
الثورة المقصودة هنا هي ثورة 25 يناير 2011، ولم يكن اندلاعها أمرا هينا، كالذي تلوكه مسلمات الخطاب الطائفي وانحيازات التعصب المذهبي وضيق الأفق الانعزالي.. وكل هذه توجهات وأيديولوجيات اعتادت التفسير الأحادي للأحداث والظواهر.. والثورة كما تتعدد أسبابها تتنوع منابعها وروافدها، وفي الظروف الحالية، وقد عاد فيها اليأس أقوى مما كان، وغطى الإحباط على كل ما يمكن استخلاصه من دروس تلك الثورة العظيمة، التي أُجْهِضت للأسف، ووجدت من يسلم زمامها لألد أعدائها؛ من خفافيش الطابور الخامس، ووحوش الثورة المضادة.
ويجب قَصْر وصف الثورة على نسختيها التونسية والمصرية؛ على الأخص من بداية انتفاضة تونس في 18 كانون الأول/ديسمبر 2010، وهروب زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011، ثم خروج الملايين المصرية في 25 يناير 2011، واعتصامها لثمانية عشر يوما متواصلة؛ انتهت بتخلي حسني مبارك عن الحكم، وقد يستغرب البعض إضفاء الوصف على ثورتي تونس ومصر وعدم تعميمه على غيرهما.. وعليه سيقتصر تناولنا على النسخة المصرية.
والضغط عليها شديد واختراقها تجاوز الحد.. وقد كانت الأكثر شدا للانتباه ولفتا للأنظار، وكفاها ما أحدثت من تغيير على البنيان النفسي العام للشخصية المصرية، وهو الأهم من وجهة نظري، فذلك البنيان النفسي العام، إذا صح التعبير، تغير وتغير معه نفوس الغالبية العظمى من المواطنين.. وهذا ما لا يدركه كثيرون في الأوساط الرسمية المصرية والعربية؛ تحرر المواطن من الخوف المتأصل لديه من السلطة ومن ذوي السلطان.. وهذه الأوساط لم تتحرك قيد أنملة بعيدا عن منظومة الاستبداد والفساد والتبعية التي صنعتها وعاشت في ظلها، ومع ذلك فحتى اللحظة لم تفلح أساليب ولا أدوات القمع والقهر والاعتقال والتغييب؛ لم تفلح في إخماد الجذوة المتقدة في البنى التحتية للمجتمع.. وهذا تغيير لو يعلمون عظيم، وكما قلت في مقال سابق أنه تغيير كان في حاجة لنصف قرن حتى يتحقق.. وهو باق ومستمر وشق طريقه رغم القيود والمتاريس والملاحقات.
وسؤالنا؛ ما الذي يُغري في العودة لحراك بدأ من ثمان سنوات؟.. والسبب هو إعادة قراءة ما لم يتنبه إليه من تناولوا أحداث تلك الفترة، وتخفيف من وطأة ضجيج حملات لا تتوقف وتصم الآذان عن سماع الحقائق، ومثيرو هذا الضجيج أول من يعلمون أن الثورة لم تندلع من فراغ، ولم تكن عملا عشوائيا، أو مقامرة نحو مجهول؛ كانت عملا مدروسا ووطنيا من طراز فريد، وسبق النسخة المصرية حراك واسع ومكثف؛ جاء مواكبا للهجوم الوحشي على المحتجات والمحتجين أمام نقابة الصحافيين وسط القاهرة في أيار/مايو 2005، ومثل تحولا نوعيا في سياق اكتشاف ضرورة الثورة والعمل على الإعداد للحظتها المتوقعة.
وكانت «حركة كفاية» وأخواتها قد ظهرت تباعا، مع توالي العوامل المعجلة بذلك؛ عدوان أمريكي غادر وفاجر على العراق.. استفحال الاحتلال والاستيطان الصهيوني في فلسطين.. تردي الأوضاع المصرية الداخلية، وعجز الحكم عن مواجهة المخاطر المحدقة بالبلاد، وتجاهل حاجة الدولة الماسة لتغيير شامل؛ سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي ودستوري.
حتى اللحظة لم تفلح أساليب ولا أدوات القمع والقهر والاعتقال والتغييب؛ لم تفلح في إخماد الجذوة المتقدة في البنى التحتية للمجتمع
اختصرت «حركة كفاية» المطالب وقتها في ستة مطالب: 1) إنهاء إحتكار الحزب الحاكم للسلطة.. 2)إلغاء حالة الطوارئ وكافة القوانين الإستثنائية المُقيدة للحريات.. 3) تعديل دستوري فوري يسمح بانتخاب رئيس الجمهورية ونائبه من الشعب مباشرة لمدة لا تزيد عن دورتين، والحد من الصلاحيات المطلقة للرئيس.. 4) تحقيق الفصل بين السلطات.. 5) إطلاق حرية تكوين الأحزاب وإصدار الصحف وتكوين الجمعيات، ورفع الوصاية على النقابات.. 6) إجراء إنتخابات برلمانية نزيهة وحقيقية تحت إشراف مجلس القضاء الأعلى ومجلس الدولة، بدءاً من إعداد كشوفها حتى إعلان نتائجها.
استمر الحراك حتى «انتفاضة المحلة» الكبرى في 2008، وكانت محطة شبه نهائية؛ بدت كأنها محاكاة للثورة المتوقعة، ويمكن وصفها باللغة الدارجة بـ«البروفة النهائية» للثورة، ويسمح لي القارئ الكريم بالإشارة لبعض ما جاء في مقال لي نُشر في اليوم السابق على «انتفاضة المحلة»، والمحدد له السادس من إبريل 2008، وعنوانه «أيكون يوم غد الرد على صناع الجوع وقتلة الشعب؟!.. الأنظار تتجه إلى مصر»، وفيه تأكيد على تراجع احتمالات الفوضى التي راهنت عليها عائلة مبارك، وعاد ذلك إلى آثار السنوات الثلاث السابقة على «الانتفاضة»، وأفراز صيغ جامعة وبديلة؛ رفعت من وعي الشارع وضبطت بوصلته، واتجاهه نحو التغيير، وعندما يسلك مجتمع ذلك الطريق يزداد اطمئنانا لسلامة موقفه، ومستوى وعيه بضرورة الثورة، وتمت «البروفة» بجهود قوى وجماعات تنزل الشارع لأول مرة؛ تعلن رفضها واحتجاجها ومطالبتها بالتغيير، واستعدادها لتحمل التبعات، ودَفْع الثمن.
كان في طليعتها؛ الصحافيون، والقضاة والمحامون والمهندسون وأساتذة الجامعات، ومأمورو الضرائب العقارية، والأطباء؛ كلهم تظاهروا واحتجوا وأضربوا واعتصموا. وتأتي لحظة لقاء كل هؤلاء بعمال المحلة الكبرى في ذلك الغد المنتظر، وكان غدا مشهودا في التاريخ العربي الحديث. وتحولا نوعيا؛ وردت معه أخبار عن استعداد الفلاحين، في قرى وأرياف الدلتا والصعيد، للزحف على العاصمة، والاعتصام بها حتى تتم تلبية المطالب وعودة الحقوق المغتصبة لأصحابها.. واتجهت الأنظار نحو ذلك الغد، الذي هفت إليه القلوب وتطلعت إليه الأفئدة.
وما أشبه الليلة بالبارحة، فما زالت ثورة يناير مبهرة وإعجازية، وهي التي فاجأت العالم وشدت أنظاره ونالت تقديره.. ونصل إلى مربط الفرس؛ كما يقولون، وهو اقتراف الثورة لمحرمات لم يكن هناك أي من المعجبين «الغرباء»؛ في «القارة العربية» وأوروبا وأمريكا وباقي العالم يتوقعها.. وأهمها هو اقتحام السفارة الصهيونية بالقاهرة.. ولها قصة أروي جانبا منها كشاهد عيان.
فبعد تلبية الملايين دعوة «إئتلاف شباب الثورة» للخروج لـ«تصحيح المسار»؛ أي مسار الثورة توافدت الحشود على ميدان التحرير وباقي ميادين المدن الكبرى وعواصم المحافظات بعد صلاة جمعة 09/ 09/ 2011؛ ما عدا جماعة الإخوان المسلمين، وحذت حذوها «الحركات السلفية».. ومن عادتهم المبالغة في أعدادهم، وإيهام الناس بأن غيابهم سيترك فراغا وخلخلة لا يمكن علاجها، وهو ما كان يتحسب له المنظمون لتكرار هذه المبالغات والوعيد الدائم بالفشل، وكانت علاقتهم بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير طنطاوي في أحسن أحوالها، ولم يكن قد شابها التوتر بعد؛ على الرغم من توالي سقوط الشهداء، ليصل عددهم إلى 850 شهيدا حتى ذلك اليوم المشهود.
وتوالت الحشود على الميدان، وزحف قطاع منها نحو السفارة الصهيونية على الضفة الغربية للنيل؛ بالقرب من تمثال «نهضة مصر»؛ بمدخل الميدان المسمى باسمه.. وتلقيت مكالمة تطلب ترك الميدان والتجه فورا نحو السفارة الصهيونية؛ كي لا يفوتنا ذلك المشهد التاريخي، وصادف يومها «عيد الفلاح»، وذكرى أول قانون للإصلاح الزراعي (09/ 09/ 1952) وتوزيع الأرض على الفلاحين، وبعد أن كانوا أجراء وأقنانا يعملون بنظام أشبه بالسخرة تحولوا لملاك ومزارعين.
مجلة الوعي العربي