الرئيسية / تقارير وملفات / توابع اقتحام السفارة والانتقال من التطبيع إلى «الصهينة»..بقلم:محمد عبد الحكم دياب

توابع اقتحام السفارة والانتقال من التطبيع إلى «الصهينة»..بقلم:محمد عبد الحكم دياب

Sat. 8 Dec. 2018

 

ما زالت توابع يوم اقتحام السفارة الصهيونية في القاهرة تتوالى وتتكشف يوما بعد آخر؛ وقد حل في ذكرى «عيد الفلاح» وصدور أول قانون إصلاح زراعي مصري؛ أعاد توزيع الأراضي على الفلاحين، ومنذ يوم الاقتحام زادت العلاقة قوة بين تل أبيب والقاهرة، وتطورت من «تطبيع» بارد إلى «صهينة» ساخنة؛ مهيمنة ومعششة في قطاعات الدولة وبين مكاتب الرئاسة وإدارات الحكم، وهذا نقل العلاقة مع تل أبيب من السر والحرج إلى العلانية والسفور.. وجاءت ذكرى الاقتحام فرصة للتأديب والانتقام والتضييق المتجدد والمعلن من ثورة يناير 2011 ومن ملايينها الملبية للنداء.

خلال الساعات الأولى لتوافد المتظاهرين فر السفير الصهيوني «اسحق ليفانون» فجر السبت العاشر من أيلول/سبتمبر 2011، في وقت تصاعدت فيه المواجهات خلال مساء وليل ذلك اليوم، واستمرت حتى صباح اليوم التالي. وقدرت المصادر الصهيونية أعداد المصابين بأربعمئة وخمسين جريحا.. ووفاة أحدهم بأزمة قلبية، نقلا عن وزارة الصحة المصرية.. واستولى مقتحمو السفارة على وثائق «سرية»؛ وجدوها في غرفة للمحفوظات (الأرشيف)؛ اعلى المبنى، وألقوا بها إلى الشوارع المحيطة، فتلقفها المتظاهرون حسب ما صرحت «وكالة انباء الشرق الاوسط» الرسمية، وسُمِعت أصوات طلقات نارية كثيفة، وتعرضت سيارات ومركبات قرب المبنى للحرق والتدمير.

ألقت قوات الأمن والشرطة قنابل غاز مسيل للدموع، وأطلقت عيارات نارية لتفريق المتظاهرين وإبعادهم، وأذاعت وسائل الاعلام الصهيونية ان السفارة أُخليت من العاملين فيها، ولم يصب اي منهم بأذى. وصرح مسؤول صهيوني بان المتظاهرين اقتحموا المبنى؛ لكنهم لم يتمكنوا من تجاوز بهو المدخل، ولم يدخلوا السفارة قط. وانتشر مئات الجنود في المكان، الذي أحيط بالمدرعات والمصفحات، وتم عزل المبنى بالكامل، وقطع الإضاءة عنه وعن الشوارع المحيطة به.

واللافت أنه في منتصف ليل التاسع وفجر اليوم العاشر من أيلول/سبتمبر 2011.. وأثناء خلود البعض للراحة في منتصف الليل؛ حول تمثال «نهضة مصر»، وفُوجِئوا بسيارات إسعاف كانت تنتظر بالقرب من المكان تندفع بقوة وتدور حول التمثال بشكل هستيري؛ متزامن مع ظهور مجموعة صبية وصغار سن؛ تُهلل وتُحدث جلبة وتحذر من جماعات متجهة لمديرية أمن الجيزة ونحو السفارة السعودية؛ القريبتين من السفارة الصهيونية.. ولم يُعرف من أين جاء هؤلاء وكيف ظهروا، وتقرر عدم الانشعال بهم، فقد يكونون مجرد تغطية لإحداث فوضى وبلبلة بين الحشود.

وانتشرت حكايات عن متظاهرين بهدمون الحوائط الخرسانية المحيطة بالسفارة الصهيونية، وكانت بارتفاع مترين ونصف المتر، وبُنِيت قبيل ايام سبقت الاقتحام، كاحتراز وتحوط وتحصين ضد ما لا يحمد عقباه، وقيل كلام آخر عن استخدام المطارق والقضبان الحديدية في الاقتحام.. والمشهد المؤكد هو تَمَكُّن شاب من تسلق المبنى البالغ ارتفاعه عشرين طابقا عن طريق الشرفات ووصوله لأعلاه؛ منتزعا العلم الصهيوني؛ ملقيا به في الشارع وسط تهليل المتظاهرين، وعلمنا من الشاب وعدد من أقرانه أنها المرة الثانية التي يقوم فيها بإنتزاع العلم الصهيوني خلال اقل من شهر.

ولاحظنا أن المتظاهرين يتصرفون بمسؤولية عالية، وتابعنا مداولاتهم عن كيفية التعامل مع الحوائط الخرسانية الحصينة، وهي حوائط عملاقة مركبة من ألواح ضخمة؛ تشبه إلى حد كبير الأسوار العازلة بين المستوطنات الصهيونية وجدران الفصل العنصري في الضفة الغربية، وعلمنا أنهم مجموعة مهندسين وطلاب معاهد وكليات هندسية وفنية؛ نجحوا في التوصل لطريقة تفكيك تلك الحوائط العملاقة؛ مع حرصهم على قوات الحراسة وسلامة المتظاهرين وتوفير أقصى درجات الأمان لهم، وللمبنى..

وأُحْضِرت جنازير وسلاسل وحبال قوية، وتم ربط كل حائط خرساني على حدة، ثم شده وسحبه في اتجاه معاكس للحائط الملاصق، فتخلخلت وأمكن تحريكها وإزاحتها جانبا بطريقة محسوبة؛ رياضيا وهندسيا.. وقتها تذكرت «خط بارليف» المنيع أثناء حرب 1973، وكيف استُخْدِم في الحرب النفسية المعلنة من العدو.. انتشرت مقولات عن تصميمه بطرق لا تؤثر فيها القنابل النووية، ولا تقوى على تدميره أي أسلحة غيرها.. وأثناء التدريب على العبور عاش مهندس عسكري شاب؛ تجربة تحويل مجرى النيل؛ في بداية المرحلة الأولى لإنشاء السد العالي.. والاعتماد على مضخات مياه عملاقة ذات ضغط عالي، ويمكن توجيهها إلى «خط بارليف» فتقوضه، وهذا ما حدث، ونجحت المضخات في فتح ثغرات كبرى على طول «خط بارليف» وعرضه، وعَبَر الجنود بسلاحهم في قوارب مطاطية، وعبرت المدرعات والمركبات على جسور وكباري بناها سلاح المهندسين لوصل ضفتي قناة السويس ببعضهما.

وعمل بمستوى اقتحام السفارة الصهيونية المحصنة أضحت له توابع؛ وصلت أعلى مراحلها حاليا، ونقلت «التطبيع» إلى «الصهينة»، التي يجري تعميمها على الإدارات والمؤسسات والهيئات الحكومية، واعتاد عليها «شباب البرنامج الرئاسي»، الذي يعد لشغل المناصب التنفيذية، وضمن هذا السياق نشرت الصفحة الالكترونية للسفارة الصهيونية بالقاهرة في يونيو الماضي؛ خبر ضم شركات جديدة لاتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة؛ المعروفة باسم «الكويز»؛ صيغة اقتصادية وتجارية وضعتها واشنطن؛ مع توقيع الاتفاقية عام 2005، وتقوم بإضافة نسبة من منتج صهيوني إلى المنتج المصري، فـ«تحل عليه البركة الأمريكية المقدسة»، ويسمح له بالدخول للسوق هناك.. وعدد هذه الشركات اثنتا عشرة ضُمَّت لـ980 شركة، بلغت استثماراتها 9 مليارات دولار خلال الفترة ما بين 2005 إلى 2016، ونسبتها غالبة في مجال النسيج والملابس، وتبلغ 95٪ من إجمالي الصادرات المصرية لأمريكا.

ومنذ يوم الاقتحام لا تتوقف محاولات رد الاعتبار للدولة الصهيونية، وسمحت رئاسة الدولة، ووافقت الحكومة على التصريح بإقامة الاحتفال الضخم في القاهرة؛ في الذكرى السبعين لـ«استقلال» الدولة الصهيونية؛ المرادف العربي للنكبة، ومرور 40 عاما على اتفاق كامب ديفيد عام 1978، وانتهاءا بتوقيع «معاهدة سلام» عام 1979؛ أنهى بها الطرفان الموقعان عليها حالة الحرب وأقاما علاقات طبيعية وودية بينهما.

وكان ذلك أول حفل صهيوني بذلك الحجم في أرقى الفنادق وأفخمها بالقاهرة، ويطل على أهم وأكبر ميادينها؛ ميدان التحرير، وكانت العادة قد جرت على إقامة هذه المناسبات بمقر إقامة السفير، وجاء الإصرار الصهيوني على إقامته، وتأكيد رد الاعتبار على اقتحام السفارة الصهيونية في أيلول/سبتمبر 2011، وإنتزاع العلم الصهيوني من أعلاه؛ في مشهد أحرج السلطتين المصرية والصهيونية.

وعلقت صحيفة «يديعوت أحرونوت» ساخرة من الغضب الشعبي بالقول «إن معارضين للتطبيع طالبوا إلغاء الحفل، كما حاول مسؤولون مصريون منعه بحجة الأسباب الأمنية، وباءت محاولاتهم بالفشل».. وجاء ذلك لتأكيد تجاوز مرحلة «التطبيع» المنصوص عليها في اتفاقيات موقعة من حكومات مصرية متعاقبة منذ زيارة السادات للقدس المحتلة في 1977، وإعلان دخول حقبة «صهينة» جارية على قدم وساق بضغط صهيو أمريكي، وتضييق رئاسي مصري، ودعم صهاينة عرب ومسلمين؛ واضح وسافر.

ولم ينس السفير الصهيوني بالقاهرة «دافيد غوفرين»، في كلمته التي ألقاها باللغة العربية خلال الحفل، أن يشير لمساعدة السلطات المصرية وأجهزة الأمن على «إتاحة الفرصة»!! لإقامة الحفل.. عندها «رفعت الأقلام وجفت الصحف»، وسكتت الدولة والرئاسة والحكومة، و«السكوت علامة الرضى» وكأن هذه العربدة، وذلك الحفل العقيم، وكأنه أقيم على سطح كوكب آخر غير «الكوكب المصري»!!.


عن admin

شاهد أيضاً

ملامحُ ثورة فرنسية… بالأصفر

فيصل جلول باحث لبناني مقيم في فرنسا 30 تشرين ثاني 13:20 953 حركة شعبية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *