دراسة بقلم / د. رفعت سيد أحمد
( 1 / 3 )
* المؤامرة الأولى : مؤامرة (مرتضى المراغى) لإعادة الملكية لمصر
* محورها استخدام الطيار عصام الدين خليل عن طريق الطيار السابق حسين خيرى ، وبتمويل الملك سعود بن عبد العزيز ، والأمير عبد الإله ولى عهد العراق وأفراد الأسرة المالكة فى مصر
* 24 وثيقة تؤكد المؤامرة التى وقعت أحداثها فى عامى 1957 و1958 وكشفها عبد الناصر وكانت كلمة السر هى (مأمون)
********
مع كل ذكرى تتصل بجمال عبد الناصر سواء ميلاده او قراراته القومية المصيرية او وفاته تتجدد التساؤلات حول الأسباب الحقيقية لرحيل الرجل ؛ وهل كانت وفاته طبيعية أم كانت قتلاً بالسم البطىء أو نتيجة مؤامرة مُحكمة ؛ شاركت فيها أطرافاً داخلية وخارجية ؟ تساؤلات عديدة ، كانت هى دافعنا لهذه الدراسة ، عن بعض المؤامرات المجهولة التى كانت تستهدف حياة عبد الناصر ونظامه السياسى ، فعلى مدار عشرات الحلقات التليفزيونية منذ عدة اعوام (عبر قناة الجزيرة مع هيكل : تجربة حياة) ، وعشرات اللقاءات الصحفية العربية ، قدم الكاتب الكبير الأستاذ / محمد حسنين هيكل رؤى وأفكار وتأريخ غاية فى الأهمية ، لقرابة 60 عاماً من تاريخنا المصرى الحديث ، ورغم بعض الأخطاء ، والهنات ، الوثائقية ، فى تلك الرؤى ، إلا أن ما قدمه فى مجمله – حتى الآن – يعد فى تقديرنا المتواضع ، شهادة تاريخية مقدرة ومحترمة . ولكن ما لفت انتباهى ليس فحسب كمهتم بالفترة الناصرية ، بل كدارس لها ، هو إسقاط (الأستاذ) ، لبعض القضايا ، الهامة ، وعدم التأريخ لها بالقدر اللائق ، رغم أنه يعلمها ، بل كان أحد صناعها ، وأحد أبرز المشاركين فيها بالكلمة ، والموقف ، ومن بين أبرز تلك القضايا ، المؤامرات السياسية الخارجية والداخلية التى استهدفت الحكم الناصرى ، وكادت تؤدى بحياة جمال عبد الناصر ذاته ، وكان لهيكل موقفاً صلباً فى إدانتها ، بل وأحياناً كان له فضل السبق فى فضحها وكشف أسرارها أمام الرأى العام العالمى عبر مقالاته الشهيرة فى أهرام الجمعة الذى كان يعنونها بـ(بصراحة) .. ترى ما السبب فى إسقاط (الأستاذ) لتلك المؤامرات ؛ وخاصة مؤامرات الملك السعودى الراحل (سعود بن عبد العزيز) إبان عصر الوحدة المصرية السورية ؟ هل هى اعتبارات الحساسية السعودية تجاه كل ما يتصل بتاريخ العلاقات المصرية السعودية منذ عقد سقوط الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى (1818) على أيدى إبراهيم ابن محمد على باشا وحتى اليوم 2014 ؟ هل هى اعتبارات قناة الجزيرة القطرية وعلاقاتها بالأسرتين السعودية والقطرية ؟ أم هو النسيان ، رغم أن (الأستاذ) مشهود له بالذاكرة القوية ، وبأنه يسجل أصغر الأسرار فى أوراق وأرشيف لا تناله يد البلى أو النسيان ؟ وما يثار عن اسقاط هيكل لهذة المؤامرات من تأريخه يقال ايضا عن الكثير من المؤرخين الوطنين الذين تناسوا عن عمد تلك المؤامرات وكأنها لم تحدث ؟
** على اية حال ثمة تساؤلات كثيرة ، تطرح ، وهى فى ظنى مشروعة ، خاصة عندما نقرأ عن تفاصيل تلك المؤامرات ، ولأن القضية بالنسبة إلينا ليست ، صمت الأستاذ / هيكل وغيره من المؤرخين أو نطقهم ؛ بل هى التاريخ الذى ينبغى ألا يقرأ أو يسمع أو يشاهد من خلال مصدر واحد مع كامل الاحترام والتقدير له ، خاصة إذا كان تاريخ دولة فى قيمة مصر ، وزعيم فى مقام عبد الناصر ؛ ولأن الأحداث فى القضايا التى تم نسيانها أو إسقاطها ، كانت قضايا كبيرة ، وذات تأثير مستمر حتى يومنا هذا (2014) ، وليست فحسب مرتبطة بمرحلة تاريخية مات رجالها (سعود وعبد الناصر والسراج ، وعصام خليل ومرتضى المراغى وغيرهم ممن سنذكرهم فى هذه الأوراق التى نسيها هيكل والمؤرخون ) .. على أية حال ، اننا أمام تاريخ ، كانت لأحداثه دويها الهائل أثناء وقوعها، ولاتزال ذاكرها ، وآلياتها تحدث آثارها الهامة ، وتنزل بصماتها المؤثرة على وجه مصر المعاصر .. أمام هذا التاريخ الذى سقط سهواً ، دعونا نقلب الصفحات ليس للعبرة ، والاتعاظ فحسب ، بل للحفاظ على الذاكرة الوطنية من الاندثار والنسيان .
********
يحدثنا التاريخ ان المؤامرات التى تعرض لها الزعيم جمال عبد الناصر كانت من الكثرة ، والخطورة بدرجة لا يمكن تجاهلها خاصة فى فترات المد الثورى وأثناء المحطات المفصلية ، فى تاريخ هذا الزعيم ، وكانت المرحلة التى واكبت حدث الوحدة السورية المصرية (1958-1962) هى الأبرز والأهم ، ففى تلك الفترة وقعت أحداث درامية ، هامة ، وهيكت مؤامرات دامية لإسقاط الحكم الناصرى ، واغتيال عبد الناصر . المؤامرة الأولى التى نعرض لها فى هذه الحلقة من دراستنا ، والتى لم يأت هيكل فى شهادته على العصر ، بأى ذكر لها ، هى المؤامرة التى سميت بمؤامرة مرتضى المراغى ، وهو ابن الشيخ (المراغى) شيخ الأزهر الأسبق ، وكان مرتضى وزيراً للداخلية فى عهد الملك فاروق ، واستهدف بمؤامرته التى سنرويها تفصيلاً الانقلاب على ثورة يوليو ، واغتيال جمال عبد الناصر واعادة الحكم الملكى مرة أخرى إلى البلاد ، أما أبطال هذه المؤامرة فكان فى مقدمتهم ملك السعودية وقتها الملك سعود بن عبد العزيز الذى جاء بعد عدة سنوات من هذه المؤامرة إلى مصر كلاجىء ومناضل سياسى (!!) ضد حكام السعودية الجدد وقتها (فيصل وأخوته من الجناح السديرى فى الحكم الملكى) .. أما عن تفاصيل المؤامرة ، وفقاً لما ذكرته صحافة ذلك الزمان وفى مقدمتها جريدة الأهرام بقيادة محمد حسنين هيكل ، وما ذكره العديد من المؤرخين وفى مقدمتهم المؤرخ والمناضل الحجازى الدكتور فوزى أسعد نقيطى ، فى رسالته للدكتوراه والتى خصصها عن العلاقات السعودية والمصرية وأشرف عليه فيها المؤرخ الراحل د. رؤوف عباس ، فإن ملخص هذه المؤامرة وفقاً لما ذكره البكباشى (المقدم) طيار / عصام الدين خليل الذى طلب مقابلة اللواء عبد الحكيم عامر ليقول له ، أن أحد أصدقائه من الضباط السابقين (حسين خيرى) وهو من أنسباء الأسرة المالكة السابقة ، اتصل به وحاول تجنيده لإجراء انقلاب عسكرى فى مصر وأن الملك سعود هو الممول الرئيسى له تحت إشراف مرتضى المراغى لإعادة الحكم الملكى إلى مصر فيما أطلقت عليه الصحافة المصرية اسم ” المؤامرة الكبرى ” والتى يلخصها المقدم طيار عصام الدين خليل بقوله : ان القدر وحده هو الذى وضعنى فى طريق هذه المؤامرة ، ولو سعيت إليها عامداً ، لما حدث فصل واحد من فصول هذه القصة .. كنت فى روما ، وفى ردهة فندق أقبل على صديق اسمه ” حسين خيرى ” كان ضابطاً فى الجيش المصرى ، ثم أحيل إلى الاستيداع .. وبدأ فى حديثه معى يهاجم النظام فى مصر .. كان بيننا ماض من صداقة وزمالة ، وكانت تربطنا وشائج جعلته يفرط فى اطمئنانه إلى ، وما كاد يسمع منى أنى مثله ساخط حتى دخل على موضوعه رأساً .
انتقلنا إلى بيروت ، وارتجفت أوصالى وأنا أخطو إلى حجرة فيها رجل غامض ، وقدمنى إليه حسين خيرى ، حيانى الرجل بالفرنسية لم يستطع ولا استطاع أن يقاوم حبه ” للويسكى الأسكوتش ” أو سجائر ” الستيت اكبريس ” إذاً أنا أمام إنجليزى يتخفى ، والمؤامرة جد ، والعملية قائمة على قدم وساق .. وعرفت من الرجل أن الدور الذى أعد لى دور كبير ، دور بطولة ، لأنى سأكون قائد التنفيذ للانقلاب .. وقد طلبت مالاً كثيراً ، وحسبوا هم أننى جشع ولكن الإصرار على طلب المال جعلهم يؤمنون بأن كل بيانات تقدم إليهم بثمنها ، وأننى فى نفس الوقت أباع واشترى .. وتعرفت على ” مرتضى المراغى ” كان يسير فى حراسة ستة من ” الفتوات اللبنانيين ” ويتنقل بين عشر فيلات على الأقل ، ويبدأ نهاره فى منتصف الليل ، حين يجتمع مع أعضاء الشبكة الواسعة ، وينتهى نهاره مع أول ضوء من الفجر .
وجلست ليلة استمع إلى ” مرتضى المراغى ” قال لى : ” أننا نسعى إلى هدف واحد ، وهو تخليص بلدنا من حكم جمال عبد الناصر .. وجئت إلى القاهرة لأقول لرؤسائى ما حدث ، وأخذت الأمر بأن أمضى فى الطريق إلى نهايته .. كنت أذهب إليهم وأقدم لهم المعلومات فيراجعونها فيجدون كل ما أقول واقعاً ولا تحوم حوله شبهة كذب أو خيال شك .. كنت أتعامل مع أحد أنواع الآدميين ، أناس شغلتهم الخيانة وأسلوبهم إليها خسة ومال رقيق أبيض .. كان هناك أحد احتمالين عند التنفيذ الذى اخترنا له يوم (26 نوفمبر 1957) إما أن يكون جمال عبد الناصر خارج البلاد ، وهنا يمضى الانقلاب فى طريق دون حاجة إلى التخلص منه ، وإما أن يكون جمال فى مصر ، وهنا سنبدأ به ، وتنطلق أول رصاصة عليه ويكون لى – فخر إطلاقها ، وتجىء حكومة على رأسها مرتضى المراغى ، وتعود الملكية .. ولقد تحدد يوم 26 نوفمبر ، بعد أن جاهدت طويلاً للتسويف ، فقد كان للتسويف فوائد كثيرة ، لأنه يعطى الفرصة لأقبض المزيد من المال ، الذى كنت أقدمه أول بأول إلى الحكومة المصرية ، وكان يعطينى الفرصة لأحصل على أكبر قدر من المعلومات ، حول أسرار التنظيم والاجتماع بزعمائه فى ليالى الخمر والنساء ، لكى أسرق ما فى صدورهم من أسرار (مجلة المصور ، عدد 27/12/1957) .
* ومن واقع أقوال الشهود ، والوثائق التى بلغت 24 وثيقة اتضح أن الأطراف التى اشتركت فى تدبير هذه المؤامرة ، هى :
1 – الملك سعود واسمه الحركى ” مهندس الكعبة ” ورصد مبلغ 3 ملايين جنيه استرلينى والذى سافر إلى ” بادن بادن ” فى ألمانيا كى يلتقى سراً بأحمد أبو الفتح ومرتضى المراغى ، الذى طالبه بإسقاط الرئيس بأى ثمن .
2 – الأمير عبد الإله ، ولى عهد العراق ، وهو الممول الثانى ، والتزم بدفع 100 ألف جنيه.
3 – مرتضى المراغى أو ” مرمر ” ويحمل جواز سفر بريطانى ومهمته أن يجمع الأموال من الممولين ويوجه ويحرض ، وهو الذى تولى تشكيل حكومة الانقلاب .
4 – ” ناموق ” الأمير العثمانى أو “البرنس” وكان عليه أن يتصل بالعائلات الملكية فى كل من السعودية ، والعراق ، والأسرة المالكة السابقة لحشد التأييد والمال .
5 – العقيد حسين خيرى ، ضابط مصرى سابق ، يتجول بين أوروبا وبيروت ، ويقوم بعمليات التجنيد ، وهو الذى جند الشاهد الأول ، البكباشى ” عصام الدين خليل ” .
وهناك أشخاص آخرون ، منهم ” جون فارمر ” الرجل الثانى فى المخابرات البريطانية واسمه الحركى ” جونى ” ، وكذلك ” أدمون حنين ” و” جون بشارة ” والراقصة ” جانيت كرمان ” ويحملون الجنسية اللبنانية .
ولأن مرتضى المراغى كان مقيماً فى بيروت ، فإن الشرطة اللبنانية ، كما يقول الشاهد الأول عصام الدين خليل ، كانت تحرس المراغى ، الذى كان على اتصال برئيس الجمهورية اللبنانية ، وينسق معه ، وهو أمر طبيعى ، طالما كان وزير الخارجية شارل مالك هو صاحب اقتراح ، وخطة التخلص من عبد الناصر .
وحسب اعتراف البكباشى عصام الدين خليل ، فإنه كان من المفترض أن يكون هو قائد الانقلاب ، وأنه قبض بالفعل 162 ألف جنيه كدفعة أولى وأن عناصر القوة التى كانت ستتولى التنفيذ تتكون من وحدات من رجال المظلات ، والمدرعات ، وسلاح الطيران ، لقمع أى تدخل من الوحدات العسكرية الأخرى ، بالإضافة إلى مجموعات من المدنيين من الاخوان المسلمين .
وكان هدف الانقلاب ، الذى تحدد موقع تنفيذه يوم 26 نوفمبر 1957 القضاء على رمز ثورة 23 يوليو ، واعتقال أو اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر ، وإعلان قيام حكومة جديدة ، مع إرسال طائرة خاصة إلى بيروت لاحضار ناموق ، والمراغى ، وحسين خيرى إلى القاهرة، عقب نجاح الانقلاب ، ثم الاعلان عن استفتاء على نظام الحكم ، وهو استفتاء مزيف ، ونتيجته معروفة سلفاً ، بأن تكون نسبة الموافقين على إعادة الملكية 85% .
كما تقرر أن يكون الأمير محمد عبد المنعم ، حفيد السلطان حسين ، ملكاً ، والمراغى رئيساً للوزارة ، وحسين خيرى وزيراً للمالية ، والبكباشى عصام الدين خليل ، وزيراً للداخلية .
وحسب إفادة هذا الأخير ، فإن الملك سعود كان واثقاً تماماً من نجاح الخطة ، وكان مطمئن خالص .. ومنشرح ويقول : أنا شلت جمال عبد الناصر ” .وكانت المخابرات الأمريكية قد وحدت ” كلمة السر ” مع الملك سعود ، سواء فى حالة النجاح أو الفشل .
ففى حالة النجاح ، يذهب عصام الدين خليل إلى السفارة السعودية ويقول ” مأمون جاى يأخذ البوستة ” فيتسلم باقى المبلغ لتوزيعه على الضباط المتآمرين ، وليستطيع الانقلاب الوقوف على قدميه ” .وفى حالة الفشل ، يدخل السفارة الأمريكية فى القاهرة ، ويقول للمسئولين فيها ” إنه مبعوث من مأمون وعايز المساعدة ” وحينئذ يعتبرونه لاجئاً سياسياً .
وكان الاسم الحركى للسفير الأمريكى هو المستر ” ليونز ” والسفارة الأمريكية ” مكتب ليونز”. هذا ولقد ثبت من أقوال الشهود أمام المحكمة العسكرية العليا ، أن المخابرات الأمريكية والبريطانية كانتا تتعاونا معاً فى التخطيط للمؤامرة وتنفيذها .
ومن جانبه اعترف ” إيفلاند ” مسئول المخابرات الأمريكية فى المنطقة ” بأن الرئيس ايزنهاور والمستر دالاس قد وضعا اللمسات الأخيرة للمؤامرة فى وجود الملك سعود ، والأمير عبد الإله وشارل مالك ، أثناء تواجدهم فى شهر فبراير 1957 فى واشنطن ، وأن المستر آلان دالاس وكيم روزفلت قد اجتمعا بالزائرين العرب ، وأغدقا عليهم الهبات ، والهدايا ، والقروض . وأنه تم الاتفاق على إقامة شبكة من العملاء الأمريكيين ، والبريطانيين ، والسعوديين ، والعراقيين والأردنيين ، واللبنانيين ، وترأست المخابرات الأمريكية هذه الشبكة، بحكم أنها المصدر الرئيس للتمويل ، وفى هذا النطاق برز اسم كيم روزفلت ، يساعده “سبيونى ” فى مصر و” يبن ” فى سوريا وكان مركز الشبكة ومركز الاتصالات مدينة بيروت.
ولذا كانت الخارجية الأمريكية على اتصال مستمر مع كل من الرئيس كميل شمعون وشارل مالك ، حسبما أفادت الوثائق الأمريكية فيما بعد .
(وإلى الحلقة القادمة)
مؤامرات مجهولة لاغتيال عبد الناصر ( 2 / 3 )
صمت عنها البعض .. وسجلها التاريخ
دراسة بقلم / د. رفعت سيد أحمد
* المؤامرة الثانية (مؤامرة أم خالد) :
* سميت المؤامرة التى استهدفت نسف طائرة عبد الناصر فى الجو وهو مغادراً سوريا أثناء الاحتفال بالوحدة ، باسم ” مؤامرة أم خالد ” نسبة إلى زوجة الملك سعود ، سورية الأصل ، والتى كان شقيقها (أسعد إبراهيم) هو حلقة الاتصال مع المتآمرين
* عبد الحميد السراج ، يكشف بالوثائق أبعاد المؤامرة على عبد الناصر ويصر على فضحها أمام وسائل الإعلام العالمية
* 20 مليون جنيه استرلينى هو المبلغ الذى رصد لاغتيال عبد الناصر وإفشال الوحدة مع سوريا وتغيير نظام الحكم الناصرى
********
ولأن التاريخ ، شاهد حى ، لا يموت ، على وقائع صعود الأمم وسقوطها ، فإن ما جرى من مؤامرات ضد عبد الناصر ، كان مهولاً وكبيراً ، بقدر ما أنجزته ثورته من انجازات ، بل وأخطاء ، ولقد كانت تلك المؤامرات تستهدف مسار تلك الثورة التى أزعجت الكثيرين آنئذ، وفى مقدمتهم بالطبع ما أسماهم عبد الناصر بالرجعية العربية ، وعملاء واشنطن ، الذين بالمناسبة لايزالون كما هم حتى يومنا هذا (2014) ، لقد خططوا ، وتأمروا ونفذوا عشرات المؤامرات لاغتيال عبد الناصر ونظام حكمه ، وفشلوا فى أغلبها ، إلى أن كانت المؤامرة الأكبر ، التى أودت عملياً بحياته وبنظامه السياسى ، مؤامرة 1967 ، وفى الطريق إلى تلك المؤامرة ، حفل المشهد السياسى على مسرح الحياة السياسية العربية والمصرية بالعديد من المؤامرات التى استهدفت رأس عبد الناصر ، مؤامرات ، صمت عن ذكرها العديد من المؤرخين ومنهم الأستاذ / محمد حسنين هيكل فى شهادته على العصر ، لأسباب لا نعلمها ، وهو قطعاً يعلمها ، وإلى أن يذكرها لنا وللقارىء العربى ، ها نحن ننشط ذاكرته ، وهى بفضل الله ، ذاكرة نشطة وقوية ، ببعض الوقائع والأحداث والمؤامرات التى استهدفت صديقه ، وزعيمه ، الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، خاصة إبان أحداث الوحدة المصرية – السورية ، لعلها تفتح شهية (الأستاذ) ليتحدث ، ويزيدنا علماً وحكمه .
المؤامرة الثانية التى صمت عنها هيكل ، رغم أنه كان أحد أبرز كاشفيها عبر صحيفته الأولى فى مصر وقتذاك (الأهرام) هى تلك المؤامرة المسماة (مؤامرة أم خالد) وهى نسبة إلى زوجة الملك سعود بن عبد العزيز ، والتى كانت تنعت بالملكة (أم خالد) نسبة إلى ابنها (خالد بن سعود) وكانت سورية الأصل ، ومثلت هى وشقيقها (أسعد إبراهيم) حلقة الاتصال الكبرى بين المتآمرين ، لضرب طائرة الرئيس عبد الناصر فى الجو بعد عودته من دمشق أوائل عام 1958 بعد الاحتفال بالوحدة السورية – المصرية ، وكان الضابط المنوط به تنفيذ هذه المهمة هو (عبد الحميد السراج) رئيس المكتب الثانى (المخابرات) فى دمشق .
*******
ووفقاً للتاريخ الرائع والأمين للمناضل القومى والمفكر الحجازى الدكتور / فوزى أسعد نقيطى (أحد الضباط الأحرار فى السعودية خلال الستينات) ، فإن وقائع هذه المؤامرة بدأت أوائل عام 1958 وفق الترتيب التالى :
اتصل بعض الأفراد السوريين ، بتكليف من يوسف ياسين أو ” تاليران ” السعودية [ هو شارل تاليران ، وزير خارجية فرنسا فى عهد لويس السادس عشر وكان سىء الخلق ، مرتشياً واسع الحيلة ، متحللاً من كل قانون أدبى (الموسوعة الميسرة ، ص 483 – 484) والذى أطلق اسم تاليران على يوسف ياسين هو السفير البريطانى فى جدة ” بلهام ” ] المتزوج بسيدة سورية علوية ، بالنائب السورى ” العلوى ” عزيز عياد من أجل البحث عن عناصر فى الجيش السورى ، للعمل على منع قيام الوحدة المصرية السورية ، وذلك بضرب طائرة عبد الناصر وإسقاطها ، بعد مغادرته دمشق إلى القاهرة .
ووصل عبد الناصر إلى دمشق يوم 24 فبراير ، وتوجه من المطار إلى بيت شكرى القوتلى، وصحبه معه إلى قصر الضيافة الذى أعد لإقامته ، وبدأت جماهير سوريا كلها ، تزحف إلى القصر وتحيطه ببحر عارم من البشر ، وظهر جمال عبد الناصر على شرفة القصر ، يتحدث لأول مرة مع الشعب الذى انتخبه رئيساً له دون أن يلتقى به مباشرة وجهاً لوجه ، وتكرر ظهوره على الشرفة ، وتكررت خطاباته للجماهير فى ذلك اليوم أكثر من عشرين مرة .
وفى نهاية يوم حافل بالمشاعر الجياشة ، دخل جمال عبد الناصر إلى غرفة النوم المعدة له ليلتقط أنفاسه ، متصوراً أن أمامه ساعات يستريح فيها قبل أن يبدأ يوماً جديداً فى دمشق ، خصوصاً وأنه كان قد عرف أن وفود الأقاليم السورية قد بدأت مسيرات شعبية عارمة تشق طريقها إلى دمشق .
وصحبه إلى غرفة نومه المقدم عبد الحميد السراج ، رئيس المكتب الثانى ، ليقول له أن لديه موضوعاً يريد أن يطلعه عليه ، وسأله جمال عبد الناصر ، وهو يخلع ملابسه ، ويستلقى على الفراش : ” ألا ننتظر حتى الصباح ؟ فأجابه السراج ” فخامة الرئيس ، أنا أعرف أنك مرهق ولكنى أريد توجيهك فى الموضوع الذى أريد عرضه عليك ، لأنه لا يقبل الانتظار ” . وسأله عبد الناصر : هل يضايقك أن أسمعك وأنا مستلقى على السرير ؟ ورد السراج : ” سيدى أننى أريدك أن تستريح ، ولم أكن لأشغلك بهذا الذى سأقوله لولا خطورته ” .
ثم راح السراج يروى تفاصيل ما لديه ، وقال وهو يخرج مجموعة أوراق من جيب سترته الداخلى ويضعها على مائدة صغيرة بجوار السرير ، وقد أتى بمقعد جلس عليه قربها : ” إن الملك سعود له صهر اسمه ” أسعد إبراهيم ” والملك متزوج من ابنته ، التى أنجبت له إبناً هو الأمير خالد ، وأسعد إبراهيم هذا اتصل بى عن طريق وسيط ، هو النائب عزيز عياد ، وعرض على مبلغ مائة مليون جنيه استرلينى إذا قمت بانقلاب يحول دون قيام الوحدة بين مصر وسوريا قبل إعلان نتيجة الاستفتاء ، وكان العرض أن يدفعوا لنا عشرين مليون جنيه إسترلينى مقدماً ، على أن يُدفع الباقى بعد نجاح الانقلاب ، لكى يساعد على إصلاح الأحوال.. ومعى هنا كل الوثائق والمستندات .
ونهض جمال عبد الناصر من فراشه ، وأخذ مقعداً فى مواجهة السراج ، وطلب إليه أن يبدأ القصة من أولها ، وأن يطلعه على وثائقها ، ومستنداتها ، وراح يسمع ، ولنصف ساعة كان السراج يتكلم دون مقاطعة ، ثم سلم الرئيس جمال عبد الناصر ، الذى كان يستمع مبهوتاً مجموعتين من الوثائق : مجموعة لصور الشيكات ، وأذونات الدفع المتعلقة بها ، ومجموعة من إشارات تحركات الطائرات الملكية السعودية الخاصة التى وضعت تحت تصرف ” أسعد إبراهيم ” والتى كانت تنتقل ذاهبة من دمشق إلى الرياض ، عملية سحب الشيكات كنت أريد أن أتأكد أن قيمتها سوف تنتقل إلى حوزتنا فعلاً ، وكنت فى بيتى مساء ليلة أول أمس أفكر فى الموضوع ثم تذكرت أن جارى فى الدور الأسفل من البيت هو مدير البنك العربى فى دمشق (وهو البنك الذى تمت عن طريق فرعه فى الرياض عملية سحب الشيكات على بنك ميدلاند فى لندن ونزلت إليه وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، وأيقظته من النوم، وقلت له أن لدى شيكات ، وأنا أخشى أن يتدخل أحد لإيقاف دفع قيمتها ، ولذلك فأنا أريد إتمام الآن .. وأخذته إلى فرع البنك العربى المحدود فى دمشق ، ومعى بعض الضباط ، وهكذا فى أول ساعة من الصباح كانت عملية سحب المبلغ من بنك ” ميدلاند ” برقياً وإيداعه باسمى فى حساب سويسرا قد تمت .
ويقول هيكل ، أن جمال عبد الناصر ، لم ينم ، وتزاحمت الخواطر فى مخيلته ، ولعله فهم وقتها لماذا لم يتلق رداً من الأمير فيصل ، مع أن فيصل قد وعده بأن يرد عليه .
ولم يتردد عبد الناصر ، هذه المرة ، فى إعلان تفاصيل المؤامرة ويرويها للجماهير المحتشدة أمام قصر الضيافة ، ولم تصل الحقيقة إلى هذه الجماهير وحدها ، وإنما وصلت فى نفس الوقت إلى كل أطراف الأمة العربية ، بما فيها السعودية .وبعد ذلك عقد السراج مؤتمراً صحفياً ومعه جهاز تسجيل ، وقال للصحفيين مداعباً : ” راح أسمعكم طقطوقة لأم كلثوم ” .
” بعد أن أعلن الاتفاق على إقامة الوحدة بين مصر وسوريا طلب النائب عزيز عياد أن يقابلنى، وقابلته ، وقال لى أن صهر الملك سعود ، وهو أسعد إبراهيم يريد أن يقابلنى ، وأحلته إلى ضابط الشعبة الثانية ، لكى يستطلع ما عنده ، وطلبت أنا معلومات عنه ، وعرفت منها أنه والد زوجة الملك ، المعروفة ” بأم خالد ” وأنه – أسعد – أصبح بعد ذلك من أصحاب الملايين ، وأغرب ما أظهرته المعلومات التى جاءتنا عنه ، أن الرجل قبل أن يتزوج الملك من ابنته كان متهماً ومحكوماً عليه فى قضية سرقة حمار ” .
” ثم رأيته بعد ذلك ، وجلست معه لكى أعرف بنفسى ما عنده وراح يتكلم فى أمور عامة ، ثم خلص إلى أن الملك سعود متضايق من الوحدة وسماها ” الوحدة الوسخة ” ، وقال أنتم ضباط الجيش مشهورون بوطنيتكم وكيف تسلمون أموركم إلى شخص عسكرى ، وبكرة سوريا تزول من الوجود ، وهذا ” استعمار مصرى ” وأن الملك سعود يقسم برحمة أبوه الملك عبد العزيز ” أن هذه الوحدة يجب ألا تتم بشكل من الأشكال ، وأنه على استعداد تام لوضع جميع الإمكانيات المادية والمعنوية لنجاح الحركة واعترافات دولية أيضاً ، وحينما قلت له ، ونحن جاهزون أيضاً ، راح يعرض مائة مليون جنيه أسترلينى ، يسلم لنا منها عشرون مقدماً والباقى بعد نجاح الانقلاب ، قبل إتمام الوحدة ، ثم أضاف أن الملك ضمن لنا ” أن السفير الأمريكى سوف يقدم لنا اعترافه بنظامنا فور إعلان الانقلاب ، وكذلك اعتراف كل الدول الصديقة للولايات المتحدة ” .” وبعد يومين عاد أسعد إبراهيم وسلمنى شيكاً بمبلغ مليون جنيه إسترلينى مسحوباً من البنك العربى المحدود بالرياض على بنك ميدلاند فى لندن ، وكان مدفوعاً لحامله شيك رقم 52/85902 ، عاد بعد ذلك بشيك بمبلغ 700 ألف استرلينى بشيك رقم 58/85903 ، ثم عاد بشيك آخر بمبلغ 200 ألف جنيه استرلينى برقم 59/85904 ، وسألت أسعد إبراهيم عن بقية المبلغ فقال هذه 2 مليون جنيه والباقى عندما يحدث شىء ، ولم تكن الشيكات التى سلمها لى بـ 2 مليون وإنما بمليون و900 ألف فقط ، وكان علىّ أن أفهم أنه اختصم لنفسه مائة ألف جنيه إسترلينى عمولة”.وسارت العملية تحت اسم كلمة ” البداية ” .
وتحدث النائب عزيز عياد فقال ” إنه سافر إلى الرياض يوم 11 فبراير الماضى ، حيث اجتمع بالملك سعود ، وفهم منه أنه ” غاضب على الوضع فى سوريا ، وعلى الوحدة بين مصر وسوريا ” ، وأنه أبدى رغبته فى أن تبقى سوريا دولة مستقلة ذات سيادة ” وأبدى استعداده للمساهمة بكل ما يستطيع لتغيير الوضع الجديد ” ، وقال الملك : ” إننى على استعداد لمد السراج بالمال إذا قبل أن يقوم بالحركة ، أما إذا لم يقبل فهناك من الأشخاص من هم على استعداد للقيام بها ” وأضاف الملك ، أنه يرى ” أن يكون السراج رئيساً للجمهورية ” ، وأن يخصص له راتباً شهرياً من الخزانة السعودية مدى الحياة ” .
ومما هو جدير بالإشارة ، أن وكالة أنباء الشرق الأوسط قد حصلت على صورة زنكوغرافية “لكشف ركاب” الطائرة السعودية رقم ” HZ-ABC ” فتبين ، أنها كانت فى رحلة خاصة من الرياض إلى دمشق ، ولم تكن مدرجة ضمن برامج رحلات الخطوط الجوية السعودية ، وأنه لم يكن بها إلا راكب واحد هو النائب عزيز عياد .
هذا وقد عقدت المحكمة العسكرية بدمشق جلستها يوم 11 مايو 1958 مشكلة من العقيد عبد المسيح داغوم رئيساً ، والعقيدين أسعد طرابلسى ، ودرويش الزونى ، عضوين ، وممثل الإدعاء الرئيس (نقيب) عبد الرحمن القصير ، وكان شهود الإثبات هم : النائب عزيز عياد ، المقدم عبد الحميد السراج ، والنقيب برهان أدهم ، والملازم زكار ، ومعاون مدير البنك العربى بدمشق حسنين ترك .
وأكد النائب عزيز عياد على ” أن أمريكا طرف فى المؤامرة ، وأن المال الذى دُفع هو مالها، وأنها كانت ستعترف بالانقلاب فى اليوم التالى ” وكذلك العراق ، والأردن ، وأنه لاحظ على سعود بأن المسألة بالنسبة له ” مسألة حياة أو موت ” لأنه أعتقد أن هذه الوحدة ستجعل السعودية فى المؤخرة ، وسألنى إذا كان بالإمكان إرسال طائرة (سورية) تقوم بقصف طائرة عبد الناصر ، بعد خروجها من الحدود السورية ، ثم يقال بعد ذلك ، أن الطائرات المعتدية إسرائيلية أو غربية وتضيع القضية ، ومما قاله سعود : ” إن هذا القتل إذا تم سأدفع 100 ألف جنيه استرلينى للطيار وهذا ما أكده السراج فى شهادته أمام المحكمة .
ورداً على سؤال لرئيس المحكمة عن سبب اختيار سعود له ، مع أنه سبق وأن اتهم بالشيوعية، أجاب السراج أن الذين يتهمون غيرهم بالشيوعية غير مؤمنين بما يقولون ، وهم لا يصدقون أنفسهم .واختتم السراج شهادته بقوله : ” إن المؤامرة أوسع من نطاق السعودية خصوصاً وأن المبلغ الذى دفع (20 مليون جنيه إسترلينى) مبلغ كبير .
وأكد على دور الولايات المتحدة ، بأن أشار إلى أن الخطة كانت تقتضى ، فى حالة فشله ، أن تقوم إحدى قطع الأسطول السادس بنقله إلى أى مكان فى العالم .
أما عن المصادر الأمريكية نفسها فإنها لم تخف ضلوعها فى تلك المؤامرة ، وقال إيفلاند ، أن الولايات المتحدة اشتركت فيها بواسطة كيم روزفلت ، الذى وضع خطتها ، بطريقة تدل على حماقة متناهية .
(وإلى الحلقة القادمة)
مؤامرات مجهولة لاغتيال عبد الناصر ( 3 / 3 )
صمت عنها (هيكل) فى شهادته على العصر .. وسجلها التاريخ
دراسة بقلم / د. رفعت سيد أحمد
* المؤامرة الثالثة : نسف المنصة التي يخطب من فوقها عبد الناصر مقابل 25 مليون ريال .
* مقال تاريخي لهيكل ضد الملك سعود بن عبد العزيز عنوانه ( عدوه هو التاريخ) يكشف فيه يوم 2/8/1962 عن مؤامرة كبرى لنسف عبد الناصر وهو يخطب.
* لماذا نسي هيكل في شهادته على التاريخ هذا المقال التاريخي ؟ وأين ذهبت كتاباته عن المؤامرات التي استهدفت عبد الناصر ولم يبق منها غير مؤامرة الدكتور / عصفور !!
* هل مات عبد الناصر بالسم الذي وضع في مواد التدليك أم مات ميتة طبيعية ؟
********
من المؤكد أنه ليس مطلوباً من المؤرخين القومين ومن بينهم الكاتب الكبير الأستاذ / محمد حسنين هيكل أن يتحدثوا عن كل كبيرة وصغيرة وقعت من جمال عبد الناصر أو ضد عبد الناصر أو أن يتحدثوا عن كل مقال كتبه أو تقرير أعده وإلا لضاق المقام بما تحتويه ذاكرة رجل-مثل هيكل- وما أقواها وما أكثرها ثراء من غيرها ، إلا أن الأمر عندما يتصل بمحطات تاريخية مفصلية مثلتها مؤامرات الاغتيال وبتحولات كبرى أعقبتها أو عندما يتصل الأمر بمقالات تاريخية – بمعنى الكلمة – كتبها هيكل وكان لها الأثر البالغ ودورها الكاشف لحقائق وأسرار ثم يتم تجاهل أو إسقاط تلك المؤامرات أو المقالات من (الشهادة على العصر) في الوقت الذي تورد فيه أحداث أو مقالات أقل قيمة وأثراً عندئذ يحق لنا أن نضع العشرات من علامات الاستفهام التي لن يفك طلاسمها إلا حديث جديد للأستاذ يذكر فيها ما سقط سهواً أو عمداً من شهادته المطولة على العصر !!
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر ، فإن المؤامرة الثالثة من المؤامرات المجهولة – المعلومة لإغتيال جمال عبد الناصر تضمنها مقال تاريخي غاية في الأهمية والروعة كتبه الأستاذ هيكل في عدد الجمعة من صحيفة الأهرام بتاريخ 12/8/1962وحمل عنوان ( عدوه هو التاريخ) مع عنوان فرعي تقول كلماته (25 مليون ريال دفعها الملك سعود للذين وعدوه بنسف المنصة التي يخطب من فوقها جمال عبد الناصر ) ولأن المقال هام والواقعة التي يتضمنها عن مؤامرة أعدها ومولها الملك السعودي (وقتها) فإننا نفضل أن ننقل ابرز ما احتواه المقال عل ما يتضمنه يكشف عن جوانب مجهولة من تاريخ هذه الأمة التي يتآمر بعض حكامها على بعضهم البعض لصالح قوى – دائماً ما تكون – خارجية وهو نفس الامر الذى يتم هذة الايام باسم ربيع الثورات العربية. والى نصوص من مقال هيكل عن المؤامرة……
((هل اكتشف أنهم خدعوه ؟ لا .
إذا كان جلالته قد اكتشف أخيراً ما الذي ينوي أن يفعله مع الذين باعوا له الخديعة أو باعوه شخصياً للخديعة . هل ينوي أن يطالبهم بما أعطاه لهم ؟ أم هو سوف يؤثر الصمت والسكوت مخافة الشماتة وخشية أن يصبح سخرية الأولين والآخرين ؟ أو من يدري-لعل جلالته لم يكشف شيئاً حتى الآن ولعله لم يعرف بعد حتى هذه اللحظة أنهم خدعوه … ربما تصور أن ما حدث هو تأخر في التوقيت لا أكثر ولا أقل ، وربما مازال حتى الآن في طريق عودته من رحلته النضالية الباسلة - ! – في أفخم الفنادق وأحلاها في إيطاليا والنمسا و… – ينتظر الإشارة ما كان ينتظرها في الأسابيع العشرة الأخيرة ويسأل كل خمس دقائق في ضيق ونفاذ صبر – هل تم شيء؟
أغلب الظن أن الملك سعود اكتشف لكنه اختار السكوت . لقد ألمح الرئيس جمال عبد الناصر في خطابه بالإسكندرية يوم 26 يوليو إلى القصة وإن لم يدخل في تفاصيلها وإن كان التلميح السريع كان كافياً لكي يفهم أي إنسان حتى ولو كان في مثل ذكاء الملك سعود -!- ان السر الذي كان .. في أحلامه الحاقدة البلهاء لم يعد سرا بل انه لم يكن سراً حقيقياً فى أى لحظة من اللحظات ، وانما كان خديعة مرة أخرى ، من يدرى ؟
كما أخفوا عن جلالته ، كل ما قاله لى جمال عبد الناصر فى الاسكندرية يوم 26 يوليو ، ومن ثم لم يصل إلى التلميح لجلالته ، وحاشيته تستطيع أن تجد حداً – على أى حال – إذا ما أخفت أى شىء ، فإن الأطباء المعالجين قد … فى الفترة الحرجة من العلاج الذى كانوا يجرونه له- أن تبقى أعصابه هادئة وان لا تستثار بأى نبأ قد لا يروق له الملك أو يكدر خاطره ! سلامة أعصاب الملك ضرورية لنجاح
أولاً حرصى على قيم لها حرامها فى الصحافة المصرية قرأت بعض تقارير الأطباء المعالجين لجلالته عن حاله الصحية وعن أسبابها .
صحة الملك موضوع لا أرضى أن أخوض فيه فما كان من رأيى فى الملك سعود وفى …. بدور فى أحلامه الحاقدة البلهاء .. فهو ليس موضوعى .
ان موضوعى اليوم ، ليس هو من وراء الاثارة التى كان الملك سعود فى فنادقه الفخمة الجميلة فى قلب …. وانما هذه القصة معبر إلى …. وجسر وصول .
القصة لكى ندخل بعدها إلى الموضوع ذاته ، أن الملك سعود كان يريد أن يحدث انقلاب فى مصر قبل 23 يوليو أو بعده على أكثر تقدير .
كان على استعداد لأن يدفع ثمناً مهماً بدا غالياً ، وانما …. ان يحدث شىء !
……. تجار الوهم إلى جلالته وجلس الملك أمام الخطتين ، وكأنه فى حلقة شراء جوارى .. يستعرض ويختار .
الخطة الأولى .. كانت تقتضى بأن تؤلف فى جنيف يوم 23 يوليو حكومة مصرية فى المنفى، تصل ما سماه تجار الوهم – ائتلاف الأحزاب السياسية ، وكان المفروض أن يدخل هذه الحكومة – الأستاذ أحمد أبو الفتح ممثلاً لحزب الوفد ، والسيد سعيد رمضان ممثلاً للإخوان المسلمين ، والسيد مرتضى المراغى ممثلاً للمستقلين – هكذا - !
والخطة الثانية ، كانت تقضى بأن تجرى عملية عنيفة وجريئة – هكذا قالوا للملك – لنسف المنصة التى سوف يخطب من فوقها الرئيس الرئيس جمال عبد الناصر فى ميداني الجمهورية ليلة 23 يوليو ومن ثم ينتهى كل شىء بضربة واحدة فإن المنصة ستكون عليها إلى جانب الرئيس ، كل نوابه الوزراء .
ومع أن الخطة الثانية هى التى دخلت قلب الملك لأول وهلة ، فإن جلالته – على ما يبدو – أراد أن يتظاهر بالعزوف عن الحلول الدموية ومن ثم ……… انه يريد استبعادها لكى تصبح الخطة الثانية فرض ضرورة نزل عليها الملك فى غيبة أى حل آخر وقال جلالته للأستاذ أحمد أبو الفتح وكان يناقشه بحضور السيد مرتضى المراغى :
- ما الذى يمكن أن يؤدى إليه تأليف حكومة مصرية فى المنفى .
وقال أحمد أبو الفتح :
- ان مثل هذه الحكومة تستطيع جمع المعارضة فى مصر وتنظيمها ، والمعلومات لدينا أن السخط الشعبى فى مصر ضد الحكومة بلغ مداه لدرجة ان عبد الناصر لا يستطيع الخروج إلى الشوارع ، ومقابلة الجماهير ، والإذاعات التى تنقل صوراً صوتية لاستقبالات عبد الناصر هى تسجيلات قديمة ، كذلك الصور التى تنشرها الصحف المصرية !
قال الملك – الحاقد الأبله – وبرغمى أضيف هذين الوصفين بعد لقبه :
- زين .. لكن ما الذى تفعله هذه الحكومة ؟
قال أحمد أبو الفتح :
- اذا اعترفت بها السعودية والأردن وسوريا والعراق ، وساعدتها فى الجامعة العربية ، وفى الأمم المتحدة فإن ذلك ، يثير ضجة كبيرة .
وأبدى الملك سعود ، ملاحظة ذكية ، أو لعل دافعه إليها كان رغبته فى استبعاد الخطة من أساسها .. قال :
- لكن ما الذى يهمه هو من قيام حكومة ، واعترافنا بها . هذا رجل لا يهمه شىء ولا تخيفه الجامعة العربية ولا الأمم المتحدة !
قال أحمد أبو الفتح :
- ان هذه الحكومة تستطيع إغراق مصر بالمنشورات والإذاعات والتحضر للقيام بانقلاب كبير ..
قال الملك :
- هذا كلام سوف يأخذ وقتاً طويلاً .. يستطيع عبد الناصر خلاله أن يفاجئناً بشىء .. وسكت تجار الوهم .. وسكت المشترى . ثم قال أحد رجال الحاشية موجهاً حديثه إلى الملك :
- طال عمرك .. الخطة الثانية أنجع ، وسعيد رمضان يقول ان لديه شبكات مستعدة من رجال الاخوان المسلمين فى مصر وهم يقدرون على العمل .
واستقبل الملك فى اليوم التالى سعيد رمضان وحده ، يسمع منه ما لديه .
