نشر بوساطة محمد أمين في أكتوبر يوم 10 - 10 - 2010
عقب هزيمة يونيو 67 كانت القوات الجوية أكبر المتضررين، حيث فقدت عددا كبيرا من طائراتها ودمرت مطاراتها وتحصيناتها، لذلك كان لابد من التخطيط من أجل تضميد جراحها وإعادة قوتها وكرامة طياريها فكان لابد أن يتولى المسئولية قائد عبقرى يتسم بالقدرة على التخطيط يستطيع إعداد أجيال من الطيارين المهرة للمشاركة فى معركة الكرامة.
فكان الاختيار للطيار حسنى مبارك الذى تولى فى البداية مهمة بالغة الأهمية وهى إعداد طيارين بأعداد وفيرة فى زمن قياسى فأسندت إليه مهمة قيادة الكلية الجوية فى نوفمبر1967 أى بعد شهور قليلة من النكسة فأدى المهمة على أفضل وجه، ثم تولى بعد ذلك رئاسة أركان القوات الجوية ثم قائدا للقوات الجوية ليقوم بالإعداد والتخطيط وقيادة الضربة الجوية التى افتتحت حرب أكتوبر 1973 وأفقدت العدو توازنه وقطعت أوصاله ومراكز قيادته، فكانت القوات الجوية صاحبة افتتاحية النصر تلتها انتصارات وانتصارات باقى أفرع ووحدات قواتنا المسلحة الباسلة.
وكان القرار للواء طيار حسنى مبارك التحدى ودخول المعركة بالطائرات التى تبقت من هزيمة يونيو67 بعد أن رفضت جميع الدول حتى روسيا تزويد مصر بطرازات جديدة منها.
ولكن القائد قرر تطوير الطائرات وقام بالتخطيط والتدريب ونفذ وأنشأ مطارات وقام بإعدادها بدشم حصينة لحماية طائراتنا من ضربات العدو، حتى لا يتكرر ما حدث فى 1967 وبالفعل تحقق فى السادس من أكتوبر1973 ما خطط له من تخطيط عبقرى محكم اعتمد فيه على الاستفادة من دروس الماضى.
اللواء طيار صلاح المناوى أحد قادة حرب أكتوبر الذين شاركوا فى التخطيط للضربة الجوية قال: لقد كان من الضرورى أن يقود الطيارين ويخطط لهم واحد منهم وكان أنسب طيار يقوم بهذه المهمة هو الطيار حسنى مبارك وهو واحد من المسئولين وقادة قواتنا الجوية فى الفترة من1967 إلى 1973 ومن الطيارين الذين يقودون طائراتهم وهذا ما بث الثقة فى نفوس الطيارين فى طائراتهم وقياداتهم وأن قائدهم لا يمكن أن يصدر إلا القرار السليم.
وأضاف اللواء المناوى لقد ارتفعت الروح المعنوية لطيارينا بعد أن تجاوزنا أزمة نكسة 67 وما تركته من إحباط فى النفوس، ومن شدة الإحساس بالمسئولية كان كل طيار ينفذ مهمته ويعود ويرغب فى تنفيذ طلعات أخرى، هذه الروح التى انتشرت فى الدفاع الجوى والقوات الجوية هى التى حيرت القوات الجوية الإسرائيلية تحيرا كاملا وأجبرتها على الخروج من دائرة التدخل فى وقت العبور، الأمر الذى أدى إلى نجاحه بشكل مذهل وبعد الضربة الجوية الموجهة للعدو.
أسوأ يوم/U/
ويرى اللواء صلاح المناوى أن يوم 14 أكتوبر هو أسوأ يوم فى حياة إسرائيل وقواتها الجوية فقد منيت بخسائر فادحة وأسقطنا عددا كبيرا من طائراتهم فوق الدلتا، لذلك تم اختيار هذا اليوم ليكون عيدا لقواتنا الجوية ليظل شاهدا على بطولات وبراعة مبارك ورفاقه فى القوات الجوية.
وعن كيفية الإعداد للمعركة يقول اللواء المناوى إنه عند تخطيطنا للقوات الجوية وضعنا العديد من الاعتبارات والدروس استعدادا للمعركة الكبرى لاسترداد الأرض والكرامة المصرية، ودرسنا العدو بشكل جيد من جميع النواحى، وأيضا كان لابد من استخدام القوات الجوية وتوظيفها بشكل جديد من خلال ضربات جوية شديدة بواسطة مقاتلات قاذفة محمية.
ويضيف كما راعينا أيضا فى تدريب وإعداد القوات الجوية لتحقيق الهدف المطلوب والتأثير الموجع فى الضربة الجوية الأولى أن تكون الأهداف التى سنضربها واضحة ومحددة تماما، ونجحنا فى تحديدها ومعرفة أدق تفاصيلها والتدريب على أهداف مماثلة داخل مصر، ثم أن يكون الضرب بالقنابل على مناطق محددة فى الهدف المعادى لتحقيق إصابة مباشرة تتسبب فى تعطيل هذه الأهداف المعادية عن العمل لفترات طويلة كما حرصنا على حماية المقاتلات والقاذفات خلال طريقها لتنفيذ وتدمير أهدافها من خلال تخصيص مجموعات من الطيارين يقومون بتنظيف المجال الجوى وهو فكر جديد طبقناه لأول مرة.
ويشير اللواء المناوى إلى أننا استفدنا من دروس1967 بعد أن وجدنا طائراتنا تم ضربها وهى على الأرض، لذلك وضعنا دراسة لعدم تكرار ذلك بدراسة العدو جيدا، ومعرفة من أين يأتى وقد ساعدت فترة حرب الاستنزاف على كشفنا لقدرات العدو الجوية والقتالية.
أيضا وضعنا تصورا لكيفية بناء المطارات التى نضع فيها طائراتنا وكيف تطير، وذلك من خلال التدريب المستمر بروح جديدة وأسلوب علمى فى التعامل مع كل شىء بدقة بالإضافة إلى تحقيق سهولة فى الاتصال فى أسرع وقت فليس هناك وقت للتفكير ففى عمليات القوات الجوية القرار لابد أن يكون سريعا وسليما فلا مجال للخطأ أو التباطؤ.
ويشير اللواء المناوى إلى استخدام الفكر العسكرى المتطور غير التقليدى فى التخطيط للضربة الجوية فلم يقتصر الأمر على دراسة العدو بل قارنا بين قواتنا وقواته وأى الأساليب أنسب للتعامل معه.
وأضاف لقد قام قائد القوات الجوية اللواء حسنى مبارك بوضع كل التفاصيل ولم يترك شيئا للمصادفة أو للظروف وواجه كل العقبات والمشاكل وخطط وطور ونفذ فلم يكن ينام، وعاش وسط الطيارين وكان مشغولا بألا يسمح للعدو بضرب مطاراتنا وقواعدنا الجوية ووضع خطة لصد أى هجوم مضاد.
وأوضح اللواء المناوى أننا حرصنا على الاهتمام بأدق الأمور، خاصة سرعة اكتشاف الطائرات المعادية قبل وصولها بفترة كافية لضرب أى أهداف فى أراضينا من خلال المراقبة بالنظر والوسائل الحديثة وسرعة الإبلاغ حتى تستطيع طائراتنا الإقلاع فى وقت يسمح لها بالاشتباك مع طائرات العدو وذلك من خلال التدريب الجيد وكثرة الطلعات الجوية إيمانا منا بأن الطيار غير المدرب يسقط على الفور.
أما عن خطة ضرب العدو ومراكز قياداته فيقول اللواء المناوى: لقد اشتملت الخطة العسكرية الجوية على ضرب العدو من خلال طلعة جوية واحدة أو طلعتين وإنزال عدد كبير من قوات الصاعقة فى مناطق محددة بدقة مسبقا وذلك للتعامل مع لواءات العدو المدرعة وإعاقتها عن التقدم بسرعة تجاه خط بارليف لمنع القوات المصرية من التقدم السريع.
وأضاف اللواء طيار صلاح المناوى، أننا أيضا ونحن نضع خطط الهجوم والتصدى للعدو توقعنا أنه عندما يقوم بمهاجمتنا يأتى عن طريق البحر وعلى ارتفاع منخفض هربا من دفاعاتنا الجوية على طول الجبهة، ولهذا عندما حدث ما توقعناه والمكان المحدد فوجئ العدو بأن مقاتلاتنا فى هذه الاتجاهات تنتظره. كما أننا وضعنا نظاما لرصد قوات العدو بحيث يمكن لجميع التشكيلات معرفة مكان طائرات العدو وسرعتها وتشكيلاتها واتجاهاتها وذلك بالتنسيق مع قوات الدفاع الجوى على طول الجبهة.
ويضيف اللواء صلاح أن العدو أعطى أوامره باللاسلكى المفتوح لطائراته وطياريه بعدم الاقتراب من مسافة 15 كيلومترا شرق القناة بعد أن شعر بالخطر على قواته بعدما تمكنت دفاعاتنا الجوية من إسقاط العشرات من طائراته.
ويضيف اللواء المناوى أن العدو فشل أيضا فى اختراق العمق للوصول للأراضى المصرية بعد أن فشل فى تخطى الجبهة، حيث نجحت طائراتنا فى التصدى لطائراته رغم محاولاته والتى بلغت ثمانى محاولات وتم إسقاط العشرات من طائراته، كما حدث فى معركة المنصورة التى شهدت بطولات وكفاءة كبيرة من الطيارين المصريين، فضلا عن عدم تمكنه من إخراج قاعدة جوية واحدة من المعركة ولم يتمكن من تدمير طائرة واحدة على الأرض أو حتى معدة جوية.
ويقول إن العدو فشل فشلا ذريعا فى التصدى لطائراتنا فى الطلعة الجوية الأولى حيث قامت 220 طائرة بقصف أهدافه الحيوية ولم يتمكن من إسقاط سوى 4 طائرات فقط، مما يمثل انتصارا كبيرا لقواتنا الجوية، علما بأن الروس كانوا يقدرون خسارتنا لأكثر من 25% من طائراتنا فى الطلعة الجوية الأولى وبالتالى لم نحتج إلى القيام بالطلعة الثانية، كما كان مخططا.
اللواء طيار صلاح المناوى : العدو الإسرائيلى فشل في تدمير قواتنا الجوية فانتصرنا
13 اكتوبر 2013 - 48 : 20
حوار- نهي العلكي
اخدع السماء تخضع لك الأرض!
نشر بوساطة ياسر نصر في روزاليوسف الأسبوعية يوم 06 - 10 - 2018
اخدع السماء لتعبر البحر.. هكذا تقول إحدى استراتيجيات الحرب الصينية ال36، وهو ما نفذته القوات المسلحة المصرية بدقة فى حرب الكرامة والعزة فى 6 أكتوبر 1973.
لم يكن اقتحام قناة السويس وتحقيق ملحمة أكتوبر بالأمر السهل.. تحديات كثيرة واجهت أبطالنا البواسل على البر الشرقى للقناة من ساتر ترابى ونقاط حصينة وقوية.
بطولات عظيمة صنعتها سواعد الأبطال، وسجلها التاريخ بأحرف من نور، لتبقى تفاصيل ماجرى شاهدة على واحدة من ملاحم الجيش المصرى فى العصر الحديث.
فى شهادته التى تضمنها كتاب «خفايا حرب أكتوبر» للمؤلف فاروق الشاذلى يروى الفريق عبد المنعم واصل وهو أحد صناع الملحمة إذ كان قائدا للجيش الثالث الميدانى فى حرب أكتوبر تفاصيل مرحلة الإعداد للحرب.
يقول واصل: بعد حرب 67 احتلت إسرائيل الضفة الشرقية من السويس وحتى بورسعيد.. وكانت قواتنا بالضفة الغربية للقناة.. لجأت كل قوة من القوتين إلى تعزيز مواقعها وإقامة ساتر ترابى.. وخلال مرحلة الاستنزاف كانت الأوامر لقواتنا المسلحة هى تدمير الخط الدفاعى على الضفة الشرقية بأسلحته.. ونفذ الجيشان الثانى والثالث فى الوقت المحدد مهامهما، مما كبد الجانب الإسرائيلى خسائر كبيرة فى المواقع والعتاد.
ولكى نتصور التحديات التى واجهت قواتنا المسلحة.. فالشكل العام للضفة الشرقية كان ثلاثيًا: مانع مائي.. نقاط قوية على المحاور الرئيسية عبارة عن دُشم خرسانية وفوقها قضبان السكك الحديدية طوليًا وعرضيًا، وطبقات من الأرصفة ومثلها من السلك الصلب وطبقة خرسانية أخرى.. كل ذلك للوقاية من ضربات الطيران.. وكانت تلك النقاط تتحمل قنابل حتى ألف رطل.. ولم تكن تلك النقاط فردية.. ففى منطقة الشط ثلاث نقاط قوية.. وفى الشمال أخرى فى كبريت خاصة فى الجيوب بالجباسات وفى عيون موسى وسدر حطان والبحر الأحمر.. وكل نقطة تعاون الأخرى.
مواقع دفاعية
بعد تلك النقاط أقام مواقع دفاعية من دشم ومصاطب دبابات ورشاشات وهاونات.. وأحاط كل ذلك بالسلك الشائك وحقول الألغام ضد الدبابات والأفراد والشراك الخداعية.. وترك المدخل لها من الخلف.. ويقود كل ذلك مركز قيادة تحت الأرض على بعد 9 كيلومترات من شاطئ القناة.
وأمام الجيش الثالث كانت النقاط القوية الحصينة رأس مسلة وعيون موسى والجباسات والشط وكبريت.. 10 نقاط حصينة والساتر الترابى والذى يصل ارتفاعه ما بين 17 و22 مترًا ويميل بزاوية 45 درجة.. ويسبق ذلك مانع مائى عرضه 200 متر وعمقه 17.. ومدخله الجنوبى يختلف عن باقى القناة فى المد والجزر والذى يصل الفاصل بينهما إلى مترين وسرعة تيار 90 مترًا فى الدقيقة.
كان كل ذلك يمثل تحديات للعبور وبعزيمة الرجال والتدريب الشاق المتواصل والإيمان بالروح القتالية وحب الوطن والتخطيط الجيد والنظرة المستقبلية ووضع الحلول المسبقة أمكن التغلب على جميع المصاعب التى قابلتنا أثناء اقتحام القناة.
مرحلة الإعداد
ويقول الفريق عبدالمنعم واصل: فى مرحلة الإعداد للمعركة كان تجهيز البر الغربى للاقتحام والعبور.. واخترنا فى سرية تامة ومن خلال مسابقات وجوائز بسيطة أمهر من يجيد السباحة من أفراد المشاة والمهندسين الذين قاموا بعمليات استطلاع وتحديد مواقع خزانات النابالم التى يهددنا بها الإسرائيليون فى عام 71 وأشعلوا القناة بعد علمهم بأننا سنحارب من أجل خفض الروح المعنوية.. وجاءت فكرة سد الفتحات فكانت السباحة للحصول على قطر الفتحات.. ثم مرة ثانية ووضع أخشاب وسلة صغيرة مملوءة بالخيش والأسمنت ولم يشعر الجانب الآخر بذلك رغم أن ذلك تم فى فترة الإعداد لاعتقادهم أننا أصبحنا جثة هامدة.
ماذا عن يوم الاقتحام؟
فى يوم 5 أكتوبر وفى السادسة مساءً جاءنا بلاغ بالاستعداد لتنفيذ العملية.. ودفعنا القوارب المطاطية والخشبية خلف الساتر الترابى.. وفتحنا الثغرات فى حقول الألغام لقواتنا ومع شروق الشمس كانت صورة الحياة عادية.
ويضيف: فى الثانية من بعد ظهر يوم السادس بدأت القوات الجوية بالمرور على ارتفاعات منخفضة إلى عمق الجانب الآخر.. وبعد دقائق كان ألف مدفع على الجبهة تضرب النقاط الحصينة بالضفة الشرقية على 3 قصفات لمدة 53 دقيقة تم خلالها دفع القوارب بالمهندسين من أجل فتح الثغرات.. ومجموعات اقتناص الدبابات، وبعد ذلك تدافعت الموجة الأولى من المشاة لقوات النسق الأول ومن شدة التيار احترق عدد من القوارب.. وكان الحل السريع هو استخدام البرمائيات لنقل الفصائل المهاجمة حتى لا يتم تأخير الجدول الزمنى.. وعلى محاور تقدم الفرقة الثانية من الجيش كانت هناك عقبة جديدة بعد أن قام المد بانحراف الكوبرى ومنع سقوط آخر برطوم، وبدأ الليل ولم تعبر الدبابات لمعاونة الموجات الأولى والتى هاجمت ما بين النقاط الحصينة ووصلت إلى عمق ما بين 300 و400 متر.
كوبرى جديد
وطلبنا (كوبري) جديدًا بعد نجاح دبابة إسرائيلية فى تدمير أحد الكبارى بإصابة مباشرة من مسافة 1500 متر واستخدمنا 5 معديات.. وقامت الدبابات باحتلال مواقعها فى البر الغربى والضرب على القوات الإسرائيلية فى الجانب الآخر.. واستخدمنا (كوبرى) من الجيش الثانى لعبور قواتنا.. ونجحت قواتنا فى تدمير الدبابة.
ويقول: فى الرابعة وخمسين دقيقة من صباح يوم 7 انجلت الغمة وأنشأنا كوبرى الكيلو 141 وأعطينا الأسبقية للأولويات وعبرت قوات الجيش الثانى منه أيضًا.. واستخدمنا الوسائل المختلفة والقدرة القوية على استخدام القيادة للسيطرة على الموقف.. وكانت معركة كبارى بيننا وبين الجانب الآخر.
فى التدمير والإنشاء
وكانت النقاط القوية الحصينة تحديًا آخر.. فقام لواء مشاة ميكانيكى من الفرقة 19 بمهاجمة جبل المر، والذى أُطلق عليه بعد ذلك الفاتح.. ونُفذت المهمة بدقة.. ونجح اللواء السابع والأول ميكانيكى فى السيطرة على عيون موسى من دون أن يطلق طلقة واحدة إلا على الحرس الأمامى وترك القائد والجنود الموقع وهربوا.. وحتى الآن مازالت البيجاما وعدة الحلاقة للقائد موجودة فى النقطة.
داخل غرفة العمليات
الساعة الثانية من بعد ظهر يوم الجمعة الخامس من أكتوبر عام 1973.
سيارة جيب تخرج من مقر وزارة الحربية بكوبرى القبة. يستقلها الفريق أول أحمد إسماعيل على القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية واللواء حسن الجريدلى سكرتير عام وزارة الحربية. كان الاثنان قد فرغا من أداء صلاة الجمعة فى ذلك اليوم من شهر رمضان. واتجها بالسيارة إلى مركز العمليات فى منطقة ما بالصحراء المحيطة بالقاهرة.
سلكت السيارة طريقها عبر شارع الخليفة المأمون.. كان الشارع ساكنًا فى تلك الساعة. أعداد قليلة من السيارات تقطع الشارع وبعض المارة يسيرون فى هدوء.
أشار نحوهم الفريق أول أحمد إسماعيل وهو يسأل اللواء الجريدلى: ترى ماذا سيقول عنا هؤلاء الناس إذا قلنا لهم إن الحرب غدًا فى مثل هذا التوقيت؟!
ورد عليه اللواء الجريدلى قائلا: طبعًا، لن يصدقنا أحد.
وصلت السيارة الجيب إلى مركز العمليات، حيث كان يجرى تنفيذ المشروع الاستراتيجى السنوى الذى تشترك فيه قيادات القوات المسلحة بات القادة ليلتهم فى المركز.
وأشرق صباح اليوم التالى.. يوم السادس من أكتوبر.. واصل القادة فى ساعات الصباح تنفيذ المشروع الاستراتيجى.
وفى تمام الساعة الثانية عشرة.. صدر الأمر برفع خرائط المشروع الاستراتيجى ووضع خرائط العمليات أى الحرب.. وأغلقت أبواب مركز العمليات ولم يعد بمقدور أحد الدخول إليه.. سوى شخص واحد.. هو الرئيس أنور السادات.
وبعد ساعة.. توجه الفريق أول أحمد إسماعيل إلى مقر رئيس الجمهورية بقصر الطاهرة ليصحبه من هناك إلى مركز العمليات الرئيسى.
وفى الواحدة والنصف وصل القائد الأعلى والقائد العام إلى مركز العمليات.. نزل الرئيس السادات مرتديًا زيه العسكرى من السيارة.. ودخل غرفة العمليات.. وأخذ مكانه فى منتصف المنضدة الرئيسية بعد أن حيّا أفراد غرفة العمليات.
أراد السادات رفع الحرج عن الموجودين بغرفة العمليات.. طلب كوبًا من الشاى الأخضر وكيس التوباكو.. وبدأ يدخن «البايب» فى هدوء ويرتشف من كوب الشاى.. ثم نظر إلى من فى الغرفة وقال:
«أنتم مابتشربوش حاجة ليه يا ولاد؟» الإفطار مباح فى رمضان.. واحنا داخلين على أوقات صعبة.
وبدأ السادات يتحدث إلى من حوله بكلمات بسيطة هادئة كى يزيل بعض التوتر الذى كان سائدًا بين ضباط غرفة العمليات الرئيسية.
أخذت الساعة تقترب من الثانية وأنظار الكل معلقة بعقارب ساعة الحائط بالغرفة وسط سكون شامل.
دقت الساعة معلنة تمام الثانية.. اتجهت الأنظار إلى اللوحة الخاصة بالقوات الجوية الموضح بها القواعد الجوية المنتشرة فى أنحاء الجمهورية.. وشرع ضباط الاتصال بالقوات الجوية فى تسجيل بداية انطلاق أسراب القوات الجوية من قواعدها.. اتجاه كل النقاط على اللوحة.. كان نحو الشرق إلى قناة السويس.
وفى الساعة الثانية و5 دقائق.. كانت جميع النقاط قد أصبحت فى خط واحد يعبر قناة السويس.. لتبدأ أعظم ملحمة جوية عرفتها 220 طائرة.. انطلقت نحو الأهداف المحددة لها لتقصفها وتدمرها وتنفذ الضربة الجوية.
بدأ اتجاه النقاط فوق لوحة القوات الجوية نحو الغرب.. وقلوب الجميع فى غرفة العمليات تدعو بالعودة السالمة.. واقتربت النقاط من أماكن قواعدها بالجمهورية.
وهنا.. قطع رنين التليفون هدوء المكان.. أسرع اللواء حسن الجريدلى برفع السماعة كان المتحدث هو اللواء طيار حسنى مبارك قائد القوات الجوية. وجاء صوته يحمل البشرى.. «نجحنا والحمدلله.. وخسائرنا طفيفة جدا».. ناول اللواء الجريدلى السماعة إلى الفريق أول أحمد إسماعيل الذى تلقى «تمام» الضربة الجوية.. وانتقل التمام من القائد العام إلى القائد الأعلى الذى انفرجت أساريره ونظر إلى من فى الغرفة قائلا: «مبروك يا ولاد.. ربنا حينصرنا إن شاء الله».
سعادة.. بهجة فرحة لا توصف ارتسمت على كل الوجوه.. وانطلق أكثر من ضابط خارج الغرفة لإعلان النبأ السعيد إلى باقى الضباط فى مركز العمليات.
وتوالت البلاغات إلى غرفة العمليات.. اللواء محمد سعيد الماحى مدير المدفعية يعلن بدء تمهيد المدفعية بأكثر من ألفى مدفع وهاون أطلقت قذائفها على مواقع القوات الإسرائيلية شرق القناة.
ووصل أول بلاغ من الجيوش الميدانية ببدء نزول الموجات الأولى لاقتحام القناة من قوات الصاعقة والمشاة فى ألف قارب مطاطى ليضع أكثر من 8 آلاف جندى مصرى أقدامهم على الضفة الشرقية للقناة، ويتسلقوا الساتر الترابى، ويقتحموا الدفاعات الإسرائيلية.. بينما كان رجال المهندسين العسكريين يفتحون الثغرات فى الساتر الترابى ويقومون بتشغيل المعديات وإقامة الكبارى كى تعبر عليها المعدات الثقيلة.
وفى تمام الساعة الثانية والنصف.. جاء أغلى البلاغات برفع أول علم لمصر على الضفة الشرقية للقناة فى سيناء.. ورقصت قلوب كل من في غرفة العمليات الرئيسية فرحًا بهذا النبأ الذى كان حلمًا ظلّ الجميع داخل وخارج الغرفة وفى كل مكان على أرض مصر ينتظر تحقيقه أكثر من ست سنوات.
وبعد 16 دقيقة.. تلقت غرفة العمليات بلاغ سقوط أول نقطة حصينة فى خط بارليف لتتهاوى بعدها النقاط والحصون وتتوالى بيانات نجاح القوات العابرة إلى غرفة العمليات.. وفى الساعة السابعة والنصف كانت فرق المشاة الخمس قد اقتحمت قناة السويس على مواجهة طولها 170 كيلومترا واستولت على 15 نقطة قوية، وأقامت رءوس كبارى بعمق من 3 إلى 4 كيلومترات شرق القناة.
وهنا قال الرئيس السادات للقادة والضباط فى غرفة العمليات: «خلاص ياولاد إسرائيل فقدت توازنها».
وفى حوالى الساعة الثامنة مساء.. وبعد 6 ساعات من بدء الحرب.. غادر السادات مركز العمليات بعد أن اطمأن إلى نجاح معركة العبور.. وتوجه إلى مقره فى قصر الطاهرة.. لمقابلة السفير السوفيتى الذى ألح على طلب لقاء الرئيس.
تلك كانت ذكريات اللواء حسن الجريدلى سكرتير عام وزارة الحربية الذى عُيّن رئيسًا لهيئة عمليات القوات المسلحة فى نوفمبر 1973، ذكريات عطرة عن وقائع أمجد أيام مصر وأكثرها خلودًا.. يوم السادس من أكتوبر.. من داخل غرفة العمليات الرئيسية التى أديرت منها الحرب.
معارك السماء
لم تبدأ ساعة الصفر لانتصارات أكتوبر بالضربة الجوية لكنها بدأت مع 5 يونيو 67، خاضت القوات الجوية من تلك اللحظة العديد من المعارك كان أكبرها هو إعادة البناء من مطارات وقواعد جوية ومعلومات وحصر للأخطاء ووضع الخطط وإعداد الكوادر.
ومع الوصول بالقوات الجوية للمستوى المطلوب.. وتحديد كل شىء.. كانت الضربة الجوية.. مفتاح الحرب والتى حققتها أكثر من 200 طائرة فى توافق زمنى ودقة لتدمير أهداف محددة.
اللواء صلاح المناوى يقول: فى الساعة الثانية يوم السادس من أكتوبر كان أول ما قلناه: ربنا اجعل من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا، فقد وصلنا بدرجة السرية فى العمليات إلى إعطاء الأوامر شفويًا بالخطاب المباشر بدون استخدام التليفون أو اللاسلكى.. أو حتى الشفرة.. وكانت التوقيتات معروفة فى حيز محدود حتى لا تتسرب.. ولحق ذلك خطة خداع وتمويه من القائد بالرحلة المزعومة إلى ليبيا.
والضربة الجوية لم يكن المقصود بها تجمعات جنود، لكن تدمير وسائل الدفاع الجوى والمطارات ووسائل الشوشرة والإعاقة الإليكترونية وكل ما سيعيق تحركنا بعد ذلك.. وقد خططنا ونفذنا الضربة الجوية بدقة تامة.
ثغرة الدفرسوار
ويقول اللواء صلاح المناوى: إن الحرب أظهرت الإنسان المصرى وقدرته على التحمل، فالفنيون لم يناموا الليل إلا والطائرة جاهزة فى الصباح للخروج. ونسوا الأكل والشرب.. وخلال الحرب ورغم الانشغال بعمليات الهجوم ومنها نقل الصاعقة بطائرات الهليكوبتر خلف الخطوط وفى العمق لتعطيل القوات المعادية وكان له تأثير فى استقرار رءوس الكبارى.
وكانت أوامر قائد القوات الجوية «ألا تجعل القوات المعتدية تستريح ويجب مواصلة الضرب بلا توقف».. وكان الضرب أحد الأسباب لخروج إسرائيل من الثغرة.
معركة المنصورة
ويقول اللواء سيد كامل قائد لواء الاستطلاع: إن القوات الجوية فى الحرب كانت كما قالوا مفتاح النصر.. فكل شىء أُعد له رد الفعل.. ومواجهة كل الأعمال الإسرائيلية ويدلل على ذلك بمعركة 14 أكتوبر بين الفانتوم والميراج الإسرائيلى والسوخوى وميج 17 المصرى.. هذا جزء قليل من بطولات وتدريب وتخطيط جيد ومحكم للدخول فى حرب أكتوبر وتحقيق انتصارات مازالت تدرس فى المعاهد والكليات العسكرية فى العالم.
مجلة الوعي العربي