الرئيسية / حوارات ناصرية / ذات يوم 29 و 30 يناير 1965.. عاصفة غضب فى ألمانيا الغربية من عبدالناصر لدعوته زعيم ألمانيا الشرقية لزيارة مصر

ذات يوم 29 و 30 يناير 1965.. عاصفة غضب فى ألمانيا الغربية من عبدالناصر لدعوته زعيم ألمانيا الشرقية لزيارة مصر

سعيد الشحات يكتب:

الإثنين، 29 يناير 2018 10:00 ص

 فالتر أولبريخت
 
 
 
كتب «فالتر أولبريخت» زعيم ألمانيا الشرقية إلى الرئيس جمال عبدالناصر برقية يوم 27 يناير عام 1965، يشكره على دعوته لزيارة مصر، فهبت العواصف فى ألمانيا الغربية، وحسب محمد حسنين هيكل فى كتابه «عبدالناصر والعالم» عن «دار النهار – بيروت» فى اليوم التالى «28 يناير» استدعى مستشارها «إيرهادر» مجلس وزرائه إلى اجتماع خاص وأصدر بيانا، وظهر البيان فى الصحف الألمانية والعالمية يوم 29 يناير «مثل هذا اليوم»، «وأبدى الأسف على هذه الزيارة واستنكارها، وعقدت فى مختلف أرجاء ألمانيا الغربية اجتماعات سياسية لمناقشة هذه الزيارة».
 
كانت ألمانيا وقتئذ تنقسم إلى دولتين هما «ألمانيا الغربية» التابعة للكتلة الغربية بزعامة أمريكا، و«ألمانيا الشرقية» التابعة للكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفيتى، وجاء هذا التقسيم نتيجة الحرب العالمية الثانية التى قسمت العالم كتلتين، غربية، وشرقية، وسعى الجزء الغربى من ألمانيا، إلى حكومات العالم لعدم الاعتراف بالجزء «الشرقى»، وحصره فقط فى دول الكتلة الشرقية، وفى هذا السياق يؤكد «هيكل»: «كانت زيارة «أولبريخت» هى الأولى له خارج الكتلة الشرقية، وكانت تستهدف الشرق الأوسط الذى كان يشهد الكثير من الأحداث، ومن ثم فقد ساد الاعتقاد بأن هذه الزيارة ستكون عواقبها خطيرة للغاية».
 
كان عداء مصر لإسرائيل هو الأصل فى هذه القضية التى شهدت تفاعلات ساخنة وهائلة، أدت إلى قطع علاقات مصر ودول عربية مع ألمانيا الغربية، واستخدام ورقة الاعتراف بألمانيا الشرقية، وهناك تفاصيل كثيرة فى القصة، تشمل كما يقول هيكل: «الاتفاق بين إسرائيل وألمانيا الغربية فى ديسمبر 1952 على أن تدفع الحكومة الألمانية لإسرائيل ثلاثة مليارات دولار فى 12 عاما، بحجة التعويض عن الجرائم النازية بحق اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، ويؤكد هيكل: «اهتز العالم العربى بسبب هذا الاتفاق، وكانت الجامعة العربية تحس بالمرارة لكنها لا تستطيع أن تفعل شيئا»، ويكشف أن «إيرهارد» صاحب المعجزة الاقتصادية الألمانية، حين زار القاهرة عام 1960، وكان نائبا لمستشارها «أديناور»، ناقشه عبدالناصر فى مسألة التعويضات، قائلا: «ما الذى يحتم أن ترث إسرائيل الضحايا اليهود الذين لقوا حتفهم على يد النازيين؟، إننا نفهم أن تكون ثمة تعويضات شخصية لأفراد وعائلات منفردة من اليهود، ولكن ما هو المبرر فى إعطاء أموال التعويضات لإسرائيل؟، ثم إنه ليس هناك من دليل على أن اليهود الناجين من ألمانيا النازية ذهبوا إلى إسرائيل، ذلك أن معظمهم هاجر إلى أمريكا وأوروبا الغربية».
 
تطورت القصة إلى ما هو أخطر وهو تعاقد إسرائيل على صفقة سلاح، بضغوط من الرئيس الأمريكى كنيدى على «أديناور» فى لقائهما نوفمبر 1961، ووفقا لهيكل: «رتبت الصفقة وتقرر بموجبها أن تحصل إسرائيل على اعتماد بستين مليون دولار تستطيع بموجبه الشراء من أى مكان، وبالرغم من احتياطات كنيدى وضماناته فإن قصة هذه الصفقة بدأت تتسرب، واستدعى الرئيس، السفير المصرى فى بون «جمال منصور»، والملحق العسكرى الضابط محمد أحمد صادق «وزير الحربية فيما بعد»، ويكشف «صادق» فى مذكراته بالأهرام «10 أغسطس 2010» عرض «عبده مباشر»، كيف توصل باليقين إلى بدء تنفيذ هذه الصفقة وإبلاغ مصر بها.
 
تولى صادق منصب الملحق الحربى فى ألمانيا ورئيس مكتب المخابرات فيها من 1962 إلى 1964، مؤكدا أنه بعد استلام مهام عمله فى العاصمة «بون» بدأ فى نسج علاقاته داخل المجتمع الألمانى مع عسكريين سابقين وحاليين، ورجال صناعة وبرلمان، وذلك بحثا عن المعلومة، ويكشف أنه فى زيارة له إلى القاهرة طلبه الفريق سليمان عزت قائد القوات البحرية وفى لقائهما أخبره «عزت» بأنهم يبنون غواصة «جيب» وينقصهم جهاز، وطلب منه ترشيح خبير ألمانى يمكنه أن يقود فريق العمل المصرى فى بناء الغواصة.
 
عاد «صادق» إلى ألمانيا، وتذكر أن ممن تعرف عليهم نقيب بحرى يدعى «إيرهارد»، ويعمل فى سلاح البحرية الألمانية، بالرغم من أنه فقد إحدى عينيه، ويكره اليهود بشدة، فدعاه إلى العشاء، ومعه زوجته كى يفاتحه فى موضوع الغواصة، ويؤكد صادق: «أفرط الضابط فى احتساء مشروبه المفضل «شابس»، فوصل إلى مرحلة السكر وظهر وجهه النازى، وأفاض فى حديثه عن هتلر، وتركته يتحدث، ورأيته وهو يواصل حديثه أن أفاتحه فى عالم الغواصات بصفته خبيرا، فإذا به ينتفض غاضبا ويخاطبنى بأسلوب حاد: «جنرال صادق يجب أن تعلم أننى عارضت حتى النهاية تزويد إسرائيل بغواصات أو دبابات أو أى أسلحة ألمانية، وطرحت حججى أمام القيادة الألمانية، ونجحت فى عدم تزويد إسرائيل بالغواصات، أما بالنسبة للدبابات والمدافع والسيارات فلم أوفق، والقوات البحرية ستقوم بتسليم إسرائيل زوارق بحرية سريعة، أما عن تسليم باقى الأسلحة الخاصة بالقوات البرية لا أعلم عنها شيئا».
كان الأمر مفاجئًا لصادق، وللقصة بقية.
 

سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 30 يناير 1965..ألمانيا الغربية تستدعى سفيرها من القاهرة.. و«عبدالناصر»: تسليحكم لإسرائيل غير مقبول لنا

الثلاثاء، 30 يناير 2018 10:00 ص

سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 30 يناير 1965..ألمانيا الغربية تستدعى سفيرها من القاهرة.. و«عبدالناصر»: تسليحكم لإسرائيل غير مقبول لنا محمد صادق

 

 
 
 
 
 
واصل الضابط الألمانى كشف أسرار صفقة سلاح ألمانيا الغربية إلى إسرائيل، بعد حالة السُكر التى تمكنت منه أثناء العشاء الذى دعاه إليه الضابط محمد أحمد صادق، الملحق العسكرى المصرى فى ألمانيا، ووزير الحربية فيما بعد «راجع ذات يوم 29 يناير 2018».
 
يكشف «صادق» فى مذكراته بالأهرام، 10 أغسطس 2010، أنه بدأ يرتب أفكاره فور انصراف الضابط الألمانى، وفى صباح اليوم التالى طلب تحديد موعد عاجل مع مدير المخابرات الألمانية، بسبب معلومات مهمة وصلته من القاهرة، ويؤكد: «استقبلنى الرجل فى مكتبه، فأخبرته بأننى تسلمت رسالة من القاهرة تستفسر عن صفقة الأسلحة الألمانية لإسرائيل، والتى تضم مدافع ودبابات وسيارات وغواصات وزوارق، وصعق مدير المخابرات من هذه المعلومات، وطلب منى محاولة تهدئة الموقف، وحاول شرح أبعاد هذه القضية الطويلة والمعقدة، وفى خطوة تالية طلبت موعدًا مع وزير الدفاع الألمانى، وقلت له إن الرئيس عبدالناصر مستاء للغاية من الموقف الألمانى، وهو يريد توضيحًا، بعد أن نقلت له المعلومات التى قلتها لمدير المخابرات، وأضفت إليها المعلومات التى جاءت فى رده على ما ذكرته أثناء حديثى معه، وأخبرت المسؤول أن مصر ستتخذ موقفًا تجاه ألمانيا».
 
كان لتحركات «صادق» تأثير فى دوائر الحكم الألمانية، حيث يؤكد أنه فى مساء نفس يوم لقائه بمدير المخابرات ووزير الدفاع، أرسل إليه مستشار ألمانيا، لودفيج إيرهارد، زوج أخته، فى محاولة لمساومته على تهدئة الموقف، ومنع مصر من اتخاذ موقف متشدد، ووصل الأمر إلى عرض الرجل دفع 70 مليون مارك ألمانى لمصر، ويضيف: «من مكتبى الذى توجهت إليه فورًا، أرسلت تقريرًا إلى الرئيس عبدالناصر والمشير عبدالحكيم عامر ووزير الخارجية».
 
يؤكد محمد حسنين هيكل فى كتابه «ملفات السويس» أن القاهرة وجدت أنه لا مفر من الدخول فى مواجهة ضد هدايا السلاح الألمانى لإسرائيل، وكان حتمًا أن تكون المواجهة متعددة الجبهات بسبب ملابسات القضية وظروفها، ووجهت دعوة إلى مستشار ألمانيا الشرقية، فالتر أولبرخت، عارفة مقدمًا أنها ستسحب العلاقات بين بون والقاهرة إلى حافة الأزمة، وكان حساب القاهرة أنه عند حافة الأزمة وبموازين متعادلة، هى «بون» وهدايا الأسلحة لإسرائيل، و«القاهرة» والدعوة القائمة لـ«أولبرخت»، يمكن الحديث من أجل الوصول إلى حل متوازن، وحدث ما توقعته «القاهرة» بالفعل من آثار لدعوة «أولبرخت»، وارتبكت حكومة ألمانيا الغربية فيما يمكن أن تفعله.
 
ويقدم «هيكل» تفاصيل هذا الارتباك فى كتابه «عبدالناصر والعالم»، فى فصل «عبدالناصر وإيرهارد.. صدام فى الظلام»، مشيرًا إلى حالة الغضب التى سادت فى بون منذ الإعلان يوم 27 يناير عن زيارة «أولبرخت»، وشمل الغضب اجتماعات واتصالات بالقاهرة يوم 30 يناير «مثل هذا اليوم» عام 1965، وكان من مظاهره استدعاء سفير ألمانيا الغربية فى القاهرة، الدكتور جورج فيدير، الذى قابل «عبدالناصر» قبل مغادرته القاهرة، وحسب محضر هذه المقابلة الموجودة فى ملفات المخابرات العامة، ورئاسة مجلس الوزراء، ووزارة الخارجية، قال السفير: «يا سيادة الرئيس.. نحن لسنا مثلكم، أنتم أمة مستقلة.. أما ألمانيا فليست مستقلة».
 
رد «عبدالناصر»: «مع كل طاقتكم الاقتصادية تأتون إلينا، نحن الأمة النامية، وتقولون إنكم غير مستقلين.. إننا نحاول أن نقترض الأموال منكم، ونحاول الحصول على المهارات الفنية من عندكم، ثم تأتى مع ذلك وتبلغنى أنكم غير مستقلين، هذه حجة لن أقبل ولن أسلم بها»، وطلب السفير أن تقدر مصر والعرب ظروف ألمانيا، خاصة فيما يتعلق باليهود وإسرائيل، فرد «عبدالناصر»: «هذه الصفقة تشجيع صريح لإسرائيل على العدوان، وهو أمر لا تستطيع مصر ولا بقية الدول العربية أن تسكت عليه»، وتساءل السفير: إن بون قد تكون مستعدة لأن تفهم حساسية العرب فى هذا الصدد، لكن السؤال الذى يحرج الجميع هو: لماذا يكون الرد هو دعوة «أولبرخت» لزيارة مصر، فهو أمر غير مقبول على الإطلاق بالنسبة لألمانيا الغربية؟، وعقب «عبدالناصر» قائلًا: «وكذلك تسليح ألمانيا الغربية بالنسبة لنا هو الآخر غير مقبول على الإطلاق».
 
اللافت أن دعوة «أولبرخت» إلى القاهرة دخلت إلى القصة كـ«ورقة جوكر ألقيت على مائدة القمار»، بتعبير «هيكل»، ففى البدء أبلغ «عبدالناصر» فى رسالة ودية جدًا أنه مريض، وأن أطباءه أشاروا عليه بالذهاب إلى بلد دافئ للاستشفاء، واقترح بعض أطبائه أسوان، فوافق «عبدالناصر» لأن الغاية طبية وليست سياسية، ونُشر فى صحف ألمانيا الشرقية خبر صغير عن أن «أولبرخت» سيقضى عطلة فى مصر، فقامت قيامة الألمان الغربيين، ومع تنفيذ صفقة الأسلحة لإسرائيل، رد «عبدالناصر» بتغيير الزيارة من «الاستشفاء» إلى زيارة «رسمية»، وتفاعلت الأزمة فيما بعد حتى انتهت بقطع العلاقات مع ألمانيا الغربية. 

عن admin

شاهد أيضاً

ذات يوم 5 أغسطس 1970.. القاهرة ترفض الرد على احتجاج بغداد حول إذاعة ونشر رد «عبدالناصر» على خطاب الرئيس العراقى أحمد حسن البكر

سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 5 أغسطس 1970.. القاهرة ترفض الرد على احتجاج بغداد حول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *