الأسطورة الإسرائيلية والحقيقة الفلسطينية
قوة الأسطورة، هي ما يبرّر به هرتزل تفضيله لاختيار فلسطين وطناً قومياً لليهود، بعد أن كان على استعداد لقبول أوغندا، قبرص، الأرجنتين، موزمبيق أو الكونغو. هذا ما يقوله في يوميّاته وفي كتابه الدولة اليهودية. في هذا الكتاب يصف مؤسّس الصهيونية الأسطورة الدينية بـ”صرخة اصطفاف ذات سلطة لا تقاوم”.
لن نكون معنيين بمناقشة جواز اعتبار الدين أسطورة أم لا. فذاك ما اعتبره هرتزل. ولكننا معنيون بأن نتبيّن معنى “صرخة الاصطفاف” وسلطتها. وبمعنى آخر توظيف الشعور الديني من قِبَل سياسيين يعرفون جيّداً هدفهم، ولا يعنيهم سواه. بناء على وعيهم التام بأهمية هذا المحرّك الشاحِن الجامِع. وبالإسقاط على الحاضر يقود هذا إلى السؤال: ألا يعرف المخطط الاستراتيجي الإسرائيلي ما يعنيه ذلك عندما يتعلّق الأمر بالمسجد الأقصى؟ وبالإسقاط نفسه ينسحب هذا السؤال على ردّة الفعل الفلسطينية سواء من قِبَل المؤمنين أم من قِبَل المسيّسين كما كان حال هرتزل. مع فارق عميق هو أن الفلسطيني ليس بحاجة إلى أسطورة دينية كي يؤسّس لملكيته لأرض فلسطين ولا كي يبرّر عملية دفاعه عن هذا الحق. وإذا كان المساس برمزيّة دينية كبرى يمسّ شغافاً لا شك فيها لدى جميع الشرقيين في ما يتعلّق بالدين. فإن هذه الرمزية تصبح أكثر تجذّراً عندما تتماهى مع مسألة وجود يحتاج إلى استنفار جميع مصادر الشحن والاصطفاف ورموز الانتماء للدفاع عنه.
واقعياً. لا بدّ وأن الاسرائيلي يعرف جيّداً كل هذا. ويعرف أن التعدّي على المسجد الأقصى يشكّل خطر اندلاع انتفاضة جديدة. لكنه من جهة ثانية يعرف أن الواقع العربي والفلسطيني الراهن يقدّم له أكثر من فرصة:
- فرصة التعويد، عبر التكرا ، على الاعتداء على المُحرّمات والمُقدّسات. - فرصة مصادرة أرشيف هائل من الوثائق والمخطوطات والموجودات في المسجد التي لا يعرف أحد إلى أين شُحِنت وماذا سيحلّ بها. - فرصة التركيز أكثر فأكثر على أن الصراع مع الفلسطينيين والعرب هو صراع ديني بين الإسلام واليهودية. تركيز يصرف النظر عن القضية الأساسية وهي الأرض التي لا يختلف فيها شبر عن آخر، من أي دونم بُنيَت عليه وحدة استيطانية إلى المسجد الأقصى إلى كنيسة القيامة. - وبتحوير الصراع هذا تتدرّج القضية، من قضية العرب المركزية، وقضية إسرائيل الكبرى مقابل سورية الكبرى ووادي النيل، إلى قضية القرار الوطني الفلسطيني الذاهب إلى أوسلو، ومن الفلسطيني إلى “الحرب على غزّة” وحصار غزّة وقضية غزّة، من جهة، مقابل السلطة والضفة والتنسيق الأمني، ومن الضفة إلى القدس، ومن القدس إلى المسجد ومن المسجد ومكتباته ووثائقه إلى البوابات الالكترونية، وغداً ربما تصبح المشكلة في نوع الكاميرا أو العصا الالكترونية الخاصة بالتفتيش.
هذا في وقت تتّجه فيه دول الخليج إلى أمرين خطيرين : الأول هو التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني والتحالف معه ضدّ كل مَن يُعادي مشروعه، إيران وحزب الله والقوى القومية والوطنية من المشرق إلى المغرب. تحالف سنرى ترجمته في التبادل التجاري والعلمي والشبابي والثقافي والعسكري، كما سنراه في طُرق المواصلات من الأوتوسترادات إلى سكك الحديد. ( قيل لبيسمارك: “موحّد ألمانيا”، فردّ: لست أنا بل سكك الحديد)، إلى أنابيب النفط وفي أولها خط كركوك حيفا، إذا ما نجح الاستفتاء الكردي. والثاني هو الصيغة الجديدة للإسلام التي تعمل مملكة محمّد بن سلمان، بإشراف أميركي، على تنفيذها. وقد صرّح تيري لارسن وزير الخارجية الأميركي، بأن مكتباً أميركياً قد بدأ عمله في الرياض للإشراف على هذه العملية: “صياغة إسلام جديد”. وذلك عبر إعداد كتب دينية جديدة يحذف منها كل ما له علاقة بالتطرّف والإرهاب، وترسخ فيها مفاهيم جديدة. ثم يتم توزيعها على جميع أنحاء العالم التي يطالها المد السعودي، مع سحب جميع الكتب الموجودة حالياً. إضافة إلى إقامة حملة إعادة تأهيل للأئمّة. مخطّط يبدو للوهلة الأولى نقلة ممتازة، تمثّل ما يطمح إليه كل من طاله القرف من الفكر الإرهابي الظلامي المُدمّر الذي نشرته الوهّابية عبْر العالم.. لكن كم من كلمة حق يُراد بها باطل. فمَن يدري ما الذي سيُدرجه الأميركي من مفاهيم ومن قِيَم، سواء في ما يتعلّق بحاجات هيمنته أو ببذور التخريب أو بشكل أساسي ما يتعلّق بإسرائيل وقبول دولتها اليهودية بإسم الإسلام.
لقد كان التغيير السياسي حتمية قادمة في العالم العربي بحكم جملة أسباب موضوعية داخلية، فحصل الالتفاف عليه وتحويله إلى عملية تدمير لكل شيء وعودة رهيبة إلى الوراء. الآن يفرض الإصلاح الديني نفسه كحتمية تفرضها مآلات الخطاب الأصولي الإرهابي المتخلّف، وها هم الأميركيون وضمناً الصهاينة يلتّفون عليه نحو ما لا نعلم. ولنتذكّرمَن صاغ حرب احتلال العراق ومَن كتبَ دستور العراق بعد الاحتلال. ومَن رافق ترامب في زيارته إلى السعودية. ولنحاول أن نربط هذه الستراتيجية بما حصل للأقصى.
لكن علينا في المقلب المقابل أن نتذكّر أن هذا القدر الإسرائيلي، لم ينجح أن يكون قدراً في لبنان ومع مقاومته، ولم يستطع أن يكون قدراً مع سوريا رغم كل الاصطفاف، ولم يستطع أن يمنع الانتفاضتين الأولى والثانية من تحقيق أهداف تاريخية. ولم ينجح في جعل هبّة الأقصى، على الأرض، وبعكس الإعلام، هبّة إسلامية بقدر ما كانت هبّة فلسطينية بمسلميها ومسيحييها. سمعنا فيها صوت عطاالله حنا أكثر مما سمعنا هيئة الافتاء.
قامت الحركة الصهيونية في أوآخر القرن التاسع عشر على يد مؤسسها هرتزل على أساس إيجاد وطن قومي لليهود في العالم. وتخليصهِم من الذُل والامتهان الذي يعيشونهُ في كلِ أنحاء العالم. ومع أنها فِكرة لاقت استحسان الكل من يهود وممّن أرادوا التخلص منهم، إلا أن اختيار فلسطين كوطن قومي لليهود لم يتبلور في ذهن هرتزل إلا في أواخر مشروعه.
دوافع هرتزل ليست دينية مُطلقة ولا يمكن أن نُسميها كذلك، لأن الرجل أصلاً غير مُتدين ولا يحفظ شيئاً من التوراة، فقبل المؤتمر الصهيوني الأول حفظ بعض العِبارات الدينية بصعوبة قبل ساعات من المؤتمر. لكنهُ يهودي قومي إن أردنا أن نُصنّفه، فلقد حملَ مأساة اليهود من زاوية قومية عرقية فقط. لقد كان يُفضل ويرجّح هرتزل الأرجنتين كوطن لليهود أكثر من فلسطين، لأسباب ذكرها في يومياتهِ:
أولى تلك الأسباب: اختلاف المناخ والتضاريس الذي سيكون عامل سلبي ضد الهجرات اليهودية لفلسطين، فيقول: “هنالك بعض الأمور التي ليست في صالح اختيار فلسطين مثل طقسِها الذي لم نَعد معتادين عليه، وضيق مجال التوسع فيها”. وهذا بعكس الأرجنتين التي تشبه أوروبا كثيراً، مما يجعل فترة الاندماج أسرع للمهاجرين اليهود لتسريع إنجاز الدولة.
السبب الثاني: الذي جعله لا يختار فلسطين هو قربها من أوروبا بعكس الأرجنتين. فيقول :”إذا ذهبنا إلى أمريكا الجنوبية سيكون هذا أفضل، لأنها أبعد عن مشاكل أوروبا العسكرية والسياسة.”
السبب الثالث: الصعوبات الكبيرة التي سوف يلقاها من الدولة العثمانية.
السبب الرابع: حساسية المنطقة بالنسبة للدين المسيحي الأمر الذي قد يجعله يصطدم بالبابا مثلاً.
لكن ما هي العوامل والأسباب التي غيرت بوصلة هرتزل نحو فلسطين ولماذا كان إصرارهُ كبيراُ جداً نحوها في آخر أيامه؟ من خلال تحليلي ليوميات هرتزل وجدت أربعة أسباب خمَّرت أنظار هرتزل نحو فلسطين، وتأتي أهميتها لنا في فهم أسباب ودوافع الصراع بالنسبة لهم تجاهنا وهي:
1- الالتقاء مع المصالح الغربية
كنا قد فصّلنا في هذه النقطة في المقال الأول “سر العلاقات الغربية الإسرائيلية.. من يوميات هرتزل“، حيث أن إنشاء دولة ذات طابع حضاري غربي في فلسطين يجعلها تتصادم مع أي دولة قد تخرج تحمل صحوة حضارية في المنطقة تهدد المصالح الغربية. لذلك سوف يدعم الغرب فكرة الدولة اليهودية في فلسطين أكثر من الأرجنتين حفاظا على مصالحه هناك والتي سيحفظها وجود دولة إسرائيل.
وفي ذلك يقول: “إذا أخذنا فلسطين سوف تُشكل جزءاً من استحكمات أوروبا في مواجهة آسيا كموقع أمامي للحضارة الغربية في مواجهه البربرية، وعلينا كدولة طبيعية أن نبقى على اتصال بكل أوروبا التي سيكون من واجبها أن تضمن وجودنا”.
2- قدسية فلسطين في الديانة اليهودية
| كان لأصدقاء هرتزل ومحدثوه وزائروه من الصهاينة دور في إنهاء تردده عن فلسطين. ومنهم النائب اليهودي البريطاني صموئيل مونتاجو الذي قال له: “لو كانت فلسطين فسأرحل أنا وجميع عائلتي” |
وما نقصدهُ هنا استغلال العاطفة الدينية لليهود تجاه فلسطين مما يسهل عملية تهجير اليهود الفقراء والفلاحين إلى أرض الميعاد والآباء ويعطي طابع ديني للمشروع، والذي بدوره سيعطي زخماً ونجاح للمشروع. يقول هرتزل في ذلك :”لا يريد اليهود الذهاب للأرجنتين، لكنهم يريدون بقوة الذهاب إلى فلسطين”.
3- تحمس بعض رجال الدين المسيحي الانجيليين لتوطين اليهود في فلسطين وتسخير نفوذهم لذلك.
ومن أشهرهم على الإطلاق الإنجليزي الإنجيلي والكاتب وليم هكلر، الذي تبنى الفكرة الصهيونية وحمّس هرتزل على فلسطين ورتب له الوصول للإمبراطور الألماني وصناع القرار في أوروبا.
يقول هرتزل في يومياته: “أراني هكلر الكنز التوراتي وخرائط كبيرة والرسم البياني للتاريخ المقارن وقال لي: لقد هيأنا الأساس لك”، كما أراني أين سيكون معبدنا الجديد، وهو يعتقد أن ذهابنا إلى القدس أمر مهم جداً، إنه يؤمن بتنبؤات العودة.
4- الصهيونيون المتحمسون لفلسطين
ولعلَّ هذا السبب رُبما هو أكثر ما أثّر في رأي هرتزل، فلقد كان لأصدقائهِ ومحدثوه وزائروه من الصهاينة دور في إنهاء تردده عن فلسطين. ومنهم النائب اليهودي البريطاني صموئيل مونتاجو الذي قال له: “لو كانت فلسطين فسأرحل أنا وجميع عائلتي”.
والصهيونيون البارزون أمثال جولد سمد، سنجر، آش كشور، الدكتور داربيلا وهو مدير مستشفيات روتشلد حيث زاره قادما من القدس ونقل له تحمس يهود فلسطين للتحرر وإنشاء وطن قومي يهودي. المهندس الكهربائي كريمنزكي الذي زار هرتزل وقدم له مشاريع قنوات ومحطات توليد كهرباء في فلسطين.
هذه أهم أربعة أسباب جعلت هرتزل يسعى نحو فلسطين وتتبلور في رأسه بعد عام 1896، لتبدأ الآن مرحلة جديدة من الصراع بين الحركة الصهيونية والدولة العثمانية المتمثلة بالسلطان عبدالحميد الثاني.
رابط للتحميل
مجلة الوعي العربي