القوات المصرية في اليمن
حمادة إمام
عمليات عسكرية ضد القوات المصرية فى اليمن بمساندة سعودية فى مساء يوم 26 سبتمبر 1962 تحرك الثوار اليمنيون تجاه قصر الإمام البدر واستولوا على مقر الإقامة والقيادة وهرب الإمام للسعودية وأعلن القائد عبدالله السلال نفسه رئيساً للوزراء، وكانت روسيا هى أول الدول التى أعلنت تأييدها اللثورة،
: وتطور الأمر بإرسال مصر لقوات عسكرية لحماية وتأمين الثورة الوليدة. ومع بدء وصول القوات المصرية انقسم المسرح السياسى العالمى على أرضية اليمن إلى نصفين، النصف الأول ضم الدول المؤيدة والداعمة للثورة وعلى رأسه كانت تقف مصر وروسيا.. على النصف الآخر ضم الدول الرافضة لقيام الثورة، وهذا الفريق ضم السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، وما بين الفريقين كانت هناك مسافة يقف عليها دول ومنظمات تلعب أدوارا رئيسية وتدير وتنفذ عمليات لإجهاض قيام الثورة فى الظاهر وفى الباطن.. إنهاك القوات المصرية وإطالة أمد القتال لأطول فترة ممكنة، هذه الدول والمنظمات وكانت دوافعها معروفة لإسرائيل، ظلت تعمل وتنفذ أهم الأدوار وأخطرها، إلا أن الفريق الأمريكى ظل حريصاً طوال الوقت على عدم الإعلان عن الدور الذى تقوم به والدوافع. ومؤخراً أعلنت قناة “الجزيرة” عن مشاركة القوات الجوية الإسرائيلية فى الحرب اليمنية، وهذا ما اعتبرته القناة سراً يذاع لأول مرة. فى الوقت نفسه فإن المسألة تتجاوز مشاركة القوات الجوية الإسرائيلية وأن مشاركة القوات الجوية جاءت فى مرحلة متأخرة من الحرب وأن قواتها البرية وأجهزة استخباراتها كانت موجودة ومشاركة منذ اليوم الأول لوصول القوات المصرية فى ضيافة السلطات السعودية وأن مشاركة القوات الإسرائيلية مرت بمرحلتين، الأولى كانت تسمى عملية “المانجو” والثانية حملت اسم “البساط السحري” وما بين العمليتين وثائق ومستندات وحكايات يرويها المعاصرون المشاركون فى صناعة الأحداث، أولى هذه الشهادات هى شهادة “أريك رولو” سفير فرنسى سابق، ومحرر شئون الشرق الأوسط بجريدة “لوموند” الفرنسية، استطاع دخول مواقع الملكيين وقضى عدة أيام يتجول بين المواقع ويسجل ما رآه، ونشر رولو بعد عودته، تحقيقات صحفية تحت عنوان “اليمن.. رحلة عبر العصور الوسطي” وكان آخر تلك التحقيقات وأهمها قد تناول دور المرتزقة والجواسيس والخبراء الأجانب عند الملكيين وتضمن من المعلومات ما يلقى الضوء على المؤامرة ضد القوات المصرية وضد الجمهورية العربية اليمنية. ولكن الأخطر والأهم هو ما أشار إليه رولو عن وجود عناصر إسرائيلية ضمن قوات المرتزقة جاءت بناء على طلب من البدر، بواسطة مبعوث يمنى، أحيط وصوله إلى تل أبيب بالسرية التامة، وهو ما أكده الكاتب البريطانى “هاليداي”. أما المصادر المصرية، فتشير إلى تقرير لقيادة القوات العربية فى اليمن فرع الاستطلاع بتاريخ 2 مايو 1964، إلى أن إسرائيل تشارك فعلياً فى عمليات اليمن، وأنها تقوم بإسقاط أسلحة وذخائر لقوات الملكيين، وأنها تمارس هذا النشاط من قاعدة “جيبوتي” وقد أطلقت إسرائيل الاسم الرمزى “مانجو” Mabgo على عملياتها تلك. ولقد أشار الكاتب هاليداى إلى ذلك، وقال: إن إسرائيل قامت بخمس عشرة طلعة جوية من تلك القاعدة، بعد أن أزالت العلامات الإسرائيلية من الطائرات. وجاء فى تقرير للمخابرات الحربية المصرية، أن اجتماعاً حضره اسحاق رابين وموشى ديان وجولدا مائير، وايسير هاريل، وشيمون بيريز، لدراسة إمكانية اتخاذ قرار للتدخل العسكرى