مقالات مشابهة

ـ بقلم: أحمد القديدي
كتبت الصحيفة البريطانية ديلي اكسبرس يوم 2 نوفمبر 1956 تقول: «ان مصر أصبحت المقر الرسمي للمؤامرات والمناورات ضد المملكة البريطانية، فهي تؤيد الثورة الجزائرية ضد حليفتنا فرنسا، وهي تهدد اسرائيل بابادة بدون رحمة، وهي تتحدى قرارات مجلس الأمن القاضية بحرية الملاحة الاسرائيلية في قناة «السويس». هذا ما كتبته الصحيفة البريطانية في قلب العدوان الثلاثي على مصر. رأي تكاد تقرأه اليوم في نفس الصحف البريطانية والاميركية الصادرة سنة 2002 إذا ما عوضت كلمة مصر بكلمة العراق أو محور الشر، فالتاريخ يكاد يعيد نفسه بنفس الآليات، مع الفرق الشاسع بالطبع ما بين مصر عبدالناصر وعراق صدام حسين، لأن هذا الأخير هو أول من لم يتعظ بدروس التاريخ وأول من اعتدى على دولة عربية. لكن الأمم موعودة بالعدوان بأشكال أخرى أخطر. وأذكر ان مهندس العدوان الثلاثي وزير خارجية فرنسا الاسبق كريستيان بينو قال لي يوما بأن أنتوني ايدن رئيس حكومة بريطانيا عام 1956 كان يعتقد بأن جمال عبدالناصر ما هو إلا عميل سوفييتي جنده الكرملين منذ عام 1948 للاستيلاء على السلطة في مصر باعانة السوفييت السرية، وأنه مكلف بمهمة اساسية هي ضمان التغلغل السوفييتي في الشرق الأوسط لضرب الحضور البريطاني والأوروبي عامة وأكد لي «بينو» ان فرنسا في ذلك العام 1956 كانت تعيش مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة (بعد عشر سنوات فقط من نهاية الحرب)، وكانت نخبتها الاشتراكية الحاكمة، برئاسة (جي مولي) تؤمن بأن مهمتها الدبلوماسية الأولى هي حماية اسرائيل وتوفير الغلبة العسكرية لها، كنوع من أنواع التكفير عن جرائم أوروبا حيال اليهود وتخليص فرنسا بالذات من عقدة الذنب بحيث ساهمت بقسط كبير في عمليات مطاردة اليهود وارسالهم إلى ألمانيا والمتحشدات المنتشرة في بولونيا وتشيكسلوفاكيا والنمسا. ولكن كيف يمكن لنا ـ العرب والمسلمين ـ ان نقرأ هذه الاحداث التي مر عليها ستة وأربعون عاماً، وكيف نستخلص منها العبر القاسية؟ فالتاريخ بدون اعتبار هو مجرد سرد لأخبار الماضين ولا يصبح التاريخ مصدر اعتبار قرآني إلا متى وظفناه لخدمة الحاضر واستشراف المستقبل. والعبرة الأولى من اكتشاف وثيقة اتفاق (سيفر) هي انه بالأمس كما باليوم لا تخضع الاحداث الكبرى للصدفة ولا لقانون العبث، فهي احداث يخطط لها وأحياناً يوقع على وثائقها وتبقى الوثائق سرية ومكتومة لمدة جيل أو أجيال أو حتى إلى الأبد. فالعدوان الثلاثي المدبر والمخطط له باليوم والساعة وبما يقتضيه من تمويه دبلوماسي واعلامي، وقع وضعه على الورقة في سبعة بنود وتم احترامه بالحرف على الميدان، ومن نعم الله على هذه الأمة انه كانت في اكتوبر 1956 معبأة مجندة ضد الطواغيت عرف المرحوم جمال عبدالناصر ـ بالرغم من أخطائه ـ كيف يهيئ لها أسباب الاستنفار مثلما رأينا ذلك في المواجهة التي صورها شريط فيلم «ناصر 56» تصويراً قريباً من الأمانة، كما انه من نعم الله على الأمة ان كان هناك صراع بين قطبي الحلف الاطلسي: اميركا من جهة وبريطانيا زائد فرنسا من جهة ثانية، فقد كانت مصلحة اميركا في الخمسينيات رهينة عنصرين أساسيين: الأول ضمان تزويدها من بترول الحجاز وايران والعراق، وكانت كل انظمة هذه الدولة في الخمسينيات متشابكة المصالح مع الولايات المتحدة الاميركية قبل حدوث انقلاب عبدالكريم قاسم على الملكية في العراق عام 1958، وقبل حدوث زلزال الثورة الاسلامية الايرانية ضد الشاهنشاه في عام 1979، وقبل حدوث توازنات استراتيجية جديدة في المملكة العربية السعودية منذ عام 1966 أدت إلى استعمال سلاح البترول على يد المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز عام 1973 على اثر نصف انتصار حرب رمضان لأن انتصار العبور المظفر وقع ترجيح كفته عسكرياً بحدوث الجيب الاسرائيلي في الكيلو 101 وسياسيا بعقد اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 وهي الاتفافية الأولى التي فتحت أبواب الاستسلام أو السلام! وأنقذت اسرائيل من العزلة والحصار وأعطتها الشرعية لا في وجودها كدولة فحسب ولكن في احتلالها الخارج عن كل القوانين للأراضي العربية والقدس الشريف والمزيد من تشريد وتقتيل وترويع الشعب الفلسطيني البطل إلى يوم الناس هذا. أما العنصر الثاني الذي كان يحكم سياسة أميركا في الشرق الأوسط في الخمسينيات فهو هاجس الحلول محل بريطانيا وفرنسا في هذه المنطقة وعدم ترك هاتين الدولتين متوسطتي القوة والمهنكتين بحرب عالمية ثانية وحروب تحريرية كثيرة عدم تركهما تنفردان بالهيمنة على قناة السويس ووضع اليد على منابع البترول العربي. وإذا أسقطنا هذا التاريخ على حاضرنا الحالك وجدنا اننا ـ نحن العرب ـ لا نزال كما قال أحد رسامي الكاريكاتور «على نياتنا» ولا نزال رغم البأساء والضراء والزلازل نقرأ حسن النوايا ومحبة السلامة لدى عدو غاشم مستبد لا يزال هو الآخر يخطط ويعقد الاتفاقات الاستراتيجية والعسكرية مع الولايات المتحدة، وتظل هذه الاتفاقات سرية أو حتى معلنة ونحن لا حول لنا ولا قوة.. بل الاصح ان لدينا حولاً ولدينا قوة هي حول الشعوب وقوة الشعوب التي تمسكت بثوابتها الاسلامية وأصرت على صيانة حقوقها وحماية أعراضها ومصالحها. فاعتبروا بالتاريخ يا أولي الألباب.
مجلة الوعي العربي