كمال خلف الطويل
الاتحاد اللبنانية
عدد ٢٧ اكتوبر ٢٠١٧ما من مرة حمل فيها الكرد السلاح ، في أيٍ من الدول الأربع التي يقطنونها ، إلا وباء مشروعهم المسلح بالفشل بل بالفناء ، حتى وإن طال أمد ما قد يبدو من نجاح له ؛ كما في الحالتين العراقية والتركية.لماذا ؟ … لجملة عوامل:أنهم من مشارب ثقافية-لغوية متباينة ، وتلاوين إقليمية مختلفة ، وانتماءات قبلية متنابذة ، ومرجعيات ميدانية متنافسة.هذا في الجوّاني ، أما في البرّاني فلم تأل قياداتهم جهداً في الرهان على الحليف الخطأ وفِي الوقت الخطأ وابتغاء الهدف الخطأ ، بل لعلهم أساتذة في مهارة الانتحار الجيوسياسي عزّ لهم نظير.نظرة طائر على العقود السبعة الفائتة تتحدث عن نفسها:ظنّ القاضي محمد أن ستالين رافعته الى الانفصال عن إيران ، فما كان من الأخير إلا أن ألقى به جانباً ، مفسحاً المجال لبهلوي ليرسله الى المقصلة عام ١٩٤٦ ، متعللاً بشطط “مهاباد” تعدياً على قرينتها الانفصالية في أذربيجان الإيرانية.دشّن المُلا مصطفى البرازاني السلاح سبيلاً الى نيل المطالب منذ أيلول ١٩٦١ ، راكباً مركب الشاهنشاه الإيراني ، ومصحوباً بدعم الموساد ورعاية لانغلي ، في سعيه للانفصال عن العراق (ولو تلطياً بيافطات اللامركزية ثم الحكم الذاتي ثم الفدرالية ، وفق المرحلة) فما كان من هؤلاء معاً إلا أن ألقوا به في سلّة المهملات ربيع ١٩٧٥.امتطى عبدالله أوجلان دراجة حافظ الأسد وجورج حبش عام ١٩٨٤ ، تحت شعار الفدرالية لتركيا ، فلما اضطر الأسد للفظه - درئاً لهجوم تركي مبتغاه دمشق - لم يتردد لهنيهة .. وانتهى أوجلان حبيساً في مرمرة منذ عام ١٩٩٩.وفِي الآونة الأخيرة أخذت كاكا مسعود البرازاني العزة بالإثم فركب رأسه ضارباً عرض الحائط بكل تحذيرات المحيط - أن ارعوي وألغِ استفتاء الانفصال - ، وبظنّ ان اسرائيل كفيلة بتأمين دعم الولايات المتحدة له ، مغفلاً ان الأخيرة ليست في وارد استعداء عرب العراق وتركيا وإيران وسوريا ، كلهم في ذات الوقت ، كرمى لمرتبطٍ بها شاء أن يكبّر مقاس رأسه في ما ظنّها لحظة تاريخية سانحة ؛ فكان مآله أن أصبح أضحوكة الكرد قبل سواهم.وقبله وبعده ، امتشق الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي حسام الفتح في الشرق والشمال السوريين ، مؤيداً بالبنتاغون بعد أن اهتدى الأخير إليه (منذ خريف ٢٠١٤) ، وقد عزّت البدائل ، أداةً برية تقاتل داعش ، فمضى يضمّ اليه جغرافيتهما ويرحّل عربها ويسطو على مواردها وكأن دوام الحال قد تأبد. لعله الآن يدرك أن رهانه على المدد الأمريكي قابل للتآكل بضغط عوامل عدة ، منها أن حلفاءه من عشائر عربية هم محض مشاركي مخدع لا شركاء مصير ، وأن تشبث الولايات المتحدة بدعمه محكوم سلباً بعاملين: تصميم الحلف السوري-الإيراني ، مؤيداً بالروسي بل والتركي ، على حرمانها من أسباب البقاء في الشرق السوري ، سواءٌ قواعدَ أم حتى نفوذ … وعسرة توفير سبل الدعم له سواء عبر تركيا أم عبر العراق ؛ وعليه ف”روجافا” محكومة بالتبخر عبر وقت لن يطول.هذا في سجل الإخفاقات ، أما على صعيد الشقاقات فحدّث ولا حرج:خرج ابراهيم أحمد وصهره مام جلال على الملّا مصطفى بالسلاح عام ١٩٦٤ بتضافر مع نظام الشقيقين عارف ، فلما قضى منهما وطره عاد للتفاوض مع المُلا وجلسا في الظل لعقد ونيّف.ثم نهض مام جلال ، بعد ان انشقت الأرض لتبتلع بيشمارغا المُلا حين باعه بهلوي وكيسنجر لصدّام العراق ربيع ١٩٧٥ لقاء تناصف شط العرب بين الجارين ، ليعمل في كنف دمشق والفاكهاني قبل ان تعود طهران - هذه المرّة الإسلامية - لتوازن بين اللدودين: برازاني وطالباني وهما يعملان في خدمة صراعها مع بغداد- البعث ، سيما بعد اشتعال الحرب المسلحة بين الجارين ، ولأعوام ثمانية عجاف.خلال تلك الحرب ، قام مام جلال بتجربة مصالحة مع صدام ، أواخر ١٩٨٣ ، ألقى خلالها برازاني في جبّ عزلة الانحسار لينفرد وحده بغنيمة التسوية … لكنها لم تؤت ثمراً ، لعوامل غير كردية.وعبر الحدود ، كان عبدالرحمن قاسملو الإيراني حليفَ بغداد ضد كردية العراق السياسية بنفس مقدار عداوته لطهران- الثورة … وبادلته الأولى - سيما شقّها الطالباني - خيانته لها بالمثل. ذات المسار كان ما سرى على بيجاك الكردية بعد قاسملو.هذا في الشرق ، وأما في الشمال فلم يأل كاكا مسعود جهداً في خدمة الدولة التركية - من إيفرين الى أردوغان - في حربها على التمرد المسلح لحزب العمال الكردستاني و، امتداداً ، في سعيه لتقويض فرعه السوري.ولمّا سيطر الثنائي الكردي على اقليم الحكم الذاتي في الشمال العراقي ربيع ١٩٩١ ، تحت جناح الطيران الأمريكي ، أسسا دويلة لم تلبث أن انفلقت الى فلقتين ، واحدة في الشرق والثانية في الغرب ، سارعت كل منهما الى رفع السلاح ضد الأُخرى في حرب طالت مابين ١٩٩٤ و١٩٩٧، وأزهقت خمسة آلاف نفس ، التحف فيها الشرق الطالباني بالدعم الإيراني فيما لجأ الغرب البرازاني الى الألد عداوة: صدّام ، راجياً منه العون ، وكانت خاتمتها أمريكية الإخراج والإنتاج على يد مادلين أولبرايت في ١٩٩٨.واليوم ، باعت عائلة طالباني - إيرانية الهوى - كاكا مسعود وهو في أوج زهوه الزائف باستفتائه مُخليةً ما أسموها ، هزلاً في موضع الجدّ ، “قدس أقداسهم”: كركوك ، ومجبرين الكاكا على الانسحاب المذل من كل ما احتلته البيشمرغا سواها ، في إثر الاحتلال.بهكذا مسار وهكذا خلفية ليس هناك ولن يكون ما يلملم أطراف الكرد في بوتقة ناظمة ، لا في الجواني ولا في البراني ؛ هذا أولاً … وثانياً ، فقد غاب عن كردياتهم السياسية أن حق تقرير المصير مستحقٌ لشعوب ترزح تحت نير استعمار محتل ، وغير مستحقٍ لجماعات فرعية في دول قائمة ؛ وهنا ، مثالاً ، الفرق بين القضية الفلسطينية ودعاوى “الحلم الكردي”.تواضع الكرديات السياسية هو خير ما تفعله ، عوضاً عن متوالية “بيافرات” بدأت ولن تنتهي.
مجلة الوعي العربي