ـ تاريخ الإصدار : 2008 ـ القاهـرة
————-
يعـتـقد المؤلف أنه ليس هناك قضية فى تاريخ الفكر السياسى أو الفكر الإجتماعى ، يمكن أن تعـلو أهميتها على أهمية قضية الديمقراطية .. وهـو يتبنى مفهوماً محدداً لمعنى الديمقراطية ، هـو ” أن أى منظومة للديمقراطية ، لا يترتب عليها تحـقيق العـدل الإجتماعى ، فـإنها تكون خارج الموضوع ” .. ومن ثم فإنه لا يقيم أى وزن لـ ” الطقوس الديمقراطية ” التى يتم الإحتفاء بها فى الحضارة أو الثـقافة أو القـارة الأوربية ، مهما علا بريقها الإعلامى الزائف ، ما لم يترتب عليها ذلك الشرط الحاكم الذى هـو تحقيق العـدل الإجتماعى .
والشرط الحاكم كما يعرفه المؤلف .. هو الشرط الذى لاتتحقق الظاهرة إذا غاب ، وإن حضرت الشروط المشاعدة ، بينما تتحقق إذا حضر وإن غابت تلك الشروط المساعدة .. ويقدم أمثلة من التاريخ والمنطق والواقع لتأكيد هذا التعريف .. فهو يعتبر مثلاً أن الإنسان وليس أى كائن حى آخر ، هو الشرط الحاكم للتاريخ وللإجتماع البشرى ، وللبناء الحضارى وللتـطور وللتقـدم على الأرض ، وفى غيابه لم تكن هناك حضارة ، ولم يكن هناك تاريخ ، ولاستمرت كل الكائنات على سطح الأرض تعيش بذات الشكل والمضمون الذى خلقت عليه .. باعتبارالإنسان الكائن الوحيد الذى يمتلك القدرة على التفكير المنظم والمتعمد ، أى القدرة على تذكر الماضى ، وإدراك الحاضر ، وتصور المستقبل .
يطرح المؤلف فى الكتاب بعد ذلك ، المشكلة التى يرى أنها أكبر وأهم المشاكل التى واجهت البشرية منذ أن استقر الإنسان فى أودية الأنهار ، وسوف تظل تواجهها الى أن ” يرث الله الأرض ومن عليها ” .. ليبدأ بهذا الإستقرار المرحلة التطورية الثانية فى تاريخه وهى مرحلة ” صنع الطعام ” وهو مستقر ، التى أعقبت المرحلة الأولى وهى مرحلة ” إلتقاط الطعام ” وهو متـنقل على الدوام بحثاً عن طعام يسد به جوعه الحال والفورى .. كما أنه بهذا الإستقرار قـد اخترع العائلة والوطن ، أى اخترع ” الإجتماع البشرى ” .. واخترع كتابة التاريخ
( 2 )
وتسجيل وقائعه ، فأصبح له ماض تم تسجيله ، ومن ثم يمكن تذكره والرجوع والإحتكام إليه .
هذه المشكلة الكبرى التى يسميها ” أم المشاكل ” ، والتى اعتمد فى طرحها منهج التحليل الكلى الشامل للمشكلة ، بمعنى أن وحدة التحليل كانت الإجتماع الإنسانى كله ، على مدى التاريخ كله ، وعلى سطح الكرة الأرضية كله .. هذه المشكلة ذات حدين :
الحد الأول : هو نقص الموارد المتاحة قياساً الى الإحتياجات المطلوبة ، بمعنى أنه إذا قسم المتاح على الإحتياج فإن النتيجة ” دائماً ” أقل من واحد صحيح ، طالما أن الإنسان يحيا وينمو ويسعى الى التطور والإرتقاء ، ومن ثم فإن احتياجاته تنمو ، ونموها يعنى أن هناك احتياج مطلوب إشباعه ، ومن ثم فإن ” التشبع الكامل ” بمنظور ” التحليل الكلى الشامل ” ما هو إلا وهم .
الحد الثانى : حتى هـذا الكم المتاح من الموارد ، لا يـتم توزيعه بشكل عادل .
ويستعرض المؤلف عصور الإجتماع البشرى الرئيسية من العصر العبودى الى العصر الإقطاعى الى العصر الرأسمالى انتهاءً بالعصر الإشتراكى ، وكيف أن كل عصر منها كان محاولة لحل تلك المشكلة الرئيسية ” نقص المتاح قياساً الى المطلوب ، ثم انتفاء تحقيق العدل فى توزيع هذا المتاح ” .. الى أن يقول المؤلف أن أبرز حلين طرحا على الفكر والممارسة الإنسانية من أجل حل المشكلة ، كانا الحل الرأسمالى والحل الماركسى .. واستعرض كلاً من الحلين استعراضاً وافياً ، إن من حيث الأساس الفكرى وحتى الفلسفى والتراثى الذى انطلق منه ، الذى قضى بحق طبقة واحدة من طبقات المجتمع فى السيطرة على وامتلاك الثروة والسلطة والقرار ( الطبقة الرأسمالية ، أو الطبقة العاملة ) .. أو من حيث الممارسة السياسية والإقتصادية والإجتماعية على الأرض ، باستحواذ تلك الطبقة على جـل الموارد والإمكانات المتاحة ، ومن ثم انتفاء ” العـدل الإجتماعى ” .. واتهم الحلين بأن أياً منهما لم يمد فكره أو بصره أو إرادته فيما يختص بالحق والعدل و” حقوق الإنسان ” والأوطان ، الى خارج القـارة الأوربية .
وانتهى الى فشل كـلا الحلين فى تقديم حل للمشكلة ، خاصة فى الشق الأهم منها وهو المتعـلق بتحقيق العـدل الإجتماعى ، الذى هو الشرط الحاكم لأى منظومة ديمقراطية .
( 3 )
وقـد طاف المؤلف على بعض القضايا المحورية فى تاريخ الإجتماع الإنسانى مثل الثقافة ومعناها الحقيقى وليس المتداول أو المتعارف عليه ، ومنها الظاهرة الإستعمارية التى ألهبت ـ وما تزال ـ ظهور البشر والأوطان خارج القارة الأوربية ، تلك التى صنعت لها الظاهرة الإستعمارية التقدم ، بينما صنعت نفس الظاهرة التخلف لكل دول العالم خارجها .. ومنها المعنى الحقيقي لكل من الحضارة والتحضر ، وأوضح بتفصيل شديد ، واستعراض تاريخى وتطبيقى ، الفرق الهائل بينمها ، على غـير ما يتصور الكثيرين .. ومنها قضية الزمن : هل هو الذى يصنع الإنسان ويعطيه قسماته ، أم أن الإنسان هو الذى يعطى للزمن قيمته ومعـناه .. وجدواه ؟ .
الى أن ينتهى المؤلف الى أن الحل الناصرى ـ إن بمنطلقاته الأساسية الفكرية والتراثية ، أو بممارساته التطبيقية على الأرض ـ كان هو الذى قدم الحل الصحيح للمشكلة الرئيسية التى نتحدث عنها .. حين رفع شعار ” الكفاية والعدل ” ، وحين أصر على أن تتحالف القوى صاحبة المصلحة الحقيقية فى ” الثروة والسلطة والقرار ” من أجل دفع العمل الإنسانى فى المجتمع باتجاه حل المعضلة الأزلية :
ـ زيادة الموارد والإمكانات المتاحة ( أى تحقيق الكفاية )
ـ ثم توزيع تلك الموارد والإمكانات المتاحة بشكل يتناسب مع الجهود المبذولة فى إنتاجها ( أى تحقيق العدل )
وذلك عن طريـق حـل الصراع الطـبقى حلاً سلمياً على قاعـدة ” تـذويب الـفوارق بين الطبقات ” وعن طريق إقامة تنظيم ” تحالف قوى الشعب صاحبة المصلحة الحقيقية ” كـتـنظيم سياسى ونضالى لقوى المجتمع ، وعن طريق تشكيل كل البـنى السياسية والإقتصادية والإجتماعية وفقـاً للأسس الفكرية والتنظيمية لهذا التحالف .
أن الحل الناصرى ـ كما يرى المؤلف ـ قـد ارتكز بشكل كامل وصلب على الهدف المركزى له ، وهو تحقيق الديمقراطية ، التى ترتكز بشكل كامل وصلب على هدفها المركزى ، وهو العدالة الإجتماعية .. الذى هو الشق المركزى والأهم من المشكلة الأكـبر التى واجهت وما زالت تواجه البشرية ..
كيفية زيادة الموارد ، وكيفية تحقيق العدل فى توزيع المتاح منها ؟
_________________________________________________________________________________________
الشرط الحاكم
( المفهوم الناصرى للديمقراطية )
الإهــــداء ..
إلى بــــدر الأمـــة الـعــربــيـة الـذى تـفـتـقــده الآن فى ظـلمتـها
الحالكة .. إلى ” رجـل عـاش لأمـته واسـتـشهـد فى سـبـيلهـا ” .
( وتـلك هى العـبارة المحفورة عـلى الجرانيت الذى
جـلـب من أســـوان لـيغـطى قـبـره فى الـقاهــرة )
إلى جـمــال عـبـد الـناصـر حـسـيـن خـليـل
( وهـذا هـو إسـمـه الـكـامـل )
وإلى أبى الـراحـل .. أحـمد إبـراهـيم يـوسـف
وأخـويه محـمـد وسـعــد ..
هـؤلاء الـفـلاحون الشرفاء ، الـذين شـيـدوا مصــر عبر الزمان كله مع أقرانهم وأجــدادهـم عـبر ، وكافحوا الطبـيــعـة والإسـتـغـلال قدر ما استطاعوا حـتى أتـموا بـنـائهـا ، فـكـانت مـصـر هـبـتـهـم ولـيسـت هـبة الـنـيـل .
إلـى أن غـــادروا دون أن يـشـعـر بهـم أو أن يـتـذكـرهـم أحـد ، وقـد ظـل أبى وأخـوانه أقوياًء شامخـين وشـرفاءً ومحـترمين طوال حـياتـهم الـتى قــضـوها مـن أجـلنا ، الى أن غـادروها وغـادرونا وهــم عـلى نـفس الـشـرف والإحـترام .. تـماماً كـما كـان جـمال عـبد الناصر .
وإلـى أمـى الـراحـلة ” أم الــرزق ” عـلى جـمــعـه ..
وإخوتها الحسينى وفاطمة وأحمد والسيد وعبد الحى ..
وإلى إخــوتى عـبد القـادر وابراهـيـم ويـوســف وعـلى ، وأخـواتى
هـانـم وفـاطـمة وســنـيـة أحـمـد ابراهـيـم يـوسـف ، فـهــؤلاء هــم
الجـسـد الكبـيـر الـذى أنـا أصـغـر قـطـعـة مـنـه .
وإلى زوجـتى نـاديـة محـمـد الـسيد ناصـف ..
وإلى بناتى ديـنا وريـم ووسـام ومـروة محـمد أحـمد ابراهيم يوســف
.. فهؤلاء هم عمرى ووجدانى وهم قبس النور والصفاء الـنبيل الذى يضـيئـنى حـين الـظـلمة .
وإلى صهرى بالـنسـب ، وإبـنى بالمنزلة والمكانة والإعـتزاز ، قبل أن يكونا زوجان لإبنتى دينا وريم .. إنهما منحـة الله لى .. المهندس خالد محمد وجيه عـاشـور والمهـندس ولـيـد حـنفى محـمـد .
والى أحفادى ( حتى الآن ) محـمد ومريـم خالد محمد وجـيه عـاشور ، وأحمد وأدهـم ( توأمان ) وليـد حنفى محمد ، وهم من منحونا الفرحة والسعادة .. ومنحونا الأمـل .
المـحـتويـات
مـقـــــــــــــــــــــــــدمـة
صفحة رقم 7
الـشـــــرط الحــــــــاكـم
صفحة رقم 16
ديـمــــــــــــومة الـنــدرة
صفحة رقم 39
جـدلـيـة الحاجـات والإنـســـان والحــــــرية
صفحة رقم 47
.. والـثـقـــــــــــــــــــافة
صفحة رقم 74
المشـكلة الأساسية والمنهج العلمى والحتمية
صفحة رقم 87
عـودة الى الـثـقـــــــــافة
صفحة رقم 117
الحــضـارة والــتحـضـر
صفحة رقم 138
مرة أخرى .. المشكلة الأساسية والمشاعة البدائية
صفحة رقم 207
الحـل الـرأسـمــــــــالـي
صفحة رقم 216
الحــل الماركـســـــــــي
صفحة رقم 228
الـحـل الـنـاصـــــــــرى
صفحة رقم 303
مـقـدمــــة
( 1 )
بـدأ الـتـفـكيـر فى الصياغـة الأولى لهـذه الصفحات فى العام 1984 ، حين كنت أعـمل بالكويت .. وكانت عـدداً محدوداً من الأوراق ( 34 ورقة بخط اليد ) بعـنوان ” وجهة نظر فى قضية المنهج ” . وقـد أطلعـت عـلى ما كتبت صـديقيـن حـميميـن : الأول هـوالأسـتاذ عـدنان عـبد الجـبار عـيسى الـمثـقـف العـربى من العـراق ، والثـانى هـو المهـندس سـعـيد خـالـد الحـسـن وهـو أيضاً من المثـقـفيـن العـرب من فـلـسطـيـن ، كـما أنه نجـل خـالد الحـسـن أحـد القيادات التاريخية للـثـورة العـربـية فى فلسطـيـن .
وقـد تـناول كل منهما الأوراق باهـتمام بالغ وجـدية ، تجـليا فى نـقـد فـنى وموضوعـى رفـيع ، وفـى ملاحـظات عـديدة كتبها كل منهما بخـط يـده ( ما زلت أحتـفظ بها ) حـول ما ورد بالأوراق من رؤى وأفـكـار . وقـد لـعـب هـذا النـقـد وتـلك الملاحظات دوراً مـؤثـراً ، فى إعــادة صياغـة تـلك الرؤى والأفـكـار صياغـة نهـائيـة . وهـو الأمـرالذى يـوجـب عـلى أن أشـكـر كـل منهما مرتيـن : واحـدة لـتـنـاوله الأوراق باهـتمام بالغ وجـدية ، والـثـانية لتـأثـيـر نـقـده وملاحــظاته فى المنـتج النهائى لـتـلك الـرؤى والأفـكـار .
( 2 )
كــان ثـلاثـتـنا ( عـدنان وسعـيـد وأنـا ) وغـيـرنا ملاييناً عـديدة عـلى طــول الـوطن العـربى وعـرضه ، ضمن الجيـل الذى تربى وتـفـتح وعـيه فى أحضـان المشروع النهـضوى الـعـربى الـناصرى ، وعـشنا جميعاً أطروحـاته الفـكرية والعـقيدية ، كـما عـشـنا نضالاته وانـتصاراته وإنجـازاته عـلى الأرض ، وكنا جزءاً منها ، وكانت جزءاً منا . وأيـضاً نـهـلنا من إبداعـات المفـكر القومى العـربى من مصـر الدكتور عـصمت سيف الـدولة ، الذى قـدم لجـيلنا تأطيـراً نظرياً بالغ التكامل والـصحة المنطقـية معـاً ، إسـتـلهمه ـ فيما أتصـور ـ من الخطى الثورية ذات المصداقية العـالية والواقـعـية ، لعـمليات النـضـال والبنـاء المتزامنة والمترابطة والمتتابعـة التى تضـمنها مشروع النهـضة العـربـية الـذى قــاده جمال عـبد الناصر حتى أصبح واقعاً عـلى الأرض ، وأمسكـنا ركائـزه بأيديـنا . وقـد قـلت ذلك للـرجـل نـصاً فى مكتـبه عـام 1968 حيث صحبنى صديقى الكاتب والصحفى الأستاذ تحسـيـن عـبد الـحى ـ الذى كـان سكرتيراً لتحرير مجلة الرسالة حينـئذ ، وأحـد أقرب أصـدقـاء الدكتـور عـصـمت ، وفى نفس الوقت أقرب أصدقائى ـ الى الدكتور للتعرف عليه .. وأشـهـد أنه ـ الدكتور عـصمت ـ بالـكـلام لـم يـرفـض أو يـوافـق صـــراحـة على ما قلته ، وإنـما رد بابـتـسـامة أبـوية مطـمئـنـة وحـانـية .
كما ألهمت نفس الخطى ( من بعـد الدكتور عصمت ومعه ) كـل المفكريـن الـقوميـيـن الذين كان ذلك الـمشروع هـمهم ، وكان محـل وجل اهـتـمامهم ، مثـل الدكتور نـديم البـيطار والأسـتاذ عـبد الله الـريــماوى ( وقـد قـلت لـه ـ الريماوى ـ ذلك عـام 1976 فى لقـاء بمكتب المناضـل الراحـل كـمال رفعـت بـدار النشر التى كان يتـشارك فـيها مع الأستاذ لطفى واكـد زميله فى عـضوية تـنـظيم الضباط الأحـرار ، بمبنى الدار بشارع الجمهورية بالقاهـرة ، وبحضـور الإثـنيـن ) .. وأشـهد أن المفـكر الكبـيـر قـد وافـقـنى عـلى مـا قـلـتـه ، وبالـمناسبة فـقـد قـال يومها كلاماً مازلت أذكـره .. قـال ” إن انـخـفـاض ســعـر كـيـلو اللحم فى شارع الـترعة الـبولاقـية ( أحـد شوارع حــى شـبـرا الشعـبى والـشهـيـر بالقاهـرة ) مرهـون بتـحـقـق الـوحـدة الـعـربـية ” .. وهــذا حـــق .
وألهمت تلك الخطى أيضاً الدكتور محـمد عـابـد الجابرى ، المفكر والمثـقف الموسوعى العـربى من المغـرب ( وقـد قـلت لـه ذلك عـام 1996 ـ عـلى ما أذكر ـ فى نـدوة حاشدة بمعـهـد البحوث والدراسات العـربية ، التابع لجامعـة الدول العـربية بالقاهـرة ، كان هـو المتحدث الرئـيسى فيـها ، بحضور المفكر القومى الدكتور أحمد يوسف أحمد مـديـر المركز وآخرين ) وأشهـد أن الدكتور الجابـرى لم يوافـق ولم يعـتـرض صراحة عـلى ما قـلته .. لكنه أكد عـلى أن مشروع النهضة العربية الذى قاده جمال عـبد الناصر ، هـو الذى أطلق الطاقات والإمكانات العربية من عـقالها .. وهو الذى حرض العـقـل العـربى على اكتشاف منصات النهوض ، والتقدم بيقين نحوها ، والتمسك بها.. والثبات عـليها .
وألهمت وتائر المشروع أيضاً المفكر والمثقـف الموسوعى العـربى من سوريا .. الدكـتور شـاكـر مصـطفى ، وقـد قـلت لـه ذلك عـام 1983 فى واحـد من لـقاءات عــديـدة معـه فى الكويت ( حـيث كان هـو أستاذاً للتاريخ بجامعـتها ، الى جانب كونه كاتـباً ومفـكراً قومياً ومثـقـفاً شامخاً ، أثرى الثـقافة العـربية بفيض من الإنتاج الفكرى رفيع المستوى ، من عـينة كتابه القيم المحرض ” تاريخنا وبقايا صور ” .. وأنا كنت هـناك للعمل .. لـكنا ـ فوق ذلك ـ نشـتـرك ومعـنا ملايـيـن غـيرنا فى حـمـل الـهـم الـقومى وفى الإهـتـمام بــه ، كـما كنا نشـارك مع غـيـرنا فى الحـراك الفـكـرى والـثـقـافى الذى كانت تـزخـر بـه تـلك السـاحـة العـربـية وقـتـهـا ) ، وأشهـد أن الرجـل قـد وافـق عـلى ما قـلـتـه تـماماً ، وقـد صـاغ شـهادته يـومهـا .. كأنهـا وصـيـة .
وغـيـرهـؤلاء الكـبار كثـيـرون فى مجالات الـفـكـر والعـلم والـفـن والأدب والـثـقـافـة فى الـوطن العـربى .. قـد استـلهموا عـطائهم الفكرى والعلمى والفنى والأدبى المـبـدع من هـدير وزخـم الـمشـروع النهضوى الذى كان يشـيـد أمام عـيـونهم ، بـل وكانوا هـم بذواتهم وعـطائهم جــزءاً محورياً فـيـه ..
أقـول .. أن الدكتور عصمت سيف الدولة ـ تـحـديـداً ـ قـــدم إبـداعـات مترابطة وعـلمية ، صاغـها فى منهـج ” جـدل الإنـسـان ” الذى أصبح كـل منهما ( المنهج والدكـتور ) عـلامة التعـريـف التى تـشـير الى الآخـر . كما كـان ” جـدل الإنسان ” وما زال إبداعـاً فكرياً عـربياً مضافاً الى الفكر الفلسفى الإنسانى ، يحمل توقيع الدكتور عـصمت سـيف الـدولـة .
وقـد قـدم أيضاً إبداعـات مترابطة وعـلمية ، حـول الدولة العـربـية الواحـدة وضرورتها كشـرط حـاكم لا بـديـل عـنـه لتحـقيـق النهـوض والتقدم العـربـي . وحـول ضرورة وجـــود ” نظرية ” للـثـورة العـربية ـ وقد صاغ هو هذه النظرية ـ فى مواجهـة ما كان مـطــروحاً عـلى الشـباب العـربى وقـتها (العــقود الخامس والسادس والسابع من القرن العـشريـن ) من طروحات فكرية مخـتلفة ومتـباينة ، كان أبرزهـا النظرية الماركسية والنـظرية الرأسمالية .
وقـد مكنت ” نظرية الثـورة العـربية ” الشباب العـربى من أن يكـتـشـف أن كلاً من هاتيـن النظريـتيـن غـريـبة عـن واقعه وعـن واقع أمـتـه ، بـل إن كلاً منهما كانت حـجراً عـائقاً فى طـريق هـذا الشباب والأجيال السابقة عـليه ، من أجـل الوحـدة والنهـوض والتحـرر والـتـقــدم .. كما كـان هـذا ” التأسيس النظرى ” للثـورة العـربية الذى قدمه الدكتور عـصمت .. لازماً وبالغ الأهـمية .
ومن ثم .. فإن مشروع النهضة الذى كان يجرى بناءه على قدم وساق ، وكان الشباب فيه اللحمة والسداة ، ويقوده شاب منهم هو جمال عـبد الناصر ( 34 سـنة ) .. والذى قـد تمـاس تماساً مباشراً بتأثيراته الثورية الخلاقة ، مع كل الأرض العـربية بما عـليها من موجودات ، ومن عـليها من بشر ، وبما يملك هؤلاء البشر من طاقات وهـمم قـد تم تحريضها على الحركة والرفض والمقاومة والبناء .. إضافة الى جهـود التأطير النظرى التى قدمها المفكرون القوميون العرب .. كل ذلك كان قد أضاء الطريق أمام الشباب العـربى ، وحسم موقـفه ، وحدد انحـيازه الى أمته والى قضاياها .. والى مشروعها للنهضة .
إذاً فـقد ساهـمت إبـداعـات هـذا المـفـكـر الكـبـيـر فى تـمتيـن الـرؤى الفـكـرية والعـقـيدية للشـباب العـربى ، فيـما يتعـلـق بركـائز المشـروع الـثـورى لـنهـضة الأمــة الذى كان يجـرى بـنـاءه .. وأيـضاً فيما يـتعـلـق بخـصوصيتهم القـومية ، وكيف أنهـا حالة متحـضرة وتـقـدمية فى مجرى التاريخ الإنسانى . كما ساهـمت فى تـزويدهـم بمـنهـج متماسـك للتـحـليـل الفكـرى والـسياسى والتاريخى لواقعـهـم وتاريخـهـم ، ومن ثـم تحريـضهـم عـلى مقارنة مـا هـم فـيه بـما يجـب أن يـكونوا هـم وأمتهـم عـليه .
بالإضافة الى أنه فـيـما يـخـص مـجال الإنـتـاج الـفـكـرى والـكـتــــابة والنشـر والنـدوات والمحاضرات ، والـوعـى بضراوة الهـجـمة المضادة للـثـورة وقائدها جـمال عـبد الناصـر ، وفى الحراك الفكرى والسياسى بشكل عـام .. يـأتى الرجـل ومبـكـرا ً ، الى جانب الأستاذ محـمد حسنيـن هـيكل وآخرين امتلكوا بصيرة ” إبصار ” الحق والإنتصار له ، إضافة الى احترام تاريخ هذه الجماعـة البشرية العـربية .. نقول يأتى الرجل مع هيكل ، فى طليعـة الذين تصدوا بالكلمة والحـقـيقة والوثـيـقـة والتحـليـل ، للـحـملة الشرسة المنظـمة الـتى قـادهـا أنور السادات بـدعـم من الولايات المتحدة الأمريكية والحركة الصهيونية العالمية وأركـان الرجعـية العـربـية ، وكـل القـوى الـمضـادة للثورة ، إن فى الداخـل أو فى الخارج ، من أجـل تـشـويه الشخصية العربية ، والثـورة العـربية الناصرية ، و شخص جـمال عـبد الناصر وسيرته ، وتـقـويـض مشروع نهـضة الأمــة ..
ذلك كان موقـف الرجلين .. فى نـفـس الوقـت الذى كان كـثـيـرون فيه يزحـفون عـلى بطونهـم الى عـتـبات السـلطان طمعـاً فى الـسـيف والـذهـب ، وفى المناصب والوسايا والتـكـايا ، وقـد غـرفوا من ذلك الكثـيـر . وكان من بـينهـم بـعـضاً ممن استـفادوا من مجرد الإنـتساب الى الثورة ، بل كانوا صنيعـتها ، واحتسبهم الناس عـليها ، وحسبوا هـم أنـفسهم ـ نفاقاً ـ عـلى مشروعها .. وكان من بينهم بعـضاً ممن كان يتمنى أن يـظـفـر ولو بنـظـــرة الى ذلك السحـرالآســر والنـبـيـل فى عـيـنى الزعـيم ، إلا أنه لم يستطع أن يغالب سحر الذهب ، فانقلب عـلى عـقـبيه ، ودار دورة كاملة سقـط بعـدها مغـشياً عـليه من هول ما ارتكب فى حـق الثورة والزعـيم .. والأمـة .
وهـكذا .. وفى هـذه الفتـرة ، ورغـم اشـتـداد أوار الحـملـة وتدنى آلياتها وشخوصها ، رأيـنا هـيكل يـقـدم كتاب ” لـمصـر لا لعـبد النـاصر ” يهـدم فيه بالحقائق والوثائـق معـابد الزيف والعـداء لعـبد الناصر والثـورة عـلى رؤوس ســدنـتها . قدم هيكل هذا الكتاب فى الوقت الذى كان فيه أنور السادات يتربع عـلى قمة سلطته وتـسلطه .. إضافة الى مـا أنـتجه الرجل من كتب ومقـالات ومشاركات فى تلك الفـترة بما لا يـتسع معـه المجال هـنا لتعـداده .
كـما رأيـنا عـصمت سـيف الـــدولة يـقـدم كتباً وكتابات منها ” هـل كان عـبد الـناصر ديكتاتوراً ؟ ” و ” الأحـزاب ومشكلة الديمقراطية فى مصـر” ، عـرض فيـهـا بموضوعـية واقـتـدار غـيـر مسبـوق ، الفـهـم الحقـيقى ـ والواجب ـ للـديـمقـراطية فى فــكـر الثـورة العـربية الناصرية ، والفرق بيـنه وبيـن مفهومها فى الفكـر اللـيـبرالى والفكرالماركسى ، وأوضح ودلل عـلى كيف أن هـذين الأخيـرين قـد جـاءا فــارغـين تـماماً من أى مضمـون صحيح للـديـمقـراطـية بمعـناها الـمحـورى والأساسى وشـرطها الحاكم ، وهـو تحـقيـق العـدل الإجـتمـاعـى ، رغـم احتـفائهما بأشكال وادعـاءات ” ديمقراطية ” ذات بريـق خادع وزائف .. وكـاذب .
عـلى كـل الأحـوال ، وأيـــما كانـت زوايـا الإتـفــاق أو الإخـتلاف مـع الدكتور عـصمت سيف الدولة حـول ما قـدمه لأمـتـه العـربـية وشبابها .. فإن قـواعـد الـحـق والأمـانة والموضوعـية ، تـقـضـى بأن نـقـول ذلك عـن الـرجـل باعـتـزاز كبيـر ، احتراماً لذاتـنا ، وفخراً بقدراتـنا وبطلائع المفكرين بيننا . وحـتى لا نـتحول الى من يحرقـون تاريخـهـم أو يطفـئـون مـشــاعـل الإسـتـنارة فـيــه ، وقـد كـان الدكـتـور عـصـمت سيف الدولة ـ دون شـك ـ واحـداً من أبرز تـلك المشـاعـل .
( 3 )
الـرؤى والأفـكـار التى تجـسـدهـا السطور التى تحويهـا صفحـات هـذا الـكـتـاب ، إنـما تمـثـل وجـهـة نـظـر ، تـظـل عـلى الـدوام ـ كـأى وجهـة نظـرـ عـرضة لـلـرد والرفـض والـتـفـنـيـد أحـــــياناً ، كـما قـد تـصـادف الـتأيـيـد والمنـاصرة أحـيانـاً أخـــرى .
لـكـنى حـريـص فى كل الأحـوال ، عـلى الـتأكـيـد عـلى أن تـلك الـرؤى والأفـكـار ، ســـواء صادفت الـرفض أو صادفت المناصـرة ، إنـما تـصـدر عـن قـناعـات ثـلاث : احـتـرام مؤكــد لـكـل رأى أو اجـتـهـاد آخـــر ، مـهـما كانـت درجـة مخـالـفـته أو معـارضـتـه مع الــــرؤى والأفـكـار التى تحـملهـا هـذه الـصفحـات ، وتـلك قـنـاعـة مـبدئـية أولى .. ثـم إصـــرار لا يـــليـن عـلى إعـلان الـرأى والـدفاع عـنه ، طالما أن هـناك إيـمان بـه واقـتـناع بصحـته ، وتـلك قـناعـة مـبـدئية ثـانية .. وأن الحوار والإختلاف يـظل دائماًً جــدل يـســــتـهـدف الـوصول الى الحـقيـقة ، شــريطة أن يـشيـد هــذا الـحـوار عـلى قـاعــدة من الموضوعـية والـجـدية ، وفـوق أعـمـدة من مـــصـداقـية دؤوبــة فـى البحـث والتحـليـل ، وأن يـكـون هـنـاك اسـتعداد صادق لمحـاورة ومـناظـرة الـرأى الآخــر بــــروح المواجـهـة الإيجـابـية الـخـلاقـة المتحـركة نحـو الحقيـقـة ، ولـيـس بروح مـعـادية أو رغـبـة فى الـنـفـى أو الإقصـاء ، أو مجـرد اصطـياد أخـطـاء .. وتــلك قـنـاعـة مـبـدئـيـة ثـالـثـة .
( 4 )
حدث أثـناء محادثة عـلى الهاتف مع الصديق الكاتب والباحث الأستاذ جورج المصرى ، فى الساعة الأخيرة من عام 2007 لتهنئـته بقـدوم السنة الميلادية الجديدة 2008 ، أن اقـترح على أن يكون اسم الكتاب ” الناصرية والديمقراطية ” ، وقـد اقـتنعت أنا بما اقـترحه .. وشرعـت فى تـنفيذه . إلا أننى لم أستطع أن أتخلص من تعبير ” الشرط الحاكم ” الذى أصبحت مرتبطاً به ، كما أصبح مرتبطاً بى .
وفى كل الأحوال لابـد أن أقدم شكراً عميقاً خالصاً ومخلصاً للأستاذ جورج المصرى على اهتمامه بهذا الكتاب ومتابعته له ، وحثى المستمر على الإنتهاء منه . وأن ذلك تم منه بروح أخ مخلص ومحب ومحترم .. تماماً كما كان حال الكاتب والناشر القدير الأستاذ عادل الجوجرى مع هذا الكتاب . وشكراً خاصاً للصديق الأستاذ محسن حسين الذى تولى مهمة المراجعة اللغوية لسطور هذا الكتاب .
محـمـد يـوســـــف
( الـقـاهـرة فى 28 سبتمبر 2008 )
مجلة الوعي العربي