
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم نوفمبر 1974.. السادات يطلب من الزعيم الفلسطينى «أبوإياد» السفر إلى تونس للتفاوض مع مختطفى طائرة بريطانية
الخميس، 22 نوفمبر 2018 10:00 ص
صلاح خلف
تلقى صلاح خلف «أبوإياد» الرجل الثانى فى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وأحد مؤسسى حركة فتح، اتصالا هاتفيا من إسماعيل فهمى وزير الخارجية المصرى، يوم 22 نوفمبر «مثل هذا اليوم عام 1974» يطالبه بلقاء عاجل، كان «أبوإياد» موجودا فى القاهرة منذ 20 نوفمبر والتقى بالرئيس السادات، وأثمر اللقاء على أمر من السادات لوزير الداخلية ممدوح سالم بالإفراج عن 14 فدائيا فلسطينيا معتقلين فى سجن القلعة.. «راجع - ذات يوم 20 نوفمبر 2018».
يصف أبوإياد، صوت «فهمى» أثناء الاتصال به بأنه «كان مضربا»، ويؤكد فى مذكراته «فلسطينى بلاهوية»، أنه طالبه بأن يذهب إليه فى الحال، لأن القضية عاجلة وخطيرة»، ولما ذهب وجد رئيس الوزراء ووزير الداخلية وبعض المساعدين، ويؤكد: «حدث لدى انطباع بأنى أمثل أمام مجلس حرب، فالوجوه منطوية والجو متوتر، وأبلغنى إسماعيل فهمى بالمشكلة بإيجاز وهى، أنه تم اختطاف طائرة بوينغ تابعة لشركة الخطوط الجوية البريطانية إلى تونس بعد هبوط اضطرارى فى دبى، وقام بالعملية مجموعة فلسطينية تطالب بإطلاق سراح 15 فدائيا معتقلين فى مصر، بينهم خمسة ارتكبوا محاولة مطار روما فى 5 إبريل 1973، وثمانية مسؤولين عن عملية الخرطوم فى مارس 1973 ضد السفارة السعودية، بالإضافة إلى اثنين معتقلين فى هولندا على إثر عملية فاشلة».
كانت عملية «مطار روما» بقرار للرئيس الليبى معمر القذافى، وتشمل إسقاط طائرة إسرائيلية، ردا على جريمة إسرائيل بإسقاط طائرة ليبية يوم 21 فبراير 1973 فوق سيناء وقتل 108 راكبا، بينهم المذيعة المصرية سلوى حجازى، وقبل التنفيذ تم القبض فى روما على الفدائيين المكلفين..أما عملية الخرطوم فكانت احتجاز ثمانية فدائيين للمشاركين فى حفل دبلوماسى أقامه السفير السعودى لوداع القائم بالأعمال الأمريكى فى الخرطوم، والتهديد بقتلهم إن لم يتم الإفراج عن آلاف المسجونين الفلسطينيين فى السجون الإسرائيلية، وبالفعل قتل ثلاثة غربيين بينهم الدبلوماسى الأمريكى، وخضع المنفذون لمحاكمة قضت بالسجن المؤبد لهم، وبعد ستة شهور سلمهم نميرى إلى ياسر عرفات الذى اتفق مع الرئيس السادات على سجنهم فى القلعة.
يؤكد أبوإياد، أن الرئيس التونسى الحبيب بورقيبة كان يريد تلافى حدوث مأساة فى مطار تونس، ويلح على أن تلبى مطالب القرصانة، ويتذكر أن إسماعيل فهمى قال له: «لانستطيع الإذعان للابتزاز»، ثم سأله بعد هذا: «هل تستطيع مساعدتنا، وتحرر الرهائن؟.. يكشف: «بينما كنت أتردد فى أن أقوم بالعمل بنفسى اتصل بى السادات هاتفيا، وألح على بالذهاب إلى تونس، ووضع طائرة خاصة تحت تصرفى، ووافقت، وأوضحت أننى سأكون مستعدا للإقلاع مع بعض معاونى فى الساعة التالية».
توجه أبو إياد إلى إلى برج المراقبة فى المطار ليمضى ثلاثة أيام وليلتين فى التفاوض مع القراصنة، يؤكد: «كانت من أصعب المهمات التى قدر لى أن أقوم بها»، ويضيف: «استقبلنى وزير الداخلية التونسى طاهر بلخوجة، ثم أسمعنى تسجيلا لأول مفاوضاته.. كان القراصنة منكفئين داخل الطائرة البريطانية ويهددون بقتل كل رهائنهم، وعندما علموا أنى جئت من القاهرة لأكلمهم، غمرونى بالشتائم، وغمروا معى ياسر عرفات، وسائر قادة منظمة التحرير الفلسطينية ورؤساء الدول العربية منددين «بخيانتهم»، يكشف «أبوإياد» أن المسؤولين عن العملية ينتمون إلى مجموعة الشهيد أحمد عبد الغفور، ويذكر أن «عبد الغفور كان أحد مناضلى فتح قبل أن يلتحق بمعسكر «جبهة الرفض»، وكان متطرفا سياسيا ومن عتاة أنصار العنف، وبعد أن جمع حوله معجبين حصل على دعم أبو نضال، ونظم محاولات دموية مختلفة ولاسيما فى روما وأثينا، قبل أن يقتل نفسه».
استخدم «أبوإياد» جهاز الإرسال بجهاز المراقبة فى مفاوضات استمرت 60 ساعة حسب تأكيده، ويكشف أنه بدأها بالتأكيد على العلاقة الممتازة التى ربطته بأحمد عبد الغفور قبل أن ينفصل عن فتح، وأنه والسلطات التونسية قرروا عدم اللجوء إلى القوة، وأن همهم الأول هو إنقاذ الرهائن حرصا على سمعة المقاومة والاستجابة لمطالبهم، يؤكد أبو إياد، أنه أوضح لهم، أنه ليس فى الوارد تسليمهم فدائيى عملية الخرطوم الثمانية، وأسمعهم تسجيلا لمؤتمر صحفى عقده ناطق باسم المجموعة فى نفس اليوم، يعلن فيه أنه هو ورفاقه لا يريدون أن يبادلوا برهائن تونس، وفى المقابل وعدهم بأنه سيفعل كل ما فى وسعه للتوصل إلى تحرير الفدائيين السبعة الآخرين الذين يطالبون بهم.
توجه «أبو إياد» إلى من يتحدث معهم من «القراصنة» بالقول: «فكروا، وتعقلوا وأعطونى جوابا إيجابيا»، ثم تولى الوزير التونسى «بلخوجة الكلام وعرض بدء المفاوضات».. يتذكر أبو إياد: «تناهى إلى صوت أجش يقول: «لا نثق فى أبو إياد، نحن نعلم أنه رجل ماكر»، راح الوزير التونسى يلح عليهم ويقول لهم إن بوسعهم الوثوق بنا، لأننا لا نخون عهدا مقطوعا، وطلبوا منا مهلة نصف ساعة للتفكير، لكن الانتظار طال واستغرق الليل كله، ونحن يلفنا صمت كصمت المقابر، وكنا بدأنا نيأس».
وجاء صباح يوم «23 نوفمبر»، ليقطع جولة جدية من المفاوضات، فماذا حدث فيها؟
سعيد الشحات يكتب:
الجمعة، 23 نوفمبر 2018 10:00 ص
صلاح خلفلف الصمت مطار تونس، وكل من فيه يترقب كيف سترد المجموعة التى اختطفت طائرة بوينغ تابعة للخطوط الجوية البريطانية، على كلام الزعيم الفلسطينى صلاح خلف «أبوإياد» الذى وجهه لهم عبر جهاز الإرسال فى المطار يوم 22 نوفمبر 1974.. كان «أبوإياد» هو من يقوم بالمفاوضات مع الخاطفين بطلب من الرئيس أنور السادات، وسافر على طائرة خاصة من القاهرة لهذا الغرض، وكان معه فى المطار وزير الداخلية التونسى «طاهر بلخوجة».. «راجع– ذات يوم 22 نوفمبر 2018».
يتذكر «أبوإياد» فى مذكراته «فلسطينى بلا هوية»، أنه فى صباح يوم 23 نوفمبر «مثل هذا اليوم 1974» دوى صوت رئيس المجموعة ويدعى «مروان» قائلا: «أريد الكلام مع الأخ أبوإياد».. يوضح «أبوإياد» مشاعره وقتئذ: «تنهدت تنهيدة ارتياح، فقد ربحنا نصف المعركة طالما أنهم يدعوننى وللمرة الأولى باسم الأخ»، ويؤكد أنه بدون تضييع الوقت اتصل بالحكومتين المصرية والهولندية ليطلب منهما أن يرسلوا له فى اليوم ذاته الخمسة الفدائيين المعتقلين فى مصر، والفدائييْن المعتقلين فى هولندا.. وهم الذين طلب الخاطفون الإفراج عنهم ضمن 15 فدائيا معتقلا، لكن أبوإياد أكد لهم فى بداية تفاوضه أن ثمانية من الفدائيين لايريدون أن يبادلوا برهائن الطائرة.
يؤكد أبوإياد، أن الطائرة التى أقلت الفدائيين من هولندا هى التى وصلت أولا، إلا أن القنصل الهولندى أبلغه أن الفدائييْن لن يغادرا الطائرة إلا بعد تحرير ركاب الطائرة البريطانية، «أما الخاطفون فظنوا أننا ننصب لهم فى الواقع شَرَكًا فهددوا فى البدء بإعدام الرهائن واحدا واحدا».. يضيف «أبوإياد»: «دعوتهم إلى الصبر، وشرعت فى مفاوضات مملة لأكسب الوقت، إلى أن يصل الفدائيون الخمسة الآخرون من القاهرة».
وصل الفدائيون الخمسة من القاهرة فتشجع أبوإياد على عرض صيغة تسوية يمكن أن تنجح، وكانت: «تذهب المجموعة القادمة من مصر لتلتحق بمجموعة أحمد عبدالغفور، لتطلق بدورها سراح كل ركاب الطائرة، وبعد ذلك يغادر الفدائيان الموجودان تحت رقابة البوليس الهولندى طائرتهما ليصعدا إلى الطائرة البريطانية، ثم يقوم طاقم الطائرة وهم سبعة يحملون جميعا الجنيسة البريطانية بإيصال الخاطفين وصحابتهم إلى البلد الذى يختاورنه بعد استعادة حريتهم».. يكشف أبوإياد، أنه تأكد من تواطؤ الفدائيين الخمسة القادمين من القاهرة معه، «فهم يعرفوننى بالشهرة، ويقدرون المعركة التى أخوضها، كما أنهم فوق ذلك مدينون لى لأننى تدخلت لصالحهم لدى توقيفهم»، ويذكر أنه استثمر هذا الأمر فطلب منهم قبل صعودهم الطائرة أن يقوموا بكل ما فى وسعهم بإقناع الخاطفين بقبول اقتراحه، خاصة أنهم لم يعد لديهم فرصة لفرض وجهة نظرهم، فهم معزولون على الصعيد الدولى، كما تؤكد الإذاعات التى لابد أنهم استمعوا إليها، وأن كل البلدان العربية بما فيها ليبيا والعراق واليمن الجنوبية أدانت المحاولة إدانة قاطعة، ومن جهة أخرى فإن ابتزازهم لن يفضى إلى شىء، لأن جميع الرهائن تقريبا ليسوا بأردنيين ولا بأمريكيين، ولن يقلق أحد لأجل هنود أو باكستانيين أو أى آسيويين آخرين.. يعلق أبوإياد: «ملاحظة ذلك أمر محزن، لكن الأوروبيين لا يهتمون إلا بحياة رعاياهم هم، أما رعايا العالم الثالث فإنهم غالبا ما يعتبرونهم، بل يعاملونهم كما لو كانوا كيانات أدنى من البشر».
يكشف «أبوإياد» أن الخمسة الفدائيين أدوا مهتمهم، واقتضت ساعات.. وأخيرا خرج الركاب وكانوا سبعة وعشرين مسافرا بينهم ثلاثة أوروبيين وأفرج عنهم سالمين معافين، ثم سلم الفدائيان اللذان أفرجت عنهما الحكومة الهولندية إلى مجموعة «أحمد عبدالغفور» دون حوادث، فأصبح هناك ثلاثة عشر فلسطينيا «بينهم الخاطفون الستة» على متن طائرة الخطوط الجوية البريطانية، ومعهم أفراد طاقم الطائرة السبعة، وباتوا مستعدين للإقلاع والذهاب إلى البلد المعين لاستقبالهم.
وقعت مفاجأة لم تكن فى الحسبان، حيث طلب رئيس المجموعة الخاطفة «مروان» أن يتحدث إلى أبوإياد على انفراد، وبالفعل تم تدبير مكان اختير بدقة فى مهبط الطائرات، وبالضبط فى منتصف الطريق بين الطائرة وبرج المراقبة، ووفقا لأبوإياد: «أبلغنى مروان أنه يريد هو ورفاقه الحصول على حق اللجوء السياسى إلى تونس مع ضمانة عدم تسليمهم إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يكن بإمكانى أن أقبل دون الرجوع إلى الرئيس بورقيبة الذى رفض رفضا قاطعا، فهدد الخاطفون بتفجير الطائرة بكل من فيها، طاقمها من البريطانيين السبعة، والفدائيون».
كان على أبوإياد التصرف، فاقترح عليه أن يتركوا البريطانيين السبعة، ويصعد بدلا منهم سبعة من معاونيه إلى الطائرة، حتى يصبح هذا الانتحار الجماعى من الفلسطينيين فقط.. يتذكر أبوإياد: «قلت لهم وفروا علينا عار إعدام أبرياء إنجليز»، ويضيف: «كما توقعت فإن الرئيس بورقيبة تأثر لاقتراحى، ولما كان لا يريد أن يكون مسؤولا عن مثل هذه الخاتمة المأسوية، تعهد بتلبية مطالب الخاطفين، وهكذا نجحت».
مجلة الوعي العربي