السبت، 22 يوليو 2017 - 11:40 ص

اعداد: نادية عبدالله منصور
قامت الصناعة المصرية قبل ثورة 23 يوليو على جهود القطاع الخاص ، وبنك مصر ، وشركاته الذي تم تأسيسه عام 1920 برؤوس أموال مصرية كما كانت الصناعة تعتمد على الخامات الزراعية ( كالسكر والقطن) ، وعلى الخامات الطبيعية ( كالملح والأسمدة الفوسفاتية) ، ولم تكن تسير طبقا لسياسات محددة المعالم والأهداف كما لم يكن لها نصيب كبير فى الدخل القومى الذى كان يعتمد اساسا على الزراعة فلم يزد نصيب الصناعة على 10%من الدخل القومى منذ الثلاثينات وحتى اوائل الخمسينات. (1)
وقد نالت الصناعة اهتماما كبيرا بعد ثورة ٢٣ يوليو، فمشروع الثورة لنهضة مصر كان يقوم على نقل المجتمع المصري من مجتمع راكد ومتخلف إلى مجتمع نام ومتطور ، وهذا الهدف لم يكن من الممكن تحقيقه إلا من خلال “الإصلاح الزراعى، ومجانية التعليم، وتعظيم التصنيع ” هذه المبادئ الثلاثة الأساسية التى طبقتها ثورة يوليو ، وكان من نتائجها إنشاء مئات المصانع والشركات وإقامة عدد من القلاع الصناعية الكبرى في المحلة الكبرى وكفر الدوار وشبرا الخيمة وفي حلوان ومجمع الألومنيوم بنجع حمادى، والمصانع الحربية، والمشاريع الضخمة كالسد العالي، مشروعات ضخمة ساهمت بشكل كبير في الارتقاء بالمجتمع المصري وزيادة مساهمة الصناعة في الناتج القومى وتحقيق نسبة نمو خلال الفترة من عام ١٩٥٧ – ١٩٦٧ بلغت ٧ ٪ سنويا، مما يعنى أن مصر استطاعت فى عشر سنوات من عصر الثورة أن تحقق تنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة عليها .
صورة مصر الاقتصادية عند قيام الثورة :
السيطرة الاستعمارية:(2)
لم تكن السيطرة الاستعمارية لمصر احتلالا عسكريا فحسب ، بل أن بريطانيا كانت في الواقع تمارس عملية استغلال اقتصادي بشع يتولاها الاستعمار العالمى.
فكان النظام المصرفى بأكمله ، ابتداء من البنك المركزى “البنك الأهلي” حتى اصغر بنوك الرهونات ، تحت سيطرة راس المال الأجنبي ، وكذلك كل نشاط التأمين في مصر ، ومعنى ذلك أن المال - عصب الحياة الاقتصادية - لم تكن تحكم حركته قرارات مصرية كما أن مدخرات المصريين التي كانت تتجمع لدى البنوك وشركات التأمين كانت تحت تصرف الأجانب ، يحولونها إلى الخارج أو يوجهونها لتمويل نشاط الأجانب المتمصرين في مصر ، ولم يكن يحظى بقروض البنوك من المصريين إلا الإقطاعيون وكبار الرأسماليين المرتبطين بالمصالح الأجنبية ، حتى يستطيع الاستعمار اخذ نصيبه مما استولى عليه أعوانه من عرق الفلاح والعامل المصري ، وهكذا كان طريق التنمية مسدودا أمام الرأسمالية الوطنية التي كانت تعانى الأمرين في الاقتراض من البنوك الأجنبية ، بل أمام الدولة ذاتها التي لم تكن تملك - حتى لو أرادت - الموارد الكافية لتمويل أى برنامج إنمائى.
كذلك كانت التجارة الخارجية حكرا على الأجانب وقلة من المصريين تدور في فلكهم ، فأهم الصادرات وهو القطن (حوالي 85% من الإجمالي) تحت سيطرة بيوت التصدير الأجنبية التي كانت تسيطر في نفس الوقت على المحالج والمكابس ، والواردات التى كانت تمر حتما بالتوكيلات المحلية للشركات الأجنبية ، ووكالات الاستيراد “والقومسيونجية” وكانت التجارة الخارجية تمثل في ذلك الوقت حوالي 50% من الدخل القومي ، ومعنى ذلك أن نصف الدخل القومي لا تؤثر فيه يد وإرادة ولا سياسة وطنية.
وكانت مصادر الطاقة - وهي أساس التصنيع وتطوير الزراعة - في يد الأجانب ، فاستخراج البترول احتكار لشركة شل واستيراد البترول ومنتجاته وتوزيعها بيد شركات البترول العالمية أو فروعها المحلية ، ومحطات الكهرباء الحرارية الهامة بيد شركات فرنسية أو بلجيكية.
وكان للمصالح الاستعمارية الوزن الأكبر في قطاع النقل فقناة السويس دولة داخل الدولة وشركات النقل البحري والنقل النهري يسيطر عليها الأجانب ، والنقل العام بالقاهرة تحكمه شركة بلجيكية والنقل الجوى يساهم فيه البريطانيون.
وكان الجزء الأكبر من الصناعة - رغم نموها المحدود - بيد الأجانب أو ساهم فيه الأجانب المتمصرون ، حتى صناعة النسيج المصرية التي أقامها بنك مصر ، دخلت مرحلة التعاون مع راس المال الأجنبى.
وكان للأجانب والمتمصرين النصيب الأساسي في التجارة الداخلية ، فتجارة الداخل في القطن يشارك فيها الأجانب وخاضعة لتوجيهات بيوت التصدير والبنوك الأجنبية التي تمولها وتجارة الجملة - حتى في منتجات الصناعة المصرية - يسيطر عليها أجانب ومتمصرون ، والمحلات التجارية الكبرى كلها محلات أجنبية .
الاقطاع :
عمل الاستعمار البريطاني منذ احتلاله البلاد عام 1882 على تأكيد مركز كبار الملاك والإقطاعيين وزيادة عددهم ، فأقر لهم القانون بحق الملكية الفردية على أراضى مغتصبة ولم يكن لهم عليها إلا حق الانتفاع ، أما عن صورة الإقطاع عشية ثورة 23 يوليو ، فقد كان عدد من يملكون أكثر من 50 فدانا يزيد قليلا عن 11.800 فرد ، وكانوا يملكون 38% من المساحة المنزرعة ، بمتوسط يقارب 200 فدان للفرد الواحد ، وكان كبار الملاك الإقطاعيين يسيطرون على الحياة السياسية ، فالدستور كان يشترط لعضوية مجلس الشيوخ ملكية أرض لا تقل ضريبتها السنوية عن 150 جنيها.
الرأسمالية الكبيرة :
كانت الرأسمالية المصرية في مجموعها على درجة ضعيفة من النمو إلى حد بعيد ، كما كان في داخلها انقسام واضح بين الرأسمالية الوطنية ضحية القهر والاستغلال ، والرأسمالية الكبيرة التي تدين بالولاء للمستعمر.
وبالطبع كانت نتيجة كل هذا هو التخلف الاقتصادي والاجتماعي والمعبر عنه بثالوث “الفقر والجهل ، والمرض” وكانت مصر بحق مجتمع النصف في المائة
ثورة يوليو والنهضة الصناعية :
تطورت حركة التصنيع فى مصر بعد ثورة 23 يوليو عام 1952 تطوراً ملحوظاً ، فقد كان حلم يوليو الصناعى هو تصنيع كل شىء من ” الابرة الى الصاروخ” مع اهتمام خاص بالتصنيع العسكرى استجابة لروح التحدى العسكرية التى كانت تحيط بمصر فى ذلك الوقت و أعطيت الأولوية للصناعات الكيماوية و الغزل و النسيج و الصناعات المعدنية خاصة الحديد و الصلب و الأسمنت . و قد تركزت هذه الصناعات الوطنية على الشريط المأهول من وادى النيل فى جنوب الصعيد و القاهرة و الدلتا و الإسكندرية .
وأقامت الثورة مصانع الحديد والصلب من أجل تطوير الصناعات الثقيلة ، مجمع مصانع الألمونيوم فى نجع حمادى وهو مشروع عملاق بلغت تكلفته ما يقرب من 3 مليارات جنيه ، و شركة الأسمدة كيما ، ومصانع إطارات السيارات الكاوتشوك ، ومصانع عربات السكك الحديدية سيماف ، ومصانع الكابلات الكهربائية ،ومصانع السيا رات بوادى حوف ،وتوليد طاقة كهربائية من السد العالى تستخدم في إدارة المصانع وإنارة المدن والقري ، كما تم بناء المناجم فى أسوان والواحات البحرية . وأقيمت المصانع الحربية لسد حاجة الجيش المصرى من الأسلحة والذخائر .
وكانت نتيجة بناء تلك القلاع الصناعية فتح أبواب العمل أمام الملايين من أبناء مصر فى كل المجالات الصناعية والخدمية .
خطط التنمية الصناعية فى عهد الثورة
وقد بدا الاهتمام المركز بالصناعة منذ قيام الثورة حيث طرحت مسالة التصنيع كضرورة اقتصادية واجتماعية داعية الرأسمالية المصرية بل والأجنبية أيضا للإقدام على إقامة المشروعات الصناعية، وقامت بإنشاء المجلس القومى للإنتاج فى عام 1955 الذى قام بدور المروج للمشروعات الصناعية
وبعد العدوان الثلاثي ، شقت الثورة طريق التنمية الاقتصادية المستقلة لبناء اقتصاد وطني حديث يقوم على الصناعة وقامت بإنشاء وزارة الصناعة فى يوليو عام 1957 وتم وضع اول برنامج قومى للتصنيع فى عام 1957 بلغت تكاليفه الكلية حينئذ 250 مليونا من الجنيهات لينفذ على خمس سنوات اختصرت الى ثلاث وتضمن البرنامج الكثير من الصناعات الكيماوية ، وصناعات مواد البناء وتبعته الصناعات المعدنية والهندسية .
وفي أواخر عام 1959 تقرر إعداد برنامج التصنيع الثاني ليغطى فترة السنوات الخمس التالية واستهدفت الخطة الخمسية الاولى (60/1961-64/1965) اعطاء دفعة قوية للصناعة فخصص لها 26,7%من الاستثمارات الكلية بهدف زيادة الصناعات التحويلية بنسبة 42%فى نهاية تلك الخطة . (3)
وأنجزت الثورة ثلاث خطوات حاسمة على طريق التنمية :
أ- أولاها وضع خطة مضاعفة الدخل الوطني في عشر سنوات وهو معروف باسم الخطة الخمسية الأولى وكان معنى ذلك التسليم بمبدإ التخطيط للتنمية.
ب- وثانيتها الإقدام على التأميمات الكبرى ابتداء بتأميم البنك الأهلي وبنك مصر في فبراير 1960 ثم تأميمات يوليو 1961 وما بعدها،وقوانين يوليو الاشتراكية وكان معنى ذلك التسليم بأن القطاع العام هو القاعدة الأساسية للتنمية.
ج- وثالثتها وضع ميثاق العمل الوطني وشق طريق التحولات الاقتصادية والاجتماعية بهدف الوصول إلى الاشتراكية، وكان معنى ذلك أن التنمية عملية ثورية ترمى ليس فقط لتحقيق الاستقلال الاقتصادى وإنما ترمى أيضا لتغيير المجتمع وإعادة بنائه لصالح مجموع قواه العاملة
وقد ظل نصيب الاستثمارات الصناعية يدور حول نسبة 25%من الاستثمارات الكلية منذ عام 1960 فيما عدا الفترة من عام 1967 الى عام 1974 حيث مرت البلاد بمرحلة اقتصاديات الحرب - نتيجة عدوان 5 يونيه - التى حدت من الاستثمارات الجديدة وأبطأت عملية التنمية وتضاعفت مشاكل الصناعة من حيث مشاكل استيراد الخامات وقطع الغيار مع القيام بدورها كاملا فى سد الاحتياجات المحلية من المنتجات المتاحة وبدأت مرحلة جديدة بعد عام 1974 حيث بدا التحول من الحرب الى السلام وبدا الاتجاه نحو التعمير والإحلال والتجديد فى ظل سياسة اقتصادية جديدة هى سياسة الانفتاح (4) .
وقد أعلن البنك الدولي في تقريره رقم 870 أن مصر استطاعت عبر تلك الإجراءات تحقيق نسبة نمو من عام 1957 – 1967 بلغت ما يقرب من 7 % سنويا ، وهذا يعنى أن مصر استطاعت فى عشر سنوات من عصر الثورة أن تقوم بتنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر الثورة .
كانت تلك نتيجة لا مثيل لها فى العالم النامى كله حيث لم يزد معدل النمو السنوي فى أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن 2.5% بل أن هذه النسبة كان يعز مثيلها فى العالم المتقدم باستثناء اليابان ، وألمانيا الغربية ، ومجموعة الدول الشيوعية ، فمثلا إيطاليا وهى دولة صناعية متقدمة ومن الدول الصناعية الكبرى حققت نسبة نمو 4.5 % فقط فى نفس الفترة الزمنية (5 ) ، (6) .
من نتائج النهضة الاقتصادية والصناعية لثورة يوليو(7) :
استطاع الاقتصاد المصري على الرغم من نكسة 67 أن يتحمل تكاليف إتمام بناء مشروع السد العالي الذي اختارته الأمم المتحدة عام 2000 كأعظم مشروع هندسى وتنموى فى القرن العشرين ، والذى يعادل فى بنائه 17 هرما من طراز هرم خوفو .
ومن الإنجازات الأخرى :
- بناء مجمع مصانع الألمونيوم فى نجع حمادي وهو مشروع عملاق بلغت تكلفته ما يقرب من 3 مليار جنيه.
- استطاعت مصر الحفاظ على نسبة النمو الإقتصادى فى عامى 1969 و 1970 وبلغت 8 % سنويا .
- تمكن الاقتصاد المصري عام 1969 من تحقيق زيادة في فائض الميزان التجاري لأول مرة فى تاريخ مصر بفائض قدرها 46.9 مليون جنيه بأسعار ذلك الزمان .
- كانت المحلات المصرية تعرض وتبيع منتجات مصرية من مأكولات وملابس وأثاث وأجهزة كهربية .
- زيادة مساحة الرقعة الزراعية بنسبة 15% ولأول مرة تسبق الزيادة فى رقعة الأرض الزراعية الزيادة فى عدد السكان .
- زادت مساحة الأراضى المملوكة لفئة صغار الفلاحين من 2.1 مليون فدان إلى حوالى 4 ملايين فدان .
- حتى عام 1970 كان اقتصاد مصر أقوى من اقتصاد كوريا الجنوبية، ولدى مصر فائض من العملة الصعبة تجاوز المائتين والخمسين مليون دولار بشهادة البنك الدولى .
- أنشأت مصر أكبر قاعدة صناعية فى العالم الثالث حيث بلغت عدد المصانع التى أنشئت فى عهد الثورة 1200 مصنع منها مصانع صناعات ثقيلة وتحويلية وإستراتيجية.
- انعكست النهضة الاقتصادية في عهد الثورة على مستوى التعليم حيث انخفضت نسبة الأمية من 80% قبل 1952 إلى 50% عام 1970 بفضل مجانية التعليم فى كل مراحل الدراسة .
المصادر :
1- مجلس الشورى ، دور الانعقاد العادى الخامس ، تقرير لجنة الانتاج والقوى العاملة عن سياسة التصنيع فى مصر، 1985
2- تم الاعتماد بصفة اساسية على :
عبد المجيد راشد ، ثورة 23 يوليو و النهضة الثانية لمصر فى العصر الحديث ، الحوار المتمدن ، العدد: 1732 ، 11/6/2006 الرابط التالى :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=806 5 5 -
3- مجاس الشورى ، سياسة التصنيع فى مصر ، مصدر سابق .
4- المصدر السابق
5- شيماء حمدى ، نهضة عبد الناصر الصناعية .. أمل نفتقده اليوم ، موقع البديل ، 23 يوليو 2015 الرابط التالى :
http://elbadil.com/2015/07/23/
6- سياسة التصنيع فى مصر ، مجلس الشورى ، مصدر سابق .
7- الاقتصاد المصري في عهد جمال عبد الناصر ، مجلة الوعى العربى ، الرابط التالى :
http://elw3yalarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=13935
8- الصناعة المصرية .. حقائق وانجازات ، موقع الهيئة العامة للاستعلامات ، الرابط التالى :
http://sis.gov.eg/Story/144167?lang=ar
مجلة الوعي العربي