سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 3 سبتمبر 1974.. القبض على أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام والمخرج على بدرخان والفنان على الشريف وآخرين
الثلاثاء، 03 سبتمبر 2019 10:00 ص
أحمد فؤاد نجم والشيخ إمامصعدت قوات الأمن إلى غرفة فيها الثلاثة، الشاعر أحمد فؤاد نجم، والفنان الشيخ إمام عيسى، ومحمد على، فى حارة «حوش قدم» بالغورية.. كان الباب «مواربا»، وتخرج منه رائحة «الحشيش»، حسبما يذكر الكاتب الصحفى صلاح عيسى فى كتابه «شاعر تكدير الأمن العام – الملفات القضائية للشاعر أحمد فؤاد نجم».
كانت الساعة الثانية عشرة والنصف من صباح الثلاثاء 3 سبتمبر، مثل هذا اليوم1974، وكانت القوة الأمنية بقيادة الرائد «ثروت القداح» أبرز ضباط قسم مكافحة الشيوعية بفرع القاهرة بمباحث أمن الدولة، ووفقا لعيسى، كان الموجودون فى الغرفة 18 شخصا، وبتفتيشهم لم يعثر مع أحد منهم على ممنوعات، سوى اثنين، عثر معهما على عملات نقد أجنبية، وكانت حيازة النقد الأجنبى لاتزال آنذاك محظورة فى مصر، كما عثر على أسفل الكنبة التى كان بعضهم يجلس عليها على قطعة من الحشيش أنكروا جميعا علاقتهم بها، وزعم الرائد ثروت القداح، أنه ما كاد يجدها حتى قال «نجم» وإمام: «إيه يعنى قضية مخدرات؟، فيها إيه يعنى؟.بننسجم».. كما أسفر تفتيش الغرفة المجاورة التى يقيم فيها «إمام» و«محمد على» عن العثور على أوراق خطية، تضم قصائد لنجم ولآخرين، و12 شريط تسجيل، وأجندة لتسجيل المواعيد».. يؤكد عيسى أن 15 متهما بينهم نجم وإمام ومحمد على تم اقتيادهم إلى سجن القلعة، واتسع نطاق القضية ليبلغ عدد المقبوض عليهم على ذمتها 32 شخصا.
كان «نجم» و«إمام» ثنائيا يواصل إبداعه منذ ستينيات القرن الماضى، وزاد تألقه بعد نكسة 5 يونيو 1967، ووصل الاثنان إلى حالة يلخصها الكاتب الروائى خيرى شلبى، قائلا: «أصبحت ترجمانا للواقع السياسى والاجتماعى تواكبه بالانتقاد المر، والتحريض».. مقال «هكذا عاش المغنى» المنشور بمجلة «القاهرة» أغسطس 1995».
كانت المواجهة الأمنية هى سبيل السلطة لإسكات هذا الثنائى، وكانت محاولة «3 سبتمبر 1974» واحدة من هذه المواجهات، ووفقًا لصلاح عيسى كانت قصيدة «شرفت يا نيكسون بابا» سببها، وكتبها نجم بمناسبة أول زيارة لرئيس أمريكى «نيكسون» إلى مصر يوم 12 يونيو 1974.. يذكر عيسى: «كتب نجم قصيدتين بهذه المناسبة، الأولى «حسبة برما بمناسبة زيارة ابن الهرمة»، ليفضح زيف الأرقام التى أذيعت حول عدد مستقبلى نيكسون من المصريين»، والثانية «شرفت يا نيكسون بابا»، ولحنها «الشيخ إمام».. يؤكد عيسى: «استفزت هذه القصيدة السلطات المصرية ربما بسبب المقطع الثانى منها، الذى يخاطب فيه «نجم» الرئيس الأمريكى نيكسون، قائلا: «جواسيسك يوم تشريفك/عملوا لك دقة وزار/تتقصع فيه المومس/والقارح والمندار /والشيخ شمهورش راكب/ع الكوديا وهات يا مواكب/وبواقى الزفة عناكب/ساحبين من تحت الحيط /وأهو مولد ساير داير/شى الله يا أصحاب البيت».. ففضلا عن أنه يتهم فى هذا المقطع كل الذين رحبوا بالرئيس الأمريكى، بأنهم جواسيسه، فقد فهمت الإشارة إلى «الشيخ شمهورش» و«الكوديا» باعتبارهما إيماءة إلى الرئيس السادات، وزوجته السيدة جيهان، اللذان كانا يتصدران كل مواكب الترحيب بالرئيس الأمريكى».
نشرت أكثر من صحيفة عربية هذه القصيدة، ووفقًا لعيسى، يبدو أنها استفزت السلطات العليا فى مصر، فبحثت وسيلة قانونية لمعاقبته.. وساقت الصدفة لمباحث أمن الدولة واقعة بدت لها مناسبة، حيث وصلها خبر من مرشد لها بأن «سيف الغزالى» العضو السابق فى حزب الوفد القديم دعا «نجم» و«الشيخ إمام» لإحياء سهرة فى منزله، وطبقا لتقرير كتبه النقيب «مصطفى موسى» فى اليوم التالى للسهرة «6 يوليو 1974»: «حضرها عشرة أفراد بدأوا يتوافدون منذ الثامنة والنصف، وبدأت السهرة فى التاسعة، وانتهت بعد منتصف الليل بنصف ساعة، من بين الأفراد العشرة ثلاثة طلبة، وأربعة موظفين، فضلا عن «نجم» و«إمام» و«محمد على» الذى يقوم بثلاثة أدوار، فهو مرافق للشيخ إمام، وعازف الإيقاع، وأحد اثنين يقومان بدور الكورس فى الأغانى التى تتطلب ذلك مع نجم».
فى 10 يوليو وطبقا لعيسى، أضاف الضابط مصطفى موسى إلى تقريره أن«الغزالى» دأب فى الفترة الأخيرة على عقد لقاءات سياسية ينتقد فيها الأوضاع السياسية، ويدعو إلى التعددية الحزبية، ويعمل على تكوين تنظيم يكون نواة لحزب سياسى وأن«نجم» و«إمام» يعاونانه على تحقيق هدفه، وأنه يتردد على سبعة منازل من بينها منزل «حوش قدم» الذى يقطنه الثلاثى «نجم» و«إمام» و«محمد على».. أصدر رئيس نيابة أمن الدولة العليا إذنًا بضبط وتفتيش قائمة تضم 16 شخصًا بينهم الذين حضروا سهرة «5 يوليو» فى منزل «سيف الغزالى»، وكذلك مداهمة باقى المنازل التى يتردد عليها «الغزالى»، وكان مقررا تنفيذ أمر الضبط يوم 26 أغسطس 1974 لكنه تأجل بسبب أنه اليوم الأول لعرض فيلم «العصفور» إخراج يوسف شاهين، الذى قدم «نجم» وإمام فيه أغنية «مصر يامه يا بهية».
فى عصر الاثنين 2 سبتمبر 1974، اصطحب الفنان على الشريف الفنانة اللبنانية «جلاديس أبو جودة» وكلاهما اشتركا فى فيلم «العصفور» إلى «حوش قدم» ومعهما «شخص أمريكى يدعى «جاك مور»، وكان صديقا لجلاديس «وموجود فى القاهرة ليساهم فى حملة مشتركة لتنظيم الأسرة بين الحكومة المصرية وهيئة اليونسكو، وانضم إليهم المخرج على بدرخان «مساعد شاهين» فى فيلم «العصفور»، وذهب للتباحث مع «نجم» حول مشروع لكتابة أغنيات أطفال تغنيها زوجته الفنانة «سعاد حسنى».. وفى الثانية عشرة والنصف من صباح مثل هذا اليوم «3 سبتمبر» صعد الرائد ثروت القداح» بقواته الأمنية وألقى القبض على الجميع.
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 4 سبتمبر 1974.. الشيخ إمام فى تحقيقات النيابة: «لما حضر نيكسون لمصر عملت زفة تمرمغ به الأرض.. وبقالى شهر بعيد عن الحشيش»
الأربعاء، 04 سبتمبر 2019 10:00 ص
الشيخ إمام عيسىكانت الساعة الواحدة من صباح يوم 4 سبتمبر، مثل هذا اليوم، عام 1974، حين بدأت جلسة التحقيق الأولى مع الشيخ إمام عيسى، وذلك بعد القبض عليه والشاعر أحمد فؤاد نجم وآخرين فى الثانية عشرة والنصف من صباح 3 سبتمبر 1974، فى القضية التى اشتهرت إعلاميا وسياسيا باسم «شرفت يا نيكسون بابا»، نسبة إلى اسم القصيدة التى ألفها أحمد فؤاد نجم بمناسبة زيارة الرئيس الأمريكى نيكسون إلى مصر.. «راجع-ذات يوم 3 سبتمبر 2019».
يذكر صلاح عيسى فى كتابه «شاعر تكدير الأمن العام» أن المحقق سأل الشيخ إمام عن أقواله فيما هو منسوب إليه بعد أن أفهمه إياه تفصيلا، واستجوبه فى نصوص القصائد التى يلحنها ويغنيها بهدف تحديد مسئوليته عن ارتكاب جريمة «بث الدعايات المثيرة وإذاعة البيانات والإشاعات الكاذبة والمغرضة».
قدم الشيخ إمام تعريفا لنفسه: «اسمى إمام محمد عيسى، سنى 56 سنة، مقيم بشارع المعز لدين الله، عطفة حوش قدم، رقم 2، أنا لا أهاجم أشخاصا، وإنما أهاجم أوضاعا، فمثلا الشعب كله يعانى الأمرين من الوقوف فى الطوابير، من أجل الحصول على ضروريات حياته، وهناك ناس بتأخد مهايا مرتفعة ومئات الأشخاص لايجدون قوت يومهم، وهاجمت حرب 1967 لأنها لم تكن حربا، وقلت هذا الهجوم فى قصائد ألفها «أحمد فؤاد نجم» ولحنتها أنا، وأنا لا أقول شيئا غير الغنوة، وأقصد بالهجوم الذى قلته، أننى ألحن قصائد تتضمن هذا الهجوم، ولكننى لا أؤلفه.. وهناك أشخاص قد يقولون تعليقات أمامى فيها هجوم على المسائل والأوضاع التى ذكرتها، وهم كثيرون جدا لا أعرفهم، وفى كل مصر مع مراعاة أننى كفيف البصر، وأنا أتمنى أن كل المصريين يعيشون حياة رغدة، وفى رأيى أن مثل هذا ممكن التحقق، إذا كان هناك أشخاص أمناء يُفهمون رجال السلطة، أن الناس تعبانة والأقلية مرتاحة، والأكثرية متعبة جدا، وهذا الرأى الذى قلته أحتفظ به لنفسى، ولا أقوله إلا أمام بعض رجال حتتى من فرانين ونجارين، عندما أجلس على القهوة ويلتقى بى الناس ونتكلم».
أضاف الشيخ إمام: «أنا أؤيد حرب أكتوبر، وأعتقد أنها بشرة خير، وعملنا فى حرب أكتوبر غنوتين «دولا مين» و«عطشان يا صبايا» أحمد نجم ألفهما، وأنا لحنتهما، وهما تمجيد لحرب أكتوبر وبطولاتها، ولما حضر «المستر نيكسون» إلى مصر، أنا عملت له زفة تمرمغ به الأرض، فقد ألف أحمد فؤاد نجم قصيدتين هما «شرفت يا نيكسون بابا»، والثانية «نويت أصلى» تتضمنان هجوما على نيكسون، ولحنتهما وغنيتهما.. وأنا عندما ألحن أغنية لأحمد فؤاد نجم أغنيها».
سأل المحقق الشيخ إمام عن صلته بالأشخاص المقبوض عليهم، وكان فيلم «العصفور» ليوسف شاهين معروضا فى دور السينما منذ 26 أغسطس 1974، أى قبل عملية القبض بنحو أسبوع، وكان ضمن المقبوض عليهم من أسرة الفيلم، الممثل على الشريف، وعلى بدرخان، مساعد مخرج، والفنانة اللبنانية «جلاديس أبوجودة» التى ظهرت فى الفيلم باسم «حبيبة»، وحسب صلاح عيسى فإن الشيخ إمام قال عن صلته بهذه الأسماء: «أعرف منهم على بدرخان على أساس أنه مشترك فى إخراج فيلم «العصفور» الذى لحنت فيه أغنية «بهية» وهى مصر.. وللعلم لم ينشر اسمى كملحن لها بالفيلم، ولا أحمد فؤاد نجم كمؤلف لها، وأعتقد أن الأستاذ «على بدرخان» أحبنى بعدما سمع لى هذه الأغنية، وأعرف على الشريف وأساس هذه المعرفة أنه الذى يغنى أغنية بهية فى الفيلم، ولم يحصل بينى وبينه أى نقاش سياسى، لأن صلتى به حديثة».
وعن صلته بالأشخاص الآخرين، قال عن الشاعر «نجيب شهاب الدين»: «هو صديق أراه أحيانا ويسافر أحيانا لبلده، وكتب لى قصيدتين أعجبانى، واحدة تقول «يا مصر قومى وشيدى الحيل» والثانية تقول «سايس حصانك»، والقصيدة الأولى سياسية تدعو الشعب للالتفاف حول مصر، والذود عن أرضها، وليس فيها هجوم، والثانية قصيدة غنائية فلكلورية وليست سياسية، ولحنت القصيدتين وغنيتهما فى الجلسات الخاصة لأنى لا أقترب من الإذاعة منذ سنة 1968، كأوامر من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لأنى كنت أهاجمه فى الأغانى، وهاجمته فى سنة 1967 بعد النكسة،و«نجيب شهاب الدين» شخص مصرى يحب مصر.. وقال الشيخ إمام عن «سيف الغزالى»: «لا أعرفه إطلاقا»، وعن «محمود حسن عاشور» قال: «أعرفه وهو نحات تلقائى ولا يعرف القراءة ولا الكتابة وهو أيضا يحب مصر.. أما «عيد عبدالرحيم حسنين» فهو جارى بالمنزل، ويحب أن يصاحبنى فى مشاويرى لمعاونتى باعتبارى كفيف البصر وليس له فى السياسة، أما عبد الرحمن خير فصلتى به كصلتى بالأستاذ «إبراهيم شعراوى» باعتبارهما يحبان مصر حبا جما، وأى آراء يبديانها ليست إلا لمصر، وفى حبها.
رد الشيخ إمام عن سؤال المحقق بوجود حشيش أمامه وقت القبض عليه قائلا: «لم يحصل، ولا شميت حشيش، ولا شربت حشيش، وأنا بقالى شهر مبتعد عن الحشيش لعلمى أنه يضر بصحتى».. فى نهاية الجلسة أمر المحقق بحبس الشيخ إمام، والشاعر أحمد فؤاد نجم على ذمة التحقيق.
مجلة الوعي العربي