الرئيسية / أخــبار / يسقــــــط الاستعمار المصري..لـمـصــــــر-بقلـم : د.محمد فــؤاد المغازي

يسقــــــط الاستعمار المصري..لـمـصــــــر-بقلـم : د.محمد فــؤاد المغازي

1
بقلــــــــم : محمد فــؤاد المغازي

الاستعمار ظاهرة لا انسانية ابتدعتها نخبة من الناس الذين استكثروا على أنفسهم وعلى البشر أن يتوازن الإنسان مع سلوكه..أي أن يكون الإنسان إنسانا. والسبب أن ظاهرة الاستعمار ظل أساسها وقاعدتها في كل العصور أن الأقوي يمنح نفسه الحق في أن يسيطر ويستغل من هم أضعف منه مقدرة وقوة. تكررت هذه الظاهرة عبر تطور المجتمعات البشرية التي عرفها الإنسان من المجتمعات البدائية، وصولا الي ما يسمي بالمجتمعات الحديثة.

صاحب ظاهرة الإستعمار خلق مناخ ارتبط بها وبمنهجها القائم على الصراع وأدواته، في حسم الثنائية الأزلية ( مُـسْتـَغِـلْ..وَمُـسْـتـَغـَلْ)،( ظالم ومظلوم )،( قـَاهِـرْ..وَمَـقـْهـُورْ)،( غني..وفقير). ..الخ. لكن الشيء الثابت الذي رسخه الاستعماريون أو الحالة الاستعمارية هو أن تظل علاقات البشر في حالة صراع دائم غير قابل لا للتوقف ولا للذوبان ولا للتجميد. فالصراع كما أشرنا مرتبط ارتباطا عضويا بظاهرة الإستعمار.

ولإتمام السيطرة الاستعمارية يسبقها إجراءات حسابية دقيقة تتعلق بقدرات الطرف المطلوب السيطرة عليه ومن ثم استغلاله. فعلى سبيل المثال قبل أن يبدأ النازيون الجدد غزو العراق فإنهم بكل تأكيد قد أجروا مسحا شاملا لقدرات العراق والتي على أساسها سيتحدد حجم القوة المطلوبة للغزو والسيطرة، ومجموعة الأهداف التي سيحققها الغزو ويضمن بقائها. وعندما تأكد لهم أن هذا في مقدورهم بصقوا في وجه العالم..وتحركت أدوات الصراع ( الجيوش ) لتخضع وبالقسر شعبا لم يصدر عنه أضئ فعل ضد أوطان الغزاة يبرر ما اقترفوه من جرائم حرب في حقه.

وهكذا يتبين لنا أن الظاهرة الاستعمارية صناعة نخبوية.

ونشير هنا إلي أننا عندما نتحدث عن الأتراك أو البريطانيين أو حتى الأمريكان لا نقصد التعميم بما يفهم منه أن حديثنا يشمل الشعب التركي أو الإنجليزي أو الأمريكي رغم أن هناك نسبة ليست بالقليلة من تلك الشعوب تؤيد نخبها الاستعمارية..لكن خلينا بعدين عن التعميم..ما نقصده دوما هو الإشارة إلي النخب.

بالعودة لمصر لأن الحديث يتعلق بالمستعمرين المصريين علينا أن نتذكر معا بأن مصر هي أقدم مستعمرة في التاريخ..إذن ففي حياة مصر وشعبها تعددت التجارب الاستعمارية، من بين تلك التجارب الاستعمارية التي جرت وجربت على أرضها وعلى شعبها وعلى روحها في العصور القريبة تجربة الإستعمار الأوروبي الغربي الوجيه الديمقراطي ( اللي بياكل بالشوكة والسكينة ويغسل يديه بالصابون وماء الورد ).

هؤلاء الأوربيون أعطوا لأنفسهم الحق أن يجيئوا إلي مصر كورثة لاستعمار تركي بغيض سبقهم..تلحف بعباءة الدين وكان أسوأ استعمار عرفته مصر طوال تاريخ القهر والعبودية. وقبل أن تبدأ جحافل الغزو بالتحرك سبقها موجة من الدعاية كلها ترانيم إنسانية..كلها تضامن مع الضعيف ضد القوي. حدث هذا مثلا أثناء الحرب العالمية الثانية وكان من بين المصريين شعبا وساسة من يدعوا لروميل بالتوفيق في سحق البريطانيين، في الوقت الذي كان فيه ماريشال روميل يمثل نظام نازي حقير ومجرم لا يقل أيضا بشاعة عن الإنجليز.

لكن بعد أن تنتهي جيوش الغزاة من إخضاع الضحية، وزرع قواعد القوة على أرض الغير بعدها يتكشف الوجه القبيح للمستعمر الأوروبي، فنراه لا يقل بشاعة وصلفا من المستعمر التركي.
رغم الاستبدال الذي جري بين قوي الإستعمار والذي انتهي لصالح البريطانيين في النهاية. استمرت مصر في دفع جزية مقدارها 4 مليون جنيه ذهب سنويا للمستعمر التركي. وهكذا أن انتقلت مفاتيح مصر من تركي استعماري مجرم، إلي أوروبي استعماري مجرم. وكان دفع 4 مليون جنيه ذهب كجزية بمثابة ( خِلــِوْ رِجْـلْ ) كان من المفروض أن يدفعها الساكن الجديد أو المستعمر الجديد وليس الشعب المصري المنهوك القوي أصلا.

بعد أن تحققت السيطرة الكاملة على مصر عسكريا وأصبحت في قبضة المستعمر، جري إنزال كتائب من جيوش لا تعرف التعامل بالسلاح لكنها تعرف التعامل بالمال، بالجغرافيا، بالتاريخ، بالسياسة، بالثقافة، بالآثار، تعرف كيف تتعامل مع المواقع الإستراتيجية وتستثمرها، تعرف أين المواد الخام والتنقيب عنها، جيوش تعرف كيف تنظم النهب وتؤمن استمراره.

بعدها استأنفوا عملية الاستغلال الشامل لمصر..استغلال لا يعرف الرحمة. كان تعداد الأجانب في مصر قبل الغزو العسكري أقل من ألف أجنبي، بعد الغزو جاء إلي مصر أكثر من مائة ألف أجنبي ثم تزايد تعدادهم كل واحد فيهم محتل، وكل واحد فيهم مستعمر.

ثم تكفل النظام المالي والاقتصادي والسياسي الذي أسسوه بأن جعل كل مصر ملكية عامة لهم. أصبحت التجارة الخارجية، والتجارة الداخلية يسيطر عليها الأجانب، والأجانب المتمصرون. مصادر الطاقة في يد بلجيكيين وفرنسيين، التنقيب عن البترول واستخراجه ملك لشركة شل، قطاع النقل الخارجي والداخلي يسيطر عليه الأجانب، حتى الشركات التي أسسها طلعت حرب الاقتصادي والمالي الوطني لم تسلم من سيطرتهم فأجبر بنك مصر على إشراك الأجانب في ملكيتها، حتى تجارة الألبان والبيض كانت الجالية اليونانية تسيطر عليها. أما قطاع الاستيراد فكانت جميع توكيلاته ملكية خالصة للأجانب.

لم يتوقفوا..ولم يكن هناك من هو قادر على إيقافهم، فنخب الأغنياء من كبار ملاك الأراضي الزراعية من المصريين كانت تشارك المستعمر نهب الشعب المصري، إضافة إلي ذلك منعوا المصريين من تنويع الإنتاج ففرضوا عليهم أن يظلوا داخل أسوار الإنتاج الزراعي. فبقت مصر حيث مشيئة المستعمر متخصصة في الإنتاج الزراعي وتحديدا زراعة القطن، وكان على جيلي والأجيال السابقة علينا أن نكرر المقولة الاستعمارية مع الصلوات الخمس يوميا أن مصر بلدا زراعيا لا يصلح للصناعة..فالصناعة تنقض الوضوء، وتلوث البيئة.

بعد أن سيطر الأجنبي عسكريا واقتصاديا وماليا على أقدار مصر كان من الطبيعي أن يكون له نظام قضائي خاص يمنحه حقوقا لا يشاركه فيها العبيد. وكان من الطبيعي –أيضا- أن لا يكون للمصرين أي قدر من الحرية أو الاختيار في علاقاتهم بالإقليم وبالهوية وبالعالم الخارجي. كل شيء بابا الخواجه يتولاه.

خلاصة القول ظل حال مصر على هذا المنوال محتل يطرد محتل، وغاصب قديم يرحل ليحل محله غاصب جديد يردد نفس الشعارات المخدرة والتي ليس لها نصيب في أن تتحقق سوي في أحلام المظلومين. ولم يكن قدرة المصريين على المقاومة كفيلة بأن تجبر المستعمر على الرحيل، لهذا ظل طرد المحتل الغاصب مهمة المحتل الجديد القادم. فنجد الفرس يطردهم الإغريق، والإغريق يطردهم الرومان، ثم جاء الفتح الإسلامي ليطرد الرومان، ثم جاء الأتراك باسم الخلافة ليطردوا العروبة والإسلام معا، ثم جاء الفرنسيون ليطردهم الإنجليز.

إلي أن جاء يوم 23 يوليو من عام 1952 ليمثل نقلة نوعية في تاريخ مصر، وفاصل بين تاريخ استعماري وبين تاريخ يسترد فيه المصريين حريتهم. فلأول مرة ومنذ نهاية حكم الأسرات أي منذ 2500 انهي المصريون وبأنفسهم تداول توريث ملكية مصر بين الغزاة، فأعادوا للمصريين مصر..وأعادوا مصر للمصريين.
وامتنع قائد الثورة جمال عبد الناصر عن دفع الجزية إلي الأستانة، وراح يلاحق المستعمرين الأتراك من علي منابر الرأي العام والأمم المتحدة بإعادة ما سرقوه وما نهبوه من مصر.

هذا المقال التمهيدي كان مقدمة ضرورية للكتابة حول موضوعنا الذي اخترنا له عنوان ( يسقط الإستعمار المصري..لمصر ). فمرحلة التحرير التي عاشها الشعب المصري لم يتجاوز عمرها عن عقدين ( 20 سنة ) مرحلة تمثل شذوذا عن القاعدة في تاريخ مصر، تلاها مباشرة حقبة الإستعمار المصري..لمصر.

في المقال القادم سنحاول إيجاد أجوبة على العديد من التساؤلات:
هل هناك تشابه بين الإستعمار المصري القائم حاليا، وبين النماذج الاستعمارية التي جرت وجربت على أرض مصر؟
هل سلك المستعمرون المصريون الجدد طريق أسلافهم؟
أم أن تجربتهم الاستعمارية مختلفة؟
وأين هي عناصر الاختلاف ؟
أو أين هي عناصر الاتفاق؟
وماذا عن الشعارات التي سيرددها المصريون في وجه المستعمرون المصريون؟
هل سيعدون لترديد شعار ( يا عزيز يا عزيز داهية تاخد الإنجليز) ؟

يسقــــــط الاستعمار المصري .. لـمـصـــــــــــر .. 2 بقلــــــــم : محمد فــؤاد المغازي

في المقال السابق تطرقنا إلي أن ظاهرة الإستعمار ظاهرة صنعتها العبقرية النخبوية الشريرة، وذكرنا أن تلك النخب تمنح نفسها الحق في أن تسيطر على من هم أضعف منهم بهدف استغلالهم، انطلاقا من اعتقاد تؤمن به تلك النخب أن ما في أيدي الضعفاء هو ملك خالص لهم بحكم أنهم الأكثر قدرة وقوة وتنظيم ومعرفة..فالثروة هي هدفهم خلقت من أجلهم وخلقوا من أجلها. حول الهدف والوسيلة تتجمع تلك النخب الشيطانية لا تفرقهم هوية، ولا يفصل بينهم مفردات خطابهم الديني فهم أصلا بلا عقيدة لا دينية ولا سياسية، ولا ضمير يحاسبهم ويقلق مضاجعهم، نخب لا ينبض في عروقها غير أجراس البورصة، ولا يحركها غير حسابات الربح، تضم في بلاطها النخبوي كتائب من باعي الأيديولوجيات، وكتائب من المتاجرين بكل الأديان..تحرم ما حلله الله، وتبيح وتستبيح ما حرمه الله، لا يهم ألوان عمائمهم..

المهم أن يكون الدفع بالعملة الصعبة. وبعد التطور الهائل والمذهل في وسائل الاتصالات أصبح في مقدور تلك النخب لكونهم يمتلكون المال وبوفرة، والمستكتبين وبوفرة من الوصول إلي كل ركن من أركان الدنيا..فضاء إعلامي بغير عوائق يربطهم بكل البشر أينما كانوا..ويمكنهم من تشكيل وعي الناس وفق مشيئتهم ، وتوجيه سلوكهم إلي نمط استهلاكي يفصل بينهم وبين انتمائهم الوطني والإنساني..بمعني أصبح التأثير الدعائي الكاذب في حالة انتعاش وانتشار لم يعرفها البشر من قبل. الأدهى والغريب أن مجمل الشعارات التي تعبر عن قيمة إنسانية، وتمثل بالنسبة للبشر أهداف لا تستقيم الحياة بغيرها، وتتفق مع قوله سبحانه ( وفضلنا بني آدم )..نجد أن تلك النخب الشيطانية هم أفضل ما يتعامل ويتاجر ويزايد بها على الآخرين. فنجدهم أكثر الناس حديثا عن الحرية والديمقراطية،

وأكثر الأصوات علوا عندما يتحدثون عن العدل الاجتماعي، يظهرون علامات التقوى على الوجوه والجباه، وفي اهتزازات أصواتهم خاصة عندما يكون الحديث عن ملايين الجوعي والمرضي والمشردين، أما عندما يجري الحديث عن الوطن والوطنية فلهم أساتذة متخصصين يحددون لهم الموضوع، يضبطون لهم المفردات، ويرسمون لهم الإشارات، ومتى يتوقفون عند جمل بعينها، ومتى يستنفرون الحناجر والصراخ، لا يباريهم في الحديث عن شرف الوطن وأمنه ..غير امرأة مومس تكثر من الحديث عن الفضيلة والشرف والـْعِــرْضْ. وذكرت في المقال السابق أن الإجراءات الاستعمارية تبدأ بحسابات دقيقة تتعلق بقدرات الطرف المطلوب السيطرة عليه ومن ثم استغلاله. وعندما يتأكد لنخب السيطرة والاستغلال أن ضمانات الأمن قد تأكدت وترسخت، بعدها تبدأ عجلة الاستغلال لثروات وطاقات الضعفاء.

على نفس المنوال سار المستعمرون المصريون على دروب أجدادهم ممن سبقوهم. قاموا بإجراء دراسات دقيقة وتقييما شاملا للمجتمع المصري، فرصدوا نقاط القوة..ونقاط الضعف فيه، فتعاملوا مع نقاط القوة بالتفكيك، ومع نقاط الضعف بالتعميق بغية تفتيت أوصال الفئات الاجتماعية المنهوبة إلي أن وصلوا إلي تغيير شامل ونوعي للبنية المجتمعية في مصر… كيـــف؟ أولا..لم يكن المستعمرون المصريون في حاجة إلي جلب جيوش من خارج حدود مصر لتؤمن السيطرة العسكرية كمقدمة ضرورية للسيطرة الاستعمارية. ما كان مطلوبا هو إشراك القيادات التي تسيطر على عصب القرار داخل المؤسسة العسكرية وضمها إلي النخبة الاستعمارية سواء بشكل مباشر بأن يكون لها نصيب في الغنيمة،

أو تشارك بطريقة غير مباشرة من وراء حجاب..بمعني أن يكون موقفها المعلن هو تمسكها بالحياد الذي يمنحها إياه الغطاء الدستوري والقانوني وحتى السياسي، فهو بدوره يبعد عنهم شبهة التدخل في الشأن السياسي بشكل مباشر وبالتالي يعفيها من أي إحراج، ويبعد عنهم تهمة التورط مع النخب الاستعمارية المصرية، نظرا لأن دورهم لا يشركهم في العراك السياسي بشكل مكشوف. ويحدثني قلبي أن هناك شيئا ما على نحو ما يشابه ثورة يوليو يختمر في الجيش العربي في مصر. وحتى لا تختلط الأمور ويكون ما كتبناه هنا فرصة للمزايدة، نـَُذَكـِّـرَ ونؤكد على أن دور المؤسسة العسكرية المصرية ظل دوما مرتبطا بالوطن وفي خدمته..اختبرته الأحداث التاريخية التي مرت بها مصر. ما كان يسيء للجيش هم أولئك الذي امتلكوا قرار توجيهه، ولهذا فدور الجيش المصري كان وسيظل في خدمة مصر..

دورا لا ينكره عليها وطني. ويكفي هنا للتذكير أن الجيش المصري هو من وقف وراء عرابي القائد العسكري الفلاح أبن مصر، وهو من حارب على أرض فلسطين، وهو من قام بالدور الأساسي والأول في أعمال الفدائيين في مدن القناة أثناء فترة الاحتلال البريطاني،

وهو أولا وأخيرا من تحمل مسئولية إنهاء التوارث الاستعماري لمصر، وأن النخبة العسكرية التي قامت في 23 يوليو 1952 هي التي تولت ولأول مرة البدء في إقامة وتحقيق أول مشروع للنهضة لم تقدر نخب النقيق من المتعلمين عليه. والجيش المصري هو الذي حقق نصر أكتوبر وسدد فاتورة النصر دَمـَّـا، تحول فيما بعد إلي رصيد في خزائن المستعمرين المصريين. هذا هو الجيش المصري..

وهذا هو تاريخه. بعد أن تحققت ضمانات الأمن التي تولتها النخبة العليا من قيادة المؤسسة العسكرية ومؤسسة الأمن الداخلي، بعدها تبدل دور تلك المؤسسات من حفظ أمن مصر في الداخل والخارج، إلي حفظ أمن النخب الاستعمارية المصرية. وقد جري هذا بنجاح وأرخ له في يوم 13 مايو من عام 1971. بعدها أصبح الطريق مفتوحا أمام تغييرات جوهرية للبنية المجتمعية وهي خطوة ضرورية تسبق مرحلة بدء الاستغلال والنهب. بدأت إجراءات التغيير تدريجيا مع نهاية حرب أكتوبر 1973، ومع بداية عام 1974. قاموا بتفكيك مصادر القوة الاجتماعية بنهج متدرج..فبدءوا باستبدال قيادات المؤسسات السياسية والتشريعية التي كانت تمثل نظام ثورة يوليو واستبدلوها بمؤيدين للنخبة الاستعمارية القادمة. كان مؤشر التغيير السياسي والتشريعي يشير ويمهد إلي التغيير الاقتصادي القادم وهو أمر طبيعي ويخضع للعلاقة الجدلية بين الاقتصاد والسياسة والتشريع ويتناسب مع توجهات النخبة الجديدة التي استولت على السلطة..فالسياسة والتشريع توأم الاقتصاد..

والاقتصاد توأم السياسة والتشريع فلا يجوز مثلا أن نقول أننا نعتمد الاشتراكية نهجا اجتماعيا بتشريعات وتوجهات سياسية رأسمالية، أو يقال العكس أننا نعتمد الأساس الرأسمالي ثم نقوم بتطبيقات سياسية وتشريعية اشتراكية..لابد أن ينسجم التوجه السياسي والتشريع القانوني مع التوجه الاقتصادي. وهكذا جري استبعاد كل القيادات التي تحوم حولها أي شبهة ميول لا تتفق مع الجديد القادم. في هذه الفترة أزاحت التغييرات الجديدة الكثير من الأقنعة عن وجوه أصحابها. والقائمة..طويلة تبدأ بأنور السادات نفسه مرورا بعمرو موزا وصولا إلي ما يسمي بمصطفي الفقي. ربي..

إنهم لا يخجلون. على صعيد التنظيم السياسي: استبدال تحالف قوي الشعب العامل ( الذي يجب أن يبكي عليه المصريين بدلا من الدموع الدم ) بالتعددية الحزبية لعب فيها مؤسس النخبة الاستعمارية المصرية محمد أنور السادات دور البهلوان السياسي ( على حد تعبير كيسينجر )، فهو أبـو كل الأحزاب التي انشئت تحت يافطة التعددية الحزبية المزيفة، باستثناء الأحزاب التي ظهرت بعد مقتله، وبقرار قضائي صادر عن المحكمة الدستورية العليا نموذج ( الحزب العربي الديمقراطي الناصري ). فالسادات هو الذي حدد مسارات الأحزاب إيديولوجيا من قبل أن تتشكل أصلا. وأختار لها قياداتها من قبل أن يجتمع مؤسسي الأحزاب لاختيار من يمثلهم. فالسادات هو مؤسس حزب العمل وهو من أسند رئاسته إلي إبراهيم شكري. والسادات هو مؤسس حزب اليمين، وهو من أسند رئاسته إلي مصطفي كامل مراد. والسادات هو مؤسس حزب اليسار، وهو من أسند رئاسته إلي لخالد محيي الدين. أضيف على هامش التغييرات التي شملت الخريطة السياسية..مد الجسور إلي جوقة حسن البنا ، فجري لقاء بين السادات وبينهم لم يعلن عنه..لكن أكده شكل التعاون القائم بينهما، فحصلت بموجبه تلك الجماعة على إصدار مجلة الدعوة من جديد..وتسهيل الاستثمارات بالأموال التي تردها من النفطيين. أما حزب السادات فاختار له أسم حزب مصر العربي الاشتراكي، وعندما تنبه، أو نبــهه آخرون، أن تسمية حزبه تـَضَـمَّـنْ كلمة ( عربي )، وكلمة ( اشتراكي )..سارع السادات فأعاد تسمية حزبه وأختار له أسم الحزب الوطني الديمقراطي..وأصبحوا يسقطون الصفة الديمقراطية خجلا..مكتفين بذكر الحزب الوطني وهو ما يترتب عليه خلطا بين حزب السادات والحزب الوطني وهو تشابه مقطوع الجذور والصلة شكلا وموضوعا بالحزب الذي أسسه احمد عرابي وأعاد بنائه وقيادته مصطفي كامل ومحمد فريد. هذا تشابه فقط في الأسماء حتى لا تختلط الأمور علينا. فأحمد عرابي، ومصطفي كامل، ومحمد فريد، هذه رموز وطنية تاريخية لا تربطها بقائد الثورة المضادة، ومؤسس النخبة الاستعمارية في مصر محمد أنور السادات أي صلة من نسب أو تاريخ. السيطرة على البنية الاقتصادية والمالية: بدأت إجراءات التغيير للبنية الاقتصادية بإغراق مصر أولا في الديون، بعدها ظهر دور البنك الدولي مطالبا بتنفيذ شروطه وأولها خضوع الاقتصادي المصري بأكمله للمشروع الخاص تطبيقا، واعتماد فلسفته أساسا للتوجه الاقتصادي. الخطوة الثانية تفكيك القطاع العام تحت دعوي أن شركاته تحقق خسائر، وبالتالي مطلوب خصخصته ومصمصته. تلي ذلك غزو البنوك الأجنبية لتدير الشأن المالي الذي أوصل بالجنيه المصري إلي ما هو عليه الآن فقيمته الشرائية لم تعد تساوي قيمة ما يوازي تكلفة طباعته. قال روكفلر للسادات ذات يوم ( أعطنا سلاما .. نعطيك تنمية ) فأعطاه السادات مصر كاملة مقشرة وأخذ هو والمستعمرين المصريين عمولتهم، أما الشعب المصري لم يحصل إلا على اعلانات للبدء بثورات في المجال الزراعي والإداري، ووعدا من الرئيس المؤمن ببناء فيلا لكل مصري من نفس الأحجار التي بنيت بها الأهرامات، وأكد حرصه على توفير الماء البارد والساخن لفيلات المصريين الجديدة..هذا ما قاله مؤسس النخب الاستعمارية في مصر محمد انور السادات!!!

أما الحقيقة التي جري تطبيقها هي أنهم عادوا لتكرار ما فعلوه مع الخديوي إسماعيل من مائة سنة ليفعلوه مع الخديوي المنوفي الأول والثاني اغراق مصر في الديون..كانت المبادلة غير عادلة أخذ روكفلر والمؤسسات المالية الغربية كل شيء مالا وسياسة واقتصاد واعترافا بإسرائيل وأعطى روكفلر والبنك الدولي والمؤسسات المالية الغربية والنخب الاستعمارية في مصر..الشعب المصري (صابونه وخازوق حتى يسهلون عليه الأمر). آثار التخريب الاقتصادي على البنية الاجتماعية : كانت انعكاسات استنزاف الموارد الاقتصادية والمالية وجهود المصريين هو أن تأثرت قطاعات الخدمات..الإسكان، الصحة، المواصلات..لكن ما لحق بقطاع التعليم كان هو الأخطر باعتباره بناء الحاضر ومفتاح المستقبل. بدءوا الهدم بالتدرج أيضا،

لكن من البداية وكانت ومن أول السطر وبالتعامل مع معادلة التعليم في مصر..( التلميذ أو الطالب + الأستاذ + المناهج التعليمية ). أولا أنهم لم يساووا أو حتى يقربون الفوارق بين أطفال أبرياء لم تتلوث أرواحهم بعد لا في التعليم ولا في الرعاية الاجتماعية. ثم أخذوا يلقنون تلاميذ المراحل الابتدائية أشياء تصيبهم بانفصام وازدواجية الشخصية..فيكفي أن يصوروا للأطفال واقعا مناقضا تماما لما يتعايشون معه في البيت. فكانت الكتب المدرسية تصور حياة الفلاح المصري في البيت وفي الحقل وأمام التلفاز في صورة فلاح هبط على أرض مصر من ريف المانيا أو السويد مما يجعل الطفل يتوه أيهما يصدق واقعه أم ما هو مكتوب ومصور في الكتب المدرسية!!! استكملوا الهدم عندما وصلوا إلي تدمير حياة وشخصية الأستاذ. فحولوه من مربي فاضل إلي واحد من جباة الضرائب ولكن لحسابه..وأنا لا أعمم لأني أعرف أن هناك أساتذة يستحقون أن يقال في حقهم..قف للمعلم ووفه التبجيلا..كاد المعلم أن يكون رسولا. اسفر التخريب الشامل لقطاع التعليم أن أزاح من عقول المصريين أن تحصيل العلم لم يعد طريقا للصعود والترقي الاجتماعي وعلى قاعدة تكافؤ الفرص..

كما كان في عصر عبد الناصر. كانت التغييرات الاقتصادية والمالية والتشريعية والسياسية التي تجري على أرض مصر تحصر أضرارها في إطار الفئات الاجتماعية الفقيرة. فجري التراجع التدريجي إلي الغاء كامل لكل المكاسب الاجتماعية التي تحققت في فترة التحرر (1952_1970). حتى الجانب المعنوي الذي رافق التغيير الشامل فأصبح المصريون من أصغر مصري إلي جمال عبد الناصر يخاطب كل منهم الآخر بلقب ( السيد )، استعادت النخبة الاستعمارية القابها من جديد، ولم يتبقي للفقراء وهم شعب مصر أي فرصة من أمن اجتماعي أو إنساني فعزت الكرامة، وأصبحوا يعرضون أنفسهم في سوق العمل كالعبيد. تراجع مجتمع الفقراء إلي ما قبل الثورة حسب تعبير د. عزيز صدقي رحمة الله عليه، وأصبحت مصر تأكل من لحمها الحي اقتصادا وموارد على حد تعبير الأستاذ هيكل، فلم يعد هناك أي قدرة على الادخار وتدويره في العجلة التنموية. بعد أن أحكم المستعمرون المصريون على مفاتيح الاقتصاد، والمال، والأمن، بدأ سيل من إصدار التشريعات القانونية ( فأنهت التشريعات الجديدة كل التشريعات التي جرت في فترة ( الحرية ) والمتعلقة بتحديد ملكية الأرض والإيجارات الزراعية، إيجارات المساكن، حقوق الفلاحين، حقوق العمال وإنهاء حقهم في الإدارة والأرباح، الصحة ، الدواء، المواصلات..الخ )،

تقريبا لم يتركوا شيء يذكر المصريين بأن ثـورة قد مــرت من هنــا. الفوارق بين المستعمرون المصريون..وأسلافهم من المستعمرين الأجانب: الأمر الذي لم يتمكن المستعمرون المصريون من تحقيقه هو تأسيس نظام قضائي خاص بهم على منوال ما كان يفعله المستعمرون الأجانب. والسبب أن ( الـْمُـشَـرِّعْ ) لم يكن في مقدوره أن يسقط عنهم صفة المواطنة المصرية. لكنهم لم يعدموا الحيلة فأنجزوا نظام قضائي وإداري خاص بهم يستند في تطبيقاته إلي العودة لقوانين العرف. أما الفارق الثاني أو الاختلاف الثاني هو أن السيطرة العسكرية لم تتم بجيوش أجنبية. الفارق الثالث الذي يميز المستعمر المصري عن حليفه المستعمر الأجنبي أن فرصة المستعمر المصري في وسائل التخفي والمراوغة والتدليس أفضل بالمقارنة بالمستعمر الأجنبي. فارق رابع هو أن المستعمر الأجنبي مهما طال به الزمن سوف يطرد خارج مصر، أما المستعمر المصري للأسف سوف يظل موجود بيننا كاتم على أنفاسنا إلي يوم الدين..

لأنه يعيش تحت جلودنا. العلاقات الإقليمية والدولية: لم ينحصر التراجع والتغيير عند حدود الداخل المصري بل كانت له امتدادات خارجية هي نتاج طبيعي لما جري على أيدي المستعمرين المصريين الجدد في الداخل . تغيرت علاقات مصر بمحيطها الإقليمي، وتغيرت علاقات مصر بمحيطها الدولي. فكان من الطبيعي أن ينشأ تحالف يضم كل النخب الاستعمارية التي تحمل الهوية العربية، ووزعت أدوار ما كانت لتحدث لو أن نظام 23 يوليو ما زال قائما. ترك المستعمرون المصريون للمستعمرين من آل سعود أن يتولوا تحديد اتجاهات السياسة في الإقليم العربي فعاش العرب جميعهم الحقبة السعودية وما يزالوا وهي حقبة تنسب لأسرة آل سعود أسما..في مقابل تراجع الحقبة المنوفية. وبهذا جري تأجير الدور المصري وقبض المستعمرون المصريون الثمن..توكيلات، هبات لا ترد، عمولات على صفقات وهمية..مساعدات أمريكية وغربية يجري تقسيمها بوسائل جهنمية، عمولات وبقشيش من الأسر النفطية على شكل جوائز، وهدايا من المجوهرات لبنات وبنين لأبناء القادة المستعمرين بمناسبة الزواج مثلا. والغريب أننا ما زلنا نشاهد من المستكتبين من يتحدث ويتبجح بأن مصر قائمة بدورها في قيادة المنطقة العربية..يقولها وبانفعال ووطنية زائفة يحسدون عليها. متناسين القاعدة الذهبية التي تحدد..

أن السياسة الخارجية لأي بلد في العالم هي صورة أو مرآة تعكس الواقع الداخلي بكل تفاصيله. وأخيرا .. ماذا بعد؟ ما العمل؟ هل سنردد الشعارات: ( يا عزيز. يا عزيز داهية تاخد الإنجليز) ؟ إن هذا لا يجدي..الذي يجدي أن نبدأ أن نواجه أنفسنا بصدق وأن يكون حديثنا بصوت عال. اليس ما نعيشه هو واقع ظالم مغاير ومخالف ومعادي لمشروع النهضة..مشروع ثورة يوليو ؟ اليس ما نعاني منه ويؤلمنا هو بسبب أن المستعمرين المصرين قد استبدلوا مشروع النهضة بمشروع السيطرة الاستعمارية؟ إذا كنا ما نراه يجري على أرض العراق وفلسطين والأحواز يدمي القلب قبل العين..اليس ذلك بغياب مشرع ثورة يوليو ؟ إذا كنا نعيش حالة فقدنا فيها الآمان في الحاضر، وفقدنا الأمل في المستقبل اليس ذلك بسبب غياب مشروع ثورة يوليو ؟

إذا كنا نتحدث عن غياب أمن مصر ودورها اليس ذلك بسبب غياب مشروع ثورة يوليو؟ ما أقوله واكتبه لا يخرج عن نطاق استخدام منهج قياسي..أو إجراء قياس بدونه لا تستقيم معادلة التغيير. إذا كان كل هذا يجري بسبب غياب مشروع ثورة يوليو فالعودة إلي مشروع ثورة يوليو..من شأنه إعادة المعادلة إلي حالتها الطبيعية. وقبل أن يتفلسف المتفلسفون العودة لمشروع ثورة يوليو بمنهج جديد لا يلغي ثوابته. والعودة إلي مشروع ثورة يوليو تبدأ بالتوحيد بين المنتمين للمشروع الناصري أولا. فهي البداية الصحيحة للبدء في المقاومة الجادة دفاعا عن الوطن.

عن admin

شاهد أيضاً

في ذكري ملحمة شدوان.. الحكاية من البداية

الأحد 22/يناير/2023 – 06:00 ص النهاردة 22 يناير.. ذكرى “معركة شدوان” الانتصار اللي رغم مرور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *