الرئيسية / أخــبار / عشرينية تدمير العراق.. أوهام وخطايا

عشرينية تدمير العراق.. أوهام وخطايا

عبد الله السناوي |نشر فى : الأحد 5 مارس 2023 –

بعد عشرين عاما على غزو العراق لم يعد ممكنا لأحد ممن وفروا له الذرائع التى ترادف الخطايا أن يستعيد مواقفه مدافعا عنها، أو أن يستذكر أوهامه القديمة التى ربطت بين الغزو والديمقراطية!
كان ذلك عارا حقيقيا، لا السياسيون اعتذروا طلبا لصفح الرأى العام ولا الصحفيون فكروا فى مراجعة الخطايا التى ارتكبوها احتراما لقرائهم!

بقوة الحقائق، التى لا سبيل إلى إنكارها، لم يكن غزو العراق فى مارس (2003) عملا تحريريا كما قيل بالادعاء فى مقالات منشورة، ولا كانت الديمقراطية الغائبة هى موضوع الحرب كما تناثرت الدعايات على نطاق واسع.

لم يستقبل العراقيون قوات الغزو بأكاليل الغار ولا اعتبروا المنصات التى بشرت به قوى ديمقراطية ودعاة تحرر!

استبيح البلد كله، دمرت بنيته التحتية، فككت دولته جيشا وأمنا ووجودا، استهدفت وحدته الداخلية لإثارة فتن طائفية طلبا لتقسيمه، نهبت المتاحف والثروات، واغتيلت الذاكرة الوطنية نفسها.

الصور داهمت الادعاءات بفظائع غير متصورة قتلا تحت التعذيب واعتداء جنسيا فى سجن «أبو غريب»، حتى أن جنديا أمريكيا صرخ: «لقد كرهت نفسى».

وقد لعب الصحفى الاستقصائى الأمريكى «سيمور هيرش» دورا رئيسيا فى كشف قدر الفظائع والانتهاكات وتقويض ادعاءات للرئيس الأمريكى «جورج دبليو بوش» عن الديمقراطية التى يبنيها!

وفق وثيقة كشفت عنها مطلع أكتوبر (2005) بخط يد نائب الرئيس العراقى «طه ياسين رمضان» تحدث مسهبا عن تعرضه مع «صدام حسين» ومائة من كبار معاونيه للضرب المبرح وإجبارهم على الزحف أرضا لمسافات طويلة، أو الجلوس شبه عراة إلا من دشداشة على الرأس لساعات طويلة، أو المشى فى طابور تحت الشمس المحرقة كـ«الغنم».. هكذا بالنص.

قيل إن «صدام حسين» ارتكب انتهاكات مماثلة، ربما أبشع، لتسويغ الاعتداء بالضرب والتعذيب على أركان حكمه.

أسقطت تلك الحجة، التى ترددت وقتها على نطاق واسع، أية فروق إنسانية مدعاة، وأية شرعية منتحلة لقوات الاحتلال.

القصة من زاوية إنسانية أقرب إلى تراجيديا إغريقية مضى فيها «صدام حسين» إلى النهايات المقدرة زحفا على أرض متربة فى معتقل أمريكى.

والقصة من زاوية سياسية أقرب إلى تراجيديا إغريقية أخرى مضت فيها الأمة العربية زحفا إلى اعادة رسم خرائط المنطقة من جديد.

تبددت سريعا ادعاءات وذرائع الحرب على العراق، لم تكن هناك أسلحة دمار شامل، وثبت أن ما جرى نشره من تقارير استخباراتية ترددت فحواها فى مجلس العموم البريطانى والكونجرس الأمريكى كاذبة وأنها استخدمت لخداع الرأى العام.

لم تكن هناك أدنى صلة لنظام «صدام حسين» بتنظيم «القاعدة»، بل إن التنظيم المتطرف وجد طريقه لبلاد الرافدين بعد احتلالها.

فى تلك الأيام ارتفعت أصوات عربية عديدة تحذر من أن بوابات الجحيم توشك أن تفتح دون جدوى.

كان قرار الحرب قد اتخذ، ولم تكن هناك قوة ردع كافية لمنع الكارثة المحدقة.

الأسوأ أن نظما عربية عديدة بدت طرفا مباشرا فى الاستعدادات العسكرية اللوجيستية لغزو العراق، وشاركت بالتحريض عليه حسب شهادات متواترة وموثوقة.

نسبت شهادات أمريكية إلى الرئيس المصرى الأسبق «حسنى مبارك» أدوارا عملت على تسهيل الغزو وتوفير غطاء عربى له.

فيما نشر منسوبا إلى الكاتب الأمريكى الشهير «بوب ودورد» أن «مبارك» نقل للإدارة الأمريكية أن لديه معلومات استخباراتية عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل تتحرك على عربات متنقلة حتى لا تصل إليها لجان التفتيش الدولية.

المثير أن أحدا لم يحاول أن ينفى أو يرد!

بدت الدولة العربية الأكبر صوتا عابرا فى جوقة الحرب على العراق، كلام مكرر عن نصائح ورسائل للرئيس العراقى تحذر من العواقب.

كان مستلفتا فى مداخلات «مبارك» فى جلسات مغلقة مع أعداد محدودة من كبار المثقفين ورؤساء التحرير، تجاهله لأية حجج سيقت عن غياب الديمقراطية فى العراق لتبرير غزوه.

بنص كلامه بعد احتلال بغداد مباشرة: «العراق لا يمكن أن تحكمه غير قبضة حديدية كقبضة صدام».

كان احتلال بغداد عام (2003) نقطة تحول مفصلية استدعت مشروعات الشرق الأوسط الجديد وسيناريوهات التقسيم.

لم يكن الهدف الحقيقى من احتلال العراق غامضا، فقد كان تحطيمه على رأس الأولويات بالنيل من وزنه الجغرافى الاستراتيجى والاستيلاء على موارده النفطية، حتى لا تكون هناك فى شرق العالم العربى قوة عسكرية واقتصادية قادرة على منازعة إسرائيل.

جاء الدور على سوريا وبدت مصر، كما كانوا يقولون علنا، الجائزة الكبرى التى ينتظرونها فى نهاية المطاف.

بعد احتلال العراق مباشرة كتب «توماس فريدمان» على صفحات الـ«نيويورك تايمز» أن السبب الحقيقى لضرب العراق «أنه كان لابد من ضرب أحدهم فى العالم العربى بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر»، لا أسلحة دمار شامل، ولا إيواء منظمات إرهابية، ولا تحرير ولا ديمقراطية، فكل هذه كانت ذرائع لضرب العراق.

لم يكن ممكنا الادعاء بأن «صدام حسين» هو الديكتاتور الوحيد.

بعد وقت قصير جاء الدور على النظم الحليفة، وبدأ التفكير بصوت أمريكى مسموع فى تغييرها وإبداء شىء من الاعتذار العلنى على دعم الديكتاتوريات العربية لعقود متواصلة.

كان ذلك تفسيرا مستجدا لكراهية الولايات المتحدة فى العالم العربى، أو إجابة متأخرة على سؤال: «لماذا يكرهوننا؟» الذى طرحته الميديا الأمريكية فى أعقاب حادث (11) سبتمبر (2001).
بخطوات متسارعة بدأت نظم عديدة فى العالم العربى تبحث عن مخارج لأزماتها الداخلية بشىء من الاستجابة لما تطلبه وتضغط عليه الإدارة الأمريكية، التى أصبحت قواتها متمركزة فى قلب المشرق العربى.

بتعبير الرئيس اليمنى «على عبدالله صالح» فإنه: «لا بد أن نحلق لأنفسنا قبل أن يحلق الآخرون لنا»، كانت تلك برجماتية زائدة جرت فى ظلها ثانى انتخابات رئاسية تعددية فى العالم العربى بعد تجربة هزلية سابقة أقدم عليها الرئيس التونسى «زين العابدين بن على».

فى (2005) أجريت فى مصر انتخابات هزلية ثالثة أخذت من التعددية عنوانها فيما كانت النتائج مقررة سلفا.

بعد نحو ست سنوات جرت حوادث عاصفة فى (2011) أطاحت بالنظم الثلاثة، حاولت تأسيس أوضاع جديدة أكثر حرية وعدلا، غير أنه جرى إجهاضها، وقد كان للإدارة الأمريكية دورا رئيسيا فى ذلك الإجهاض.

هكذا تبخرت الوعود المخاتلة على مقاصل المصالح والاستراتيجيات، وهذه قصة طويلة ومحزنة

عن admin

شاهد أيضاً

الإبادة الإعلامية في غزة

ما الذي يمثِّله التدمير الممنهج للجسم الصحفي الفلسطيني في غزة؟ وهل هناك علاقة لتدمير الكيان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *