلام اقتطاع الجزء من الكل.” ([7])

أما خصوم جمال عبد الناصر وأعدائه من ( جماعة الإخوان، وحزب الوفد ) فقد حاولوا فيما بعد تشويه هذا الوداع الأسطوري، بوصفه بالحشد المصطنع تولت أجهزة النظام الناصري تدبيره، غير أن هذا التفسير لم يلقي قبولا وتصديقا من قبل رجل الشارع في العالم العربي.

جاءت وفاة جمال عبد الناصر المفاجئة ومصر تعيش حالة حرب فعلية، فجزء من ترابها الوطني تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، وقد توقفت حرب الاستنزاف نتيجة لقبول جمال عبد الناصر لمبادرة روجرز وزير الخارجية الأمريكية، ولمدة ثلاث شهور تنتهي في 9 نوفمبر1970 لإفساح الطريق أمام تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 242، وكان موعد انتهاء وقف إطلاق النار قد أقترب، وكان لابد من اتخاذ قرارا يصدر عن رئيس الجمهورية بتمديد وقف إطلاق النار أو استئناف القتال.

في 29 سبتمبر أي بعد يوم من وفاة عبد الناصر، أرسل أعضاء مجلس قيادة الثورة القدامى بمذكرة إلي أنور السادات نائب رئيس الجمهورية، وقع عليها كلا من عبد اللطيف البغدادي، زكريا محي الدين، كمال الدين حسين، حسن إبراهيم، يقترحون فيها عليه عدد من الخطوات لتخطي الكارثة ولسد الفراغ الذي ترتب على رحيل عبد الناصر، والذي ليس في مقدور فرد واحد أن يملأه، وإنما يحتاج إلي المشاركة الشعبية الواسعة، فهي وحدها القادرة على سد هذا الفراغ. لذا فإنهم يقترحون عليه النقاط التالية:

_ انتخاب جمعية وطنية تمثل الشعب بسلطاته الدستورية والتشريعية المختلفة، على أن يكون للعمال والفلاحين نصف عددها. وتكون مهمتها وضع دستور دائم للجمهورية العربية المتحدة وأن يكون لها سلطة السيادة في الفترة الانتقالية والتي حددوها ب 6 أشهر على الأكثر، على أن يترأسها نائب رئيس الجمهورية المؤقت _ أنور السادات _ وتنتهي مهمتها بمجرد إنشاء القيادة والمؤسسات الدستورية الجديدة.

كان معني الاستجابة إلي ما احتوته المذكرة من مقترحات سوف يترتب عليه القيام بعملية تغيير شاملة للمؤسسات السياسية والدستورية والتنفيذية في مصر، وذلك من خلال ما قد سيأتي به الدستور الجديد.

كذلك لا يمكن التكهن بمدي تأثير تلك التغييرات على الجبهة الداخلية في مصر، وأثر كل ذلك على أوضاع الجيش المصري واستعداداته المعنوية والقتالية؟ وهل ستساهم تلك التغييرات المقترحة في انتقال السلطة بهدوء وبغير صراع ؟

ولعل السادات والناصحين له قد تنبهوا إلي أن تنفيذ ما احتوته هذه المذكرة يمثل خطورة على مستقبله السياسي، وقد يقوض فرصته في أن يصبح رئيسا وخلفا لعبد الناصر. فبادر السادات على الفور باستخدام ما جاء في المذكرة ضد موقعيها، معتبرا أن ما جاء بالمذكرة من مطالب ومقترحات تقود إلي بلبلة للرأي العام المصري والعربي.

يضاف إلي مصادر القلق والتوتر التي أوردناها، قلقا مصدره هو أن تتمكن القوى الاجتماعية التي تضررت مصالحها الطبقية من إجراءات ثورة 23 يوليو من محاولة القيام بنشاط سياسي معاد لثورة يوليو، مستغلة الظرف السياسي المضطرب الذي أحدثته وفاة ناصر..خصوصا في ظل تصاعد حرب دعائية شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد عبد الناصر ونظامه تشجع وتحفز على الإنقلاب عليه، وكان التحريض بمثابة رسالة مباشرة لكل القوى الاجتماعية والسياسية المعادية لثورة 23 يوليو..وأن بوسعهم أن يعتمدوا على الدعم والتأييد الكامل للولايات المتحدة والغرب بصورة عامة إذا ما تحركت تلك القوي لإسقاط نظام ناصر.

أمتدت مظاهرالإرتباك والقلق التي عكسها رحيل ناصر المفاجئ إلي أوضاع الجيش المصري والتخوف من أن تشجع حالة الإضطراب السائدة بعض قياداته إلي القيام بانقلاب عسكري مستغلين فرصة الكارثة. خاصة بعد التعديلات الجديدة التي شملت مدة التجنيد العسكري التي لم تعد مرتبطة بفترة زمنية محددة، وإنما ارتبطت بتحقيق هدف تحرير الأرض التي احتلتها إسرائيل في أعقاب حرب يونيو 1967.

2:1: إقليميـــــــــــــــــا:

على المستوي الإقليمي كانت ردود الفعل على وفاة جمال عبد الناصر تتراوح بين الارتياح والقلق، فقد مثلت وفاة ناصر ارتياحا بكل تأكيد لدي أنظمة عربية كانت تعرف في القاموس السياسي آنذاك بالنظم الرجعية المرتبطة بالغرب الإستعماري، يأتي النظام السعودي على رأس القائمة خاصة وأن سنوات الخصومة والعداء لم يجري تخطيها بين جمال عبد الناصر والأسرة السعودية، صحيح كانت مسار العلاقة بين أسرة آل سعود وبين ما يمثله عبد الناصر حالة من الهدوء الظاهري وتمثل فترات هدنة، لكن العداء في المحصلة النهائية هو الثمة التي طبعت العلاقات بين القاهرة والرياض.

فإنفاق ملايين الدولارات من الأسرة السعودية بهدف إغتيال جمال عبد الناصر، وانفاق الملايين من الدولارات بغرض ضرب الوحدة المصرية السورية كان سلوكا معاديا لعبد الناصر ولمشروعه اتفقت وتوحدت مواقف أقطاب الأسرة السعودية عليه.

يذكر السفير الأمريكي في جدة أن الملك فيصل قد أطلعه:” على تقرير مخابرات سعودي يحوي معلومات عن أن ضباطا من الجيش المصري رتبوا عملية لقتل ناصر يوم 26 يوليو…وقال لي الملك إنكم يجب أن تبذلوا أقصي جهد للخلاص من هذا الرجل الذي يفتح الطريق إلي التسلل الشيوعي، وقال لماذا تصبرون عليه؟ ألا ترون أنه لا يكف عن مهاجمتكم يوميا، مرة بسبب فيتنام، ومرة بسبب كوبا، ومرة بسبب الكونجو؟

ويواصل السفير الأمريكي قوله:” أبديت تحفظاتي على ما جاء في حديث الملك، لكنه كان يصر على أن ناصر يعادينا ويخدعنا، وإننا ما زلنا نحاول استرضاءه. وذكرته بأننا عطلنا توريد القمح إلي مصر طبقا للقانون 480. وعقب الملك ” أوقفوا عنه الطعام تماما وسوف ترون ما يحدث.” ([8])

كما استمرت الجماعات الإسلامية على وجه الخصوص في توجيه التهم لعبد الناصر بشكل روتيني متكرر وممل، فركزوا دوما على اتهام عبد الناصر بالشيوعية، وأنه يساعد على فتح أبواب المنطقة العربية للتغلغل الشيوعي. في الوقت الذي كان فيه القادة الإسرائيليون يتولون نفي تلك التهمة عن جمال عبد الناصر. ففي لقاء جمع بين جون كيندي وبن جوريون ” سأل كيندي بن جوريون عن رأيه في علاقات ناصر بالاتحاد السوفيتي؟ فأجابه بن جوريون:” إن العلاقة بين الاثنين وثيقة، ولكن ناصر ليس شيوعيا.” ([9])

يضاف إلي كل أسباب التوتر والقلق السابقة، تلك الحرب التي نشبت قبل وفاة ناصر بين الملك حسين ملك الأردن والمقاومة الفلسطينية، وفتحت أبواب المنطقة العربية للتدخل العسكري الأجنبي. غير أن الرئيس جمال عبد الناصر قد تمكن من احتواء تلك الكارثة عبر تحرك عربي. لكن وعلى الرغم من الدور المركزي لجمال عبد الناصر في إنهائها، فإن غيابه قد يشجع أطرافا في العودة إلي إشعال بؤر التوتر والخطر في المنطقة العربية.

3:1: دوليــــــــــــــــــا:

على الصعيد الدولي كانت ردود الأفعال أقرب إلي ردود الأفعال على المستوي الإقليمي، تراوحت بين الارتياح والقلق، ارتياحا في معسكر أعداء عبد الناصر وخصومه، وقلقا لدي أصدقائه وحلفائه. فمن المؤكد أن حالة من الارتياح والفرح قد شعر بها الإسرائيليون..وقد عبر عنها مناحم بيجين بقوله:” إن وفاة عبد الناصر، تعني وفاة عدو مر. إنه كان أخطر عدو لإسرائيل. إن إسرائيل لهذا السبب لا تستطيع أن تشارك في الحديث الذي يملأ العالم كله عن ناصر وقدرته وحكمته وزعامته.” ([10])

أما وزير المستعمرات البريطاني السابق في حكومة إيدن، فقد وصف دور عبد الناصر المناهض للبريطانيين في المنطقة العربية والعالم الثالث قائلا:” إن نجاح عبد الناصر شجع فجأة الحركات القومية وجعلها تتصور أنها قادرة أن تسحق بريطانيا، ولو أن جمال عبد الناصر استقل بمصر لما كان الخطر كبيرا على مصالحنا في العالم كله. وأنني أقول لكم صراحة أن جمال عبد الناصر كان أخطر على مصالحنا من الاتحاد السوفيتي ولم تستطع كل جهود روسيا أن تضعفنا كما استطاع أن يفعل عبد الناصر.” ([11])

وإذا كانت جنازة ناصر تمثل انعكاسا سياسيا وإنسانيا لحالة الترابط بين عبد الناصر وبين الكتلة البشرية الواسعة من الشعب العربي، فإنها ساهمت في تنبيه وتصحيح أخطاء الإدارة الأمريكية في سياستها المتعلقة بفهم طبيعة تلك العلاقة..يقول ستيفين غرين:”…كان أيزنهاور ودالاس يفاجئان دائما بقرارات ناصر سواء قرار تأميم القناة أو بنجاح مصر في إدارة الملاحة بها، أو في قرار التسليح، كانت الإدارة الأمريكية تعتقد اعتقادا جازما بأن جمال عبد الناصر لا يلقي شعبية كبيرة في بلاده وأن شعبه سرعان ما سوف يخذله عند أول أزمة، ولعلكم تستغربون حينما أقول أن مكانة عبد الناصر لدي شعبه لم تتضح أمريكيا بالشكل الكامل إلا عند تشييع جنازته الرهيبة سنة 1970.” ([12])

أما السوفيت فكانوا على علم مسبق بالحالة الصحية للرئيس جمال عبد الناصر. لذا فإن وفاته قد لا تمثل لهم حالة فجائية بنفس القدر الذي مثلته بالنسبة للآخرين. لكن من غير المشكوك فيه أن رحيل جمال عبد الناصر قد مثل لهم خسارة كبيرة، وتسبب في إثارة القلق لديهم على الأوضاع الداخلية في مصر، وقلقا أكثر على الأوضاع الإقليمية، وقد ظهر هذا القلق من خلال نداء اليكس كوسيجين إلي القيادات السياسية المصرية مطالبا إياهم بالتماسك ” عليكم أن تحاولوا السيطرة على الأشياء، لأنكم إذا سمحتم لأنفسكم بأن يجرفكم الحزن بهذه الطريقة فلا أحد يدرى ما قد يحدث، إن البلاد كلها يمكن أن تنهار.” ([13])

[1]_ د.على الدين هلال.

[2]_ محمد حسنين هيكل.

[3]_ علي صبري.

[4]_ عادل حسين.

[5]_ حمدي الكنيسي.

[6]_ فريدمان بيتنر. موسوعة تاريخ العالم.

[7]_ د. عصمت سيف الدولة.

[8]_ محمد حسنين هيكل.

[9]_ محمد حسنين هيكل.

[10]_ حمدي الكنيسي.

[11]_ حمدي الكنيسي.

[12]_ ستيفين غرين.

[13]_ محمد حسنين هيكل


عن admin

شاهد أيضاً

cnn : تحقيق يكشف: تحليلات البيانات العسكرية تكذّب زعم نتنياهو “هزيمةً وشيكة لحماس”

05.08.2024 07:38 PM أجرت شبكة “سي أن أن” الأميركية، بالاشتراك مع “مشروع التهديدات الحرجة CTP” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *