ماذا فعلت إيران في العراق بعد 2003؟
انتهيت في الجزء السابق بالسؤال: “ما الذي فعلته إيران أمام الوجود الصهيوني المستبيح للعراق؟”
لكني لا بد أن اكتب قليلاً عن ما وصلني من ردود وملاحظات حول ما كتبت في الحلقتين السابقتين.
إن مما شك فيه ان من يكتب لا بد ان يجد بين قرائه من يقف معه ومن يقف ضده ومن يقف متفرجاً ومن يقف مستفيداً. وهذه الحقيقة قائمة في كل وقت ومكان ومن لا يقبلها فليس له أن يكتب أصلاً. فقد وصلني رأي من تابعي إيران من أهلي العراقيين يقول بأنه مع ما تفعله إيران في العراق مهما كان ذلك وكيفما تم. ووصلني رأي من تابعي الصهيونية في العراق يقول بأنه لا خلاص للعراق من إيران إلا على يد الهيمنة الصهيونية المطلقة، وإن كان يسميها بالأمريكية، وكأن هناك فرقاً بين الإثنين! ويذكرني هذا بما كان يقوله عدد من العراقيين قبل غزو 2003 بأنهم مستعدون للتعاون مع مناحيم بيغن للتخلص من صدام حسين، وكان لهم ذلك.
لكن الذي يهمني أكثر من اطلاعي على ما كنت أعرفه عن انقسام أهلي العراقيين المحزن هو ان ما كتبته أثار عدداً من الأسئلة. وهذا الجانب الإيجابي يعني أني أصبت الهدف في دفع حالة التفكر لما كان ولما يمكن أن يكون. لكن القراء الكرام الذين سألوني عن رأيي في الحرب العراقية الإيرانية ودخول الكويت والحصار والغزو إنما يحملونني ما لا يمكن أن أجيب عليه في سلسلة من مقالات قصيرة تحدد معالم الحدث أكثر من تحليله. لأن الإجابة على أسئلة كهذه تعني دراسة سياسية تأريخية لسبعين عاماً للعراق. فلا يمكن إعطاء رأي منصف في صدام حسين دون دراسة وصوله للحكم ولا يمكن دراسة وصوله للحكم دون دراسة المشروع القومي العربي في العراق ولا يمكن دراسة المشروع القومي في العراق دون دراسة الصراع العربي الصهيوني، وهكذا. بل ان دخول صدام حسين للكويت لا يمكن أن يدرس دون الرجوع إلى نهاية القرن التاسع عشر حين تم اقتطاع ميناء العراق العميق على شاطئ الخليج باحتلال بريطانيا لقضاء الكويت، وهو الأمر الذي رفضته كل حكومات العراق، وليس صدام حسين وحده. فإذا خيبت ظن البعض في عدم الرد على هذه الأسئلة فليس ذلك لكسلي ولكنه لعدم مقدرة سلسلة مقالات أن تنصف التأريخ.
لقد شاركت في إعداد أربعة كتب، باللغة الإنكليزية، عن العراق في الأعوام الاثنتي عشرة الماضية، وما زلت أشعر أن هناك الكثير مما لم نقله فكيف لي أن أوفي الأمر حقه في عدد محدود من مقالات! ولا بد أن أكثر من قارئ سوف يسأل: ترى لماذا كتبتم بالإنكليزية؟ والجواب المحزن هو عدم وجود ناشر عربي لكتب عن العراق، إما بسبب الخوف من غضب السعودية التي تتحكم بأكثر دور النشر والتوزيع، كما اكتشفت في مسيرتي في السنوات العشر الماضية، أو بسبب اقتناع الناشر كما ادعى عدد منهم بعدم اهتمام القارئ العربي. وكلاهما أو أي سبب آخر هو مؤشر على بؤس حال هذه الأمة. وقد تمكنا بعد سنوات من إيجاد ناشر لكتابين مترجمين من الأربعة وما زال كتابان عن “الإبادة في العراق” ينتظران الترجمة والنشر إن وجد ناشر.
أعود الآن لمواصلة الحديث حيث انتهيت في الحلقة السابقة.
قلت في الحقلة الأولى إني لن أدخل في عرض للحرب العراقية الإيرانية للأسباب التي بينت. هذا إلى جانب أن ثلاثة من الكتب التي أشرت لها عرضت الحرب في إطار تحليل أسباب الصراع وما آل اليه العراق. لكن المهم هنا هو إدراك أهم الدروس التي خرجت منها إيران من حرب الأعوام الثمانية. فقد أدركت إيران ما يلي:
-
إن جيش العراق بعقيدة قومية هو العقبة الكأداء أمام مشروعها في الهيمنة على المنطقة. وكلما ازدادت قوته كلما ازداد خطره في تحجيم مشروع إيران للمنطقة.
-
إن بوابة الخليج لن تفتح للاستباحة ما دام جيش العراق القومي قائماً.
-
إن مستقبل إيران لن يؤمن إلا بالاعتماد الكامل على النفس.
وهكذا عملت إيران.
فقد انشغل حكام العرب الذين يمتلكون، بسبب العارض الجغرافي، مصادر الطاقة والمال في أوربا وأمريكا بشراء الفنادق وفرق كرة القدم والبنايات البائسة وسندات الاستثمار، التي لا تساوي الورق المكتوبة عليها إذا شاء رب الدار أن يلغيها. هذا إلى جانب انشغالهم بتأمين حصار العراق!
أما إيران فقد أدركت أثناء الحرب المريرة والحصار الذي كان مفروضاً عليها معنى الحاجة. فأقامت سياسة البناء على قاعدة الاعتماد على النفس للوصول إلى الاكتفاء الذاتي. وهي وان لم تتمكن من تحقيق ذلك كاملاً إلا أنها نجحت بشكل متميز إذا ما قيست بأية دولة في المنطقة إذ تمكنت في ثلاثين عاماً أن تبني اقتصاداً وطنياً نشطاً وصناعة حربية وطنية تغني جيشها عن الحاجة للسلاح أو العتاد كما حدث لها في حرب الأعوام الثمانية. فهي اليوم، دون مبالغة في القول، قوة إقليمية يحسب لها الغرباء عن المنطقة أكثر من حساب.
أما الدرس الثاني الذي تعلمته إيران من الحرب فقد قضى بوجوب حل جيش العراق القومي. وفي هذا اتفقت إيران مع المشروع الصهيوني الذي كان هدفه الأول حل جيش العراق ذلك لأن للصهيونية ثأراً قديماً يقضي بضرورة حل أو هدم كل الجيوش التي حاربت في فلسطين عام 1948.
وحين نتحدث عما فعلته إيران في العراق فلا يمكن أن نفصل ذلك عما فعلته الصهيونية حيث إن إيران لم تكن سيدة الموقف في العراق في أي يوم وبرغم كل ما يقال فإن العراق كان وما زال محتلاً بيد الصهيونية. ويجب فهم هذه الحقيقة عند أية محاولة فهم للدور الإيراني في العراق ومن لا يفهم هذه الحقيقة أو يحاول أن يتجاوزها بالنظر إلى الدور الإيراني بمعزل فإنه يلعب دور الشيطان الأخرس. ولو لم يكن الأمر كذلك فإن الصهيونية ستكون إما جمعية خيرية أو جمعية أغبياء جاءت بابنائها ومالها لتسلم العراق لإيران!
وأول قرارين أصدرهما الصهيوني الأمريكي ورفيقه البريطاني كانا في اجتثاث البعث وحل جيش العراق وكل قوى الأمن والمخابرات. وكلا القرارين كان الهدف الأول للصهيونية في العراق وهو هدفها الآن في سورية. وقد وافقت إيران عليهما للأسباب التي سبق وأوجزت. فحققت إيران جزءاً من هدفها الأكبر دون أن تكون هي المنفذ. وحيث إن العراق كان بيد الصهيونية فإن إيران كان تتحرك بقدر ما يتاح لها وما يمكنها أتباعها من عمله ضمن نطاق الاحتلال الصهيوني الكامل للعراق.
وقد يقول المراقب غير المدقق إن الصهيونية ارتكبت حماقة في حل جيش العراق إذ كان يجب أن تفعل ما فعلته في اليابان وألمانيا بالإبقاء على هيكله الأساس وتغيير القيادات فحسب. لكن الأمر ليس كذلك. فحين كان الهدف من الحرب العالمية الثانية هو الانتصار في الحرب وإخضاع العدو فإن الهدف من غزو العراق كان بداية مشروع رسم خريطة جديدة لأرض العرب. وهذا المشروع يقتضي تشظية وتقسيم المنطقة لطوائف، لكي تسود الصهيونية وهو مما لم يكن عليه الحال في نهاية الحرب العالمية الثانية. وهكذا كان حل الجيش وكتابة دستور العراق الذي ثبت قاعدة ذلك التقسيم والذي جعل من العراق، وهو أصغر من ولاية كاليفورنيا، دولة اتحادية. فتصور الصغار أن جعل العراق دولة اتحادية نقله إلى مصاف الدول العظمى!
ولم تكن الصهيونية مشغولة بموضوع بناء جيش جديد للعراق لأنها كانت معنية بتقسيمه لا بنائه. وهنا تصورت إيران أن بمقدورها أن تضع يدها على مؤسسة جديدة لجيش العراق وتجعل منه جيشاً موالياً لها من حيث تركيبة مذهبية في جوهرها تفتقد لأي انتماء قومي سوى الولاء للمذهب والمرجعية الدينية في أغلب الظروف. وهذا سيحقق لها قيام جيش يمسك بالعراق الذي قسمته الصهيونية دون أن يشكل خطراً محتملاً عليها كما فعل جيش العراق القومي في ثمانينيات القرن الماضي. ولم تخش الصهيونية ذلك فأتاحت لإيران أن تفعل ذلك. حيث إن الصهيونية كانت مدركة أن جيشاً كهذا لا يمكن له أن يفعل شيئاً لأن تسليحه وتدريبه كان بيدها أولاً، وثانياً لأن جيشاً بلا عقيدة ليس سوى جهاز مسلكي لا قيمة له في أي صراع! وقد أثبتت الأحداث صحة ما توقعته الصهيونية فحين ولد تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ابن القاعدة التي بنتها الصهيونية في أفغانستان بمال الأعراب، عجز جيش العراق الجديد عن مواجهتها مما اضطر المرجعية، التي سكتت عن غزو العراق، أن تفتي بالجهاد ضد “داعش”، فكان الحشد الشعبي.
وحيث إني قد أسلفت بأن وجود إيران في العراق كان له هدفان مرتبطان أولهما بالهيمنة على المنطقة بسبب ديني/مذهبي أو بسبب قومي وثانيهما حماية الأمن القومي الإيراني أمام الوجود الصهيوني في العراق، فقد أصبح الشاغل الرئيس لإيران في العراق هو تأمين حدودها الغربية من الاختراق الأمني ومن تحريك الشعور القومي لدى الأقوام المتعددة التي تشكل الخريطة السكانية لدولة إيران. فكان عليهم الاعتماد على العراقيين الذين لجؤوا اليها في العقود الثلاثة التي سبقت الغزو. وهؤلاء في أغلبهم لم يكونوا من أكرم القوم ولا أنظفهم ولا أقدرهم. ذلك لأن العديد من الذين لجؤوا لإيران تركوها لأسباب أهمها عدم احترام الإيرانيين لللاجئين العراقيين. وهم أمر قد لا يصرح به أحد اليوم لكن الذي عاصروا الفترة التي سبقت الغزو على بينة من أمرهم.
أما العراقيون الذين كانوا في العراق فقد كان الكرام منهم على حذر من ركب قطار الغزو بسرعة. فهم حتى إذا كانوا معادين للبعث فإنهم لم يكونوا مرحبين بغزو أجنبي لوادي الرافدين فليس من إنسان أياً كان لا يعرف ما يعني غزو أرضه. كما ان العقول القادرة هي عقول حرة بطبيعة الأشياء. وهكذا انتهى العراق، بإشراف إيراني، يديره أناس من شذاذ القوم من باحث عن مال أو باحث عن جاه أو باحث عن شرف أو باحث عن شهادة مزورة، حيث لم يجد الإيرانيون يومها غيرهم لإدارة العراق. وكانت الصهيونية مرتاحة لهذا الحال دون أدنى شك ذلك لأنه حقق لها المطلوب في ابقاء العراق ممزقاً عاجزاً مع تحميل تبعية ذلك الفشل لإيران بسبب أتباعها الذين يديرون الأمر وليس تبعية ذلك للصهيونية التي خلقت الحال وأمسكت بكل المفاتيح!
فانتهى العراق، الذي كانت صفة “الرشوة” فيه هي أسوأ ما يمكن أن تطلق على موظف، يحتل آخر السلم في الفساد من بين 180 دولة في العالم لأن “الرشوة” أصبحت سنة في الدولة العراقية الحديثة التي خلقتها الصهيونية ويديرها رجال إيران.
وهنا لابد للمراقب أن يسأل: أترى إن إيران ليست مدركة لما حدث، وانها ستبدو المسؤولة عما يحدث في العراق؟ ولماذا لم تفعل شيئا لمنعه؟ أم هل كانت عاجزة حقا عن فعل شيء لمنع ذلك؟
فقد نقل رامزي كلارك عن أحد قادة القوة الجوية الأمريكية أن دمار 95% من انتاج الطاقة الكهربائية في العراق عام 1991 كان لإجبار العراقيين على ازاحة صدام حسين عن الحكم. وبرغم أن القائد الأمريكي كان كاذباً، والأنكلو ساكسون هم سادة الكذب في العالم، إلا ان نظام البعث نجح في إعادة أكثر من نصف انتاج الكهرباء وشغله وأدامه برغم الحصار مدة اثني عشر عاماً كما فعل في توزيع الحصص التموينية ومنع قيام مجاعة حقيقية في البلد.
فلماذا لم يتمكن الإيرانيون من اعادة الكهرباء للعراق بعد 16 عاما من النظام “الديموقراطي” الذي تدعمه إيران والصهيونية ودون أن يكون له عدو يهدده وينتج أربعة ونصف مليون برميل نفط يومياً؟ فحتى لو افترضنا، وهي ليست فرضية بعيدة عن الصحة، ان الصهيونية لا تريد اعادة الكهرباء للعراق فلماذا لم تتمكن إيران من إقناع رجالها بحل هذه المشكلة الحقيقية؟
وهل ترضى إيران الفقيه، أو إيران الدولة، داخلها بفساد يشبه من قريب او بعيد الفساد السائد في العراق اليوم؟ وإذا لم ترضه فكيف تسكت عن، إن لم نقل تسعى كي تمنع، هذا الفساد الذي نخر الدولة والناس وأفسد علاقاتهم؟
أم ان إيران وصلت لنتيجة مفادها انها أمام خيارين: إما أن تبقي على الفاسدين لتمسك بزمام الأمور أو أن تتخلى عنهم فتفقد العراق؟ فاختارت الأول!
ولا بد للناظر بموضوعية، ومتجنبًا العواطف ما أمكن ذلك، أن يتوقف قليلاً ويتأمل ملياً. فليس من المعقول أن الساسة في إيران لا يدركون هذه الحقائق والنتائج السلبية لما حدث في العراق على مشروعهم وأمنهم القومي بل وحتى على صورتهم في المنطقة اليوم قوة محتلة فاسدة. ولا أشك أنهم مدركون، فقد أثبتت إيران دهاء في سياساتها في التعامل مع أوربا والصهيونية على الصعيد الدولي ولا يمكن أن تكون غبية في فهم واقع المنطقة. وإذا كان هذا الحال فلماذا سمحت إيران بوصول الأمر في العراق لما آل اليه؟
الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 4
انتهيت في الحلقة السابقة للسؤال عن سبب فشل إيران في العراق. لكنه لا بد لي قبل الدخول في هذا أن أتوقف قليلاً عند ما استجد من حدث تصعيدي خطير في اغتيال الصهيونية لعدد من القادة الإيرانيين والعراقيين قرب مطار بغداد. ويبدو أني بشكل غير مقصود بدأت بكتابة هذه السلسلة، بعد أن أجلتها لمدة عام بسبب انشغالي بمقاضاة أعداء العراق، في وقت يتطلب متابعة مستمرة لإن مستجدات الحدث تكاد تكون يومية.
إن أهم ما يمكن استخلاصه من العدوان العسكري الأخير هو:
أولاً: إن الولايات المتحدة، كما قلت في الحلقات السابقة، ما زالت تحتل العراق وتتصرف فيه كأية قوة محتلة في التأريخ. فهي لا تسأل أحداً عن إذن التحرك فوق أرضه أو سمائه. وهذا يعني كما أسلفت أن أي وضع سياسي في العراق لا قيمة له ما دامت الصهيونية قادرة على ازالة ما لا ترضى عنه بعمل عسكري. والاغتيال الأخير دليل ذلك. ولو كانت إيران تحتل العراق، كما يقول عدد من الجهلة وعدد من المغرضين، لما أمكن لأحد أن يقتل أحد اكبر قادتها على ارض العراق وبطائرات تطير من أرض العراق. وأكتفي بهذا القدر في هذا الموضوع حيث لن أعود لبحث هذه الحقيقة بعد اليوم. ولن أضيع وقتي في حوار حولها.
ثانياً: إن الصهيونية أرادت أن ترسل رسالة ليس فقط لإيران والعراق ولكن لكل العالم مفادها أنها، أي الصهيونية، تمتلك الحق بالتصرف في اغتيال من تشاء، متى تشاء وأينما تشاء. إن سكوت العالم، وعلى الأخص في أوربا وهي وحدها القادرة اليوم على تحديد الطغيان الصهيوني، أمام هذا السلوك الإجرامي يعني أننا وصلنا لوضع جديد في العلاقات الدولية يستخف بكل قواعد العلاقات الدولية التي اتفق عليها العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي شكلت النظام السياسي الدولي الجديد المحدد بميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وهو وضع لا يختلف كثيراً عن وضع العالم عشية الحرب العالمية الثانية وسقوط عصبة الأمم.
ثالثاً: إن دعوى من ينادي بأن ينأى العراق عن دائرة الصراع وتسوية الحسابات يبدو وكأنه طلب من يعيش خارج التأريخ والواقع. ذلك لأن البلد المحتل لا يمكن أن يكون خارج صراعات القوة التي تحتله. وقد أثبت اغتيال قاسم سليماني أنه لا يمكن أن يكون العراق حراً في تحقيق هذا الطلب أذا صدقت نية المطالب بالنأي بالنفس. وهذا كان حال فرنسا بعد أن احتلها هتلر في الحرب العالمية الثانية حيث حسمت الحرب العالمية على ارضها. وحتى لو افترضنا، من باب الجدل، أن العراق دولة مستقلة تمتلك السيادة والقرار فإنه، أي العراق، يظل غير قادر على تحقيق النأي عن الصراع وتسوية الحسابات بين الصهيونية وأعدائها ذلك لوجود القواعد العسكرية المنتشرة فوقه والتي تنطلق منها العلميات العسكرية الصهيونية مما يؤدي بالنتيجة لكونها هي، وبالتبعية أرض العراق، هدف أي رد يأتي من أعداء الصهيونية.
رابعاً: إن الصراع الإيراني الصهيوني على العراق حقيقة وليست مجرد أفكار أنتجها عبد الحق لتسويد صفحات مقال. ذلك لأن اغتيال قاسم سليماني على أرض العراق لا علاقة له بالعراق ومشاكله أو مصلحته. بل هو مطلب صهيوني نادت به إسرائيل لسنوات بسبب مساهمة سليماني في دعم حزب الله في لبنان وسورية العربية مما أضر بالمشروع الصهيوني. وقد ثبت هذه الحقيقة كل من رئيس وزراء إسرائيل والرئيس الأمريكي النزق مما يغلق باب الجدل حولها. فالعراق أصبح ساحة الصراع بين الهيمنة الإيرانية والهيمنة الصهيونية على أرض العرب. وهذه الحقيقة لا علاقة لها أين أقف واين يقف الآخرون من هذا الصراع. إنها حقيقة الواقع الذي يجب أن يفهمه ويقره الجميع عند الحديث عن العراق اليوم. إذ لا يكفي الاستنكار ورفع الشعارات والمطالب. بل يجب أن يكون واضحاً أين يقف كل شخص أو مشروع ولماذا يهدف هذا الموقف.
أعود الآن لمتابعة حديثي عن سبب فشل إيران آخذاً في ذلك الحديث شيئاً مما استجد.
لا بد أن نتذكر أن إيران، والتي كانت سعيدة للتخلص من المشروع القومي العربي في العراق والذي مثله حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق ثلاثة عقود والذي ما كان ليزول لولا الغزو الصهيوني، دخلت العراق عن طريق خدمها من قوات بدر. لكن إيران واجهت الحقائق التالية حين دخلت العراق عن طريق عملائها:
- إنها لم يكن لها دور في اختيار أعضاء ما سمي بمجلس الحكم من الخونة الذين اختارتهم الصهيونية والذي سيدخلون تأريخ الخيانة كما دخله إبن العلقمي. ذلك لأن اختيار الصهيونية لعدد ممن كانوا يعيشون في إيران أعضاء في مجلس الخيانة ذلك لم يكن بسبب أهمية إيران في القرار وإنما أولاً لكونهم من الشيعة، وهو عرضي، وثانياً لأنهم كانوا على إتصال بالصهيونية سواء أكان ذلك بعلم إيران وموافقتها أم لا. وهذه العلاقة لهم بالصهيونية اضافت عنصراً جديداً من التعقيد في التعامل مع حقيقة ارتباطهم الصهيوني وشعورهم بالولاء المذهبي لإيران.
- إنها، أي إيران، لم يكن لها أي دور في التغيير الشامل الذي أدخله الصهاينة للعراق عن طريق تشريع أكثر من مائة قانون غيرت العراق سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً وعسكرياً حيث أصبح لزاماً على من يعمل في العراق أن يتعامل مع الحدث في ظل ذلك التغيير.
- إنها لم يكن لها أي دور في صياغة أو تعديل الدستور الذي كتبه الصهاينة للعراق عام 2005 والذي يدعي عدد من الأميين العراقيين اليوم أنهم شاركوا في صياغته ثم تسود الصفحات وتصرف الساعات في الحوار عما كتب أصلاً وما أدخل عليه من تعديل وكأنه حقاً مشروع عراقي أصيل. فلو ان إيران كان لها دور في صياغة دستور عام 2005 في العراق لاعترضت على عدد من مبادئه ليس لأن تلك المبادئ لا تخدم العراق فحسب بل بسبب أنها تفتح باب المشاكل لإيران. ونكتفي بمثال واحد على ذلك لتقريب الصورة. فلو ان إيران كان لها رأي لاعترضت على قيام عراق اتحادي بين العرب والأكراد. ذلك لأن دعم إيران لعراق اتحادي لا بد أن يفتح أعين وشهية شعوب الأزيريين والعرب والأكراد والبلوش للحديث عن إيران اتحادي وهو ما لا تريده ولا تسمح بالحديث عنه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
إن فهم هذه الحقائق مهم لفهم الواقع الذي وجدت إيران نفسها تعمل فيه حين وضعت أقدامها في العراق عن طريق مجموعة من الجهلة والمتخلفين والأميين، وهو كل ما كان لديها من العراقيين الذين لجؤوا اليها.
كما إنه كان على إيران أن تتعامل مع المرجعية الدينية في النجف ذلك لأنه قد يبدو غريباً لكثير من العرب أن يكتشفوا أن مرجعية النجف ليست على توافق مع مرجعية إيران الدينية. وسبب ذلك يعود لتأريخ المرجعية في النجف ونشوء ولاية الفقيه وصعودها. فمرجعية النجف التي كان تأريخها السياسي يتأرجح في القرن العشرين حتى حسمه محسن الحكيم في الفتوى ضد الشيوعية والتي أظهرت انحياز المرجعية الكامل سياسياً للصهيونية حين كانت ليست ملزمة على الدخول في معركة الإنحيازات والولاءات. وقد تولى أولاد محسن الحكيم قيادة التعاون مع الصهيونية وتوجوه بالمشاركة في الإعداد للغزو ودخول العراق مع الصهاينة.
لكن الوضع في إيران كان مختلفاً ولأسباب عدة ليس هذا مجال الخوض فيها. إلا أن ما يهمنا هنا هو أن الخميني حين بعث نظرية ولاية الفقيه للوجود فإنه ادرك عن يقين أنها لا يمكن لها أن تنتصر ما دامت الصهيونية تتحكم بالمنطقة فكان طبيعياً أن يكون مشروعه لبناء الدولة الإسلامية القائمة على ولاية الفقيه معاديا للصهيونية. وهكذا كان. وحين ورث علي الخامنئي الولاية فقد وجد نفسه في مواجهة مرجعية السيستاني المهادنة للصهيونية وقد أوجز ذلك الموقف الصعب حين تساءل مرة بقوله إنهم يقولون إنهم يوالون علياً لكنهم لا يتعرضون لأمريكا. وليس صعباً على القارئ أن يفهم ما أراده ومن المقصود!
وهذا الموقف الصعب الذي كان على مرجعية ولاية الفقيه أن تتعامل معه يتضح من حقيقة أن مرجعية ولاية الفقيه ليس لها تقليد ذو قيمة في العراق في الوقت الذي يقدر السيستاني فيه تحريك الملايين كما فعل في الدعوة للتصديق على دستور عام 2005 والذي لو كان الأمر بيد الخامنئي لدعا لرفضه. وهذا يعني بالضرورة أن أغلب جماهير الشيعة في العراق، مهما كان تعاطفهم أو عدمه مع إيران، لم يكونوا في حقيقة الأمر في إمرة الفقيه في إيران بل هم في إمرة مرجعية النجف. وهذه الحقيقة مهمة ويجب ادراكها لمن أراد أن يعرف حقاً ما جرى ويجري في العراق وماذا فعلت إيران أو ماذا كان يجب أن تفعل. فقد دخل العديد من عملاء الصهيونية من الملتحفين بغطاء مظلومية الشيعة من هذا الباب مدعين الولاء لإيران في الوقت الذي كانت فيه أهواؤهم حقا في الجانب المعادي لإيران. ولن أسمي أحداً لكن يكفي أن نلقي نظرة واحدة على أولاء الذين كانوا في الصف الأول من المسؤولين في العراق في أعقاب الغزو وننظر أين انتهى الذين اختفوا منهم عن المسرح السياسي. فهم لم يذهبوا إلى طهران بل تراهم في واشنطون أو لندن أو باريس أو في عاصمة صهيونية أخرى! فإذا كانوا حقاً رجال طهران في العراق فلماذا لم يتقاعدوا في بيت سادتهم الفرس؟
أما أجهزة الدولة الإيرانية فقد كان عليها التعامل مع حقائق جديدة في وجود أجهزة المخابرات الدولية في العراق التي تتحرك بمطلق الحرية. فكان شاغلها الأول هو منع تغلغل هذه الأجهزة في إيران وزعزعة الأمن القلق في أساسه في ظل الحصار الخانق. وهذه الحالة القاهرة قضت بغض النظر عما سواها. ولو أدى ذلك للتعامل مع فاسدين من العراقيين لما كان هناك من ضرر اذا خدم ذلك الأمن القومي الإيراني وحمى ذلك حدود إيران من الاختراق.
وحيث إن العراق لم يكن شيعياً في أغلبيته حيث كان السنة وما زالوا يشكلون قوة حقيقية بينما يشكل الأكراد ليس قوة فحسب بل واقعاً سياسياً أوجده الغزو الأول عام 1991 وشبه الاستقلال الذي تمتعوا به منذ عام 1991 وحى عام 2003. وقد نجح الصهاينة في استغلال هذه الحقائق لإجبار إيران على التعامل كرد فعل وليس مبادرة في أغلب مراحل. فرضخ الإيرانيون لأكراد العراق شريطة عدم قيامهم بتأجيج الشعور بالاستقلال بين أكراد إيران. فجاز لأكراد العراق الفساد دون أي ضغط إيراني!
فما أن انتهى الصهاينة من تسليح وإطلاق يد الميليشيات الشيعية التي جاءت من إيران بحجة مكافأتها على القتال ضد صدام حسين، كما قال بول بريمر، حتى بدأت بتسليح شباب أهل السنة في الصحوة وما شابهها بحجة حمايتهم من ميليشيات الشيعة! ثم ما لبثت أن بعثت الحياة بتنظيم القاعدة الذي أوجدته في أفغانستان بمال الأعراب لتطلق شذاذ المسلمين من جديد في حرب اساسها اجتثاث الشيعة من المنطقة: حيث لم يرفعوا شعاراً غيره! ولا يخفى على أبسط مراقب أن هدف الصهيونية، من تجميع رجالها القدماء في القاعدة وإعادة تنظيمهم وتمويلهم وتسليحهم ومنحهم ممر العبور من تركيا، كان وما زال من أجل منع قيام محور معاد لإسرائيل يمتد من جبال زغروس حتى الأبيض المتوسط. فالصهيونية ليست سنية ولا شيعية ولا نصرانية وهي تنظر لكل سكان المنطقة من المنظار ذاته من التعالي والاحتقار وليس لها من هدف سوى الهيمنة المطلقة والإذلال وتفعل في سبيل ذلك كل شيء.
هذي ليست سوى نظرة عابرة للحقائق التي وجدت إيران نفسها تتعامل معها في العراق وهي لا تمتلك من مفاتح القوة سوى عدد محدود من الأفراد الذين يمكن لها حقاً الإعتماد عليهم. ولو كان قادة المشروع السياسي الشيعي في العراق في جيب إيران لما وقعوا معاهدات الذل والتي سميت، من باب الاستخفاف بالعقول، معاهدات أمنية منحت الصهيونية كل السلطة وأبقت العراق رهينة لها. فلو كان أي من علاوي أو المالكي أو الجعفري أو العبادي أو المنتفجي في جيب إيران لما انتهى الوضع إلى أن تطير الطائرات الصهيونية من أرض العراق لتقتل قادة إيران على أرض العراق. ثم تنتهي بأن تأمر المنتفجي بأن يحمي سفارتها ومواطنيها!
لكن ما قلته أعلاه لا يجيب على السؤال المشروع، ألا وهو لماذا سمحت إيران للفساد أن يستشري في العراق بالشكل الأسطوري الذي هو عليه اليوم؟ وهو أمر لا يمكن لإيران أن تدعي أنها لم تساهم فيه بالرغم من حقيقة أن الصهيونية هي التي جاءت بالفاسدين وسلمتهم العراق. حيث إنه لا بد لإيران من أن ترد عن سبب فشلها في ردع رجالها عن الانشغال بالفساد وحده دون أية مساهمة أخرى في إدارة الدولة إذا لم نقل المساهمة في البناء والتطوير للدولة التي خرجت من ثلاثة عشر عاماً من الحصار وغزو واحتلال مدمرين.
إن علة الفساد ليست ظاهرة عراقية ولا عربية فهي موجودة في بني الإنسان ويحدد انتشار الفساد النظم والقوانين والأعراف السائدة في أي مجتمع. فبقدر قوة هذه الضوابط يجري التحكم بالفساد. وتتحكم بهذه الضوابط ونموها عوامل معقدة لست أدعي الإحاطة بها وحتى لو كنت فليس هذا موضع بحثها. لكن ما يهمنا هنا هو أن ندرك أن غزو أي بلد يعني إنهاء النظم القائمة في البلد المغزو. ولو أراد الغازي أن يضم الأرض له فإنه كان سيأتي بنظمه لتحل فيها. وقد حل الغزو الصهيوني النظام السياسي والاجتماعي في العراق كما أسلفت القول. ولم يأت، عن قصد، ببديل. فأصبح العراق ساحة مكشوفة لأية قاعدة جديدة في التعامل بين الناس. وحين تكون السلطة العسكرية الحاكمة تتطلع للفوضى تحت سمعها وبصرها، وحين تكون المؤسسة الدينية تتطلع لكسب مالي، وحين تكون الجماهير المحرومة والجائعة بسبب الحصار المدمر تحلم بكسب مالي سهل وحين يكون المتعلمون القادمون من أوربا رسل الانتفاع السريع الذي تعلموه من نظم الدعم المالي المفسدة، فحينها يصبح الفساد سنة وقاعدة التعامل بين الناس لأن كل الأطراف المساهمة راغبة فيه، ولا توجد قوة ضده تردعه أو تحدده!! ولأن أحدا لم يكن معنيا ببناء دولة!
ويبقى السؤال قائماً: ما الذي فعلته إيران لتحديد الفساد الذي أوصل العراق لما هو عليه اليوم؟ فهل حاسبت أحداً من رجالها المسؤولين في العراق المحتل عن الفساد أو حاولت ايقافه؟ وان لم تفعل فلماذا؟ إن الإجابة بأنه كان عليها أن تختار بين الدفاع عن أمنها القومي بأية وسيلة وبين إقامة نظام ولو نصف عادل في العراق ليس مقنعاً. إن التضحية بمستقبل العراق ليس في مصلحة العراق ولا حتى في مصلحة إيران. ولا يمكن لإيران أن تتنصل من المسؤولية. إن كل الشواهد التي يراها مراقب الحدث العراقي في السنوات العشر الماضية يدل على مسؤولية إيران المشتركة مع الصهيونية عن ما جري في العراق وما آل اليه الأمر الذي دفع للانتفاضة……
وهذا حديث الحلقة القادمة.
مجلة الوعي العربي