أزمة مارس 1954 : ستون عاما من الصراع بين الثورة و الثورة المضادة
يأتي كتبة تاريخ أزمة مارس 54 بالعجائب ، عندما يتناسون أن خالد الذكر
جمال عبد الناصر كان قائد ثورة يوليو ، فترى الكتبة الجهلة يتعاملون معه
باعتباره أحد المتنازعين علي الثورة مع آخرين ، و أعني بالآخرين هؤلاء
الذين أرادوا بخلافهم مع عبد الناصر أن يحصلوا لأنفسهم على مغنم سهل ، و
يرفعوا قدرهم لمنزلة ليسوا لها بأهل .
هناك من كتبة التاريخ من يريد أن يساوي بين قائد ثورة يوليو ، و بين بعض
أعضاء تنظيم الضباط الأحرار ، من أمثال : يوسف صديق و خالد محيي الدين ، أو
الدمية التي استخدمها عبد الناصر ، و استخدمها الإخوان من بعده اللواء
محمد نجيب ، أو أن يساوي بين قائد الثورة ، و بين أعضاء جماعة الإخوان
الإرهابية ، أو بعض القضاة المشتغلين بالسياسة أثناء الأزمة .
ملخص أزمة مارس 54 أن صراعا على السلطة اشتد بين ثورة يوليو ، متمثلة في
قائدها جمال عبد الناصر ، و بين الثورة المضادة ، التي قادها خصومه في هذه
الأزمة ، أولئك الذين سعوا للسلطة برفع شعارات الديموقراطية ، وعودة
الأحزاب المدنية ، و تطبيق شرع الله ، و إقامة دولة القانون ، ورجوع الجيش
إلى الثكنات ، و إقامة دولة الخلافة ، و غيرها من الشعارات ، التي ما
أرادوا بها إلا الوصول للسلطة ، عن طريق دغدغة أحلام البسطاء بشعارات كاذبة
، لم يصدقها المصريون ، فخرجوا مؤيدين لبقاء الثورة في السلطة .
لا يحتاج عبد الناصر إلى دفاعي عنه ، ذلك أن الله يدافع عن الذين آمنوا ،
لقد انتصرت الثورة في مارس 54 ، فأنجزت نهضة صناعية و زراعية و تعليمية
وعدالة إجتماعية و أعلى معدل نمو في العصر الحديث منذ عهد محمد علي ، حيث
حقق الإقتصاد المصري معدل نمو وصل إلى 8% ، و تحقق للمصريين حلما طال شوقهم
إليه ، حلم الإستقلال الوطني ، و إنهاء عصور من التبعية و الإستعمار ، و
أصبح الفلاحون ملاكا لأراضيهم ، و العمال ملاكا لمصانعهم ، و بات الفقير
قرير العين ، لا يخشى أن يطرد من عمله أو مسكنه ، و أصبح للمصريين جيش
يحتمون به ، يردع أعداءهم ، و يرد الصاع صاعين لمن يتجرأ عليهم ، وهو ما
أثبته المقاتل المصري ، الذي أعده عبد الناصر في حرب الإستنزاف ليوم أكتوبر
المجيد . غيب الموت قائد ثورة يوليو ، فحكمت الثورة المضادة
بجميع فصائلها ، فقد عاد تنظيم الاخوان على يد المؤسس الثاني للجماعة محمد
أنور السادات ، و عاد حزب الوفد بقيادة الباشا فؤاد سراج الدين ، و عاد
الشيوعيون تحت مظلة حزب التجمع ، وعاد عملاء الغرب و جواسيسه ، بعد أن أفرج
السادات عنهم ليكتبوا تاريخ جمال عبد الناصر ، واتفقت كل فصائل الثورة
المضادة على وصف حكم عبد الناصر بالحكم الشمولي المستبد ، الذي حرمهم من
المشاركة في الحكم عام 54 ، واتفقوا على عبقرية ودهاء و ذكاء السادات الذي
أعادهم الى الحياة السياسية ، و أعاد مصر إلى ما قبل ثورة 23 يوليو .
انتقل عبد الناصر إلى رحمة الله ، مغفورا له بإذن الله ، و امتد العمر
بخصومه في أزمة 54 ، ليتعظ من كان حيا ، و يحق القول على الكافرين بالثورة ،
امتد العمر بالصاغ الأحمر خالد محيي الدين ، الذي كان يزايد على أبناء
تنظيم الضباط الأحرار ، لعله يحقق بالشعارات ما قصرت عنه طاقته وقدرته و
مؤهلاته ، فكان له ما أراد عندما حكمت الثورة المضادة في عهد السادات مبارك
، المتحالفين مع الإخوان ، و تحقق له حلم عودة الأحزاب المدنية ، و ترأس
خالد محيي الدين حزب التجمع فماذا قدم لمصر ؟ هل قدم هو و شركاؤه في
الثورة المضادة غير انهيار أقتصادي ، و اجتماعي ، و سياسي ، و انحطاط ثقافي
، و تاريخي ، و أخلاقي ، و تمزق عربي ، و فراغ إقليمي ، و تمدد صهيوني في
المنطقة ؟ . الآن ، بعد مرور ستين عاما على أحداث مارس 54 ،
تتكرر أحداثها مرة أخرى ، فها نحن الآن أمام ثورة قادها المشير عبد الفتاح
السيسي ، الذي يؤدي باقتدار دور عبد الناصر ، و يريد أن يركبها الصغار
الذين يقودهم المراهق السياسي حمدين صباحي ، الذي يؤدي شخصية خالد محيي
الدين ، رافعا شعاراته ، مدعيا أنه خليفة عبد الناصر ، و عبد الناصر برئ
منه هو و أتباعه من مدعي الناصرية ، الذين يطالبون السيسي بالابتعاد عن
الحكم ، كما طالبوا عبد الناصر من قبل ، ووصفوا ثورته بالإنقلاب ، ليكملوا
ثورتهم المضادة التي خرج الشعب المصري في 25 يناير لاسقاطها .
لقد خرج المصريون في 25 يناير لإسقاط الثورة المضادة ، التي قام بها
السادات في مايو 71 ، و لاستعادة حكم ثورة يوليو المجيدة ، التي أنهت حالة
الضعف و الإنقسام التي كانت عليها القوى السياسية ، وأنهت حالة التبعية
للغرب ، و مهدت لديموقراطية سليمة ، تقوم على مجانية التعليم و العدالة
الإجتماعية ، للقضاء على تجارة الدين و الإقطاع ، و هو ما بدده حكم الثورة
المضادة بعد وفاة عبد الناصر . لم تترك الثورة المضادة لعبد
الناصر في مارس 54 ، إلا اتخاذ القرار الوحيد الذي يحافظ على الثورة ، وهو
إبعاد و عزل كل عملاء الرجعية و الإستعمار ، من مراهقي السياسة ، الذين
يرهقون الوطن بأهوائهم و أطماعهم الشخصية في السلطة والنفوذ ، من المشهد
السياسي ، و كذلك هو الحال في مارس 2014 ، لم تترك الثورة المضادة للمشير
السيسي خيارا آخر في تحقيق حلم الملايين في الوطن العربي ، من المحيط إلى
الخليج من أجل إنقاذ الأمة العربية من مؤامرات تحاك لها ، إلا الإستجابة
لنداء الجماهير بتولي زمام السلطة في مصر ، و كشف المتأمرين على أمن و
استقرار ووحدة الأمة العربية ، و غير ذلك سيكون خيانة لله والوطن و التاريخ
. |
|