سعيد الشحات يكتب:
الأحد، 24 سبتمبر 2017 10:00 ص
الفريق محمد صادق
مشاركة
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 23 سبتمبر 1970.. فشل وقف إطلاق النار بين الأردن والمقاومة الفلسطينية.. والقذافى يتهم حسين بالجنون وفيصل يغضب وعبدالناصر يتدخل

الأحد، 23 سبتمبر 2018 10:00 ص القذافى والملك فيصل وعبد الناصر
بلغ التراشق بين العاهل السعودى والرئيس الليبى معمر القذافى درجة كبيرة فى مؤتمر القمة العربية الطارئ المنعقد فى القاهرة يوم 22 سبتمبر 1970، لبحث وقف القتال الذى نشب بين الجيش الأردنى وقوات المقاومة الفلسطينية، منذ 16 سبتمبر 1970..
ارتفعت حالة الغضب داخل القمة بعد فشل مهمة الوفد العربى برئاسة الرئيس السودانى جعفر نميرى الذى سافر إلى عمان بقرار من المؤتمر، حسب تأكيد محمود رياض، وزير خارجية مصر وقتئذ، فى مذكراته «البحث عن السلام.. والصراع فى الشرق الأوسط»، وبدأت مهمة الوفد فى عمان بتوجيه نميرى يوم 23 سبتمبر «مثل هذا اليوم 1970»، كلمة إلى الأردنيين والفلسطينيين للعمل على وقف إطلاق النار، واجتمع وفد القمة مع حسين فى نفس اليوم، وتعذر اجتماعه مع عرفات، لكنه اجتمع بقادة لمنظمة التحرير، وهم، صلاح خلف «أبوإياد»، فاروق قدومى «أبواللطف»، إبراهيم بكر، بهجت أبوغريبة، والعقيد سمير الخطيب، وكانوا تحت الأسر لدى الجيش الأردنى، ويؤكد «أبوإياد» فى مذكراته «فلسطينى بلا هوية»، أنه تم دعوتهم إلى قصر الحمر، حيث ينتظر الملك حسين والوفد العربى، ودارت المحادثات حول وسائل الاتصال بعرفات لفرض وقف إطلاق النار بأسرع ما يمكن، وفيما أعلن الملك حسين وقف إطلاق النار بناء على هذا الاجتماع، بعث عرفات فى نفس اليوم «23 سبتمبر» برسالة إلى جمال عبدالناصر، حسب تأكيد «الوثائق الفلسطينية لعام 1970» الصادرة عن «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، أشار فيها إلى أن الذين اجتمعوا بالملك «أسرى لا يمثلون الثورة الفلسطينية حاليا». عاد «الوفد العربى» إلى القاهرة مساء مصطحبا «أبوإياد» الذى يكشف: «أصر الملك حسين على الاحتفاظ بى فى عمان، حيث يمكن أن أكون وفق ما قال أكثر فائدة، إلا أنه اضطر أن يرضخ للفريق صادق الذى كررها أمامه بحزم، بأن عبدالناصر أعطاه الأمر بألا يغادر عمان إلا برفقتى»..عرض «نميرى» ما جرى فى مهمته على مؤتمر القمة، فانعكست على المناقشات، وفقا لتأكيد محمود رياض، ويستشهد محمد حسنين هيكل فى كتابه «الطريق إلى رمضان» على ذلك بحوار جرى، وينقله نصا. الملك فيصل:
«إننى متفق مع فخامتكم «لعبدالناصر» أن ذلك يبدو كأنه خطة لتصفية المقاومة».. القذافى: «إنى غير متفق معكم فى الجهود التى تبذلونها.. وأعتقد أنه لابد من إرسال قوات مسلحة إلى عمان.. قوات من العراق وسوريا».. الملك فيصل: «تريد أن ترسل قواتنا المسلحة للقتال فى الأردن؟ هذا ليس عمليا».. الرئيس عبدالناصر: «أظن أن علينا أن نتحلى بالصبر».. الملك فيصل «ينظر إلى القذافى»: «أظن إن كان علينا أن نرسل جيوشنا إلى أى مكان، فلابد أن نرسلها لتقاتل اليهود».. القذافى: «إن ما يفعله حسين أبشع مما يفعله اليهود، والمسألة كلها اختلاف فى الأسماء».. الرئيس عبدالناصر: «الصعوبة هى أننا إذا أرسلنا جنودا إلى الأردن، فإن ذلك لن يؤدى إلا إلى تصفية بقية الفلسطينيين.. وأريد منكم أن تسمعوا إلى رسالة تلقيتها هذا الصباح من الاتحاد السوفيتى، إنهم يطلبون منا التمسك بأقصى قدر من ضبط النفس، لأن الموقف الدولى أصبح دقيقا للغاية، وأى خطأ فى التفكير يمكن أن يؤدى إلى أن يفقد العرب كل السمعة التى اكتسبوها خلال السنوات الثلاث الماضية»..القذافى: «مازلت معترضا، فإننا إذا كنا نواجه مجنونا كحسين يريد أن يقتل شعبه، فلابد من أن نرسل من يقبض عليه ويضع الأغلال فى يديه، ويمنع من أن يفعل ما يفعل، ويحيله إلى مستشفى مجانين». الملك فيصل: «لا أظن من اللائق أن تصف ملكا عربيا بأنه مجنون، يجب أن يوضع فى مستشفى مجانين».. القذافى: «لكن أسرته كلها مجانين..والمسألة مسألة سجل».. الملك فيصل: «حسنا، ربما كنا كلنا مجانين»..الرئيس عبدالناصر: «فى بعض الأحيان حينما ترون جلالتكم ما يجرى فى العالم العربى، أن ذلك ربما يصبح صحيحا، وأقترح أن نعين طبيبا يكشف علينا بصورة منتظمة، ليتبين من هم المجانين بيننا».. الملك فيصل: «أريد أن يبدأ طبيبك بى، لأنى أشك بالنظر إلى ما أراه فى أنى أستطيع الاحتفاظ بعقلى».. الرئيس عبدالناصر: «على أية حال.. دعونا نعود إلى موضوعنا الأصلى، إنى أقترح على الفور بيانا باسم الرئيس نميرى يقول إن الملك حسين قطع للوفد عهدا بإنهاء القتال».. القذافى: «الملك حسين لن يتراجع ما لم يحس بخنجر فوق عنقه». يؤكد محمود رياض، أن عبدالناصر أقنع المجتمعين بضرورة استمرار الحوار مع الملك حسين، وليس مقاطعته، ووافق المجتمعون على إرسال وفد باسمهم مرة أخرى إلى عمان، وهكذا سافر نميرى ومعه فاروق أبوعيسى وزير خارجية السودان، وحسين الشافعى والفريق محمد صادق «مصر»، ورشاد فرعون «السعودية» وسعد عبدالله الصباح «الكويت» والباهى أدغم «تونس»، وعاد هؤلاء إلى عمان يوم 24 سبتمبر الذى حمل مفاجآت كبيرة فى القاهرة وعمان.
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 24 سبتمبر 1970.. عبدالناصر يكلف الفريق صادق بإخراج عرفات من الأردن والنميرى يتراجع عن رفضه العودة إلى عمان
فى مطار القاهرة، احتضن الرئيس جمال عبدالناصر القيادات الفلسطينية، العائدة من الأردن بصحبة الوفد العربى برئاسة الرئيس السودانى جعفر النميرى، الذى ذهب بتكليف من القمة العربية الطارئة المنعقدة فى القاهرة منذ يوم 21 سبتمبر 1970 لوقف نزيف الدم المتفجر فى الأردن بين الجيش الأردنى وقوات منظمة التحرير، (راجع ذات يوم 23 سبتمبر 2017).
يتذكر أبوإياد فى كتابه «فلسطينى بلا هوية»: «احتضنا عبدالناصر بحرارة وهو بادئ السعادة لدى رؤيتنا سالمين معافين جميعا، وأخذنا فى سيارته إلى قصر القبة، حيث كان رؤساء الدول مجتمعين، وقدمت لهم عرضا عن الوضع فى الأردن، واصفا وحشية القوات الملكية». يصف «أبوإياد» رد الفعل على كلامه: «صدمت، كانت وجوههم ساكنة باردة ونظرتهم غائبة أو لا مبالية»، غير أن محمود رياض وزير خارجية مصر يذكر فى الجزء الأول من مذكراته «البحث عن السلام والصراع فى الشرق الأوسط» عن «دار المستقبل العربى- القاهرة» يذكر: «ظهر داخل المؤتمر اتجاه يطالب بإرسال قوات مسلحة عربية من ليبيا والعراق وسوريا للدفاع عن المقاومة الفلسطينية، وكان يمثل هذا الاتجاه الرئيس الليبى معمر القذافى، واعترض عبدالناصر قائلا، إن مهمتنا هى وقف القتال وليس توسيعه، وواجب الدول العربية فى هذه اللحظة هو إنقاذ المقاومة الفلسطينية، وتحدث الملك فيصل مؤيدا هذا الرأى». يواصل «أبوإياد»: «أوصلنا عبدالناصر- القدومى وأنا- بسيارته إلى فندق هيلتون بالقاهرة، حيث كان يقيم طيلة اجتماع القمة، ثم استقبلنا بعد ذلك فى الجناح الرئاسى، وطرح علينا سؤالا: ماذا تريدون أن أفعل لمساعدتكم؟، يؤكد أبوإياد، أنه رد بأن حسين لن يوقف المعركة طالما بقى ياسر عرفات فى عمان، واقترح عودة النميرى لتخليصه، ويقول: «المحادثات مع عبدالناصر استمرت طوال الليل–أى أنها استمرت حتى الساعات الأولى من يوم 24 سبتمبر (مثل هذا اليوم )- وانتهت بموافقة عبدالناصر على مشروعى، وقال لى إن الفريق صادق سيكلف بخطة خروج عرفات، ولم يبق سوى أن أقنع بقية رؤساء الدول المعنيين بمهمة النميرى الجديدة»، ويؤكد محمود رياض: «أقنع عبدالناصر المجتمعين بضرورة استمرار الحوار مع الملك وليس مقاطعته، ومن هنا وافق المجتمعون على إرسال وفد باسمهم مرة أخرى»، ويكشف «أبوإياد»: «رفض النميرى، واعتبر أن مهمته انتهت، وأنه لا يريد أن يضع قدميه فى عمان، لكنه رضخ بناء لإلحاح عبدالناصر الذى كان يجله كثيرا»، وطبقا لرياض: «سافر نميرى مرة أخرى يوم 24 سبتمبر على رأس وفد يضم حسين الشافعى، ورشاد فرعون مستشار الملك فيصل، وسعد العبدالله الصباح، والباهى أدغم، ممثلين لدولهم والفريق صادق». ويتذكر «صادق» فى مذكراته (موقع البديل الإلكترونى- 28 مارس 2015)، أنه بعد قرار القمة بسفر وفدها: «اتجهت للقاء منفرد مع الرئيس عبدالناصر» الذى بادرنى قائلا: «أهم شىء عندى الآن هو أن تحضر لى ياسر عرفات حيا إلى القاهرة، فعرفات يمثل الرمز الفلسطينى ولابد من إنقاذ هذا الرمز، عليك أن تتصرف بسرية كاملة، ولك كل الصلاحيات، بقية المهام يقوم بها وفد القمة مجتمعا، وضع خططك ونفذ التعليمات فنحن فى سباق مع الزمن». ويقول «صادق» فى الساعة الحادية عشرة وعشر دقائق مساء «24 سبتمبر 1970» وجه نميرى نداء بصوته: «الأخ المناضل ياسر عرفات، باسمى شخصيا ونيابة عن الوفد الذى وصل إلى عمان هذه الليلة نرجو منكم أن تقترحوا علينا كيف يمكن الاتصال بكم ومكان وموعد الاجتماع وبأى وسيلة متاحة، وبما أن الأمر مهم وعاجل فأرجو تحقيق ذلك حالا..نكرر حالا وشكرا»، ظل راديو عمان يكرر النداء حسبما يؤكد الفريق صادق، وبعد أكثر من ساعة على نداء «نميرى» وفى الساعة الثانية عشرة و45 دقيقة رد «عرفات» ببيان أذيع من راديو اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية فى دمشق، قال فيه: «سيادة الآخر الرئيس اللواء أركان حرب جعفر محمد نميرى، نقترح أن تصلوا سيادتكم عبر الطريق الموصل من فندق الكرمان إلى مدرسة عالية إلى مقر سفارة الجمهورية العربية المتحدة (مصر) فى جبل اللوبيدة ويصلكم مندوب من طرفنا ليرافقكم إلى مقر الاجتماع، لقد عممنا على قوات الثورة فى جبل اللوبيدة لتأمين وصولكم وعدم التعرض لسيادتكم». التقى الوفد بعرفات، وفيما كان النقاش يدور حول وقف إطلاق النار، كان صادق يخطط وينفذ فى سرية تامة عملية نقل «عرفات» إلى القاهرة.
مجلة الوعي العربي