الرئيسية / حوارات ناصرية / وديعة خالد جمال عبد الناصر بعد 30 عاماً، للمرة الأولى أسرار ((تنظيم ثورة مصر)) كاملة، التمويل والسلاح والتخطيط والتنفيذ،خالد عبد الناصر: أنا القائد الأول والأخير للتنظيم

وديعة خالد جمال عبد الناصر بعد 30 عاماً، للمرة الأولى أسرار ((تنظيم ثورة مصر)) كاملة، التمويل والسلاح والتخطيط والتنفيذ،خالد عبد الناصر: أنا القائد الأول والأخير للتنظيم

2019-01-10 21:07:14

/ بقلم: محمد خليفة

< >

وديعة خالد جمال عبد الناصر بعد 30 عاماً، للمرة الأولى أسرار ((تنظيم ثورة مصر)) كاملة، التمويل والسلاح والتخطيط والتنفيذ،خالد عبد الناصر: أنا القائد الأول والأخير للتنظيم / بقلم: محمد خليفة

خالد عبدالناصر مقدمة ((الشراع))

جماهير جمال عبدالناصر من المحيط الى الخليج، مواطنين، مثقفين، سياسيين، حزبيين، تداولوا كثيراً ربما في حياة جمال.. وبعد رحيله بشكل شبه دائم أسئلة عن عائلة الزعيم، منها: أين أبناء جمال؟ لماذا لم يظهروا في أي عمل سياسي، او تنظيمي، او شعبي، خصوصاً عندما كان أنور السادات أطلق العنان لحملات حاولت النيل من الزعيم وعصره ومبادئه وسياساته وحتى ذمته المالية.. ليصل بعدها الى هذه الحملة ومعها الى العدو الصهيوني عام 1977، ثم الى اعتماد مقولة ان أميركا تملك 99 % من أوراق قضية فلسطين، مسلماً بذلك في السياسة وفي الثقافة وفي النهج، حتى أخرج مصر ومنذ العام 1974 وحتى اليوم من دائرة أي تأثير عربي او أفريقي او اسلامي.

كانت الأسئلة هذه تحمل طابع اللوم لجمال لأنه لا يجهز أبناءه للعمل السياسي او التنظيمي، تماماً كالأسئلة التي يتبجح بإطلاقها حزبيون (شيوعيون، بعثيون..) حول انعدام وجود حزب ناصري في مصر في عصر جمال عبدالناصر، في تجاهل أعمى لوجود تنظيم الطليعة العربية او طليعة الاشتراكيين الذي أسسه جمال عام 1965.. وهو الذي ما زال في ثقافته وفي رجاله في صلب الحياة السياسية والحزبية والادارية لمصر شعباً ودولة.. طيلة فترة أنور السادات وحسني مبارك.. بعض الوزراء من بين رجاله والمحافظين وقادة الأحزاب والنقابات والاتحادات المهنية.. وحتى رؤساء جامعات واتحادات طلابية.. لوقت طويل.

كنا نعلم ان جمال حظر على أولاده العمل التنظيمي وبالتالي السياسي في حياته.. وعندما سأله أعضاء في الاتحاد الاشتراكي في أحد مؤتمراته: ((يا ريس عبدالحليم بيغني اديك أهو خدت العضوية وصبحت في اللجنة الأساسية (للاتحاد الاشتراكي) فلماذا لا يشارك خالد في معسكرات الشباب التي ينظمها الاتحاد تمهيداً لدخوله الاتحاد الاشتراكي؟.

يبتسم جمال لكنه يرد حاسماً: ((يعني لو دخل خالد أي لجنة أساسية مش حيجي هو أمين اللجنة حتى لو كان غير مهيأ لذلك؟.. طبعاً عشان هو ابن رئيس الجمهورية.. يعني حيبتدي واسطة من أولها.. لا بلاش كده)).

ولم يعرف عن أولاد جمال انخراطهم في أي شأن عام بعد رحيله، وقد تفرغوا للدراسة بعدها، وكنا نتابع ان بعضهم يتابع دراساته العليا، او يعمل في مجال تخصصه بعد التخرج.. وكانت هدى جمال عبدالناصر هي الأكثر حضوراً في هذا المجال لأن تخصصها كان في صميم اهتمامات جمال كرئيس وزعيم فهي في مجال السياسة والاقتصاد، وكان شريك حياتها حاتم صادق عضواً في لجنة تخليد جمال بعد رحيله.. لكنه انصرف بعدها الى العمل المصرفي حتى كان مدير عام أحد المصارف العربية في القاهرة..

الآن نترك لزميلنا الكاتب محمد خليفة ان يقدم لنا عن قرب ولأول مرة مسار ابن الزعيم الذي حمل جمال كنيته خالد وهو ابو خالد من خلال هذه الحلقات التي تكشف أسراراً خطيرة جداً من داخل مصر تحديداً وبعض المحطات المهمة، كاشفاً اللثام عن خفايا ستنشغل أجهزة استخبارات العالم بها، خصوصاً لمن عاصر منهم أحداثاً او كلف بملاحقتها.. او كان ضحية لها..

  • *تفوقنا على الاستخبارات المصرية والاسرائيلية والاميركية
  • *الموساد طارد خالد خارج مصر
  • *حرّمنا جرح أي مصري, أما مبارك فقررنا بالاجماع قتله!
  • *هربنا الأسلحة من أوروبا على طائرة أشرف مروان!
  • *اتصل بنا أبو نضال وجبريل فرفضناهما بالمطلق
  • *أمنية عبدالناصر قبل وفاته كانت تحرير سيناء والعودة الى سورية
  • *كنا نمر بأزمة مالية في البيت وأمي كانت تشتكي من عدم توافر المال الكافي وتطلب منا الانتظار الى نهاية الشهر
  • *السادات أراد ان يقوم بدور الوصي على أسرة عبدالناصر لكن الخلافات سرعان ما نشبت بينه وبينها
  • *خالد عبدالناصر حمل السادات مسؤولية حملات العداء والكراهية على والده

كتب محمد خليفة

في لقائي مع ((الاستاذ )) محمد حسنين هيكل في كانون الثاني/ يناير 1990 وكانت قضية خالد منظورة أمام القضاء, ومادة دسمة للاعلام داخل وخارج مصر سألت الصحافي الكبير الذي يعرف جمال عبدالناصر أكثر من أي شخص آخر, كما يعرف أولاده منذ أن كانوا صغاراً حتى غدوا رجالاً: مَنْ مِنْ أولاد الزعيم الراحل الأقرب الى شخصية أبيه..؟

لمعت عيناه وابتسم وقال لي: هل تعلم أن هذا من الأسئلة التي لم يسبق أن طرحها أحد عليّ, وكنت أرغب بالحديث عنها..؟

علقت: هذا من دواعي سروري يا سيدي!

قال: من سوء حظ جمال عبدالناصر, وربما من جوانب محنته الانسانية كشخص ورب أسرة أن أولاده لا يشبهونه, بل أجزم أن أحداً منهم لم يقتبس, أو يكتسب شيئاً من خصائص شخصيته الفذة والعظيمة.

سألته: ولا حتى خالد..؟

رد: صديقك خالد يعلم رأيي. ولا شك أنه الأفضل بين أخوته وربما الأقرب بين أشقائه الى أبيه, ولكنه رغم ذلك يظل بعيداً عنه. هذا رأيي بموضوعية, عبدالناصر رجل عظيم وعبقري, وللأسف لم تنتقل ملكاته الى أبنائه!

اختلفت مع ((الاستاذ)), وأعتقد أن نرجسيته المتضخمة هي ما أغشى بصيرته عن رؤية المزايا الكثيرة في شخصية خالد. وما سأسرده في هذه المدونات التي تتألف من قسمين, الأول هو مقابلة أجريتها معه وسجلتها على الورق, أملاها عليّ وتتعلق بأدق المعلومات وأخص الأسرار الخاصة بتجربة ((تنظيم ثورة مصر)). والثاني هو أقوال سمعتها منه, وذكريات عشتها معه, وأسردها بكل أمانة, كما هي من دون زيادة, أو نقصان.

لقد اعتبرت ما باح لي به من معلومات وأسرار لم يسلمها لأحد سواي بمثابة ((وديعة)) غالية, حافظت عليها واحتفظت بها ثلاثين عاماً, وقد حان الآن أوان نشرها, لأهميتها التاريخية, واهمية المعلومات الواردة فيها, والتي تعيد كتابة فصل من فصول التاريخ السياسي لمصر, وإضاءة جوانب مجهولة من دوره وشخصيته.

وأعترف بتقصيري في نشرها, إذ ربما كان عليّ أن أنشرها منذ وفاة المرحوم عام 2011 وعذري الوحيد ولعله الكافي هو انهماكي واستغراقي الكليان غصباً عني في متابعة شؤون ومسائل الثورة السورية منذ آذار/ مارس 2011 حتى اليوم, مما صرفني عما عداها من مهام ونشاطات . والأرجح أنها كانت ستبقى خبيئة الادراج مدة أطول لولا مبادرة الاخ والصديق والزميل حسن صبرا بإحياء الذكرى المئوية لميلاد جمال عبد الناصر 1918 - 2018, فقد أنبأته بوديعة خالد, ففرح بها وألح علي لتجهيزها للنشر فوراً, فتفرغت لها, ويستحق الشكر لأنه لولا إلحاحه لربما تأخرت أكثر في إعدادها ونشرها.

الأوراق الاصلية مفتوحة بين يدي الآن, وأجد مكتوباً على زاوية صفحتها الأولى العليا تاريخ كتابتها ((21 / 1 / 1989)) . وها هي تنشر في التاريخ نفسه بعد ثلاثين عاماً تماماً. والله يعلم كم كنت أتمنى أن تنشر في حياة المرحوم خالد, وأن يراجعها قبل نشرها ليضيف عليها, أو يعدل فيها.

على أي حال سأنقل رواية خالد لقصة ((تنظيم ثورة مصر)) كما رواها لي بنفسه بكل أمانة ودقة من دون زيادة أو نقصان, ولكن بعد أن أقدم عرضاً سريعاً لمسيرة خالد السياسية, من قبل, ومن بعد, تجربة العمل المسلح , لإيضاح الظروف والدوافع والعوامل التي استحثته لخوض هذه التجربة.

وهكذا, فما سأكتبه واقدمه ليس مجرد كشف ((للوديعة)) التي ائتمنني المرحوم عليها, ولا مجرد تدوين لذكريات وأحاديث معه, ولكنها محاولة لتسجيل سيرته بشكل موجز, ومحاولة لرسم صورة شخصية ((بروفايل)) موضوعية له, للمرة الأولى.

والحصيلة تدحض تقييم الاستاذ هيكل لشخصية خالد, وتقدم أكثر من برهان دامغ ودليل قاطع على أن خالد هو ((سر أبيه)) وأنه بطل مصري وعربي صنع تجربة استثنائية في مقاومة كامب ديفيد, لم تتكرر, ولم تقم أي منظمة أو جهة من المعارضة المصرية بمثلها. وكان رحمه الله يجهز نفسه لمواجهة الرئيس حسني مبارك, وابنه جمال إذا حاول توريثه الحكم, ولكن الظروف لم تمهله, وهو بهذا حفر بصمته بعمق في تاريخ مصر المعاصر.

خالد: النشأة والتكوين

خالد هو النجل الأكبر للزعيم الراحل جمال عبدالناصر بين أبنائه الذكور, والثالث بعد هدى ومنى . ولد في 26 كانون الأول/ ديسمبر1949.

كان في الثالثة من عمره عندما قامت ثورة 23 تموز/ يوليو 1952، وبلغ الحادية والعشرين يوم رحل والده في 28 كانون الأول/ ديسمبر 1970. أكمل تعليمه, ودرس الهندسة المدنية في مصر, ثم تخصص في لندن وحصل على الدكتوراه عام 1970. وعمل استاذاً في جامعة القاهرة, وبرز إسمه كمهندس مميز على المستوى العالمي في تخطيط المدن ومشاريع الطرق والسكك الحديدية والجسور العملاقة, وعمل مستشاراً لشركات عربية وعالمية, وأخبرني مرات عديدة عن مشاركته في مؤتمرات وندوات علمية في هذه المجالات, في الاميركيتين وأوروبا.

يحتفظ خالد في ذاكرته بشريط الأحداث الكبرى التي مرت بها مصر بعد ثورة يوليو منذ العدوان الثلاثي عام 1956.

إنه يتذكر ويعي جيداً تجربة الوحدة مع سورية, وقال لي أكثر من مرة انه سمع أباه مرات كثيرة يتحدث عن سورية وشعبها بحب وإعجاب. وسمعه يتحدث عن أمنياته الكبرى قبل أن يتوفاه الله, وأولها أن يستعيد كرامة مصر ويحرر سيناء من العدو الاسرائيلي, وثانيها أن يعود الى سورية.

ويتذكر خالد الثورات العربية الكبرى في الجزائر واليمن وفلسطين وعدوان اسرائيل 1967 على مصر والاردن وسورية وما تلاه. ويتذكر خطابات والده ومواقفه ومعاركه, ولا سيما بعد العدوان المذكور.

وروى لي بعض ذكرياته من تلك المرحلة, والتي تدور حول حياته في البيت والمدرسة والجامعة, وعلاقاته مع زملائه وأترابه, وتجاربه في مرحلة الشباب, كأي مواطن عادي لا يتمتع بأي مزايا أو امتيازات استثنائية.

من حكاياته التي رواها لي أن أباه شاهده ذات يوم وهم على مائدة الغداء مصاباً ((معوراً)) وضمادة طبية على وجهه, فسأله عما اصابه, فأجابه إنه تشاجر مع زميل في المدرسة, وأصيب بجرح, وأسعفه المدير الى المشفى.

وقال لي خالد: إستمع أبي لي بهدوء, ثم سألني: هل أخبرت عمك سامي ((سامي شرف مدير مكتبه وسكرتيره)) بالحادثة ؟ فنفيت, فطلب مني أن أذهب فوراًَ وأطلعه على الحادثة, لكي يتصل بالمدرسة والشرطة, ويطمئن على الولد ((المعتدي)), خوفاً من أن تكون الشرطة قد اعتقلته, أو اعتقلت أحداً من أهله!.

ومن الذكريات المعبرة التي سردها لي أنه كان يراقب أباه كل ليلة خلال فترة حرب الاستنزاف 1968 - 1970 حين يذهب الجميع الى أسرتهم للنوم يبقى هو منتظراً رئيس الأركان عبد المنعم رياض, أو وزير الدفاع محمد فوزي, أو كليهما, فيصل أو يصلان بعد العاشرة ليلاً, حاملاً أو حاملين ملفات ضخمة, فيجلسون في المكتب, ويبدأون العمل معاً فيفتحون الملفات ويتابعون شؤون الجبهة والحرب والقوات المسلحة.

قال خالد كنت أخلد للنوم في الواحدة أو الثانية ليلاً, وهما في المكتب, وحين أستيقظ في السادسة أو السابعة أجدهم جالسين الجلسة نفسها. وكنت أشعر أن هذا الجهد المضني لا بد أن يقتل أبي! .

ومن الأشياء التي كشفها لي: في بعض المناسبات والفترات كنا نشعر بأزمة مالية في البيت, إذ كنا نطلب أشياء نرغبها, وكانت أمي تشتكي من عدم توفر المال الكافي لسد كل احتياجاتنا وطلباتنا, وتطلب منا الانتظار الى نهاية الشهر, أو أن نصطبر شهراً أو شهرين, ولم نكن نحصل على كل ما نرغب. وخصوصاً متعة السفر للسياحة والنـزهة خارج مصر, فهذه كانت خارج التمنيات.

بعد أن أنهى خالد دراسته الجامعية, التحق بالخدمة العسكرية مثله مثل أي مواطن مصري آخر, وامتيازه الوحيد أنه أداها في جهاز الاستخبارات, فأتقن استعمال السلاح, وفنون القتال, والأمن, وهي أشياء ساعدته في نشاطه لاحقاً.

ومارس خالد ألعاباً رياضية عديدة, السباحة, وكرة اليد, وكرة اليد في الماء, اضافة لرياضة المشي. اكتسب بفضلها قوة بدنية ولياقة ورشاقة. كان فارع الطول حوالى 187 سم, متوسط البنية, بدون سمنة أو ترهل, وأقرب للنحافة. ولكنه كان مدخناًَ شرهاً كوالده, فترك التدخين أثره على صحته.

وورث خالد عن أبيه أيضاً فضيلة القراءة, فهو قارئ نهم ومتابع للصحف والكتب السياسية حصراً, ويمتاز بسرعة خارقة في القراءة ((خارقة جداً)) وقال لي: هذه من الأشياء التي ورثتها عن أبي الذي كان قادراً على قراءة 20 - 30 سطراً في الدقيقة, مع قدرة عالية على التركيز.

كنت أحياناً أطلب منه قراءة مقال مهم في مجلة, أو صحيفة, فيقول لي حاضر, يلقي عليه نظرة لا تزيد عن دقيقتين أو ثلاثة, ويردها لي, أقول له: لماذا لم تتابع القراءة؟ يبتسم ويقول: بلى قرأته كاملاً, وأعلق: معقول؟ فيضحك ويقول لي: قرأته بإمعان, وبإمكانك أن تختبرني, إسألني عن أي شيء في المقال!

أقول له ما شاء الله, هذه ميزة فريدة, فيعلق: هل تتصور أن أبي كان يستطيع قراءة مئات التقارير والملفات يومياًَ اضافة لعشرات الصحف المصرية والعربية لولا هذه الميزة..؟!

الخروج من عباءة الأب

بعد وفاة ناصر غابت أخبار وأسماء أفراد أسرة الزعيم الراحل الى الظل تدريجياً, ولم يبرز إلا إسم خالد في الاعلام, بصفته ممثلاً للأسرة, والمتحدث بإسمها في المناسبات الرسمية وغير الرسمية. تزوج خالد في أواخر 1971 من السيدة داليا فهمي (شقيقة وزير النفط المصري لاحقاً..سامح فهمي). وحضر أنور السادات حفل الزواج المتواضع الذي اقتصر على العائلتين, من دون فرح أو طرب أو بذخ. وشهد السادات على عقد القران.

وظهر خالد بجانب السادات في السنوات التالية مرات عديدة. كما ظهر بعد ذلك مع الرئيس حسني مبارك في مناسبات وطنية قليلة, كالاحتفال بذكرى ثورة 23 تموز/ يوليو, أو في ذكرى رحيل والده عبدالناصر .

السادات هو الذي استن سنة زيارة ضريح سلفه في مناسبة ذكرى ثورة 23 تموز/ يوليو التي قادها الزعيم الخالد, وفي ذكرى وفاته 28 ايلول/ سبتمبر. واقتدى الرئيس مبارك بسلفه في السير عليها. وتضمنت تقليداً هو أن يكون أكبر أبناء عبدالناصر في استقبال الرئيس عند الضريح, ممثلاً أسرة الزعيم مؤسس مصر المعاصرة, ونظامها الوطني.

حتى 1979 تفرغ خالد للدراسة ومتابعة تعليمه العالي بين مصر وبريطانيا, فلم يمارس أي نشاط سياسي بإستثناء المشاركة في ((اللجنة العربية لتخليد جمال عبدالناصر)) أو بعض فعاليات الجماعات الناصرية والقومية العربية, او استقبال بعض الوفود العربية التي تزور أسرة الزعيم الراحل تعبيراً عن وفائها له.. وهو زار لبنان في عصر جمال لاعباً لكرة اليد، وزاره بعد رحيل جمال ليزيح الستار عن تمثال عبدالناصر في بلدة قب الياس في البقاع (نسفه الظلاميون بعد ذلك).

وتلقت الأسرة عروضاً مغرية للمساعدة من حكام وأثرياء عرب اعتذرت عن عدم قبولها كافة, وأبرمت ((عهداً)) فيما بينها على تجنب كل ما يسيء لإسم الراحل الكبير وذكراه, بما في ذلك استثمار اسمه في سوق السياسة.

التزم خالد بميثاق الأسرة طوال السنوات التي تلت رحيل الوالد, ونأى بنفسه عن المشاركة في أي نشاط يمكن أن يفسر تفسيراً مسيئاً لأبيه, قطعاً للطريق على المناوئين الذين كانوا يتصيدون أي هفوة لفبركة اتهامات مغرضة للأب وللأسرة معاً وخصوصاً شبهة التكسب, أو التربح في سوق السياسة, أو المنافع المادية والاقتصادية من أي جهة مصرية أو عربية أو أجنبية.

وبديهي أن هذا السلوك لم يأت من فراغ, بل انبنى على قواعد سلوك صارمة أرساها عبدالناصر في نطاق عائلته وبيته, منذ بواكير عهده في السلطة عام 1952, وطبقها على أبيه وأعمامه وأبنائهم, ثم رسخها في بيته, وألزم بها أبناءه, بحزم أشد, إلى حد أن الرئيس كان يحذر خالد مرة بعد أخرى, ويقول له إياك أن تستغل اسمي في أي مجال, لأني لن أتردد في سجنك!. والى حد أن أول مرة استعملت السيدة تحية (زوج عبدالناصر) سيارة الرئاسة في مشوار خاص لها بعد سنوات طويلة, تحولت الحادثة غير المعتادة الى ((حدوتة)) يتناقلها العاملون في مكتب الرئيس باستغراب ومفاجأة أياماً طويلة!

وقد دعم ذلك التفاهم الأسري الصارم أصدقاء الزعيم, ورجاله المقربون, وعلى رأسهم هيكل وحاتم صادق. كما أراد الرئيس أنور السادات أن يقوم بدور الوصي على الأسرة, ولكن الوقت لم يتأخر حتى نشبت الخلافات الحادة بين الأسرة والرئيس السادات, إذ حمّل خالد المسؤولية للرئيس السادات شخصياً عن حملات الكراهية والعداء المسعورة التي انتشرت في الصحافة المصرية بطريقة مريبة منذ 1972على والده.

تفاهمت العائلة على تجنب السياسة, واستغلال أو استثمار رصيد الوالد وإرثه, حتى كبر الأبناء, وصاروا رجالاً ناضجين, لكل منهم اختياراته الحرة, ومواقفه الخاصة في الحياة, فاتجهت الأنظار الى خالد تحديداً لأنه الأول بين الذكور فتعرض لإغراءات كثيرة عفوية من الناس, داخل وخارج مصر, تعبيراً عن محبتهم للزعيم الراحل, ووفاء له.

كان الناس كل الناس يخصون خالد بحفاوة بالغة واستثنائية حيثما حلّ, وخصوصاً في لبنان واليمن وليبيا والخليج, بل وفي بريطانيا حيث أكمل تعليمه الأكاديمي وتخصصه.

كانت أرملة الرئيس الراحل السيدة تحية تبارك التفاهم , ولا تريد لأبنائها خوض غمار السياسة, خصوصا بعدما تعرضت الأسرة لإساءات وإسقاطات باطلة ومجحفة من المعادين والمناوئين للزعيم, وجوقات المنافقين بهدف الانتقام منه, وتصفية الحساب معه, بالانتقام من أولاده, وتبنت البنت البكر للزعيم د. هدى وبعلها حاتم صادق الموقف نفسه. ودعمهما بعض الناصحين من الأصدقاء. ولكن التفاهم بدأ يتعرض للمراجعة مع الوقت.

وكان الأمر بالنسبة لخالد مختلفاً عن بقية الأسرة, وقد شرحه لي ((كنت تحت شعور ضاغط بالمسؤولية الثقيلة, وكنت مقتنعاً أن بعدي عن السياسة والشأن العام لا ينطوي على احترام لذكرى والدي, بل ينطوي على إساءة له ولنا كأبناء نحمل إسمه, لأنه لا يليق بعبدالناصر أن يخلف أولاداً لا تشغلهم قضايا أمتهم وبلادهم, ولا يهتمون بالشؤون العامة )).

وقال لي ((أنا ناصري بالقناعة لا بالوراثة. أنا أؤمن بفكر عبد الناصر القومي مثلك, ومثل أي مصري أو عربي يؤمن بطريق النضال الذي اختطه وسار عليه القائد المعلم جمال عبدالناصر)) . وأكد لي أن شقيقيه عبدالحميد وعبدالحكيم كانا مع هذا الرأي من البداية الى النهاية.

كان للأشقاء الثلاثة موقف مختلف من تفاهم العائلة, يرى أنه لا بد أن يكون لهم رأي وموقف إزاء الأوضاع في بلادهم, لا سيما بعد انقلاب السلطة على النهج الوطني والقومي السابق, والحملات الظالمة على تجربة عبد الناصر. ورأوا أن من واجبهم ممارسة العمل السياسي, من دون استغلال لمكانة أبيهم, لا سيما وأن تقادم الزمن جردهم من شبهة الاستغلال السياسي لمكانة والدهم, بعد مرور سنوات غير قليلة على وفاته.

لم يقرر خالد الانخراط الفعلي في السياسة حين انحرف السادات عن خط ثورة 23 تموز/ يوليو, ولا حين انطلقت حملة التشهير المعادية لناصر, وتجربته ونضاله, وأمانته ونزاهته, ووصلت الى النيل من أسرته أيضاً, إذ كان يعتبر ذلك شؤوناً عامة, يمكن تبريرها.

أما بعد أن زار السادات اسرائيل, ثم وقع اتفاق كامب ديفيد فقد اختلف الأمر جذرياً, وأحس خالد أن ((النضال بكل الوسائل, بما فيها المقاومة المسلحة للعدو الاسرائيلي قد أصبحا فرض عين وواجباً وطنياً على كل مصري أو مصرية لا مناص منهما)) هكذا قال لي. وكان يتوقع ظهور مصريين كثيرين يفكرون مثله, ويبادرون للعمل ضد وكر الجواسيس الإسرائيليين في القاهرة عاصمة العرب الأولى. كما قال لي.

أنهى دراسة الهندسة المدنية في لندن, وحصل على الدكتوراه عام 1979, في العام نفسه الذي وقعت فيه مصر وإسرائيل تلك الاتفاقية المشؤومة التي أحلت ((السلام)) مع العدو, وحفرت هوة عميقة بين مصر والدول العربية. ومع عودته للقاهرة, وعمله استاذاً مساعداً في جامعة القاهرة, كان يسيطر عليه سؤال واحد هو ما الذي يجب عمله وكيف..؟, وكان يناقشه مع أصدقائه المقربين.

وفي هذه الفترة عزز صلاته وعلاقاته مع الناشطين السياسيين من كل الاتجاهات الوطنية بما فيها شخصيات محسوبة على حزب الوفد, أو جماعة الاخوان. وتمثلت خطواته الأولى في الإنخراط في كافة النشاطات الوطنية المناهضة لكامب ديفيد والصلح مع العدو, ولا سيما في الجامعة, والأوساط الطلابية والشبابية, وفي أوساط المجموعات الناصرية التي كانت تتحرك لإنشاء حزب, يضم جميع فرقها, ويوحد صفوفها, ويفعل قوة التيار الناصري وحضوره. وسخر خالد جهوده ورصيده دعماً لهذا الاتجاه, مع الحرص على ألا ينحاز لجماعة على حساب أخرى.

في هذه المرحلة, تكثفت حوارات خالد مع أصحابه بما يجب عمله رداً على كامب ديفيد, وتركزت بشكل معمق مع صديقه محمود نورالدين, إذ تطور الحوار بينهما من الأفكار المجردة الى الأفكار المحددة, واتفقا على أنه لا بد من إظهار رفض الشعب المصري الفعلي للاتفاق, وللتطبيع, بينما تواصل اسرائيل حروبها على بقية العرب, وخصوصاً الشعب الفلسطيني, واستقر رأي الاثنين على أنه لا بد من ترجمة الرفض المصري الى عمل مسلح ضد رجال الموساد الذين صاروا ((دبلوماسيين)) يتمتعون بالحصانة, ويقومون بمهامهم التجسسية, محميين بحصانتهم, وبدأ الرجلان خطواتهم العملية بعيداً عن الأعين والأضواء.

شرع خالد في العمل على مستويين, عسكري مع محمود, وسياسي مع بقية الأصدقاء والناشطين من كل اتجاه.

في الحلقة المقبلة

1984 خالد السياسي

1985 خالد المقاوم

 

خالد عبدالناصر لـ ((الشراع)) (2): كامب ديفيد مثل زلزال دمّر الاهرامات / كتب: محمد خليفة

((وديعة)) خالد عبدالناصر لـ ((الشراع)) (2): كامب ديفيد مثل زلزال دمّر الاهرامات / كتب: محمد خليفة

  • *خالد عبدالناصر لم يتحمل توقيع اتفاق كامب ديفيد وركز جهده منذ ذلك الوقت على القيام بعمل مسلح ضد الاسرائيليين
  • *أكثر ما أزعج خالد هو رؤية الدبلوماسيين الاسرائيليين يدخلون مصر بينما يغادرها الدبلوماسيون العرب
  • *عندما قال خالد: لو كان عبدالناصر هو الذي وقع اتفاق كامب ديفيد لتظاهرت ضده

في هذه الحلقة، وهي الثانية من ((وديعة) خالد جمال عبدالناصر لـ ((الشراع))، وقائع عن عدم تحمله توقيع اتفاق كامب ديفيد، والانزعاج الشديد الذي أصابه لدى رؤية الدبلوماسيين الاسرائيليين يدخلون الى مصر، اضافة بالطبع وهذا هو الأساس عرض قصة انشاء تنظيم ثورة مصر.

أسرار تنظيم ثورة مصر

ما هي القصة الحقيقية للتنظيم..؟

وما هي أسراره التي لم يسبق أن أفشاها لأحد..؟

كيف تأسس..؟ وكيف نفذ عملياته..؟

لا بد في البداية من ايضاح أن ((تبرئة)) خالد من التهمة لم تنطلِ على أحد, من الأعداء أو الأصدقاء, لأن الجميع قدروا أن السلطة المصرية كانت أضعف من أن تحاكمه أو تدينه, أو تحبسه, لما في ذلك من مخاطرة شديدة على الاستقرار الداخلي. ولذلك ((تواطأت)) الأطراف الرئيسية على إبعاد التهمة عن خالد وإلقائها كاملة على محمود نورالدين. ولا شك أن الفضل أولاً وأخيراً يعود لهذا البطل الذي وفى بعهده لخالد, وظل مخلصاً للتفاهم بينهما المبرم منذ 1984. وكان يعلم أن بقاء خالد حراً يساعد على احتواء القضية, والمساومة على تخفيف العقوبات عن الأعضاء, وتقديم الدعم والمساعدة الانسانية والمادية لعائلاتهم أثناء قضائهم العقوبات في السجن.

خالد أكد لي وجود التفاهم والاتفاق قبل وبعد انكشاف التنظيم على توزيع الأدوار بين الاثنين, وقال إنه تم بينهما منذ بداية الاتفاق على تشكيل التنظيم, ثم عاد الاثنان ووطداه بعد انكشاف القضية, وإحالتها الى القضاء, عبر المحامين الذين كانوا ينقلون الرسائل سراً بينهما.

ومن المؤكد أن العالم كله وخصوصاً الأجهزة المتخصصة السياسية والاستخباراتية, مقتنعة بأن خالد هو العقل المدبر والموجه السياسي له. وأن محمود ضابط الاستخبارات السابق الذي كان مكلفاً بمتابعته وحمايته اثناء اقامته للدراسة في لندن في جامعة كامبريدج, هو القائد التنفيذي.

نحن هنا سنؤكد هذه الحقيقة بشهادة خالد عبدالناصر التي تركها عندنا ((وديعة)) لم يأتمن عليها أحداً سواي, رغم علاقاته القوية مع عدد كبير من الصحافيين والاعلاميين المصريين البارزين, لسبب هو وحده يعلمه, ولكنني أشهد الله أن ما سأنقله على لسانه رواه لي بنفسه, وسجلته بدقة بحضوره ولم أنشره طوال 30 سنة بناء على رغبته.

وسأكشف وأثبت أن انخراط خالد في العمل الوطني الثوري لم يتوقف بعد انكشاف دوره في التجربة السابقة, بل واصله سياسياً, بتخطيطه لمواجهة حسني مبارك في انتخابات 2005 ثم 2011 وهو يعلم أن هذه المواجهة ستفتح عليه أبواب جهنم من النظام المصري والاستخبارات الاسرائيلية والاميركية, ومن جهات دولية خارجية كثيرة عربية وغربية.

ولم يتوقف دور خالد السياسي بعد ذلك حتى وفاته, ولكنه تأثر بعدد من العوامل الموضوعية والقدرية:

في مقدمها أنه, كان بطبعه يتخذ قراراته بهدوء وبطء, لأنه ينبذ التسرع والمخاطرة غير المدروسة, بحكم طبيعته كمهندس في أحد أكثر التخصصات العلمية دقة, تخطيط المدن والمشاريع العملاقة, كبناء الطرقات السريعة والجسور الكبيرة, ما يتطلب تخطيطاً علمياً محكماً, وحساباً دقيقاً للامكانات والقدرات المادية لا تقتصر على الرغبات والطموحات.

الرواية والأسرار

قلت لخالد أريد أن تروي لي التجربة كاملة منذ أن كانت فكرة إلى أن تحولت الى منظمة, وخطة عمل:

فقال: سأحدثك عن كل شيء, بكل دقة, ولا أريد منك سوى أن تتعهد لي بعدم نشره قبل أن أعطيك الموافقة, وو بعد سنوات. قلت: أتعهد والتزم, والله على ما أقول وكيل وشاهد.

تركته يتحدث بلا مقاطعة إلا في حالات قليلة, فقال:

منذ نهاية عام 1979وعلى أثر توقيع كامب ديفيد تركز تفكيري على ضرورة القيام بعمل مسلح ضد الاسرائيليين المتواجدين في مصر، وخصوصاً رجال الموساد لأنني كغالبية المصريين لم أتحمل ما جرى, ولم أتقبل أن تنتقل علاقة الشعب المصري والاسرائيليين في قفزة واحدة, من أقصى درجات العداء والصراع والحرب الى مستوى العلاقات الطبيعية, وأن يصبح قادة العدو وضباط الموساد مثل مناحيم بيغن وموشي دايان الذي قاد الغزو عام 67 وعازرا وايزمن مهندس الضربة الجوية عام 1967ضيوفاً يستقبلون رسمياً, ويرحب بهم في القاهرة, وتفتح أبواب القاهرة لرجال الأعمال, والسياح ويعاملون معاملة طبيعية, يدخلون ويخرجون , ويقيمون ويتحركون فيها بشكل عادي مثل رعايا بقية دول العالم.

ويزيد الوضع دراماتيكية ومفارقة أن يجري التقارب مع العدو الصهيوني بسرعة مثيرة, بينما يغادر الدبلوماسيون العرب مصر, وتنتقل جامعة الدول العربية من مقرها التاريخي, وبلد المنشأ الى الخارج, وأن يقاطع العرب مصر, وتتراجع معدلات الزوار من كافة بلدانهم الى بلادنا.

هذا الانقلاب بالنسبة لي كان يشبه انقلاب الاهرامات على رأسها, وعلى رؤوسنا, أو مثل زلزال يدمر الأهرامات, ويغير معالم مصر وهويتها, ووجهها.

كنت أشعر أن القدر حدد لي مهمة خاصة واستثنائية وألقاها على عاتقي, لأنه لا يصلح لها سوى شخص واحد هو أنا خالد عبدالناصر, كمصري وعربي وإبن لعبدالناصر, ولا ينبغي لي أن أهرب منها لأنها قدري.

هذه المهمة هي أن أكون أول من يتصدى لهذا الوضع الشاذ الذي ينتهك سيادتنا وكرامتنا كمصريين, ويدنس حرمة أراضينا, وأن أشق الطريق أمام الآخرين.

يضيف: لا أكتمك أنني بقيت شهوراً طويلة أعاني أزمة حقيقية على الصعيد الشخصي, حاولت أن أحبسها في نفسي, ولكنني فشلت, إذ لاحظتها داليا ((زوجه)) ووالدتي التي كانت تقرأ في عيوني ونبرة صوتي ما أحسه وأشعر به, بطريقة لا يقدر عليها سواها. ثم لاحظها أخوتي, وبعض أصدقائي الذين كنت أفضفض وأبوح لهم بمشاعري, وما يجول في خاطري.

كنت أشعر أن مهمة التصدي للعدو الذي ينتهك حرمة مصر قد وقعت عليّ, ولا بد أن أقوم بها حتى ولو بمفردي, وفاء لوالدي ولبلدي. وسيطر عليّ هذا الشعور, ولا سيما بعد رجوعي من بريطانيا الى مصر في مطلع عام 1981.

وليوضح لي مدى وقوعه تحت ضغط هذا الشعور الثقيل وعذابه مما حدث في مصر أن زوجه لاحظت الاكتئاب يزداد عليه, انعكس في تغير عميق في سلوكه وتصرفاته, كأن هناك شيئاً ما يعذبه فطلبت منه أن يحكي لها ما يعذبه الى هذه الدرجة, فكشف لها كل ما يفكر به, ثم أكمل لها الشرح بقوله إنه اختار العمل الثوري ضد الاسرائيليين, فحاولت أن تثنيه, ونصحته بالعمل السياسي والتحريضي, وحذرته من مخاطر قراره, ولكنه ختم حديثه معها بسؤالها: يا داليا عليك أن تختاري بين أن ترينني على هذه الحالة من الاكتئاب والهم والزعل حتى أموت, أو أن أنفذ خطتي وأقبل المجازفة, وعندها سأستعيد حالتي الطبيعية وأكون سعيداً معك ومع الاولاد..؟!

قال لي: أجابتني داليا بعد فترة تفكير: أنا معك إمض لما اخترته, وإن كنت تريدني أن أشاركك في أي عملية, فأنا جاهزة!

في هذه الفترة لم أكن قد اتفقت مع أحد, كنت أدرس المخطط وحدي من كل جوانبه, ذهبت في رحلة استجمام وسياحة الى البحر الاحمر, وكان هدفي الحقيقي التعرف الى مهربي السلاح لبحث امكانية الحصول على بعض القطع. وقد اشتريت فعلاً عدداً منها, جربتها في مناطق نائية, ثم رميتها في البحر, وعدت الى القاهرة, وأنا أقوى عزماً!

الشراكة مع محمود

كنت بحاجة لشريك أستطيع الاعتماد عليه وأثق بوطنيته وبمقدرته, وكنت أقارن بين شخصيات عدة تربطني بهم علاقات بالدرجة والمستوى نفسه. واستقرت حصيلة أفكاري على أن محمود نورالدين, هو الشخص المناسب لأعتمد عليه, في خطتي لإنشاء التنظيم.

كنت أعرفه منذ عشر سنوات تقريباً معرفة تامة, فهو أحد أكفأ رجال الاستخبارات العامة, وعلاقتي معه بدأت منذ انتقالي الى بريطانيا للدراسة. كان مكلفاً بحمايتي ومتابعة شؤوني, وتعمقت العلاقة بيننا, فغدت صداقة قوية جداً, وثقة مطلقة متبادلة, تسمح لنا بالمصارحة والمكاشفة بلا حدود, فكنا نأتمن بعضنا على أدق أسرارنا وأمورنا الشخصية, ولم نكن نخفي شيئاً عن بعضنا. وفوق ذلك كان محمود مدرباً على السلاح والقتال والمراقبة, ويمتاز بقوة بدنية هائلة, وجرأة وقدرة على المبادأة في الظروف الصعبة, وحصل على وسام البطولة في نهاية حرب تشرين الأول/ اكتوبر 1973 لدوره في مراقبة الاسرائيليين في بريطانيا وإعداده خطة محكمة لنسف عدة طائرات نقل اسرائيلية ضخمة, كانت تهبط في لندن قادمة من الولايات المتحدة ومتجهة الى تل أبيب حاملة متطوعين من العسكريين اليهود والاميركيين للقتال في الحرب, ولكن الخطة لم تنفذ, نتيجة اعتراض القيادة السياسية في القاهرة عليها, إلا أن الخطة كشفت مدى كفاءته وشجاعته, فمنح الوسام.

كان عام 1984 عاماً مميزاً في مسيرة خالد النضالية، شكل انعطافة حاسمة, إذ انخرط بالعمل المسلح. وكان العام 1985 عاماً مميزاً في مسيرة خالد السياسية, شكل انعطافة حاسمة , إذ انخرط في العمل السياسي أسوة بعمله المسلح .

في مطلع 1985 أقام الحزب الناصري في مصر احتفالاً في ذكرى ميلاد جمال عبدالناصر, فدعي له خالد وألقى خطاباً مطولاً, بصفته شخصية وطنية يمثل جيل ثورة تموز/ يوليو أو ((جيل خالد)) كما كان عبدالناصر يسميه, وقد دار الزمن دورة كاملة, وأصبح هذا الجيل بعد 33 سنة من الثورة يتقدم العمل, ومواقع القيادة, ويمسك بزمام الادارة في البلاد. وتضمن خطاب خالد اشارات مبطنة عن عزمه أداء دور سياسي وطني , لا سيما أن مصر في تلك الفترة كانت تمر بأزمة عميقة وشاملة, على كل الأصعدة الداخلية والاقتصادية والاقليمية، نتيجة لاتفاق كامب ديفيد عام 1979، ودخلت عزلة خانقة عن محيطها العربي, أفقدتها دورها العربي القيادي.

في العام 1985 أقامت نقابة المحامين المصرية احتفالاً, شارك فيه خالد, وألقى خطابا مطولاً شد انتباه الجميع له, لأنه ركز على أن مصر جزء لا يتجزأ من الأمة العربية, وأنه من غير المقبول أن تتخلى عن مسؤوليتها تجاه العرب عموماً, والشعب الفلسطيني خصوصاً. واستقبل الحضور هذا الخطاب بحماس شديد وتصفيق قوي. ولم يكن أحد ممن استمعوا للخطاب يعلم ان الرجل كان قد بدأ فعلياً العمل المسلح ضد الاسرائيليين في قلب القاهرة, الأمر الذي يعطي معنى عملياً لإشارات الخطاب المذكور.

وفي نهاية الحفل قلد خالد محيي الدين زعيم حزب التجمع, وأحد آخر قادة ثورة تموز/ يوليو 1952 خالد عبدالناصر وساماً بالنيابة عن رئيس جمهورية اليمن الديموقراطية علي ناصر محمد, وفاء للزعيم العربي الراحل الذي كان أول من دعم ثوار الجنوب اليمني, وأول من دربهم, وأمدهم بالسلاح عبر الشمال, عندما كان الجيش المصري في شمال اليمن يقاتل الاماميين ((أجداد الحوثيين) دفاعاً عن الثوار الجمهوريين.

وفي العام نفسه أقامت منظمة التضامن الآفرو – آسيوي حفلاً في ذكرى ثورة تموز/ يوليو حضره حشد من الشخصيات السياسية المصرية والعربية, وألقى فيه خالد خطاباً ركز فيه الهجوم على الصلح مع العدو, اتسم الخطاب بالانفعال والحرارة, وكرر مرات مقولة أبيه ((ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة)) فصفق الجمهور طويلاً له, ورددوا معه المقولة.

قال لي وهو يتذكر المناسبة ((لقد كدت أصاب بذبحة صدرية, وأنا أطلق العبارة من فرط إحساسي بالألم الممزوج بالغضب)) فتفاعل الجمهور معي, وأخذ يرددها بهتافات كالهدير.

أضاف خالد ((إن سبب انفعالي في تلك المناسبة وأنا ألقي الخطاب إحساسي بالثقة بنفسي, وكوني لا ألقي كلاماً خطابياً جميلاً ولكني أعلن بشكل غير رسمي عن انتقالي للسير في طريق العمل الثوري, وبدئي فعلياً مع محمود العمل المسلح ضد العدو الاسرائيلي في قلب القاهرة))!

هكذا حسم خالد جمال عبدالناصر في السنوات الخمس التي تلت اتفاق كامب ديفيد 1979 - 1984 ثلاثة خيارات:

- المشاركة السياسية, كأي مواطن مصري, أولاً .

- الوقوف في صف المعارضة, كأي مناضل ناصري يرفض سياسة النظام, ويناهض كامب ديفيد, والتبعية لأميركا, ثانياً.

- تبنيه لخيار المقاومة المسلحة ضد العدو الاسرائيلي على أرض مصر بالسلاح, كثوري لا يقبل انتهاك سيادة بلده وحرماتها من قبل عدو ما زال يحارب العرب جميعاًَ, ثالثاً.

الجدير بالذكر أن المعلقين في الصحافة المصرية تناولوا الخطابين المذكورين بالتحليل, واعتبروهما مؤشراً على تحول جذري في مسيرة خالد عبد الناصر, ونهاية مرحلة النأي عن السياسة!

وكان هذا التحليل صحيحاً , فخالد الذي أصبح أستاذاً مساعداً في جامعة القاهرة بعد عودته من لندن هو شخص مختلف عن نجل الرئيس الراحل الذي كانه طوال السبعينيات. والمؤشرات تتابع حول شخصيته الجديدة المتميزة بالاستقلالية والقوة.

في عام 1986 حين هاجم الجندي المصري سليمان خاطر جماعة من الاسرائيليين وقتل منهم سبعة لانهم انتهكوا سيادة مصر، وأحيل للقضاء بتهمة القتل شهد الشارع تحركات جماهيرية تضامناً معه, كان خالد على رأسها , وشارك في عدة فعاليات, وكان مقرراً أن تتوجه إحداها الى سفارة اسرائيل في القاهرة, وخشيت السلطات الأمنية أن يهاجم المتظاهرون السفارة، فيرد حراسها بإطلاق النار, فيصاب خالد, فطلبت منه عدم المشاركة, ولكنه رفض الطلب, فاتصل به رئيس الجامعة محذراً, فقال له خالد: داخل الجامعة أنا استاذ, وخارجها أنا مواطن مصري ومن حقي التظاهر. ولما سأله رئيس الجامعة د . حلمي نمر, لو كان والدك هو الرئيس هل كنت ستتظاهر ضد الحكومة ؟ فأجابه: لو أن عبدالناصر هو الذي وقع اتفاق الصلح مع العدو لتظاهرت ضده حتماً ! فأسقط في يد رئيس الجامعة, فاضطر وزير الداخلية أحمد رشدي للاتصال به آمراً عدم المشاركة فرد عليه خالد: آسف يا سيادة الوزير فأنا حتى ولو حددتم إقامتي فسأشارك!

هذا التصميم القوي والعناد الشديد خصلة ورثها خالد عن أبيه الذي تميز بشدة المراس طوال حياته. في ذلك الوقت من عام 1985 أو 1986 كان خالد قد خرج من عباءة أبيه, ولكنه ظل يقتفي خطاه على طريق النضال من أجل تحرر مصر وعزتها. ولم يمر وقت طويل حتى اكتشف العالم أمر التنظيم الذي أنشأه خالد وشرع في قتل عناصر الموساد على أرض مصر. وظهر اسمه كشخصية ثورية, وتردد في أنحاء العالم مقترنا بإسم شريكه في قيادة التنظيم المسلح محمود نورالدين السيد ضابط الاستخبارات المصرية الذي عاصر حقبة الصراع الضاري مع الموساد على امتداد العالم طوال ربع قرن حافلة بالتحديات والانتصارات الباهرة 1952 – 1977، وأحد أبطال حرب رمضان 1973 وحاصل على وسام البطولة.

((وديعة)) خالد عبدالناصر لـ ((الشراع) (3):خالد عبدالناصر: من النضال المسلح الى النضال السياسي / كتب: محمد خليفة

((وديعة)) خالد عبدالناصر لـ ((الشراع) (3):خالد عبدالناصر: من النضال المسلح الى النضال السياسي / كتب: محمد خليفة

  • *خطط خالد لمواجهة حسني مبارك في انتخابات 2011
  • *أعد خطته السياسية لمنع التوريث وإنقاذ مصر وتجديد ثورة يوليو
  • *أقام علاقة ((تطبيعية)) مع الاخوان وكل التيارات ليكون مرشحاً وطنياً لا ناصرياً
  • *زار بغداد ودمشق وصنعاء وطرابلس الغرب وبيروت
  • *هل مات خالد ومحمود, أم قتلتهما الموساد؟

جاءت نهاية ((تنظيم ثورة مصر)) أسرع مما كان يتوقعه خالد عبدالناصر ورفاقه, وترتب على انكشافه, نهاية النضال المسلح, ما مثل ضربة قاسية لآمال الرجل, خصوصا أن أعضاء التنظيم دينوا, وحكم عليهم بالحبس لمدد طويلة, وحكم على محمود بالمؤبد. والأدهى أنه أمسى تحت مجهر أمني دقيق لإستخبارات الأعداء, يراقبون تحركاته وسكناته ويترصدونه ويلاحقونه داخل وخارج مصر. ولذلك خصصت له الدولة بعد عودته من المنفى, وتبرئة المحكمة له, قوة حماية أمنية له ولأسرته ترابط أمام المنزل, وترافقه في تنقلاته حيثما تحرك أو حلّ, بحجة حمايته من أيدي الاسرائيليين والاميركيين الطويلة.

وفي الواقع كانت وظيفة هذه القوة مزدوجة, لا تقتصر على حماية خالد, بل تستهدف وضعه ووضع تحركاته تحت مراقبة محكمة أيضاً, ومراقبة من يدخل ويخرج من منزله.

شخصيته الانسانية والسياسية:

على أي حال كان ((النضال المسلح)) مرحلة من مسيرة خالد, لأن الأصل هو النضال السياسي الذي بدأه منذ كامب ديفيد, وكان عليه بعد نهاية تجربة النضال المسلح مواصلة هذا النضال بكل الوسائل الأخرى.

خالد رجل مفطور على السياسة ومجبول بها بالوراثة والتجربة. يهتم بالفكر والشؤون السياسية العامة العربية والدولية. يؤمن ايماناً راسخاً بالقومية العربية, وتلمس ذلك في مفردات خطابه وحديثه اليومي, وهو يحب العرب, ولا يرى مجداً لمصر بمعزل عن أمتها, ولا يرى لها مستقبلاً من دون الوحدة العربية. وهو يؤمن بالعدالة الاجتماعية, ولا يهتم كثيراً بالمظاهر, ولا بالمناصب, شديد التواضع, لا يظهر أي قدر من الغرور أو الخيلاء, ولا يتحدث عن أبيه إلا إذا كان ضرورياً في سياق موضوع أو حوار, وعندما يذكره, نادراً ما يستعمل صفة أبي, بل يذكره باسمه الذي يتداوله الناس ((عبد الناصر)). ولم يكن يكشف هويته وإسمه لمن لا يعرفه إلا في حال الضرورة.

وأحياناً حين نكون في الشارع كان خالد ((يتحداني)) أن أجد مصرياً عادياً في الشارع يذكر أباه بسوء. وذات مرة قال لي تعال نجرب: فكان يوقف مواطناً عابراً, أو بائعاً متجولاً, أو بواب عمارة, ويسأله: انت رأيك إيه في الرئيس عبدالناصر؟, ولم نسمع أحداً يذكره إلا بالخير والمحبة والتبجيل!

ويتصف خالد بالوفاء لأصدقائه ومعارفه, وكان يبادل الناس الحب بحب أكبر, وكان كريماً وسخياً بشكل تلقائي, ومن دون تظاهر. ومن أغرب عاداته, أنه كلما خرج من منزله يملأ جيوبه بالفكة ((أوراق مالية من فئة الخمسة والعشرة والعشرين والخمسين جنيه)) لأنه حين يسير في الشارع أو السوق أو يجلس في المقهى, يتعرف عليه كثير من الناس فيسلمون عليه, ويترحمون على والده, فكان لا يدع أحداً إلا ويقدم له شيئاً من المال. وأحياناً يعطي لشخص واحد مائة جنيه. يمد يده ويسحب قطعة أو أكثر ويدسها في يده, أو جيبه بدون سؤال. قلت له: أتفعل هذا بإستمرار؟ قال ببساطة وصوت خافت بل دائماً. قلت له: هذا يكلفك كثيراً من المال, قال طبعاً. قلت: مرتبك لا يكفي, ضحك وقال معاشي الميري من الجامعة لا يكفي شيئاً!

ومن عاداته ذبح الأضاحي في كل مناسبة, من رمضان أو عيد الفطر أو الأضحى , فيذبح عجلاً, أو بقرة, ويشرف بنفسه على توزيع لحومها على الفقراء. كان يصلي فروضه, ويذهب لمسجد الحسين والأزهر. حكى لي أنه في فترة من ايام الشباب انقطع عن الصلاة فرأى في النوم شخصاً مهيباً يقول له إذهب الى هذا المكان وصلّ, وكان المكان مسجداً من مساجد القاهرة, فصار يصلي من دون انقطاع. وفي يوم من الأيام رافقته الى مسجد سيدي الحسين ولفت انتباهي أن جميع العاملين هناك يعرفونه ويستقبلونه بحفاوة خاصة وزائدة ويفتحون له الأبواب التي لا تفتح إلا للشخصيات الرسمية.

ملابسه عادية جداً, ولا يرتدي بدلة رسمية ولا ربطة عنق إلا في مناسبات قليلة رسمية أو شبه رسمية. وطعامه عادي أيضاً في بيته, مثل أي مواطن, ومثل أبيه الذي كان يتميز بطعامه البلدي جداً. أقراص الطعمية الطازجة حاضرة دائماً في عشائه, مع السردين. أول مرة زرته في مصر بعد عودته من يوغوسلافيا عام 1991 قابلته في بيته القديم, بيت شديد التواضع في عمارة شعبية جداً, تناولنا طعام الغداء, كانت الوجبة هي الباذنجان والأرز والسلطة فقط.

النضال بالسياسة

في هذا الفصل من ((الوديعة)) سنسلط الأضواء على نضال خالد السياسي في المرحلة التالية لإنكشاف التنظيم, وهي ما زالت غير واضحة, وغير مؤرخة, وخصوصاً:

  1. -نضاله خلال فترة وجوده في المنفى ((1987- 1990)) لتخفيف العقوبات على أعضاء التنظيم, وكيفية تعامله مع النظام المصري.
  2. -نضاله السياسي بعد نهاية المحاكمة.
  3. -خطته لمواجهة حسني مبارك.

أولاً - مرحلة المنفى:

غادر خالد القاهرة بشكل طبيعي ولكن على عجل يوم 10 كانون الأول/سبتمبر 1987, بعد أن بدأت مباحث أمن الدولة حملة اعتقالات لجميع أعضاء التنظيم.

كانت السفارة الأميركية في القاهرة بعد تحقيقها مع شقيق محمود نورالدين.. عصام وحصولها على المعلومات عن التنظيم قد اتصلت مع السلطات المصرية, وأعلمتها بإنجازها الكبير, وطلبت منها تولي التحقيق وتوقيف المتهمين, والتحقيق معهم حول الجرائم التي اقترفوها. وقد تولى جهاز ((أمن الدولة)) التحقيق في القضية, فقام بحملة سريعة لتوقيف أعضاء التنظيم الذين أبلغ عنهم عصام الاستخبارات الاميركية, وقدم كشفاً بأسمائهم وعناوينهم, وحدد أدوارهم في التنظيم المسلح, ومشاركة كل واحد منهم في العمليات.

وتم تكليف ضابط مباحث مصري كبير بقيادة فريق من رجال أمن الدولة لملاحقة المتهمين وتوقيفهم والتحقيق معهم. وقد اطلعتُ شخصياً على كافة تحقيقات المباحث, إذ سلمني خالد نسخة منها, كان محاموه ومحامو المجموعة يحصلون عليها, ويرسلونها اليه. قرأتها بإمعان رغم عدد صفحاتها الذي تجاوز الألفي صفحة.

ولاحظت خلال القراءة ((عدوانية)) الضابط المحقق وقسوته ومكره في اختيار الأسئلة للايقاع بهم, بهدف إثبات ضلوع أعضاء التنظيم كافة في الجرائم المنسوبة اليهم, وإدانتهم جميعاً في ((جريمة)) تشكيل منظمة سرية, وتوفير الأدوات اللازمة لممارسة الارعاب مع سبق الإصرار والترصد, والتخطيط المتعمد لإرتكاب جرائم قتل للدبلوماسيين الاسرائيليين والاميركيين, وحيازة أسلحة, والتآمر على أمن الدولة, والاضرار بعلاقاتها مع ((دول صديقة)).

لم يكن هذا الضابط ((المقدم أسامة)) يدع حيلة أو وسيلة للايقاع بالمتهمين خلال الاستجواب الا ولجأ اليها. وربما كان يقوم بمهمته تحت رقابة مباشرة من الأميركيين والإسرائيليين أيضاً.

والجدير بالذكر أن أعضاء التنظيم اعترفوا للمحققين بكل ما نسب اليهم لأن عصام كشف كل شيء, ولم يدع لهم فرصة للانكار أو مناصاً من الاعتراف.

في بداية هذه المرحلة, مرحلة الإقامة في بلغراد تعرفت على خالد, اتصلت به هاتفياً, أولاً, ثم زرته للمرة الأولى في بلغراد مع صديقي حمدين صباحي. وبعد شهرين توثقت العلاقة, وصرنا نفكر معاًَ ونبحث في كل ما يجب القيام به, فكانت لقاءاتنا الشهرية ومحادثاتنا الهاتفية اليومية, أنا وخالد لقاءات عمل وتشاور ولا سيما في تطورات ((القضية)) وأصدائها, نتحدث في كافة المسائل العامة والخاصة, ومع الوقت لم يعد يخفي عني شيئاً, بما فيها الأمور الخاصة جداً ! وكنت موضع ثقته التامة, ولاحظ كل من معه هذه الثقة. في إحدى زياراتي له, كان يستضيف الكاتب والناشط السياسي المصري الصديق أمين اسكندر, وبقينا عدة أيام معاً وحين ودعني أمين قال لي: إحرص على البقاء مع خالد, إنه يستمع لك, ويثق بك, لذلك يجب أن تبقى بجانبه في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها.

يمتاز خالد بشخصية قوية, لم تضعف أمام التحدي بعد انكشاف التنظيم وملاحقته. ذات مرة قلت له, قواك الله على تجاوز الأزمة. فقال لي: أي أزمة؟ هل تعتبر هذه أزمة..؟ أنا لا اعتبرها أزمة, أنا في مواجهة مع العدو, اخترتها عن طيب خاطر وقناعة.

كان معتزاً بما قام به, ولا يتردد في التصريح عن مواقفه وإصراره على المواجهة مع الاسرائيليين, إلا أنه رغم ذلك عاش مرحلة قاسية انسانياً في بلغراد, وكنت أحياناً أراه مهموماً وحزيناً, وألاحظ أحياناً عليه أعراض كآبة تظهر على وجهه, ويستغرق في التفكير ويأخذه الشرود, حتى تتغير ملامح وجهه, ويمتقع بلون داكن, لا بسبب المواجهة السياسية نفسها, إنما بسبب تبعاتها الانسانية, وحزنه على وجود أعضاء التنظيم في الحبس, وخصوصاً محمود, وكأنه كان يشاركهم آلامهم ومعاناتهم في الزنازين, ولا يدخر فرصة إلا ويستغلها في إرسال الرسائل لهم عبر المحامين.

وكان يخشى أن تطول الأزمة , فتطول إقامته في بلغراد على حياة أولاده ودراستهم. واضطر في العام الأخير للانتقال الى سويسرا ليضمن متابعة أولاده تعليمهم. كان الثلاثة في المرحلة المتوسطة. وكان من ((مهامي الشخصية)) تزويد الثلاثة بالكتب الادبية الجديدة! وكان لابنته الكبرى (تحية) ميول أدبية أصيلة ومحاولات شعرية ناضجة, واطلعت على قصيدة عن الانتفاضة الفلسطينية, كتبتها بالانكليزية, وقصيدة أخرى بالعربية, وكان الثلاثة يحبون القراءة والثقافة ومتابعة القضايا السياسية العربية.

وكان خالد يتابع تطورات القضية, وتداعياتها العامة, بجوانبها السياسية والقانونية والاعلامية كافة, وارتداداتها في العالم العربي, وكان يتابع مظاهر التضامن معه في البلدان العربية, ويرحب بتطوع محامين عرب للدفاع عن المتهمين, وكان معجباً بالمحامي الأردني حسين مجلي ومرافعته القومية القوية أمام المحكمة.

وكان اهتمامه يمتد الى التفاصيل الخاصة, والانسانية الصغيرة, وذات مرة زودني بهاتف بنات نورالدين لأحادثهن باستمرار, بهدف رفع معنوياتهن, لأنهن كن حزينات وخائفات على والدهن المعتقل, ووقعن تحت تأثير الحملات الاعلامية المسيئة له, واتهامه بالارعاب, ووصفه بالمجرم والقاتل, فكان خالد يطلب مني ومن غيري الاتصال بهن, ومحادثتهن عن بطولة والدهن, وشجاعته وقيمة ما فعله في نظر العرب جميعاً.

وكان مهتماً على نحو خاص بما تكتبه الصحف المصرية والعربية والأجنبية عن القضية وعنه.

وكان يستقبل زواراً عرباً من سفراء الدول العربية في يوغوسلافيا, الى اتصالات مسؤولين كبار من دول عربية متعددة, كالعراق, واليمن, والاردن, وفلسطين, ولبنان, وغيرها, وتلقى دعوات حارة لزيارة هذه الدول, أو قبول مساعدة.

لماذا هادن مبارك؟:

كانت وجهة نظري التي قدمتها لخالد أن نقلب محاكمة أعضاء التنظيم كإرعابيين الى محاكمة سياسية لنظام مبارك, نعبىء لها الرأي العام العربي والقوى المناهضة لكامب ديفيد والتطبيع مع العدو.. إلخ.

اقترحت عليه إنشاء ((مكتب سياسي وإعلامي)) يعمل له, وبإشرافه يضم عدداً من الأصدقاء الصحافيين والمثقفين المصريين والعرب, مهمته متابعة تطورات القضية وتداعياتها محلياً ودولياً, وإصدار بيانات سياسية وتصريحات يومية حول كل تطور من تطوراتها, على أن تكون الغاية هي التصعيد بمواجهة النظام وإتهامه بالاذعان لإرادة اسرائيل والولايات المتحدة, والتفريط بالسيادة الوطنية, وتحميله مسؤولية ما وقع, لأنه رد فعل طبيعي على زيف السلام القائم بين مصر وإسرائيل, وآثار التطبيع الضارة على أمن مصر ومصالحها, وكرامة شعبها. واقترحتُ عليه توكيل محامين عرب وأجانب, للدفاع عنه وعن كافة المتهمين, وتصويرهم كأبطال غيورين على بلدهم دافعوا عنه بالسلاح لأنه لم يكن ثمة وسيلة أخرى بسبب غياب الديموقراطية, وذلك رداً على تصويرهم إرعابيين ومجرمين, في الحملة التي شنها النظام في صحافته, وفي تصريحات وتقارير رجال أمن الدولة, وهو ما انعكس في مرافعات النيابة العامة التي صورتهم كمرضى نفسياً ومدمني مخدرات, يعانون من اضطرابات وعقد نفسية وعقلية, وباحثين عن المال والشهرة.

كما اقترحت على خالد إنشاء شبكة علاقات عربية, نوظفها لحشد التضامن الواسع معه, بغرض الضغط على النظام, واسرائيل لمنعهما من إدانة خالد أو الحكم عليه, أو مسه بأي أذى.

أما خالد فكانت وجهة نظره مختلفة تماماً, معي ومعنا. إذ رأى أن التصعيد سيستفز النظام, ويدفعه للانتقام من الموقوفين, وتشديد العقوبات عليهم, وربما يحكم عليهم بالإعدام. وكان خالد يرى أن إنقاذ المتهمين والموقوفين هو الهدف الأول في هذه المرحلة, وكان يستشير المحامين, ويستمع لآرائهم في هذا الصدد, ولا أستبعد أنه كان يتبادل الرسائل مع بعض شخصيات النظام, للتوصل معهم الى صفقة هدفها تخفيف العقوبات الى اقصى درجة ممكنة واستبعاد عقوبة الاعدام كلياًَ.

لهذا السبب رفض خالد خطة التصعيد, وخصوصاً إذا كان مرتبطاً بإسمه. ورفض بإصرار إطلاق أي تصريحات متشددة ضد النظام والتشكيك بوطنيته, وخصوصاً ضد مبارك شخصياً في هذه المرحلة. ورفض إعطاء مقابلات صحفية ليتجنب التطرق لهذه المسائل, لا سيما للصحافة العربية والأجنبية. وكانت المقابلة الوحيدة التي وافق عليها خلال ثلاث سنوات أجراها حمدين صباحي في أوائل عام 1988.

لذلك إتفقنا على حل وسط يقوم على شن حملة قاسية ضد نظام مبارك والدفاع عن رجال التنظيم, ولكن بأسمائنا وهوياتنا الشخصية, كصحافيين وناشطين مصريين وعرب. كما اتفقنا على تشكيل الشبكة العربية للدفاع عن خالد في العديد من الدول العربية والأوروبية. فاتصلنا مع العديد من الشخصيات العربية للمشاركة في الحملة, كالمحامي الاردني حسين مجلي, والدكتورة سعاد الصباح وجاسم القطامي وأحمد الخطيب من الكويت, ونجاح واكيم من لبنان, وتشكلت لجان في باريس وأثينا وفيينا وروما ولندن.

وديعة خالد عبدالناصر ((4)) عملية فدائية ناصرية في جنوبي لبنان اجهضتها أطراف لبنانية / بقلم: محمد خليفة

 

*خالد اعتذر عن قبول مبلغ مالي من صدام بعد الاجتماع به

*تعاطى بن بلة وعرفات بحميمية مع خالد

 

 

أسرار اضافية، تنشرها ((الشراع)) في الحلقة الرابعة من موضوع ((وديعة خالد جمال عبدالناصر)) التي أتيح للزميل في المجلة محمد خليفة ان يتابع ويوثق وقائعها، بكل ما تعكسه وتعبر عنه من مواقف وأداء خالد جمال عبدالناصر، والذي شاء القدر ان لا يتوج نضاله بتنفيذ خطته السياسية التي اعتمدها بعد انشاء ((تنظيم ثورة مصر))، من خلال ترشحه للرئاسة ضد الرئيس حسني مبارك لقطع الطريق على توريث نجله جمال الرئاسة او التجديد له ولاية جديدة.

وفي ما يلي نص الحلقة الرابعة:

وكانت هناك خطة لتنفيذ عملية فدائية ضد الإسرائيليين في جنوب لبنان تحمل اسم خالد, أو اسم تنظيم ثورة مصر, خطط لها بعض من الشباب القوميين الناصريين اللبنانيين, ولكن الخطة أحبطت من أطراف لبنانية(!) .

في هذه الفترة وخلال سنوات اقامته في بلغراد استقبل شخصيات عربية, وبدأ يزور بلداناً عربية, ويجري اتصالات مع قادة وزعماء عرب, كمعمر القذافي, وصدام حسين, وعلي عبد الله صالح, وعبدالحليم خدام, وشخصيات لبنانية وفلسطينية, قومية ويسارية.

وكان يستقبل زواراً عرباً, وخصوصاً من سفراء الدول العربية في يوغوسلافيا, واتصالات من مسؤولين كبار, وشخصيات عامة في الدول العربية: من اليمن والعراق والاردن وفلسطين ولبنان, وتلقى دعوات لزيارة هذه الدول, أو قبول أي مساعدة.

كان من عاداته اليومية الثابتة أن يستيقظ في الصباح الباكر, ويبدأ بقراءة الصحف. ومع الثامنة صباحاً يبدأ اتصالاته الهاتفية مع دائرة علاقاته الضيقة, ثم يوسعها تدريجياً. فكنت أنتظر اتصاله يومياً وبإنتظام بين الثامنة والتاسعة, وكان أحياناً يتصل أكثر من مرة في اليوم, على مدى عامين ونصف, وجاءني آخر اتصال منه يوم عاد الى القاهرة, إذ اتصل بي منتصف النهار فلم يجدني, فطلب من زوجي أن تخبرني أنه في طريقه للمطار عائداً الى مصر, وأنه سيتصل بي لاحقاً من هناك عندما يتمكن, وطلب ألا أقلق. كان يعلم أنهم سيوقفونه فور وصوله, ولا يعلم كم سيطول توقيفه. علماً أني كنت أعرف مسبقاً أنه رتب أمر عودته مع ((هيئة الدفاع)) عنه, حين تبدأ المحكمة بالنظر في القضية.

في مرحلة بلغراد وصلته عام 1989 دعوة من رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي لزيارة نيودلهي لوصل علاقات الصداقة التاريخية بين والدي الرجلين جمال عبدالناصر وانديرا غاندي ونهرو. وطلب مني أن أرافقه فيها, ورحبت طبعاً, ولكن راجيف غاندي قتل في تفجير ارعابي قبل تلبية الزيارة.

وزار خالد بغداد تلبية لدعوة حارة من الرئيس صدام ورافقه فيها صديقه الصحافي المصري أحمد الجمال. وروى لي لقاءه الحار مع الرئيس صدام, والذي وعده أن يتدخل لدى الرئيس مبارك لتخفيف العقوبات المتوقعة على أعضاء التنظيم. وقال لي عندما انتهى اللقاء مع صدام وودعناه وخرجنا, وجدت أحد رجال مكتبه يسلمني مغلفاً كبيراً فيه مبلغ من المال, وهو يقول لي هذه مساعدة بسيطة من الرئيس لك, فشكرت الرئيس واعتذرت عن عدم قبول المبلغ قائلاً: الشعب العراقي أحق مني به, لأن العراق خارج من حرب طويلة مع ايران, ويمر بظروف اقتصادية صعبة, ويحتاج لكل دينار لإعادة بناء بلده.

سألت خالد: هل عرفت كم كان المبلغ, فأجاب: نعم. كان 50 ألف دولار, لأن الموظف ذكر المبلغ وهو يسلمني إياه.

في هذه الفترة زار خالد أيضاً ليبيا بدعوة من القذافي.

وتلقى خالد اتصالات من القادة السوريين, تخللتها دعوات ملحة جداً, كان نائب الرئيس عبدالحليم خدام هو الذي يتصل ويلح على خالد لزيارة دمشق, واستطعت أن أثنيه عنها, وكنت أقول له: ستخسر تأييد السوريين واللبنانيين, وستخسر الشارع المصري الذي يرى حافظ الاسد معادياً لمصر.

كان خالد يستقبل شخصيات عربية كثيرة تأتي الى بلغراد خصيصاً لزيارته, وبناء على طلبهم, وتضامناً معه, تسنى لي مقابلة عدد منهم, وشاركت في دعوة بعضهم. فقد اصطحبت في احدى المرات السفير الفلسطيني في اثينا فؤاد البيطار الذي تطوع قبلها ليشارك معي في تأسيس نشاط ((لجنة الدفاع عن خالد عبدالناصر)) التي قمت بتشكيلها في اليونان, ودول أخرى بمشاركة شخصيات عربية سياسية وإعلامية.

وكان لي دور مباشر في ترتيب دعوة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات, رحمه الله, لخالد للمشاركة في حضور حفل اعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر في خريف 1988, وقد فرح به عرفات أيما فرح, وعانقه عناقاً حاراً وأجلسه في مقدمة الحضور, وقال لي خالد إن أبا عمار كان يقدمه للضيوف بقوله: خالد هو ابن أخي جمال عبدالناصر رحمه الله!

والجدير بالذكر أن مشاركة خالد في هذه المناسبة لفتت انتباه مجلة ((التايم)) الاميركية فكتب موفدها الى المناسبة مقالاً عن مغزاها من ناحية عرفات, ومن ناحية خالد!

وكان لي دور مباشر في تعارف خالد والرئيس الجزائري السابق أحمد بلة, بدأ عندما حدثت بن بلة رحمه الله عن خالد ففرح فرحاً شديداً بما فعله, وحملني تأييده ودعمه له, ثم طلب مني أن أرتب لقاء أو اتصالاً معه. فلما أقنعت خالد بالاتصال معه, جرى بينهما حديث عاطفي حار, ثم التقيا في الفترة التي أقام خلالها خالد في سويسرا قريباً من مكان إقامة بن بلة. كان بن بلة سعيداً بلقائه, وعرض عليه المساعدة في كل شيء, بما في ذلك تكليف محامين أوروبيين وعالميين بارزين من معارفه وأصدقائه, للدفاع عنه في المحكمة, إلا أن خالد اكتفى بشكره, لأنه كان لا يريد التصعيد مع النظام مقابل أن يخفف النظام الاحكام على المتهمين.

تحركاته العربية

بعد عودة خالد الى مصر وتبرئة المحكمة له, زرته في القاهرة, ثم زارني في ستوكهولم بعد انتقال اقامتي اليها من أثينا. وتكررت زياراته لي في السويد.

كانت الأولى في شهر شباط/ فبراير 1993. سألته هل زيارته خاصة لي أم لها سبب آخر؟

قال لي: لقد زرتنا في بلغراد مرات كثيرة, ولا بد أن أزورك لأطمئن عليك بعد انتقالك الى السويد.

سألته بفضول: ما هي نشاطاتك السياسية في هذه المرحلة, وماذا تخطط للمستقبل..؟

فقال لي: في هذه المرحلة أنا موضوع تحت مراقبة دائمة في داخل مصر وخارجها, ولذلك فأنا أحاول أن أبدو لهم شخصاً عادياً وأنني ابتعدت عن أي نشاط محظور. أعيش الآن كأي مصري, أعمل مع شركة هندسية عالمية, وأستاذاً محاضراً في الجامعة, وأوثق علاقاتي مع أصدقائي وطلابي.

فسألته: وكم ستطول هذه المرحلة؟ وكيف يرى المستقبل؟

فقال: بصراحة أنا الآن أفكر في خوض غمار العمل السياسي, كمعارض وطني للتطبيع مع العدو, ولإتفاقية كامب ديفيد, وأفكر بتأسيس حزب, خصوصاً أن محاولات الناصريين لإنشاء حزب فاعل وقوي يضم كل الناصريين في مصر لا تبشر بخير ومحكوم عليها بالفشل بسبب الخلافات بين الجماعات.

وتحدث خالد كثيراً عن رهانه السابق على بناء حزب ناصري قوي يواجه النظام, ويعبىء القوى الشعبية وراء فكرة إسقاط المعاهدة, ويبرز الإجماع الوطني على رفضها بعد خمسة عشر عاماً من توقيعها.

وأكد خالد أنه سيعزز علاقاته مع الدول العربية, لأن المناخ العام في الوطن العربي أصبح مواتياًَ, بعد عودة العلاقات الديبلوماسية بين الدول العربية ومصر, وعودة الجامعة العربية للقاهرة.

وفي عام 1994 زارني خالد في السويد للمرة الثانية ولكنه للأسف تعرض لأزمة قلبية طارئة في الليلة الأولى, ودخل المشفى, فلم يتوفر لنا الوقت والظرف المناسبين للحديث في الأمور السياسية ونصحه الاطباء بالاستراحة فقطع زيارته لي وسافر عائداً الى القاهرة بعد 24 ساعة فقط.

((وديعة)) خالد عبدالناصر لـ((الشراع)): ((5))عندما قال خالد عبدالناصر ان حافظ الأسد مصاب بالالزهايمر /كتب: محمد خليفة

((وديعة)) خالد عبدالناصر لـ((الشراع)): ((5))عندما قال خالد عبدالناصر ان حافظ الأسد مصاب بالالزهايمر /كتب: محمد خليفة

((وديعة)) خالد عبدالناصر لـ((الشراع)): ((5))عندما قال خالد عبدالناصر ان حافظ الأسد مصاب بالالزهايمر /كتب: محمد خليفة

*شكوك حول وفاة خالد.. ومبعث الشك العقيدة الاسرائيلية وسلوك الموساد بقتل من يستهدف اسرائيلياً

*بعد زيارة دمشق قال لي خالد: ان حافظ الأسد مصاب بالألزهايمر

*حافظ الأسد امتدح مبارك وقال انه رجل وطني مخلص

*خالد طلب في دمشق زيارة سجن المزة وعندما سأله الأسد عن السبب قال لأنه أحد مواقع التاريخ السوري

 

تكملة لما ورد في الحلقة السابقة من ((ملف وديعة خالد عبدالناصر)) لـ ((الشراع)) فإن التركيز في هذه الحلقة يتناول وقائع العلاقة بين خالد عبدالناصر والنظام السوري وتفاصيل زيارة قام بها الى دمشق واجتماعه مع حافظ الأسد.

 

زيارة دمشق

 

وفي أواسط شهر حزيران/ يونيو 1995 زارني خالد للمرة الثالثة في ستوكهولم, وكنت قد كتبت له رسالة عن تحركات مريبة حولي من جهات اسرائيلية, وقلت له: ربما كانت بسبب علاقتي معه, وطلبت تقديره للأمر.

في هذه الزيارة كشف لي خالد أنه زار دمشق قبل فترة وجيزة. وقال لي أنه حظي بترحيب كبير من كل أركان النظام السوري, ولا سيما الرئيس الراحل حافظ الأسد, ونائبه عبد الحليم خدام ووزير الدفاع العماد مصطفى طلاس, وآخرين. وروى لي أشياء طريفة ومهمة في آن واحد, وخصوصاً لقاءه بحافظ الأسد.

قال لي: من السهل جداً أن تلاحظ أن حافظ الاسد مصاب بألالزهايمر, وأنه لا يحدث زواره إلا عن الماضي البعيد, ولا يتطرق للحاضر في أحاديثه, مما يشير الى أنه يتذكر الماضي البعيد, ولا يتذكر القريب, وهذا الأمر من أعراض الالزهايمر.

وقال لي: أثناء استقباله لي كان يقف خلفه شخص مهمته أن يساعده على النهوض من كرسيه عندما يريد, ويساعده على الجلوس والحركة.

وأضاف: كان لعاب حافظ الاسد يسيل من فمه, وكان مساعده يمده بالمناديل الورقية ليمسحه, أو يقوم هو بمسح لعابه بنفسه.

وقال لي د. خالد: حافظ الاسد هنأني على السلامة والبراءة من ((القضية)) وطلب مني أن أكون حذراً من الاسرائيليين والأميركيين. وأنه قال له: اعتقد أن الرئيس مبارك لن يتخلى عن واجبه في حمايتك. وهو ((رجل وطني مخلص)) برأيه!

ومن الأشياء الطريفة التي حدثت له في دمشق ورواها لي أنه حين وصل الى دمشق أنزلوه في فندق الشام, ثم جاءه موظف رفيع من البروتوكول الرئاسي, وسأله عن الاماكن والمواقع التي يحب مشاهدتها والاطلاع عليها, لكي ينظموا له برنامجاً لزيارتها, فقال له خالد: أنا متشوق لزيارة سجن المزة وأطلب منكم وضعه على رأس البرنامج, وأدع لكم اختيار بقية الأماكن, فارتبك الموظف ونظر الي بإستغراب ودهشة قائلاً: سجن المزة..؟؟

فأجابه: نعم سجن المزة, لماذا أنت مندهش..؟؟

فرد المسؤول باقتضاب: أمرك سيدي!

وتابع خالد رواية الحادثة: لم يبلغني أحد بعد ذلك شيئاً عن زيارة المزة أو غيره من فقرات البرنامج (!) إلى أن أبلغوني بعد عدة أيام بموعد استقبال الرئيس لي في قصره مساء للعشاء على مائدته. وعندما أدخلوني عليه وجدته واقفاً ينتظرني وهو يضحك ويقول لي: خالد هل جئت من القاهرة الى الشام لكي تزور سجن المزة..؟ شو القصة..؟؟ هل لك شخص معين تريد زيارته في السجن؟؟!

فأجابه: لا سيدي.. ولكن اسم سجن المزة راسخ في ذاكرتي منذ أن كنت طفلاًَ. كثيراً ما كنت أسمع الإسم وأنا أتابع أخبار سورية, وأسمع قصصاً عنه وعمن يدخله, وأعرف أن فلاناً من كبار الشخصيات السياسية قد أعتقل وأودع سجن المزة, أو أن فلاناًَ من السياسيين والعسكريين قد أفرج عنه وخرج من سجن المزة, وعين في الحكومة أو السلطة بمنصب جديد..! لذلك ارتبط أسم السجن في ذاكرتي بأنه مستودع تاريخ سورية الحديث, وأن من لا يزوره يتجاهل موقعاًَ مهماً جداً من مواقع التاريخ السياسي السوري, إنه أهم من المتاحف والمواقع الأخرى.

هذا هو السبب يا سيدي!

قال لي خالد: كان حافظ الاسد يضحك بصوت عال وأنا أشرح له أسباب فضولي لزيارة سجن المزة, وعندما انتهيت من الشرح, قال لي: لقد طلبت منهم أن ينظموا لك زيارة غداً للسجن, ومقابلة مع من تريد من السجناء أيضاً, وبالفعل زرت سجن المزة.

وحكى لي خالد شيئاً مما دار في استقبال العماد طلاس له, فقال لي: لقد احتفى بي وزير الدفاع وزوجه التي قالت له: حتى تعرف كم نحبك ونحب والدك رحمه الله, حرصت أن أحضر العشاء لك بنفسي. كل ما تراه على المائدة أنا أعددته!

قال لي خالد: كانت مائدة عامرة جداً, وللمرة الاولى عرفت أنكم تعدون المحشي بورق السلق بدلاً من ورق العنب!!

وأضاف: عدت من الشام مبهوراً بمطبخها الغني واللذيذ, وتذكرت تصريح هنري كيسنجر عن المطبخ السوري!

ثم استدرك ضاحكاً: في الواقع هناك أشياء كثيرة بهرتني في سورية لا مطبخها وحسب.

قلت: مثل ماذا..؟ أريد أن أعرف ما الذي بهرك في سوريانا الأسدية..؟

قال بهرتني ((عبادة الفرد)) في سورية, فكل من يزورها, ولو لأسبوع واحد, ويتجول في ميادينها العامة, ويتحادث مع أهلها سيكتشف فوراً حجم ومدى الخوف الذي يسكن قلوبهم من ظل وهيبة ((الحاكم بأمر الله)) الذي تنتشر صوره وتماثيله في كل مكان وعلى كل شيء.

وأضاف أيضاً: لاحظت أن الخوف من الأسد يشمل المسؤولين في النظام والدولة أيضاً, ولاحظت أن كل مسؤول تسأله شيئاً أو تقدم له فكرة يقول لك فوراً : سنرفعها الى السيد الرئيس.. أو لا بد أن يوافق عليها الرئيس أولاً.

وقال خالد: بهرني رعباً إصرار الرئيس على توريث الحكم لإبنه فهو أمر تتحسسه وأنت في دمشق مع الجميع من فوق الى تحت! والمسؤولون الكبار يتداولونها فيما بينهم وكأنها حتمية تاريخية لا محيد عنها. وقال: سورية تختلف عن كل البلدان العربية, وربما لا مثيل لها في العالم. بلد يحكمه رجل واحد بقوة وقسوة, والكل يطيعه ويخافه ويهابه.

ثم فاجأني خالد ذات مرة ونحن ننتقل من موضوع الى آخر في هذا الحديث عن وقائع زيارته وانطباعاته عنها باستدارة مفاجئة, أو سؤال مباغت:

محمد رأيك إيه ترافقني في زيارتي الثانية الى دمشق قريباً..؟

صمت ووجمت قليلاً, ثم استعدت حضوري ووعيي, وأخذت الأمر بشكل جدي وقلت لخالد: يا عزيزي أنت تعلم موقفي من حكام سورية, وتعلم مدى عدائي وكرهي للنظام, ثم إنك تعلم أنني مطلوب لأجهزة الأمن, فهل تريد تسليمي لهم ((قلتها على سبيل الدعابة وأنا أضحك))..؟!.

تحول هو أيضاً الى الجد وقال لي: لقد حدثتهم عنك, وقالوا لي: أحضره معك في المرة القادمة, وأهلاً وسهلاً بك وبه!

سألته: هل ذكرتني أمامهم بالإسم..؟

أجاب: نعم.

سألته: كيف..؟ في أي مناسبة ذكرتني لهم..؟

قال: كنا نتحدث عن وجود آلاف السوريين المميزين الذين يحملون شهادات علمية وتخصصات مهمة, ويتميزون بمواهبهم وطاقاتهم المبدعة, والذين يمثلون ثروات بشرية ثمينة ضائعة في الخارج, وتستفيد منها تلك البلدان, ونصحتهم بالعمل على اعادة هؤلاء الى سورية والاستفادة من طاقاتهم ومواهبهم وإمكاناتهم.

وتابع: في هذا الحديث ضربت لهم مثلاً بك, وقلت لهم لي صديق سوري أحترمه وأحبه وله مكانة خاصة عندي ولكنه لا يستطيع العودة بسبب ملاحقة أجهزتكم له, فسألوني: من هو..؟ فذكرت لهم اسمك, فردوا علي: قل له , فليعد على الرحب والسعة, وسيكون موضع عنايتنا ورعايتنا حتماً.

قلت لخالد: سامحك الله على هذه الخطيئة.

رد: ولماذا تعتبرها خطيئة, لقد وجدت من واجبي أن أستغل حفاوتهم بي لأطلب منهم حل مشكلتك والصفح عنك وإنهاء مشكلتك, وهذه فرصة لتزور بلدك وتلتقي بأسرتك وأصدقائك, أم تريد البقاء في الخارج حتى تموت..؟!

دخلنا في حوار طويل, شرحت له الوجه الآخر لنظام الاسد, القمعي والإجرامي والمعادي للمثقفين والمعارضين, والرافض لأي اصلاح, والذي يزيد بطشه بالمعارضين والمثقفين مع الوقت, وسردت له تجربة الناصريين مع هذا النظام منذ 1963 وحتى اليوم.

ثم قلت له: أريد أن تتذكر أن علاقة المعارضين السوريين بنظام حكمهم ظلت تاريخياً تختلف اختلافاً جذرياً وعضوياً عن نظرة المعارضين المصريين للسلطة أو للنظام الحاكم في بلدهم, أياً كان ومهما كان.

وتابعت له شرح هذه الفكرة التي أوقعته في الخطيئة: أنتم في مصر تنظرون للحاكم أياً كان كفرعون لا بد من التقرب منه والرضوخ له, وتتجنبون إغضابه إلا في حالات استثنائية كما فعلت سيادتك في السنوات الماضية. أما نحن، السوريين، فنستمد قوتنا وقيمتنا في مجتمعنا وشعبنا بمقدار بعدنا عن السلطة, ومدى معارضتنا لها, أو للسلطان أياً كان!

ناقشنا أنا وخالد هذا الأمر على مدى ثلاثة أيام, وبينت له أسباب رفضي لزيارة بلدي بهذ الطريقة التي ستفقدني سمعتي وشرفي بين الناس, ثم ختمنا الحوار بالاتفاق على تجاوز هذا الخلاف, وقال لي: أنت أدرى بقضيتكم, وأنا أحترم رأيك وموقفك, وإذا شئت أن تعود لبلدك, فسأذهب معك لكي تطمئن, وإذا شئت أن تتجاهل الأمر فأنا أحترم موقفك.

قلت له: يا دكتور أنا على صلة مع عشرات الأصدقاء السوريين المعارضين المنتشرين في العالم بسبب الملاحقات الأمنية, ونحن جميعاً متضامنون في هذا الشأن, ونريد العودة, اليوم قبل الغد, ولكن بشرط ألا يعتقل أحد منا, أو يحقق معه كأنه مشبوه أو متهم بإرتكاب خيانة عظمى, فنحن حملنا إسم سورية طوال سني الغربة والنفي, وليس بيننا من تخلى عن وطنيته أو خان بلده وشعبه, بينما النظام يمعن في الاستبداد والفساد وتكميم أفواه الناس في الداخل, والخارج , ويمعن في إفقارهم. كما يوغل في التفريط بحقوق الناس والعباد.

وتابعت حديثي الى خالد: إذا عدت يا دكتور الى دمشق فانصحهم أن يفتحوا ابواب البلد لجميع المعارضين بلا قيد ولا شرط, ليس لي وحدي فقط, ولكن للجميع, وأن يوقفوا التعامل معهم والتحقيق مع كل واحد كخائن, أو فار من وجه العدالة, يتعين عليه اثبات براءته من هذه التهم الزائفة, وأن يغيروا سياستهم تجاه المعارضين في الخارج, ويسهلوا عودتهم لبلادهم.

ووعدني خالد بنقل وجهة نظري وموقفي للسلطات السورية العليا, إذا كانت تريد كسب مواطنيها المتعلمين والمبدعين والمصلحين, وإذا كانت راغبة في إنهاء ظاهرة المعارضة في الخارج, وتهيئة البلاد الى انتقال ديموقراطي تدريجي.

ولكن خالد والحمد لله لم يعد الى دمشق بعدها أبداً حتى توفاه الله, بل بقيت تلك الزيارة يتيمة لا قبلها ولا بعدها, منذ أن كان طفلاً صغيراً في العاشرة من عمره ورافق أباه في رحلاته الى الشام أثناء فترة الوحدة وتجربة الجمهورية العربية المتحدة 1958 - 1961.

صارت زيارة 1995 الأولى والأخيرة في حياته, وكان عنوانها البارز, وأهم فصولها هو زيارة سجن المزة التاريخي في دمشق. وأنا أعتقد جازماً أن خالداً هو الشخصية العربية الوحيد الذي زار دمشق بدعوة رسمية, وطلب من سلطاتها هذا المطلب الاستثنائي العجيب الذي فاجأ حافظ الاسد وأعوانه, وتبين منه أن زيارة سجن المزة تتطلب موافقة رئيس الدولة الذي لا ينام إلا ومفاتيحه في يده وتحت وسادته. كيف لا والجنرال الأسد أودع خصومه ومعارضيه واعداءه الداخليين جميعاً وراء قضبان هذا السجن التاريخي الذي يعتبر بحق وعن جدارة رمزاً لسورية الحديثة, ولا سيما في عهد البعث - الاسد!!

وتجدر الاشارة الى أن خالد زار بيروت في هذه الفترة أيضاً والتقى بأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله.

وديعة خالد عبدالناصر لــ الشراع ((6)) خطة خالد عبدالناصر للتصدي لـ مبارك/ بقلم: محمد خليفة

وديعة خالد عبدالناصر لــ الشراع ((6)) خطة خالد عبدالناصر للتصدي لـ مبارك/ بقلم: محمد خليفة

*خالد خطط لمواجهة مبارك لقطع الطريق على توريث ابنه جمال

*انفتح خالد على الاخوان وتبرع لعائلات المعتقلين منهم

*شجعت خالد على الترشح ضد مبارك واختلفت معه على التوقيت

*النظام منع ايمن نور من الترشح ولفق له تهماً باطلة

*خالد أعد خطة محكمة لإسقاط مبارك لكنه مات قبل تنفيذها

 

 

في ما يلي حلقة جديدة من ((وديعة خالد جمال عبدالناصر)) لـ ((الشراع)) وتتضمن خطته للتصدي للرئيس حسني مبارك والحؤول دون توريث ابنه جمال، وهي الخطة التي شاء القدر عدم تنفيذها بسبب وفاة خالد.

الزيارة الأخيرة

أما زيارتي الأخيرة , ولقائي المطول مع خالد فكانت في حزيران/ يونيو 2005, تلبية لدعوة ملحة منه, كررها علي خلال مدة قصيرة, مما أشعرني بأنه يريدني لأمر مهم يتجاوز مجرد اللقاء ولا يريد الافصاح عنه في الهاتف, فلبيت الدعوة, لا سيما أنني لم أزره بعد الأزمة الصحية الخطيرة والعلاج الجراحي في مستشفى الجامعة الاميركية في باريس لإزالة ورم خبيث من رأسه.

عندما وصلت الى مطار القاهرة, وخرجت من الطائرة وجدته بانتظاري عند السلم, وإلى جانبه ضابط أمن ومرافق شخصي. أراد أن يعبر عن محبته لي بهذه الطريقة غير الضرورية. استقبلني بحرارة, وأخذني الى صالون الشرف, وأعطى جواز سفري للضابط لختمه, وأرسل مرافقه لاحضار حقيبتي, وجلسنا نشرب القهوة.

قال لي: لقد حجزت لك غرفة في ((الانتركونتيننتال)), وسددت إيجارها سلفاً, ولكني لا أريد أن تنزل في الفندق, أريدك أن تنزل في البيت عندي, لكي نستثمر الوقت, وحرصاً على سلامتك, لأنك هذه المرة قادم بدعوة مني, فأنت ضيفي, وأنا مسؤول عن سلامتك حتى تعود, وبصراحة لن أكون مطمئناً عليك في الفندق. وأضاف: الاستخبارات المصرية لا أمان لها!

قلت له: يشرفني أن أنزل معك في البيت فأنا مشتاق لك جداً. ثم وضع لي ((قواعد)) للالتزام بها. أولها أنه رجاني ألا أخبر أحداً من أصدقائنا بأنني مقيم في بيته, لأن ذلك سيحرجه معهم, لأنه في العادة لا يستضيف أحداً في بيته. أما أنا فقال لي ((أنت لك مكانة خاصة عندنا, وعائلتي كلها داليا والاولاد يشاطرونني الشعور نفسه, ولا ننسى وقفتك معنا في بلغراد)). ثم طلب مني ألا أخرج من البيت الى المدينة أو للقاء أصدقاء وحيداً. فالتزمت ولم أخرج إلا مرتين أو ثلاث مرات وحدي, بينما خرجت دائماً معه ومعنا مرافقة أمنية قوية. واقترح علي أن نذهب الى الغردقة للراحة , فقلت له أفضل البقاء في القاهرة للالتقاء بالاصدقاء.

أقمت عنده في منزله بمصر الجديدة عشرة أيام, فكان لدينا فائض من الوقت لنتكلم في كل شيء, ونلتقي مع بعض الأصدقاء والشخصيات كالاستاذ محمد حسنين هيكل, والاستاذ محمد احسان عبدالقدوس, والصديق حمدين صباحي, وحسين عبدالغني, وأصدقاء عرب. وزرت وحيداً عدداً قليلاً من الأصدقاء: أمين اسكندر, د. ضياء رشوان, مصطفى بكري, ضياء داوود, عبدالحليم قنديل, ود. صفوت حاتم.

كما التقيت لوحدي بالمرحوم أحمد بن بلة في شقته الخاصة في القاهرة مع زوجه العظيمة زهرة وابنته الكبرى ((بالتبني)) وكانت قد أصبحت شابة ناضجة ومثقفة. كان لقاء مميزاً جداً, ومفعماً بالحرارة. قالت لي ابنته: بابا وماما وأنا نعزك معزة خاصة, وقلت لها: وأنا أحبكم محبة لا حدود لها. واقترحت علي أن نعيد تحديث الحوار الذي أجريته معه ((المنشور منذ عام 1984 في مجلة ((الشراع)), ثم في كتاب بعنوان: ((حديث معرفي شامل)) قلت لها لا مانع عندي, والقرار هو لبابا, فوافق أيضاً وطلب التريث.

أما الموضوع الذي شغل الحيز الأكبر من أحاديثنا واوقاتنا فهو خطته الجريئة لمواجهة الرئيس حسني مبارك. إذ كان خالد على وشك اتخاذ قرار كبير بمستوى قراره إنشاء تنظيم ثورة مصر عام 1984. وقد ألح علي خالد لأزوره, وأعطيه رأيي بهذا القرار. وكانت خطة المواجهة مع حسني مبارك عبر الترشح للانتخابات الرئاسية, لقطع الطريق عليه, وعلى توريث ابنه جمال. ولاحظت أنه يجري اتصالات مكثفة مع أطراف كثيرة للتهيئة له, مصرية وعربية, كان يخطط للمواجهة ويريد أن يكون ترشحه ضربة قاصمة للنظام, تقلب المعادلة رأساً على عقب.

خطة التصدي لمبارك

في سياق التحضيرات لهذه العملية أخبرني بالانفتاح على جماعة الأخوان, وقد أقام وليمة كبيرة لقادتهم في منزله, ثم طلب مني أن أرافقه في زيارة للصحافي الاخواني محمد احسان عبدالقدوس, وفي أثناء الزيارة قدم خالد مبلغاً من المال تبرعاً لعائلات المعتقلين من الأخوان, واستأذن محمد عبد القدوس ضيفه بنشر خبر التبرع في الصحافة فوافق خالد, ونشر الخبر فعلاً, ولم ينشر أني كنت معه, وساهمت في التبرع بمبلغ بسيط أيضاً للهدف نفسه.

بالطبع شجعت خالد عبدالناصر على الترشح بوجه مبارك أو ابنه, وأيدته في خيار المواجهة العنيفة, وكان الخلاف الوحيد هو حول التوقيت, إذ كنت اريده أن يبدأ فوراً بحملة سياسية قوية ضد مبارك عنوانها رفض التوريث ورفض التجديد. لأن هذه الحملة من شأنها أن تجعله مرشح الشعب المصري ضد مبارك ونظامه المهترىء, وتمنحه تأييداً واسعاً مصرياً وعربياً, خصوصاً أن النظام منع أيمن نور من الترشح ولفق له تهماً باطلة لأنه كان يخشى ظهور أي مرشح قوي, فما بالكم بترشح خالد جمال عبدالناصر..؟!

واستقر الرأي بعد مناقشات طويلة أن يبدأ خالد بحملة سياسية هادئة, وتوثيق علاقاته مع كافة التيارات والاتجاهات السياسية من اليمين الى اليسار, تحضيراً للترشح في انتخابات 2011 كمرشح إنقاذ وطني, لا كمرشح ناصري, وأن يكون الهدف تجديد روح ثورة 23 تموز/ يوليو, وإعادة مصر الى مكانها القيادي في العالم العربي.

هكذا كانت الخطة, لكن القدر أراد شيئاً آخر, فقد قامت ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 في بداية عام الانتخابات الرئاسية والعامة وأسقطت مبارك في الشارع لا عبر صناديق الانتخاب, ثم مات خالد في ايلول/سبتمبر من العام نفسه.

عندما ودعت خالد وعدت الى ستوكهولم لم أكن أدري أنها ستكون الزيارة الأخيرة للقاهرة, وآخر فرصة لي لوداعه, ووداع بطل آخر هو احمد بن بلة الذي توفاه الله عام 2012. رحل البطلان في فترة واحدة, رحمهما الله إذ ربطتني بهما علاقة حميمة جداً, قبل أن يرحلا رحلتهما الأخيرة, ولكن هذا هو ما حدث, رحمهما الله.

شكوك مشروعة

أريد أن أضيف أنني لست مطلعاً على مرض الوفاة الأخير لخالد, ولا أعلم من ظروفه وملابساته غير ما نشر في وسائل الاعلام, ولكنني أشعر أنه يجب الشك في سبب الوفاة وسبب إصابته بالكبد, ومبعث الشك هو أن العقيدة الاسرائيلية, وسلوك الموساد, يقومان على وجوب الانتقام من كل من يقتل اسرائيلياً عامداً متعمداً. ولا شك أن الموساد تعلم أن خالد مسؤول عن قتل رجالها في القاهرة, مثله مثل محمود نورالدين, ولكنها سكتت عن ذلك رسمياً, لأنها تدرك حراجة موقف شريكها النظام المصري, كما قدرته الولايات المتحدة إذا ما جرى توقيف خالد, ومحاكمته, وإدانته, وحبسه, وهو أمر قد يستفز الشارع المصري على نظام مبارك , فقبلت الدولتان ((الاخراج)) الذي أعده النظام لتفادي المأزق والحرج , وقبلتا تبرئته من التهمة. ولكن هذه التسوية لا تعني انهما صفحتا عنه, أو تنازلتا عن ((حقهما)) في الانتقام منه كما انتقمتا من محمود!

وبالقدر نفسه والدرجة لا أستبعد ان تكون اذرع الموساد قد نالت من محمود نورالدين وقتلته في سجنه.

ونحن نعلم أن القتل بالسم أو بعقاقير طبية طريقة شائعة وممكنة لأجهزة الاستخبارات ومألوف. وهي في حالة محمود وخالد تحقق مصلحة مباشرة للطرفين المصري والاسرائيلي لدفن القضية الى الأبد, خصوصاً بعد أن قرر خالد في السنوات العشر الأخيرة من عمره تحدي حسني مبارك لإسقاطه من خلال الانتخابات, وإفشال خطة توريث الحكم لإبنه.

يضاف لما سبق أن اختراق الموساد للأجهزة المصرية احتمال قائم, في ظل فساد الادارة المستشري, واهتراء مناعة الدولة المصرية ذاتها, وتآكل سيادتها منذ كامب ديفيد ونتيجة لها. وقد روى لي حمدين صباحي بعض مشاهداته العيانية حين اعتقل عام 1997 لعدة شهور, وكان الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام يقضي عقوبته في السجن نفسه, وهي مشاهدات تصور إهتراء السيادة المصرية على أرضها وفي عقر حصونها الأمنية واختراق الإسرائيليين لها.

قال لي حمدين: مع أنني مواطن مصري موقوف بتهمة سياسية وبلا عرض على القضاء كنت أعامل معاملة قاسية, وأحرم من الحاجيات الضرورية, وخصوصاً الدواء, بينما كان الجاسوس عزام يحظى بمعاملة ممتازة, واستثنائية جداً, مقارنة مع كل المساجين المصريين, تجعله كما لو أنه يقيم في فندق خمس نجوم.

وأضاف حمدين: كان نزيلاً في غرفة كبيرة ومفروشة بشكل جيد ومجهزة بتلفزيون ومكتبة, ومسجل. وكانت زوجه تزوره في السجن, وتدخل الى غرفته فيختليان ساعات طويلة!

وقال: كانت سيارة ديبلوماسية تابعة للسفارة الإسرائيلية تحمل الى عزام كل يوم أو يومين كمية كبيرة من المواد الغذائية والمشروبات الروحية, والملابس الجديدة, والحاجيات الكمالية التي لا يحلم بها سجين مصري!

وذكر أن إدارة السجن كانت تعامل الجاسوس العدو معاملة خاصة وتلبي له كل مطالبه ورغباته, وتسمح له بالاتصال هاتفياً بكل من يشاء في اسرائيل والعالم!

 

وديعة خالد عبدالناصر ((7)) خالد عبدالناصر: عندما قامت ثورة سورية قلت يستاهلوا.. هم أصل البلاء في التوريث / اعداد: محمد خليفة

وديعة خالد عبدالناصر ((7)) خالد عبدالناصر: عندما قامت ثورة سورية قلت يستاهلوا.. هم أصل البلاء في التوريث / اعداد: محمد خليفة

*خالد عبدالناصر أبلغنا ان مبارك يعد ابنه جمال للرئاسة، مقلداً حافظ الأسد بتوريث ابنه

*مبارك عين شقيق سوزان ملحقاً عسكرياً في اميركا ليعقد صفقات الأسلحة لمصر ويحصل على سمسرتها منها ويضعها في حسابه في مصارف أميركية

*خالد كان يداعب زوجه بأنها تخينة، وأخذ معه الى لجوئه قطته بونجة.. وفي منزله 15 قطة

*كان ابن عبدالناصر يقول ان الناصريين في مصر فشلوا في بناء حركة سياسية قوية، مطالباً إياهم بالنـزول الى الشارع

*جمال مبارك أنشأ جهاز استخبارات خاصاً به

*شارك خالد عبدالناصر في ثورة كانون الثاني/ يناير وجالس الثوار في ميدان التحرير وناقشهم وكان في منتهى السعادة حين رحل مبارك

 

في الحلقة الأخيرة من ((وديعة خالد عبدالناصر))، اضاءة على موقفه من الثورة السورية وعلى النظام الذي اعتبره ((أصل البلاء في التوريث)) وعلى مشاركته في ثورة كانون الثاني/ يناير، وجالس الثوار في ميدان التحرير وناقشهم وكان في منتهى السعادة حين رحل الرئيس السابق حسني مبارك.

وفي ما يلي نص الحلقة الأخيرة:

مرحلة المرض

بدأت حالة خالد الصحية تتراجع, وظهرت عليه أعراض غير طبيعية بعد العام 2000, حيث أخذ يشتكي من أوجاع وآلام غير طبيعية في رأسه, وبعد إجراء الفحوصات تبين أن خالد يعاني من ورم في رأسه, وبعد إجراء فحوصات عديدة أيضاً بين القاهرة ولندن وباريس اتضح أن الورم غير خبيث, وقرر الأطباء التدخل لإجراء عمل جراحي في مستشفى الجامعة الأميركية في باريس. وجرت العملية بنجاح في عام 2003, ومع اننا كنا على اتصال مستمر في هذه الفترة, وكنت أطمئن على صحته بالهاتف اسبوعياً, إلا أن ما طمأنني دائماً الى حالته أني كنت ألاحظ أن حالته النفسية كانت طبيعية وجيدة, وكان يحكي لي النكات, أو ينقل لي بعض المفارقات والأخبار وهو يضحك, ما يوحي لي على الطرف الآخر من الهاتف عدم وجود ما يعكر الصفو أو يقلق.

وعندما دعاني لزيارته عام 2005 وجدت أن صحته طبيعية تماماً وحكى لي أن عملية استئصال الورم من رأسه نجحت ولم تخلف أي أثار سلبية على صحته ((أزمة وعدّت)) ووجدته يواصل التدخين بشراهة ومع أني كنت أذكره بضرورة الاقلاع عنه، إلا أني في قرارة نفسي كنت أشعر أن تدخينه يعد مؤشراً على أن صحته طبيعية بل وجيدة. لم ينقص وزنه, ولم يزد, بل كان غاية في الرشاقة واللياقة. ولا أثر فعلاً في حركته وحياته واحاديثه لأي عائق صحي. واستمر يسهر مع شلة من أصدقائه وأقربائه المقربين, ويجلس في المقاهي والمطاعم, وكان يقرأ الصحف المصرية والعربية والانكليزية, ويهتم بشكل خاص بما تنشره الصحف الأجنبية عن فساد الحكم المصري, وينقل لي بعض الأخبار التي تصله من مصادره الخاصة, عن فساد مبارك وزوجه وأولاده, وحكى لي منذ منتصف التسعينيات أن مبارك قرر أن يحذو حذو حافظ الاسد في توريث الحكم لإبنه جمال, وحكى لي مرة أن مبارك وضع شقيق سوزان ملحقاً عسكرياً في سفارة مصر في واشنطن ليكون مندوباً عنه في عقد الصفقات العسكرية مع الاميركيين ويحصل على العمولات ويضعها في حساب خاص بإسم الرئيس في أحد المصارف الأميركية. وكانت هذه التطورات تغضبه وتستفزه جداً.

وظل خالد في هذه الفترة جائلاً في الخارج, وكثيراً ما كان يتصل بي ليخبرني أنه في تشيلي, أو دبي, أو اثينا, أو اسبانيا..إلخ, وكان يشارك في المؤتمرات الدولية العلمية من دون معوقات أو مكدرات صحية حتى نهاية عام 2000.

وكان يخصص وقتاً طويلاً كل مساء للجلوس مع زوجه, وكان يمازحها لأنها أصبحت تميل للسمنة قليلاً, ويقول لي إنها تشعر بالضيق والانزعاج بسبب هذا الأمر, أما هو فكان يأخذ الأمر على نحو عادي ولا يزعجه.

وكان يداعب ويلاعب قططه الكثيرة. كان لديه في المنزل أكثر من خمس عشرة قطة, يعتني بها جميعاً ويحبها, ولا سيما قطته الخاصة ((بونجة)) التي رافقته أثناء اقامته في المنفى!

وكان قريباً من أبنائه الثلاثة, وخصوصاً جمال الذي تزوج وأسكنه في الدور الأخير من ((فيلته)) التي بناها, ويتابع يومياً أخبار ابنتيه تحية وماجدة. ولاحظت قربه من شقيقته منى التي تحادثه يومياً أكثر من مرة, ويتبادل العلاقات مع أصدقائه الناصريين, ولكنه كان يقول لي: لا مستقبل لهم, لأنهم فشلوا في بناء حركة سياسية قوية وذات قاعدة جماهيرية, وعندما أسسوا حركة كفاية عام 2005 تفاءل بها وشجعها, وكان يريد للناصريين أن ينزلوا للشارع ويعيدوا علاقاتهم مع الشعب.

في عام 2009 كان في زيارة خاصة الى دبي, وحظي بحفاوة شعبية ورسمية, ولكنه أصيب بورم تحول الى التهاب حاد جداً في قدمه أعاقه عن المشي فاضطره لدخول المستشفى لعدة أسابيع هناك.

وبعد عودته للقاهرة بفترة غير طويلة بدأ يشعر بآلام مبرحة في بطنه, عالجها, ولكنها استمرت وتطورت, وفي العام التالي 2010 ازدادت الآلام, وبينت الفحوصات إصابته بالتهاب في الكبد. واضطر لدخول مستشفى وادي النيل فترة من الزمن. ونصحه بعض أصدقائه بالسفر الى لندن لأن إصابته تحتاج علاجاً متقدماً وإلا فإن الالتهاب الكبدي سينتصر عليه.

وفي لندن قرر الأطباء إجراء عمليتين دقيقتين وصعبتين, إلا أنهم بينوا له أن نسبة الأمل في الشفاء أقل من نسبة الفشل, لأن الكبد مصاب وفي حالة متطورة. ووافق خالد على اجراء العمليتين, وأجريت له الأولى وعاد بعدها الى القاهرة في بداية 2011, وحين بدأت ثورة 25 كانون الثاني/ يناير كان في القاهرة, وفي غاية السعادة بها والأمل بإنقاذ مصر ومحاسبة الفاسدين في قمة السلطة. وفي هذه الفترة تحادثنا وتبادلنا الرسائل حول ما يجري, وقال لي كنت أعرف أن الشعب المصري لن يسكت على الذين أوصلوا مصر الى هذه الدرجة من الفساد والضعف والإهانة, وكان يحكي دائماً حكايات وقصصاً ومعلومات عن المسؤولين الكبار وفضائحهم وعلاقاتهم مع الإسرائيليين, وكان يتابع على نحو خاص اتساع نفوذ جمال مبارك في الدولة. وقال لي: إنهم عمدوا الى إنشاء جهاز استخبارات خاص موالٍ لهم, يديره جمال مبارك وأصدقاؤه في الحزب الوطني يتدخل في الاعلام والأمن والسلطة, ويراقب أداء المسؤولين, ويحدد من يؤيده, ومن يعارض توريثه, وكان الجهاز يتولى عزل المعارضين وتعيين موالين له بدلاً منهم, وكان التركيز على الصحافة والاعلام, إضافة للمناصب الحساسة في الدولة, والقطاعات الاقتصادية.

وعندما قويت الثورة زار خالد ميدان التحرير رغم وهن صحته ونصيحة البعض له بتجنب الاحتكاك بالمتظاهرين والناشطين, إلا أنه ضرب عرض الحائط بهذه النصائح, وكان يجالس الشباب والطلاب ويستمع لهم ويحثهم على الصمود لإسقاط النظام واجبار مبارك على الاستقالة. وعندما اضطر مبارك للاستقالة من منصبه خوفاً من الأسوأ بسبب هدير الشارع وهتافه الموحد: إرحل. كان خالد في قمة النشوة والاعتزاز, كتب لي: لقد كنت أنتظر بفارغ الصبر منذ عشرين سنة هذا اليوم السعيد, ولكن الأمل لم يفارقني لحظة واحدة بأنه قادم لا محالة.

وفي مرة ثانية, وكانت التظاهرات قد تفجرت في سورية وبدأت الثورة فيها على غرار تونس ومصر واليمن, اتصلت به لأطمئن على صحته, ولم أكن أرغب في الحديث بأي موضوع سياسي حرصاً على راحته, إلا أنه اصر على أخذ الحديث الى السياسة, وسألني عما يجري في سورية, فقلت له: تكرار لما جرى في مصر, فقال لي: يستاهلوا ((يقصد حكام سورية)) لأن سيناريو التوريث بدأ من عندكم وانتقل الى مصر, واليوم نرد لكم الجميل.. ضحك خالد على عادته ثم قال لي كلما سمعت أخبار الثورة في سورية تذكرتك وقلت لا بد أن محمد سعيد حالياً, ولا بد أن أشاركه الفرحة!

ثم قال لي, وكانت آخر مرة يحادثني: الشعب العربي كله يا محمد صبر على هؤلاء الحكام الفاشلين والسراقين والديكتاتوريين, واليوم جاء وقت القصاص, ولا بد أن يحاسبوا حساباً قاسياً, ولا بد أن نعيد بناء أنظمتنا الوطنية من جديد على أساس الرقابة والمحاسبة, والعودة الى مبدأ الشرعية والانتخابات الحرة.

قلت له يا دكتور سأزورك في القاهرة قريباً لأحتفل معك بالنصر, قال لي: أهلاً وسهلاً تشرف يا محمد في أي وقت.

بعدها تدهورت صحة خالد في صيف ذلك العام الساخن, وعاد الى لندن وأجروا له العملية الثانية واخذوا وصلات من شرايين عنقه واستعملوها في كبده, وبعدها عاد ثانية الى مصر, وصحته غير مستقرة، وخصوصاً في الفترة التي سبقت شهر رمضان, فدخل المستشفى مجدداً, وبقي قيد العناية المركزة, ولكن التدهور استمر بشكل خطير, ولم يعد الأطباء قادرين على التحكم في الأعضاء الحيوية, وخاصة الكبد والكلى, ويوم السابع عشر من شوال, الخامس عشر من أيلول/ سبتمبر فاضت روح خالد جمال عبدالناصر الى بارئها, راضية مرضية, وشيعه آلاف المصريين من المسجد الذي يحمل إسم أبيه, وسار رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير طنطاوي الذي أدار شؤون الحكم والدولة بين سقوط مبارك وانتخابات 2012, ومعه نائبه سامي عنان على رأس المشيعين والمودعين الذين رددوا بصوت حزين:

يا خالد قول لأبوك.. ثلاثة مليون شيعوك .

 

عن admin

شاهد أيضاً

«عبدالناصر»: الفكرة.. والرمز.. والأسطورة

آمال حلمى سلام الإثنين 23-07-2018 04:28 منذ أن رحل عبدالناصر عن دنيانا فى الثامن والعشرين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *