
بقلم : أدريس عاطف
لقد شكّلت الناصرية بقيادة رمزها جمال عبد الناصر تيارا سياسيا نضاليا جماهيريا كان دائما في الموقع المتقدم في التصدّي لكل أشكال الاستعمار والصهيونية. كما كان التيار الناصري في لبنان جزءاً أساسياً من الحياة النضالية القومية والوطنية، كما كان جزءاً من نسيجه السياسي بقيادة رموزه الشهيد معروف سعد والشهيد كمال جنبلاط فشكل مساحة سياسية واسعة في النضال الوطني لوقف تداعيات الحرب الاهلية والتصدي للمشروع الاسرائيلي الآيل الى نزع الهوية العربية عن لبنان تمهيداً لتقسيمه. كما شكل التيار الناصري عبر نضاله التاريخي الوطني خطابا سياسيا مناهضا للتكوينات السياسية الطائفية متمسّكاً بثوابت فكره الوطني والقومي، واستعصاء سياسيا على محاولات تطييف تياره السياسي الوطني في لبنان. ان الناصرية لم تكن في يوم من الايام الا مشروعا وحدويا وان قراءتنا السياسية لجمال عبد الناصر هي قراءة لمشروع وحدوي يسعى لجمع وحشد طاقات الامة العربية وقواها السياسية الشعبية في مواجهة الاخطار المحدقة بالأمة والوطن العربيين وأخطرها احتلال اسرائيل لأرض فلسطين وطرد شعبها وإلغاء حقوقه السياسية والوطنية. ان جمال عبد الناصر كان علامة مضيئة في تاريخ العرب الحديث اطلق ثقافة المقاومة خيارا سياسيا لتحرير الارض واعتبر قضية فلسطين هي المحور الاساسي لأي قضية عربية فالعروبة هي التزام قومي لتحرير فلسطين وتحصينا لوحدة الامة العربية ودرء الاخطار عنها. ان جمال عبد الناصر كان تجسيدا لحركة الجماهير العربية ومعبّرا عن إرادتها في مواجهة كل المعوقات التي تحد من ارادتها في الوحدة والتحرير. إن جمال عبد الناصر كان رمزا للثورة العربية ولحركة التحرر العربية والعالمية وإن عصره كان عصر الاستنهاض والكبرياء العربي. وإن فكره كان الفكر المقاوم لكل أشكال التبعية السياسية والثقافية للاستعمار والصهيونية. إن المبادئ التي أرساها جمال عبد الناصر وترجمها إلى مشروع سياسي شكّل الحلم العربي لجماهير الأمة العربية وشعب فلسطين خاصة في تحقيق حريته ووحدته وتعظيم ثقافته الانسانية. هذه المبادئ شكّلت دفعاً ثورياً لكل الحركات الوطنية للتلاقي ومواجهة السياسة الأميركية القائمة على الهيمنة والتسلط. لقد عبر دائماً الخطاب السياسي لجمال عبد الناصر عن الفكر المقاوم والمناهض لثقافة الاستسلام التي حاولت فرضها إسرائيل على مصر والأمة العربية فكانت حرب الاستنزاف أحد تجليّات ثقافة المقاومة. لقد أحدثت ثورة 23 تموز تحولات سياسية هائلة في المنطقة والعالم وأثرت على أحداثها ومجرياتها السياسية والفكرية كما أحدثت تغييرا في بعض نظمها السياسية والاجتماعية وساهمت في انتاج الوعي القومي السياسي والثقافي في صفوف الجماهير العربية ولم يكن كتاب فلسفة الثورة الذي كتبه جمال عبد الناصر إلا توصيفاً سياسياً للواقع العربي المتراجع ثقافياً وحضارياً قبل ثورة 23 تموز والذي شكّلت نكبة 1948 أحد تداعياته في اشارة واضحة من جمال عبد الناصر في كتابه على ان طريق تحرير فلسطين وإسقاط المشروع الصهيوني هو الطريق لضمان الامن القومي العربي وأنه الهدف الذي يحتاج الى تحقيقه تحديث البناء السياسي والاقتصادي للامة لمواجهة الاخطار المحدقة بها. لقد حاول جمال عبد الناصر جاهداً أن يعيد للأمة العربية حريتها واستقلالها ومكانتها في خريطة العالم السياسي فردّت عليه الدول الاستعمارية بحملات عسكرية ضاربة فكانت معركة السويس ومعركة 5 حزيران محاولة استعمارية جديدة لإخراج جمال عبد الناصر من ساحة المواجهة السياسية التي تقودها الامة العربية لتحقيق حريتها وسيادتها. ولم تكن معركة تشرين الا احد تجليات الارادة العربية في التحرير. ان تداعيات المعسكر الاشتراكي العالمي الذي كان حليفا لقوى التحرر العربية وأنظمتها الوطنية شكلا انتصاراً للمعسكر الامبريالي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية من منظور تكريس أحاديتها السياسية والعسكرية. ان واقع بعض النظم السياسية العربية والتحاقها بعجلة السياسية الاميركية وموقفها في تعميم ثقافة الاستسلام بعد الاحتلال الاميركي للعراق وبقاء العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني لا يدخل في مدلولات الحساب الاستراتيجي الدائر على أكثر من ساحة عربية بين القوى المقاومة للمشروع الاميركي لأن المنطقة بتاريخها الجهادي شهدت خروجا لامبراطورية دام احتلالها للمنطقة حقبة طويلة من الزمن. ان الابواق المستسلمة للسياسة الاميركية اعتبرت ان العروبة كحركة سياسية قد هزمت بعد احتلال العراق وان الشعب العربي استقال من عروبته والذين اطلقوا دعوة الاستقالة من العروبة لم يكونوا يوماً داخل أطرها او نضالها بل كانوا احد الخناجر التي طعنتها والعملاء المبشّرين في سقوطها وحصارها. ان غياب الجماهير العربية عن الحضور السياسي والذي كان أحد تعابير المشاركة الشعبية في المواجهة شكل عاملا سلبيا. هذه الجماهير التي باتت تواجه اليوم ارهاب النظام العربي الرسمي المرتبط بالسياسة الاميركية والارهاب الامبريالي، ولكن بعد طلائع الجماهير العربية اتخذت تعبيرات سياسية نضالية مغايرة تمثلت بالنضال الاستشهادي. لم تكن الناصرية تكوينا حزبيا ضيقا بل كانت تيارا جماهيريا أخذ موقعه الطليعي مع قائده في المواجهة في كل المعارك الضارية التي خاضتها الامة بدءاً من معركة السويس وانتهاء بحرب الاستنزاف ومساندة المقاومة الفلسطينية، التي قال عنها جمال عبد الناصر انها أنبل ظاهرة أنجبتها الأمة بعد ليل الهزيمة المرير. إن الناصرية ليست هي الماضي المجيد بل هي الحاضر دائماً في ضمير وذاكرة الامة العربية ووجدانها. لذلك نؤكد اليوم الموقع المتقدم لمبادئ جمال عبد الناصر داخل مضامين الحرية والديمقراطية ونرفض رفضا قاطعا قراءة نظام ثورة 23 تموز على انه مقاربة سياسية لأنظمة عسكرية او ديكتاتورية لأن جمال عبد الناصر لم يكن حاكماً لثورة إنما كان ثائراً في الحكم، وتأكيداً على ذلك أعاد جمال عبد الناصر بعد 5 حزيران صياغة المشروع السياسي لثورة 23 تموز على قاعدة التحرير وتوجيه كل البنادق نحو العدو الإسرائيلي (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) ودعوته المستمرة الى ديمقراطية سياسية سليمة ورغبته الاكيدة التي عبّر عنها في لقاءاته السياسية عن قيام نظام سياسي على قاعدة التعددية السياسية. إن قراءتنا المعاصرة لجمال عبد الناصر تؤكد أن هذه المبادئ ليست فكراً متجمّداً ألغته متغيرات العصر وطفرته العلمية فالرأسمالية التي سادت أفكارها العالم الذي شهد انقلاباً على الانظمة الاشتراكية. هذه المتغيرات التي حدثت في تلك الأنظمة التي أشرنا اليها لم يكن سقوطها بعيداً عن السعي الحثيث للولايات المتحدة الاميركية لإسقاطها لما حملته هذه الدول من أبعاد تحررية في سياستها الخارجية ولتعميم وفرض فلسفتها الاقتصادية الصهيونية. لقد اعتمدت الناصرية على ثوابت الفكر السياسي القائم على الحرية والعدالة الاجتماعية والتي ما زالت مدارس اقتصادية كبيرة تؤمن بحتمية انتصار هذه المبادئ خصوصاً مبدأ الديمقراطية الاقتصادية (تكافؤ الفرص) التي أطلقها جمال عبد الناصر كحل للمشكلات الاقتصادية والتي تسعى اكثرية الدول لاعتناق نظريتها الاقتصادية، وما نشهده من تغيرات لمصلحة الافكار الاقتصادية الجديدة (سياسة عولمة الاسواق المفتوحة على حساب الدول غير المنتجة صناعياً والتي لا تستطيع التنافس في الأسواق العالمية لضعفها في الإنتاج النوعي) هي طفرة سياسية واقتصادية أحدثها التطور الامبريالي السياسي والمالي وتمكّنه من السيطرة على أسواق العالم ولكن هذه الكتلة الاقتصادية رغم ضخامة كتلتها النقدية ووفرة انتاجها الصناعي والزراعي والعلمي والتكنولوجي انتجت عالما يسوده الركود الاقتصادي وشهدت تمركزاً للرساميل بأيدي الشركات المتعددة الجنسيات وازدياداً للهوة بين الدول الفقيرة والغنية وتكدّساً للإنتاج الصناعي في ظل المنافسة والعولمة الاقتصادية التي أنتجت قاعدة كبيرة من العاطلين عن العمل تفتقد الى الضمانات الاجتماعية. ان ثقافة الاقتصاد الاميركي التي تعبر وتدعو لتعظيم ربحية الشركات المتعددة الجنسيات على حساب الضمانات الاجتماعية للشعوب تقف وراء الاتجاهات السياسية الاقتصادية الداعية الى خصخصة القطاعات العامة في الدول الفقيرة وبيعها بعد تعظيم مديونتها أولاً بهدف رهن قرارها الوطني وثانياً لسلب مقدراتها ومواردها القومية وبالتالي استقلالها السياسي. ان القراءة الموضوعية الاقتصادية والمستقبلية لعالم الاقتصاد المعولم سياسياً لا يبشّر بالاستقرار الاجتماعي والسياسي لما يؤسسه من إنتاج مزيد من البؤس والحرمان والحروب كما يؤسس لقيام تكتلات تعيدنا الى عالم الحرب الباردة. وليس صدفة ان تعود الاحزاب الاشتراكية لتمثل وتفوز بمقاعد اساسية في برلمانات العالم أو أغلبها على الإطلاق. ان هذه القراءة السياسية لهذه المتغيرات تؤكد صحة مبادئنا وأهدافنا. ان انتماءنا لمبادئ جمال عبد الناصر هو انتماء لثقافة المستقبل العربي القائمة على الحرية والاشتراكية والوحدة. (*) رئيس منتدى بيروت العربي
مجلة الوعي العربي