فى اليمن، وأن أهم ما دار فى هذا الاجتماع هو العمل على توريط الجيش المصرى فى اليمن وتكبيده أكبر قدر من الخسائر. ويذكر أحمد بهاء الدين فى مقاله “هذه الدنيا” بأخبار اليوم فى 13/10/1962 أنه قد تردد من بعض المصادر المطلعة، أن بريطانيا قد تفاهمت مع إسرائيل على إرسال أكبر عدد من اليهود اليمنيين، الذين هاجروا من اليمن لإسرائيل، إلى مناطق الحدود اليمنية، حتى يتمكنوا من التسلل، ونقل الأسلحة والأموال، وبث البلبلة، لأن اليهودى اليمنى لا يمكن اكتشافه من اليمنى العادى فى شكله أو لغته أو معرفته بالبلاد. ويضيف أحمد بهاء الدين: أن ثمة علاقة بين عدنان خاشقجى وتاجرى السلاح الإسرائيليين، “يعقوب غرود، و”آل شويمر”. أما هيكل فيشير إلى ذلك اللقاء الذى قد تم بين الخاشقجى وشيمون بيريز فى باريس عام 1964. وهناك من تحدث عن علاقة الخاشقجى “بالموساد” استناداً إلى ما جاء فى كتاب ألفه أحد ضباط الموساد “فيكتور استروفسكي” بعنوان “بين قوسين”. وحول التنسيق السعودى - الإسرائيلى، أشار الكاتبان الأمريكيان “أندرو وليسلى كوك بيرن” فى كتابيهما بعنوان “علاقات خطرة” أن رئيس الموساد الإسرائيلى سافر إلى واشنطن وقدم اقتراحاً للمخابرات الأمريكية فيما وصف بأه “عمل كبير” big stuff، يتضمن إنشاء حلف عسكرى يضم إسرائيل والمملكة السعودية والأردن، برعاية الولايات المتحدة، غير أن المخابرات الأمريكية لم تحبذ الفكرة، على اعتبار أن بقاء التعاون فى الإطار السرى يحقق الهدف المطلوب، وهو مساندة الملكيين اليمنيين بطريقة أكثر فعالية. وفى هذا السياق، أكد مجموعة من الكتاب الإسرائيليين، على رأسهم الكاتب الإسرائيلى “بنيامين بيت هلاهمي” وهو أستاذ فى جامعة “حيفا” ومعروف بأبحاثه المتعددة، وهو من أصل ألمانى، فى كتابه “التحالفات القذرة: العمليات السرية الإسرائيلية”، وكذلك المؤلفان الإسرائيليان “دان رفيف” و”بوس ميلمان” فى كتابيهما “كل جاسوس أمير” Every SpyAprince، وكان الأول يعمل لمحطة CBS الأمريكية فى الشرق الأوسط، والثانى معلقا إسرائيليا فى شئون الدفاع، كما عمل مراسلاً فى لندن لصحيفة “هاآرتس” أكدوا جميعاً على أن إسرائيل شاركت المملكة السعودية فى تقديم المساعدات المالية والعسكرية للقوات الملكية اليمنية فى قتالها ضد الجيش المصرى، وأن إسرائيل كانت تهدف إلى استمرار الحرب الأهلية فى اليمن من أجل إبعاد جانب من القوات المصرية عن المواجهة مع إسرائيل، واشغال القوات المصرية هناك وإنهاكها. ويوجد فى أرشيف الأهرام ملف رقم 002/2-351 مذكرة كتبها “اليعازر ليفتي” أحد أقطاب حزب “الماباي” برقم م ق 8/1/1/أ- 7921 فى 9 يونيو1966 وجاء فيها “أن مصير إسرائيل متوقف على ما يجرى فى اليمن وفى الصحراء السعودية”. وفى هذا السياق، نقلت وكالة “الأسوشيتدبرس” عن شيمون بيريز، نائب وزير الدفاع الإسرائيلى وقتها، قوله: “إن انتصار ثورة اليمن يعد أكبر خطر على إسرائيل، كما أن مصير الملكية فى السعودية والأردن يتوقف على نتيجة الصراع الدائر فى اليمن، وأن انهيار الملكية فى السعودية والأردن سيكون ضربة كبيرة لإسرائيل. هذا وقد أشارت صحيفة “الأخبار” فى عددها الصادر يوم 22 فبراير 2000، إلى أن صحيفة “هاآرتس” الإسرائيلية ذكرت أن “شايتاى شافيت” الرئيس السابق لجهاز المخابرات الإسرائيلية، الموساد، كشف النقاب عن أن إسرائيل تورطت فى الحرب الأهلية باليمن خلال الستينيات، وقال شافيت: “إن إسرائيل تدخلت فى الحرب اليمنية بهدف إضعاف مصر ورئيسها