مع نهايات عام 1975 دخل الأستاذ إلى مدرج 78 بكلية الآداب جامعة القاهرة . كان شكله غريباً لنا لايبدو عليه الاهتمام فى ملبسه وشكله العام لايجعل من ينظر إليه يطمئن .. قدم نفسه: الدكتور حسن حنفى أستاذ الفلسفة الإسلامية والمعاصرة… عائد من الخارج .
كان موضوع المحاضرات التى سوف يلقيها علينا هى فلسفة التاريخ .. وكانت أولى المحاضرات عن التاريخ .. وما هو التاريخ ؟ … فى نهاية المحاضرة تساءل الأستاذ : فى أى عصر من التاريخ ، نحن نعيش ؟ لم يقدم إجابة .. طلب من كل دارس أن يقدم إجابة .
وفى المحاضرة التالية، طلب من كل واحد أن يجيب عن السؤال السابق ، فكانت إجابات متعددة … البعض يرى أننا نعيش فى عصر التكتلات الدولية .. وآخر يقول : فى عصر الردة الإجتماعية والسياسية لمنجزات ثورة يوليو … وآخر يرى أننا نعيش فى عصر انتصار اكتوبر العظيم .. وآخر يرى أننا نعيش فى عصر الجاهلية الجديد ..
إجابات كثيرة، ومتعددة سمعها الأستاذ، ومع كل إجابة كان يتدخل ليزيد من حرارة الحوار والإجابات، كان يتدخل ويساعد الطالب فى توصيل وتعضيد وجهة نظره من خلال براهين وأدلة متعددة.
ومع توالى المحاضرات بدأت النظرة إليه تتغير.. الصرامة والجدية التى رأيناه عليها بدأت تتحول الى وداعة مع جدية مشوقة .. بدأ حب طاغ بين الطلاب والأستاذ ، حب فريد من نوعه حب امتزجت فيه الرغبة فى المعرفة والرغبة فى التساؤل وإيجاد الجواب .
ولأننا تعلمنا منه سؤالاً : فى أى مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ وتعلمنا أن تكون لنا إجابات خاصة، بدون أن يؤثر علينا من خلال نظرته الشخصية الواضحة والتى عرفناها من خلال المحاضرات والكتب التى ألفها .
تعلمنا منه أن نتفلسف ، وأن نتساءل ، وأن نحاول أن نجيب …
***
أما لماذا أذكر هذه الحادثة؟! فلأن ما أكتبه هو محاولة للإجابة على سؤال طرحه التيار الناصرى هو محاولة للإجابة على سؤال ساد فى مصر أو فى الوطن العربي ، وهذا التيار فى طرحه للسؤال كان أمام عينيه الإنجازات المادية والفكرية للقائد عبد الناصر على مستوى الوطن العربى كله وهذا السؤال هو هل هناك نظرة أو رؤية خاصة للناصرية تجاه التاريخ ؟ وإذا وجدت فما هي ؟
أقول محاولة للإجابة؟ وقد تكون سؤالا مثلما تعلمنا من حسن حنفى أن نتساءل ، وأن نحاول أن نجيب.. هذه المحاولة قد تساعد إذ تلفت النظر من جانب البعض فى أن يقدم إجابات قد تكون شافية ووافية ومتكاملة لهذا السؤال .
***
وهذا ليس بحثاً تاريخياً ولكنه محاولة للنظر فى فلسفة التاريخ وكما يقول عبد الله العروى فى كتابه ثقافتنا فى ضوء التاريخ أن المؤرخ يتساءل عن صناعته فيعنى بالتاريخ تحقيق وسرد ماجرى فعلاً ويتساءل الفيلسوت عن هدف الاحداث فيعنى بالتاريخ مجموع القوانين الى تشير إلى مقصد خفى يتحقق تدريجيا أو جدلياً ويتسال الفيلسوف عن ماهية الأنسان عما يميزه عن سائر الكائنات فيقول أنه التاريخ …
وتقدم الشعوب كما يذكر أن الدكتور حسن حنفى مرهون بإكتشاف شعورها التاريخى فهو الذى يضعها فى الزمان ويجعلها تحدد دورها فى التاريخ وفى أى مرحلة من التاريخ هى تعيش؟ فالشعور التاريخى هو شرط الوعى التاريخى .
وبالرغم من أننا فى القرن التاسع عشر بدأنا بترجمة فلاسفة الثورة الفرنسية وذاعت أفكار الحرية والعقل والطبيعة والدستور والأمة والديمقراطية والبرلمان وعرفنا الأمير وروح القوانين والعقد الإجتماعى واكتشفناها فى القرآن وإلا أنه لم يتبلور لدينا حتى الآن الشعور التاريخى الذى يحدد خريطة الزمان ويبرز معالم الدور الفاعل والضرورى لتحقيق التقدم المأمول .
ومن هنا فإن هذا البحث هو محاولة للكشف عن الجذور التاريخية التى نستطيع من خلالها تحديد رؤيتنا للتاريخ .
ولهذا السبب فإن البحث يتناول فى البداية ابن خلدون العالم الإسلامى الفذ الذى سبقت نظرياته فى علم التاريخ والاجتماع كثيراً من المفكرين المعاصرين ، صحيح أن هناك إرهاصات تاريخية ظهرت فى الفكر الإسلامى السابق لابن خلدون من خلال العلوم الإسلامية سواء فقه أو علم كلام إلا أنها لم تقدم رؤية متكاملة لتلك التى طرحها ابن خلدون .
ثم يتناول البحث ابى الفلسفة الحديثة والمعاصرة هيجل الذى أثرت فلسفته ورؤيته للتاريخ فى كل الفلسفات التالية له ، ثم يأتى الدور على ماركس والماركسية التى أوجدت نظرية مستقلة بذاتها فى علم التاريخ وفلسفة التاريخ . ونتناول توينبى وآرائه التى سيكون لها مردود فى رؤيتنا للتاريخ .
وفي ختام البحث رؤية ناصرية للتاريخ .
ومن هنا فإننا نستطيع أن نقول أن هذا البحث هو محاولة للبحث عن الجذور التى اشتقت منها الناصرية نظرتها الى التاريخ وهى محاولة وليست إجابة وحيدة ولا أغالى إن قلت إنها تحاول أن تطرح السؤال فقط وهذا يكفيها شرفا وإن أجابت فهى تجيب أيضا اثراء للسؤال وتطويراً له .
سيد حسان
رابط للتحميل المباشر
https://drive.google.com/file/d/1gqLvnNrEqEly_VZtXn8Con3VYBbBxV8Q/view?usp=sharing
مجلة الوعي العربي