سعيد الشحات يكتب:
الأحد، 15 يوليه 2018 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 15 يوليو 1958.. «عبدالناصر» يبدأ العودة من يوغسلافيا بحراً و«تيتو» يطالبه بالنزول فى أقرب ميناء سراً رئيس يوغوسلافيا جوزيف بروز تيتو يستقبل عبد الناصر وقرينته
أبحرت الباخرة «الحرية» فى المياه من جزيرة «بريونى» فى يوغسلافيا «قبل تفكيكها» فى طريقها إلى الإسكندرية، وعلى متنها الرئيس جمال عبدالناصر والوفد المرافق، ليلة 15 يوليو «مثل هذا اليوم 1958».. كان عبدالناصر فى زيارة إلى يوغسلافيا للقاء زعيمها الرئيس تيتو، وهناك استمع إلى البيان الأول للثورة العراقية من راديو بغداد فى الساعة السادسة صباحا يوم 14 يوليو، فقرر العودة إلى القاهرة ليكون قريبا من مسرح الأحداث، حسب تأكيد محمد حسنين هيكل فى كتابه «سنوات الغليان»، وحملت رحلة العودة مفاجآت، ومناورات، وتحركات سرية فى عدة عواصم عالمية، يكشف عنها هيكل الذى كان مرافقا لعبدالناصر فى هذه الرحلة، والدكتور محمود فوزى، وزير الخارجية المصرية.
كانت هذه المفاجآت بحجم أهمية الثورة العراقية التى قام بها تنظيم «الضباط الأحرار» العراقى، بقيادة عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف ضد النظام الملكى، فحسب أحمد حمروش فى كتابه «ثورة 23 يوليو»: «كانت انفجارا مدويا فى الشرق الأوسط، اهتزت له أرجاء العالم، وبادرت القوى المختلفة تراجع حساباتها، وتواجه الموقف الجديد الذى نشأ بعد ست سنوات من ثورة مصر، وفى أقل من سنتين على العدوان الثلاثى على مصر 1956.. كان وقوع الانفجار فى مقر حلف بغداد أكثر مما تحتمله أعصاب الإمبريالية، لأنه كان يعنى بالتأكيد رجحان كفة الحرب الأهلية فى لبنان لصالح الوطنيين، وانهيار الحكم فى الأردن، ولذا نزل الأسطول الأمريكى فى بيروت يوم 15 يوليو، وهبطت قوات المظلات البريطانية فى الأردن قادمة عبر إسرائيل لتنقذ عرش الملك حسين بعد تمزق الاتحاد بين العراق والأردن»، وقام هذا الاتحاد ردا على الوحدة بين مصر وسوريا فى 21 فبراير عام 1958.
يؤكد هيكل أن الثورة العرقية «أدت إلى أزمة دفعت العالم إلى حافة الهاوية، وكانت موضوع الحديث الدائر بين جمال عبدالناصر وتيتو، وهما معا فى القارب السريع الذى راح يجرى فوق الموج متجها إلى الباخرة «الحرية»، وعندما صعدا إليها جرت مراسم وداع سريعة، ثم تعانق الرئيسان وداعا، ونزل المارشال تيتو إلى القارب عائدا إلى بريونى، وأطلقت قطع القافلة البحرية صافراتها تحية له، واستعدادا للرحيل.. كانت حول «الحرية» أربع مدمرات حربية، اثنتان ترفعان علم الجمهورية العربية المتحدة «مصر وسوريا»، واثنتان ترفعان علم يوغسلافيا.. ابتعد شاطئ بريونى، ودخل عبدالناصر من سطح الباخرة إلى غرفة المكتب فى الجناح الرئيسى عليها، وراح يقرأ البرقيات التى تجمعت، ولم يطلع عليها فى الفترة التى استغرقها الانتقال من فيلا بريونكا إلى الباخرة «الحرية»، يضيف هيكل: «تحول الجناح الرئيسى على الباخرة الحرية إلى شبه غرفة عمليات، ففى ساعات قليلة كان مكتب الاتصالات الشفرية على الباخرة قد تلقى وأرسل 172 برقية شفرية، كأن الباخرة كانت فى مجراها على أمواج الأدرياتيكى فى حوار متصل مع القاهرة ودمشق».
يؤكد هيكل: «مع أول بشائر الصباح تلقى مكتب الاتصالات الشفرية على الباخرة أول إشارة عن نزول القوات البحرية الأمريكية إلى الشواطئ اللبنانية قرب بيروت، ومع الغروب وبعد نهار حافل بزحام المشاكل والمشاغل، أقبل قائد الباخرة يطلب مقابلة الرئيس عبدالناصر، ليقول له إن الضابط البحرى الكبير المكلف بقيادة مدمرات الحراسة اليوغسلافية يقترح مراعاة حالة إطفاء كامل على كل قطع القافلة بما فيها «الحرية»، وأضاف أن هذا القائد أبلغه بأنهم رصدوا بعض محاولات الاستطلاع الجوى، ونزل الليل وقطع القافلة كلها كأنها كتل من الظلام تجرى على سطح البحر المظلم، وفى الساعة التاسعة مساء بدأت المدمرة اليوغسلافية التى تحمل رقم 62 تبعث بإشارات بالأضواء، تقول: نطلب توقف القافلة.. نريد إرسال قارب إلى الباخرة «الحرية» يحمل رسالة مهمة من الرئيس تيتو إلى الرئيس جمال عبدالناصر، وفوجئ الواقفون على سطح «الحرية» بقارب بمجداف يسرى فى ظلام الليل من المدمرة إلى «الحرية»، وكان تعليل اليوغسلاف أنهم اختاروا هذه الوسيلة تأكيدا للأمن لأن أصوات محركات القوارب السريعة يمكن رصدها بأجهزة السونار ومن مسافات بعيدة، وبعد دقائق كانت رسالة تيتو أمام عبدالناصر ونصت على: «من الرئيس تيتو إلى الرئيس عبدالناصر.. أناشدكم ألا تتقدموا فى البحر أكثر من الحد الذى وصلتم إليه الآن، الخطر شديد بعد التطورات الأخيرة، احتمالات مواصلة السفر بالبحر لم يعد يمكن تأمينها، أرجوكم العودة إلى أقرب ميناء يوغسلافى، قد يكون فى إمكاننا تدبير طائرة عظيمة السرعة تعود بكم إلى وطنكم، أرجو أن أتلقى ردا على الفور».
رد عبدالناصر: «فهمت وجهة نظركم، قررت أن أعود، أنتظر معلومات إضافية.. جمال»، وتوالت الأحداث فى اليوم التالى.
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 16 يوليو 1958.. عبدالناصر يفكر فى زيارة سرية إلى موسكو من يوغسلافيا وتيتو يخاطب خرشوف بشأنها
الإثنين، 16 يوليه 2018 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 16 يوليو 1958.. عبدالناصر يفكر فى زيارة سرية إلى موسكو من يوغسلافيا وتيتو يخاطب خرشوف بشأنها جمال عبد الناصر
بعد ساعات قليلة من تلقى الرئيس جمال عبدالناصر برقية من الرئيس اليوغسلافى تيتو تناشده العودة إلى أقرب ميناء يوغسلافى، وألا يستكمل رحلة عودته إلى الإسكندرية عن طريق البحر «راجع - ذات يوم 15 يوليو 2018»، جاء قارب آخر من المدمرة 62 إلى الباخرة «الحرية»، يحمل رسالة أخرى من تيتو إلى عبدالناصر، حسب محمد حسنين هيكل فى كتابه «سنوات الغليان»، وكان مرافقا لعبدالناصر فى هذه الرحلة.
نصت الرسالة: «أرجوكم أن تتركوا الباخرة الحرية، لأنها بطيئة، وأن تنتقلوا إلى إحدى مدمراتكم لتصلوا إلينا فى ظرف ثمانى ساعات - أعرف أن مكتب الاتصالات والشفرة على «الحرية» مهم لكم فى هذه الظروف - طلبت من البحرية اليوغسلافية أن تضع تحت تصرفكم طائرتين حربيتين من طائرة الانزلاق على الماء، ليكون من ذلك خط مواصلات دائم بينكم وبين «الحرية» طوال ساعات رحلتكم بالمدمرة السريعة إلى بريونى - أتطلع بشوق أن أراك مساء اليوم».
هكذا كانت الأحداث تمضى يوم 16 يوليو «مثل هذا اليوم 1958» وفقا لهيكل، مؤكدا أن مكتب الاتصالات والشفرة على الباخرة كان يتلقى رسائل تشير كلها إلى إعلان حالة الطوارئ فى كل القواعد الأمريكية بالبحر الأبيض وأوربا الغربية، وتحركات للقوات البريطانية برا وبحرا على القوس الممتدد من جبل طارق إلى عدن، بعد قيام الثورة العراقية ضد الحكم الملكى يوم 14 يوليو 1958.
وبشهادة هيكل: «كان عبدالناصر يقرأ كل هذه الرسائل باهتمام، وفى بعض هذه اللحظات بدا أنه منشغل بفكرة تجول فى خواطره»، ويضيف هيكل أنه والدكتور محمود فوزى فوجئا بالرئيس يقول لهما إن لديه فكرة تلح عليه منذ أن تلقى رسالة تيتو الأولى عن مخاطر العودة بالبحر، وعن الطائرة عظمية السرعة التى يمكن أن تنقله إلى القاهرة، وهى أن يذهب بالطائرة السريعة إلى موسكو فى زيارة سرية، يلتقى فيها بالقادة السوفيت لكى يتعرف مباشرة على نواياهم فى حالة تفاقم الأزمة ووصولها إلى حد استعمال القوة المسلحة.
يضيف هيكل: كان تقديره «عبدالناصر» أن دخول الولايات المتحدة إلى منطقة العمل المسلح يصنع موازين تختلف عما كان عليه الحال فى وقت السويس، ومن الضرورى لنا أن نعرف مبكرا نوايا السوفيت حتى تكون حساباتنا على أساس سليم، وكان سؤاله بعد ذلك عن رأينا فى اقتراحه وأن نتدبر الأمر معا، ونعود إليه».. يؤكد هيكل أنهما عاد إلى عبدالناصر، وقال محمود فوزى له: «الكفتان متساويتان، وأعتقد أنك وحدك بحكم مسؤوليتك تستطيع الترجيح بينهما»، وبقى عبدالناصر صامتا لدقيقة بدا وكأنها زمنا طويلا، ثم كان قراره «أن نتوكل على الله ونذهب».
وفى موسكو التقى السفير اليوغسلافى بالزعيم السوفيتى «خرشوف» بناء على طلب عاجل لتسليم رسالة من الرئيس تيتو تتضمن سؤالا: «هل من الممكن أن تضعوا طائرة نفاثة من طراز «يو 104»، تحت تصرف الرئيس عبدالناصر لكى يعود بها إلى القاهرة، فورا نظرا لاستحالة تقدمه عبر البحر المتوسط بسبب مخاطر أزمة الشرق الأوسط خصوصا بعد تدخل الولايات المتحدة عسكريا فى لبنان، إن الـ«تى يو» تستطيع قطع المسافة من مطار بولا إلى القاهرة فى ثلاث ساعات، وهذه مسافة مقبولة فضلا عن أن كل الأطراف التى اشتد غضبها فى البحر الأبيض سوف يفكرون مرات قبل أن يهاجموا طائرة سوفيتية على فرض أنهم اكتشفوا حقيقة ركابها».. رد خروشوف على السفير: «دعنى أصحح معلوماتك، طائراتنا ال تى يو 104 معجرة علمية، وهى قادرة على قطع المسافة من بولا إلى القاهرة فى ساعتين فقط»، ثم أضاف أنه سيأمر بإقلاع الطائرة فورا إلى مطار بولا فى ظرف عشر دقائق، وعن طريق تيتو تم إرسال برقية من عبدالناصر إلى خرشوف، وكان نصها: «اقترح قبل أن أعود إلى القاهرة أن التقى بكم فى أى مكان يناسبكم، إننى الآن فى طريقى عائدا إلى بريونى، وأمل عندما أصل إليها أن أجد ردا منك ينتظرنى».
يضيف هيكل: «وصلت المدمرة «الناصر» إلى جزيرة بريونى، واتجهت بعيدا عن الميناء نحو خليج عند الطرف الشرقى لها، وهناك التقاها قارب سريع نقل ركابها إلى الشاطئ، وكانت تقف على رصيفه سيارات حملت الجميع إلى فيلا «بيانكا» مقر إقامة تيتو الذى وقف على بابها ينتظر عبدالناصر ومعه أربعة من مساعديه، ثم جلس الفريقان يستعرضان آخر التطورات، ودعا الجميع إلى عشاء سريع».. وبعدها أقلعت الـ«تى يو 104» بعبدالناصر ومرافقيه إلى موسكو للقاء خرشوف سرا، وهبطت الطائرة فجر يوم 17 يوليو 1958.
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 17 يوليو 1958.. خروشوف يرفض شرب الفودكا احتراماً لعبدالناصر.. ويشير إليه قائلاً: «المعركة الدائرة أصبح محورها هذا الشاب»
الثلاثاء، 17 يوليه 2018 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 17 يوليو 1958.. خروشوف يرفض شرب الفودكا احتراماً لعبدالناصر.. ويشير إليه قائلاً: «المعركة الدائرة أصبح محورها هذا الشاب» جمال عبد الناصر
هبطت الطائرة التى تقل «جمال عبدالناصر» من يوغسلافيا إلى الاتحاد السوفيتى فى مطار «فينوكوفو»، فجر 17 يوليو «مثل هذا اليوم 1958»، وذلك فى رحلته السرية المثيرة المفاجئة لعقد اجتماع بين عبدالناصر والرئيس السوفيتى خروشوف، بسبب الأزمة العالمية الناتجة من الثورة العراقية فى 14 يوليو 1958 «راجع- ذات يوم 15 و16 يوليو 2018».
يروى محمد حسنين هيكل، تفاصيل هذه الرحلة المثيرة فى كتابه «سنوات الغليان»، وكان مرافقًا لعبدالناصر مع الدكتور محمود فوزى وزير الخارجية، قائلًا: «نزل عبدالناصر من الطائرة، ليجد ثلاثة مستقبلين وهم «ميكويان» نائب رئيس الوزراء السوفيتى، والجنرال «سيروف» رئيس هيئة المخابرات، ومعهما «سوبوليف» المترجم، واتجهت السيارة بهم إلى ضاحية «كاليتشوها» ودخلت إلى ساحة قصر صغير تحيط به الأشجار العالية، ونظر «ميكويان» إلى ساعته، وقال لعبدالناصر: «الساعة السادسة صباحا الآن، وأنتم بالتأكيد تحتاجون إلى بعض الراحة، وسيجىء الرفيق نيكيتا خروشوف الساعة العاشرة تماما»، يؤكد هيكل: «لم يكن هناك متسع لأى راحة، وطلب الرئيس من الدكتور محمود فوزى، وزير الخارجية وأنا أن نجلس معا لوضع تصور لما يمكن أن يثار مع خروشوف».. وفى العاشرة صباحا بدأ لقاء الزعيمين.
برواية هيكل فإن خروشوف، قال لعبدالناصر: «الحقيقة كنت فى غاية الدهشة عندما سمعت أنكم على ظهر باخرة صغيرة تتقدمون ببساطة نحو البحر الأبيض، إن هذا البحر ملىء الآن بكثيرين لا يتمنون الخير لكم، وبالتأكيد فقد كان يسعدهم أن يجعلوا منكم وجبة شهية لبعض أسماكه»، يضيف هيكل: «أقبل أحد الخدم بكأس ملأه بالفودكا ووضعه أمام خروشوف»، فدق على المائدة قائلا: «ارفع هذا من أمامى»، ثم التفت إلى عبدالناصر يقول له: «حينما تكون معى فأنا لا أشرب أبدا، أنا أعلم أنك مسلم متدين، وأنا أحترم عقيدتك»، ثم التفت إلى الناحية التى كان يجلس فيها الدكتور محمود فوزى وأنا، وقال لنا: «لقد كان يسعدهم أن يواجهوه وحده فى البحر الأبيض، فهم يعرفون أنه أصبح رمزًا لكفاح العرب، ولهذا فإن المعركة الدائرة اليوم أصبح محورها هذا الشاب ودوره»، قالها خروشوف، وأشار إلى جمال عبدالناصر ثم ملأ كوبا أمامه بالمياه المعدنية، وقال: «إننى أشرب نخب كفاح الشعوب العربية، ونخب انتصار العرب، ونخب قائد العرب.. أنا لا أتكلم عن الغيب، ولكنى أؤمن بمنطق التاريخ، لقد انتهى عهد الإمبراطوريات، وأنا أرى أمامى هزيمتهم كاملة، إنهم لا يرون أنفسهم على حقيقتهم ويتمسحون بعبارات عن الديمقراطية، ويتعلقون بأذيال ادعاء الدين».
يضيف هيكل: «وصل خروشوف إلى صلب الحوادث حين قال:«ثورة العراق كانت مفاجأة لهم، لقد سقط حلف بغداد، فهل يتصور أحد الآن حلف بغداد بغير بغداد؟. لقد حذرتهم طويلًا، عندما كنا فى لندن أنا وبلجانين قال لى إيدن «رئيس وزراء بريطانيا»: «إذا تأكد لنا أن بترولنا فى الشرق الأوسط معرض للخطر، فسندخل الحرب»، وقلت لإيدن يومها: استعمل عقلك، ماذا سيفعل العرب ببترولهم غير أن يبيعوه لكم؟-إن الاتحاد السوفيتى ينتج من البترول أكثر من حاجته، فهو إذن ليس طامعا، وليس مشتريا لبترول الشرق الأوسط، وإنما أنتم فى الغرب المشترى الوحيد»..وضحك خروشوف ثم استدرك قائلا: ولكن المشترى غير اللص، وهم لايريدون شراء البترول، وإنما يريدون سرقته، والمشكلة الآن هى أنهم يعتقدون أن ثورة العراق تهدد البترول».
طال اللقاء إلى موعد الغداء، ثم اتصل بعده إلى المساء بحسب تأكيد هيكل، مضيفا أن عبدالناصر كان ملخص وجهة نظره: «أن الموقف خطير، والجمهورية العربية المتحدة لا تريد أن تضاعف من خطورته، وستبذل كل جهدها للسيطرة على ردود أفعالها لأنها لاتقبل أن تعرض السلام العالمى للخطر، وأنه عندما يعود إلى المنطقة- اليوم- سيبذل كل جهده لتهدئة أعصاب كل الأطراف، لكنه يشعر أن بعضهم يدفع الأمور إلى مناطق خطرة»، يضيف هيكل: «بدا تشوق خروشوف شديدا لمعرفة أية تفاصيل قد تكون لدى عبدالناصر عن القيادة العراقية الجديدة، وكانت قد برزت بالفعل ثلاثة أسماء هى، عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف، وبعدهما كان هناك اسم اللواء نجيب الربيعى الذى عين رئيسا لمجلس السيادة، وقال خروشوف لعبدالناصر صراحة: «الواضح أنهم رجالك؟».
رد عبدالناصر على خروشوف، بأنه بهذا السؤال يقع فى نفس الخطأ الذى يقع فيه الغرب حين يتصور أنه وراء كل حدث يجرى فى أى بلد عربى، ثم أكد أنه لا يعرف أحدًا من هؤلاء القادة، وقال لخروشوف: «إذا كنت أنت بتجربتك الكبيرة فى الثورة تسألنى هذا السؤال، فإن إيزنهاور ودالاس معهما العذر عندما يوجهان إلىَّ الاتهام بأننى «مدبر الثورات فى العالم العربى».
وامتد الحدث إلى اليوم التالى.
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 18 يوليو 1958.. عبدالناصر يعبر الأجواء الإيرانية سراً من موسكو إلى دمشق.. ولندن تشكك فى وقوع زيارته
الأربعاء، 18 يوليه 2018 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 18 يوليو 1958.. عبدالناصر يعبر الأجواء الإيرانية سراً من موسكو إلى دمشق.. ولندن تشكك فى وقوع زيارته الرئيس جمال عبدالناصر
مضت القيادة السوفيتية ساعات مساء يوم 17 يوليو 1958 فى انتظار الرد على رسالتها إلى شاه إيران محمد رضا بهلوى، بالسماح لعبور طائرة خاصة من الأجواء الإيرانية إلى العاصمة السورية دمشق، دون الإفصاح عما سيكون فيها.. كان الرئيس جمال عبدالناصر هو الذى ستقله الطائرة، وكان موجودا فى موسكو سرا منذ الصباح، للقاء الرئيس السوفيتى خروشوف لمناقشة الأزمة التى أدت إليها قيام الثورة العراقية يوم 14 يوليو 1958.. «راجع ذات يوم 15 و16 و17 يوليو 2018».
يواصل محمد حسنين هيكل الكشف عن أدق تفاصيل هذه الرحلة المثيرة، ويذكر فى كتابه «سنوات الغليان»، قائلا: «مضت ساعات المساء فى انتظار رسالة من طهران عن لقاء الشاه مع السفير السوفيتى، وفى هذه الفترة فتح «عبدالناصر» موضوع إسرائيل، وكان رأيه: «إن إسرائيل عنصر فى الموقف يصعب حساب حركته، فهى بعد الثورة فى العراق تحس أكثر بوطأة الحصار العربى عليها إذ تجد حلقاته توشك أن تتصل»، وكان رأى خروشوف: المشكلة الحقيقية هى البترول وموارد الشرق الأوسط، فهذا هو الاعتبار الذى يؤدى إلى شعور أمريكا بالتهديد.. إسرائيل هى مجرد أداة لسياسة الغرب يستعملها إذا أحس بالخطر».
أضاف خروشوف: «الغرب يهددكم بقدرته على أن يستغنى عن بترول الشرق الأوسط بالطاقة الذرية، وأنا أرى فى ذلك وهما، واعتقادى أنه للخمسة والعشرين عاما القادمة فإن الحياة فى الغرب ستتوقف على البترول العربى، وأنه عرف أن الإنجليز لديهم برنامج يقضى بالاعتماد على المحطات النووية فى احتياجاتهم من الطاقة بنسبة 40% خلال عشر سنوات، وأنه يرى فى ذلك وهما كبيرا، فلربع قرن قادم على الأقل ليس هناك بديل عن البترول العربى، وإن كان الاتحاد السوفيتى لا يحتاج إليه لأنه ينتج الآن سنويا أكثر من مائة مليون طن «سبعمائة مليون برميل».
تناولت المناقشات قضايا أخرى، وحسب هيكل: «أخيرا جاءت برقية السفير السوفيتى فى طهران، ومؤداها أن الشاه وافق على طلب مرور الطائرة دون أن يسأل عن ركابها، وأنه وافق بغير تردد، وكان الارتياح باديا عليه عندما عرف أن هذه هى حدود الموضوع الذى دعا السفير السوفيتى إلى مقابلته على هذا النحو العاجل»، ويؤكد هيكل: «عند منتصف الليل كان عبدالناصر يعود من «كاليتشوها» إلى مطار «فينوكوفو» ويتوجه إلى نهاية الممر الذى تقبع فيه الطائرة التى خصصت له، وتصعد الطائرة إلى الجو وتنطلق بأقصى سرعة فى اتجاه الجنوب، وهبطت للتزود بالوقود فى مطار العاصمة البلغارية «صوفيا» قبل الفجر حتى تتمكن من مواصلة الرحلة إلى دمشق دون توقف «كانت دمشق هى العاصمة الثانية لدولة الوحدة بين مصر وسوريا».
يضيف هيكل: «كان هناك حشد من القوات الجوية التابعة لحلف «وارسو»، وكان واضحا أن هذا الحشد جزء من حرب الأعصاب بين القوتين العظميين من حول الشرق الأوسط الذى كان يعيش واحدة من أخطر أزماته.. وفى ضحى يوم 18 يوليو «مثل هذا اليوم» 1958 عبرت الطائرة فوق بغداد، وأطل عبدالناصر من نافذتها على العاصمة العراقية، وبعث ببرقية تحية إلى عبدالكريم قاسم، ثم وصل إلى دمشق بعد الظهر بقليل، وفى عصر اليوم ذاته «18 يوليو» كان واقفا يتحدث إلى بحر من الجماهير احتشدوا فى ساحة قصر الضيافة، وكان حديثه للجماهير دعوة إلى العقل حرصا على سلام العالم، وكانت إذاعة موسكو تذيع بيانا مؤداه أن جيش القوقاز وقوامه نصف مليون جندى يقوم بمناورات ضخمة على حدود تركيا وإيران».
يعلق هيكل: «لعل الإعلان الواسع عن هذه المناورات لم يكن موجها إلى أمريكا بقدر ما كان موجها لتركيا، ذلك أن الحكومة التركية راحت تتصرف بانفعال شديد إلى درجة أن «الباى ميشيل» الوزير المفوض الإسرائيلى فى أنقرة وقف فى حفل دبلوماسى يقول صراحة «إن الولايات المتحدة سوف تتكفل بصيانة استقلال لبنان، وبريطانيا سوف تتكفل بحماية الأردن، وإسرائيل وتركيا عليهما الآن أن تتكفلا بسوريا».
فى المساء وقف عبدالناصر يخطب فى الجماهير المحتشدة أمام قصر الضيافة، فى الوقت الذى بدأ إزاحة السرية عن زيارته إلى موسكو، وبدت أمرا غير قابل للتصديق فى إسرائيل والعواصم الغربية وأولها «لندن»، حيث وقف متحدثها الرسمى باسم وزارة الخارجية ليقول: «وزارة الخارجية البريطانية تشك فى أن هذه الرحلة وقعت بالفعل، وأنها تعتبر أن الأنباء التى راجت عنها هى نوع من حرب الأعصاب»، لكن عبدالناصر وحسب هيكل: «أكد بنفسه من شرفة قصر الضيافة بدمشق أنه كان فى موسكو، والتقى خروشوف، وتباحث معه طوال نهار 17 يوليو».
مجلة الوعي العربي