جمال عبدالناصر”، وكانت التقارير السابقة قد أشارت إلى أن إسرائيل زودت القوات الملكية فى اليمن بالأسلحة، كما بعثت بمدربين لتدريب هذه القوات فى مواجهة مؤيدى ثورة الجمهورية فى اليمن. وهناك العديد من الكتاب، وعلى رأسهم الكاتب اليهودى “الفرد ليلنتال” قد أشاروا إلى عملية عسكرية كبرى، أطلقوا عليها اسم “البساط السحري” magic carpet والتى شاركت فيها المخابرات الأمريكية، حيث تم نقل أفراد ومعدات وأسلحة بكميات هائلة من إيران عام 1965 عبر السعودية إلى قوات الملكيين على الحدود السعودية اليمنية (جيزان - نجران - خميس مشيط). وبعيداً عن حديث المذكرات والاكتفاء بلغة الوثائق، فتوجد داخل أرشيف الخارجية الأمريكية رسالة خطية أرسلها الرئيس الأمريكى جونسون عقب اغتيال كيندى إلى الأمير فيصل الرجل الأقوى فى ذلك الوقت بالسعودية وتحمل رقم 013-ب- 176-9 أغسطس 1963، ويقول فيها: “بإمكان اليمن أن تكون مصيدة لأولئك الذين يسعون لفرض هيمنتهم عليه”، وفى موضع آخر يقول عن العلاقات السعودية الأمريكية بأنها كانت دائماً ممتازة، وأشاد بالأمير فيصل قائلاً: إن العالم ينظر إليك بمزيد من الإعجاب لما تفعله نحو نفسك وبلادك وأن الأحداث تتجه نحو خلق يمن مستقل.
—————————————————————————————————————————————————
ضابط سابق في الموساد يكشف:
كيف ساعدت “إسرائيل” السعودية عام 1962 في حربها باليمن؟
كشف ضابط الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق يوسي الفر، الذي شهد أكثر العمليات السرية في الجيش الإسرائيلي، كشف لصحيفة “يديعوت” الإسرائيلية، مساعدة الجيش الإسرائيلي السعودية في حربها باليمن عام 1962 ضد الجمهوريين الذين تم دعمهم من قبل مصر والاتحاد السوفيتي.
وفي منتصف 1960، خدم اللفتنانت يوسي الفر كضابط في واحدة من أكثر الوحدات سرية في الجيش الإسرائيلي – وحدة الاستخبارات العسكرية المسؤولة عن الاتصال مع أجهزة الاستخبارات الأخرى في الكيان الإسرائيلي، الشاباك والموساد.
وقد عهد إليه بمهمة سرية، كما يقول خلال المقابلة التي أجرتها معه صحيفة “يديعوت” الإسرائيلية: “اضطررت للذهاب تحت جنح الظلام إلى قاعدة القوات الجوية الإسرائيلية “تل نوف”، لأتحقق بدقة من خلال أكوام ضخمة من المعدات العسكرية، والأسلحة والذخيرة على وجه الخصوص، والتأكد من أنها لا تحمل أية علامات مميزة لإسرائيل – أو اي رمز يدل على الجيش الإسرائيلي، لا شيء من شأنه أن يكون قادراً على ربط المعدات بنا اطلاقاً”.
وعند استكمال جولته التفقدية، وقع الفر على وثيقة للتأكد من أن كل شيء كان سليما، وتم تحميل المعدات والأسلحة على طائرة شحن تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي وطارت إلى الوجهة التي فقط عدد قليل جدا في إسرائيل على علم بها. حتى أن اسم العملية Rotev كانت سرية.
في تلك الأيام، كما هو الحال الآن، أيضاً، تورطت اليمن في حرب أهلية طاحنة – بين الملكيين والجمهوريين الذين تم دعمهم من قبل مصر والاتحاد السوفييتي. آنذاك، في منتصف 1960، ومع ذلك، كان الملكيون يتلقون الدعم في الواقع من المملكة العربية السعودية.
وفي الوقت نفسه، قام ممثل الإمام بدر، زعيم الملكيين في اليمن، بالاتصال المباشر مع عملاء الموساد في أوروبا وحتى أنه تم إحضاره في زيارة إلى الكيان الإسرائيلي.
ويقول الفر: “السعوديون لا يهتمون أنهم كانوا زيدية، كان من المهم بالنسبة لهم الحفاظ على نفوذهم في اليمن، ومعارضة التدخل السوفييتي المصري”.
حينها لجأ السعوديون إلى بريطانيا للمساعدة، حيث تم تجنيد أعضاء سابقين من قوات النخبة البريطانية لهذه المهمة. حيث كانت تعمل انطلاقاً من مقرها في لندن ولديها قواعد في عدن، اليمن، وبهذا لجأت بريطانيا إلى الكيان الإسرائيلي – العدو الرئيس لمصر – لمساعدتها.
ومنذ بداية المواجهة نجحت السعودية في إيصال الدعم للملكيين عبر طرق الجبال، ولكن هذا لم يدم طويلاً. ومع طول المعارك والمخاوف من استمرار عزلتهم، بحث الملكيون عن طرق جديدة لإيصال الغذاء. وفي النهاية، فكرت المملكة في حل على هيئة تموين مظلي، غير أن سلاح الجو الملكي لم يتمكن من تنفيذه مباشرة، بسبب إعلان السياسيين البريطانيين عدم تورط بريطانيا في الحرب. وبعد جس النبض في موضوع نقل جوي كهذا بين قادة دول المنطقة المعتدلة (التي خافت من العقاب المصري) توجه البريطانيون إلى الكيان الإسرائيلي.
وفي 31 مارس 1964، وفي عز الليل، دهمت طائرة نقل إسرائيلية سماء اليمن. قاد الطاقم الجوي، الطائرة باتجاه شمال البلد بين معسكرات الجيش المصري. وبعد لحظات حدث الإنزال. حلقت درزينة حاويات خشبية ممتلئة بالسلاح، الذخيرة والمؤونة الطبية، ببطء نحو الأرض.
دعم نجاح الإنزال أمن الطرفين. ونتيجة لهذا، أقام كيان الاحتلال الإسرائيلي 13 رحلة طيران أخرى إلى اليمن لتموين الملكيين على مدار العامين التاليين. ولكن كان من الضروري الحفاظ على السرية البالغة بسبب حساسية الموضوع. فباستثناء حفنة أشخاص في قمة القيادة الملكية، لم يعرف أحد هوية الدولة التي تمدهم بالدعم، ولم تعلن حتى للسعوديين هوية حلفائهم بسبب الخوف من سحب أيديهم من دعم الإمام.
ويقول الفر، لكن الأمر انتهى بالحصول على بعض المعلومات الاستخبارية عن أنشطة الموساد في اليمن وتحسين العلاقات مع البريطانيين والسعوديين.
يقول الفر، إنه من أجل تنفيذ عمليات الإنزال الأولى في المكان، والتأكد من أن المعدات وصلت إلى المكان والجهة المناسبة، تم إرسال عضوين من قسم العمليات الخاصة في الموساد، إلى اليمن والتنسيق مع أجهزة الاستخبارات البريطانية، حيث يتم تسليم الأسلحة عن طريقهما إلى الجهة والمكان المحدديين.
يضيف الفير، أنه حتى الآن، بعد سنوات، فإنه من الصعب فهم شدة الدراما، والمخاطر، وسرية العملية الإسرائيلية – البريطانية – السعودية – اليمنية في ذلك الوقت.
وفي يناير 1965 شن المصريون هجوماً على طول الجبهة، وتكبد الملكيون إصابات قاسية، وأوشكوا على الانكسار. وعقب هذا، عرض البريطانيون خطة جريئة: أن يقصف سلاح الجو الإسرائيلي قواعد المصريين في صنعاء والحديدة، ويدعي الملكيون أن تلك كانت طائرات وجهها مرتزقة أوروبيون. أيد عيزر فيتسمان قائد القوات الجوية الإسرائيلية، آنذاك، ورجال الطاقم الجوي الفكرة، ولكن قائد الأركان إسحاق رابين ورئيس الحكومة ليفي إشكول، منعا ذلك.
وفي أغسطس 1965 تم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بين مصر والسعودية، بمشاركة ممثلين يمنيين عن الجانبين. ثم توقف السعوديون عن تمويل جيش الإمام، بمن فيهم المرتزقة. حاول الأخيرون معارضة الحكم القاسي، ولكنهم في النهاية اعترفوا بحالة اللاحرب. وفي مايو 1966 توجهوا إلى الكيان الإسرائيلي، ولكن رحلات الطيران لم تُستأنف على رغم محاولة استئناف التدخل (تم تداول أفكار مثل إرسال مرتزقة أميركيين إلى اليمن بدعم إسرائيلي، وتدريب جيش الإمام في منطقة على الأراضي الإيرانية في عهد الشاه، وحتى جس نبض ملك السعودية، فيصل، في موضوع إنزال مؤونة إضافية في فبراير 1967).
وانسحبت قوات الحملات من اليمن. وعام 1970 انتهت الحرب تماماً بانتصار الجمهوريين الثوريين.
فيديو عن القوات المصرية في اليمن
مجلة الوعي العربي