وقال سعيد رمضان : ان الأمر ممكن ، ولكن نظراً لضيق الوقت ، فإن التكاليف قد تكون كبيرة ؟
قال الملك : كم .. مثلاً ؟
قال سعيد رمضان : خمسون مليون ريال
قال الملك بنفس طريقة المساومة فى أسواق الرقيق : خمسة وعشرين مليوناً تكفى .
ثم التفت إلى ناظر الخاصة الملكية يأمره بتحويل المبلغ ، وعاد إلى سعيد رمضان يقول له:
- زين .. على خيرة الله .. لم يبق غير المنفذ .
قال سعيد رمضان : أمركم .. ولو أن المبلغ هو نصف ما طلبناه ، لكننا بعد النجاح نأخذ الباقى .
قال الملك على الفور : وأكثر منه .. المهم هو النجاح والتنفيذ ، لقد شبعت ” حكى ” – أى كلام – ولا يمكن أن يوقف عبد الناصر عند حده …
….. مفروغاً منه لكنه يناقش بعض تفاصيلها :
- هل تصرون جلالتكم على أن يكون التنفيذ يوم 23 يوليو بالذات ؟
قال الملك : ماذا تعنى ؟
قال سعيد رمضان : ان المسألة كبيرة ، وليست هينة ، وأنا أريد أن أترك بعض الحرية لرجالنا فى مصر لكى يتصرفوا وفق الظروف .
وبدا أن الملك لم يفهم المقصود بعد ، واستطرد سعيد رمضان يقول : ان هناك ثلاث مناسبات عامة خلال احتفالات 23 يوليو ، يقف فيها عبد الناصر على منصة ومعه نوابه والوزراء . ليلة 23 يوليو فى ميدان الجمهورية ، وصباح 23 يوليو فى العرض العسكرى ، ومساء 26 يوليو فى استاد الاسكندرية .
ومضى سعيد رمضان قول : بدل أن نقيد رجالنا ونلزمهم بنسف المنصة فى ميدان الجمهورية مثلاً يمكن أن نترك لهم الخيار فى نسف أى منصة من المنصات .. ذلك سوف يعطيهم حرية فى التدبير تكفل النجاح المحقق ، والمهم أن يكون عبد الناصر فوق المنصة لحظة نسفها .
قال الملك وكأنه غريق يمسك بقشة : نعم .. هذا هو المهم .. المهم أن يكون هو فوقها عند نسفها .
وساد الصمت لحظة وبدا أن الملك غارق فى تصورات اليقظة ، ثم بدا ان الملك استفاق لنفسه ، وأراد أن يغطى اندفاعه إلى قبول خطة دموية فقال وهو يهز رأسه : والله ما أردت له هذا المصير . لكنه هو الذى جلبه لنفسه بسياسته !
وقال سعيد رمضان وهو يهم واقفاً : نريد دعوات جلالتكم المباركة ! وتمتم الملك بعض كلمات.. وخرج سعيد رمضان ومعه دعوات الملك .. ومعه – أهم منها وأبرك ! – خمسة وعشرون مليون ريال قيمتها 3 ملايين جنيه استرلينى .
ومضت أيام الاحتفالات .. ووقف جمال عبد الناصر على منصة بعد منصة جلس من حوله فوقها نوابه والوزراء ، ولم يحدث شىء ، بل لقد كان واضحاً أن حب الجماهير له وارتباطها به مازال ماضياً بجمال عبد الناصر إلى ذروة شعبية لم يبلغها زعيم فى بلد .. أى زعيم فى أى بلد .
ولقد يستطيع باعة الوهم أن يقولوا لسعود : ان الاستقبالات المذاعة هى تسجيلات قديمة تعاد إذاعتها ، وأن الصور المعبرة ، هى صور قديمة يعاد نشرها .
قد يقال ذلك كله للملك .. وقد يصدقه بمزيج الحقد والبلاهة ! ولكن أين الخطة الأساسية ؟ خطة نسف المنصة وهو فوقها ، ومعه عليها من معه ، فى أى يوم من الأيام المحددة . ليلة 23 يوليو ، أو صباحه ، أو مساء 26 فى الاسكندرية ؟
وكما قلت فى بداية هذا الحديث ، فلست أعرف ما الذى يفعله الملك سعود الآن وهل اكتشف أنهم خدعوه .. أو لم يكتشف بعد ؟
وليست رواية هذه القصة هدفى من هذا الحديث ، وإنما هدفى ، وأنا لا أقوله هنا للملك سعود – فإن حاشيته سوف تخفى عنه ما أقول كى لا يتعكر مزاجه ويتكدر خاطره ، وإذا قالوا له فإنى أشك كثيراً فى قدرة الملك على فهم معناه – هو : ” ان الخلاص من جمال عبد الناصر ، لا يحل مشكلة الملك سعود ، ولا ينهى متاعبه ” .
ان مشكلة الملك سعود الحقيقية .. ليست هى شخص جمال عبد الناصر .. وإنما هى حركة التاريخ الإنسانى كله بصورة شاملة ، ولو كان الملك سعود يستطيع أن يصنع ، ولو كان بعد السمع يستطيع أن يفهم ما يسميه لوعى هذه الحقيقة من خطاب جمال عبد الناصر ليلة 23 يوليو ، من فوق منصة كان الملك يحلم بأن يراها تطير فى الهواء بكل من عليها .
فى خطاب جمال عبد الناصر ليلة 23 يوليو تقييم بالغ الأهمية للحركة الثورية والعربية .
قال جمال عبد الناصر ما معناه ان بداية تفتحه الفكرى للعمل الثورى كانت خلال الحرب العالمية الثانية كانت هناك على حد قوله : ” قارات تتصادم مع قرارات وكانت هناك مصائر ومبادىء تتقرر بالدم والسلاح فى ميدان القتال وكنا نحن هنا فى شبه عزلة عن ذلك كله تشغلنا تجارة السوق السوداء وأرباح الحرب وفساد الأحزاب وطغيان الملك ، وبعد الحرب خرجت شعوب كثيرة فى آسيا – على وجه الخصوص – تقاوم الاستعمار إيجابياً وكنا نحن هنا نستجدى المفاوضات ” .
ثم قال جمال عبد الناصر ما معناه ، ان هذا الجيل من شعب مصر كان على موعد مع القدر وأنه استطاع ، برغم كل العقبات والصعوبات ، أن يلاقى القدر فى موعده ، وأن يعيد صنع حياته من جديد ، وبالدورة .. ولا شىء غيرها .
ثم قال جمال عبد الناصر فى ختام خطابه – وأنا أعلم أنه لمس أعماق ملايين القلوب ما معناه: ” ان كل فرد سيزول ، ولكن الشعب هو القوة الوحيدة ، الباقية ، المستمرة ، المتجددة” ما هى خلاصة ذلك كله ؟
الخلاصة :
أولاً : ان جمال عبد الناصر يقول : ان حركة التحرير الثورية ، هى حركة عالمية شاملة ، وأنها أعظم الاحداث الانسانية فى الأزمان المعاصرة .
ثانياً : ان جمال عبد الناصر يقول : الحركة الثورية المصرية – العربية – هى امتداد طبيعى لحركة التحرير الثورية الشاملة خصوصاً فى آسيا وأفريقيا ، وأن الجيل الذى واعده القدر من شعب مصر ليحمل مسئولياتها يجد معه فى حركته شعوباً كثيرة تزحف معه فى نفس الاتجاه.
ثالثاً : ان جمال عبد الناصر يقول : انه هو نفسه ، كإنسان وكقائد لثورة أمته ليس إلا نتيجة طبيعية للجيل الذى يعيش فيه ولتحفزه ليحمل مسئوليات الثورة فى وطنه ، مع حركة الثورة الوطنية الشاملة فى آسيا وأفريقيا .
ان نظرة خاطفة على خريطة العالم حين انتهت الحرب العالمية الثانية ، منذ سبعة عشر عاماً ، نعقبها نظرة خاطفة أخرى إلى خريطة العالم اليوم بعد سبعة عشر عاماً ، تستطيع أكثر من أى شىء آخر أن تظهر الأبعاد الحقيقية لحركة التحرير الوطنية الشاملة .
لقد غربت الشمس عن الامبراطورية البريطانية أكبر الامبراطوريات فى التاريخ ، واضطرت مكرهة إلى التخلى عن أغلى الدرر فى التاج البريطانى ، الهند ، بورما ، سيلان ، مصر .
ولقد كانت فى مصر عملية مقاومة تيار التاريخ من جانب بريطانيا ، ثم انتهت العملية بأن فقد الأسد البريطانى ، على حد تعبير خروشوف ، أسنانه فى مصر وفقد ذيله أيضاً ومضت حركة التحرير الشاملة بعد ذلك أقوى وأعمق تجرف مراكز الاستعمار البريطانى من أفريقيا كلها .
كذلك حدث نفس الشىء للامبراطورية الفرنسية التى أرغمت على انسحاب طويل طويل، يبدأ من أقصى الشرق عند ديان بيان فو إلى أقصى الغرب – أخيراً – فى الجزائر .
وانهارت امبراطورية بلجيكا الأفريقية فى الكونجو تهاوت لولا ان راحت تسندها فى الدقيقة الأخيرة قوة الاحتكارات المالية العالمية ، ونفس الشىء يحدث الآن لامبراطورية البرتغال التى طردت من جوا ، والتى تقاتل الآن بشراسة قبل أن تطرد من أنجولا وموزمبيق .
هو إذن عصر سقوط الامبراطوريات وانتصار الشعوب ، والشعوب ، تريد بالثورة أن تعيد بناء حياتها ، ولقد أثبت شعب مصر العربى مثلاً ، أن الثورة ضرورية لتغيير حياته ، وأنها فوق ذلك ممكنة .
وقبل عشر سنوات من اليوم ، أو أكثر ببضعة أيام كانت الصورة فى مصر تختلف . القاهرة فيها رماد الحريق ، والملك فى القصر ، والانجليز فى قاعدة قناة السويس وقناة السويس ذاتها ملك الشركة العالمية لقناة السويس ، والأحزاب تتعاقب على مقعد الحكم ، والاقطاع فى الأرض ورأس المال المتحالف مع الاقطاع يملك المصانع وعمالها والفرصة حكر للقلة ، والفقر مشاع للأغلبية ، ونصف فى المائة من السكان يملكون وحدهم خمسين فى المائة من الدخل القومى وإسرائيل عبر خط الهدنة سعيدة بهذا كله وهانئة .
وبعد عشر سنوات تغير كل شىء من أساسه ، القاهرة اليوم أعظم مراكز الإشعاع لحركة التحرير الثورية الشاملة ، والملك هناك حيث كان سعود أخيراً فى ايطاليا ، والانجليز لم يعودوا فى قاعدة قناة السويس لم تعد ملكا للشركة العالمية لقناة السويس ، وتحالف الاقطاع ورأس المال الذى كان يسيطر على الحكم سقط ، والأرض للفلاحين ، والمصانع للعمال، والفرصة متكافئة ، والعمل من أجل الكفاية والعدل على أشده ، وإسرائيل على الناحية الأخرى من خطوط الهدنة ليست سعيدة بهذا كله وليست هانئة .
جيل – كمال قال جمال عبد الناصر – واعده القدر وجاء فى موعده مع القدر . لم يكن فى الدنيا يتحرك وحده وسط بحر من الجمود ، وانما كانت حركته الوطنية تعبيراً طبيعياً عن حركة عالمية شاملة .
والأجيال الثائرة لكل الشعوب فى عصر الثورة الوطنية الشاملة تصنع الأبطال من أبنائها وفق ظروفها واحتياجاتها .
ماوتسى تونج مثلاً ، وفق ظروف الصين ، واحتياجاتها . نهرو مثلاً، وفق ظروف الهند واحتياجاتها . سوكارنو مثلاً ، وفق ظروف أندونيسيا واحتياجاتها .
وغيرهم وغيرهم صنعتهم الأجيال الثائرة شعوبهم ، فى عصر الثورة الوطنية الشاملة . كذلك جمال عبد الناصر فى هذا الجيل الثائر من أمته العربية .
ان عبد الناصر هو نتيجة طبيعية لجيله الثائر ، وليس عبد الناصر سبباً لثورة هذا الجيل . كما أن هذا الجيل العربى الثائر هو الظاهرة الوطنية لحركة عالمية إنسانية شاملة .
وإذن – أعود إلى ماكنت أقوله : ان مشكلة الملك سعود .. ليست شخص جمال عبد الناصر .. وإنما مشكلة الملك هى التاريخ الإنسانى ذاته ، وحركته وخط سيره .
ان هذا التاريخ الانسانى ذاته هو مشكلة سعود .. ثم هو عدوه الوحيد أيضاً .
والخطر فى التاريخ أن حركته لا تتوقف ، ولا تنتظر ، ولا تناور ، وإنما هذه الحركة تؤدى دورها ، وتصنع تأثيرها ليل نهار ، بلا تعب ولا ملل كحركة أمواج البحر الخالدة الباقية على شواطىء الأرض .
ولسنا فى حاجة – حتى إلى أى قسط من المعلومات – لندرك أن حركة التاريخ الانسانى الثورية ، تصنع أثرها – حتى وإن لم يكن ظاهراً للآن – داخل بلاد الملك سعود نفسه ، بل وداخل قصره .
ان الموج الثورى ، يضرب بقوة وعنف – دون جدال – هذه الساعات – دون شك – شواطىء البلد الذى يريد الملك أن يعزله عن حركة التاريخ الإنسانى ، وما الذى يعرفه الملك مثلاً من أفكار الملايين من شعبه ؟ بل ما الذى يعرفه مما هو كامن فى قلوب ضباط جيشه ؟ بل ما هو سبيله إلى معرفة ما يدور فى رؤوس رجال حرسه الخاص أنفسهم ؟ ان تيار التاريخ الإنسانى موجود فى أفكارهم جميعاً ، فى قلوبهم وفى رؤوسهم .
ثم لا أملك لنفسى إلا أن أتساءل : - لو قرأ الملك – بمحض صدفة – هذا الكلام وأدرك أن مشكلته ليس شخص جمال عبد الناصر وإنما مشكلته هى التاريخ الإنسانى .. فما الذى سوف يفعله ؟ من سوء حظه ان التاريخ لا يقف على المنصات فى الاحتفالات ، ومن ثم يمكن تدبير نسفها ، ومع ذلك أكاد أقول أن الملك لن يعدم تاجر وهم يبيع له محاولة خرافية لاغتيال التاريخ ، ولقد يصدق الملك بذكائه الحاقد الأبله ، ولقد يدفع هذه المرة ملايين الملايين ليحل مشكلته مع التاريخ .
ويا صاحب الجلالة ، ان كنت تقرأ وتسمع : ليس فى استطاعة أحد أن يغتال التاريخ . ان التاريخ الانسانى هو الحياة ذاتها والحياة لا يقتلها أحد لأن الحياة هى إرادة الله على الأرض. وإذا كنت – يا صاحب الجلالة – تقرأ أو تسمع فهل فهمت ؟ هل فهمت يا صاحب الجلالة .. يا عدو الحياة ! .))
*********
وبعد ..
تلك بعض الإضاءات على (بعض) المؤامرات التى تعرض لها أحد أبرز زعماء مصر فى العصر الحديث ، جمال عبد الناصر : نتفق أو نختلف معه ، وهذا واجب قبل أن يكون حق ، ولكن لا أحسب عاقلاً يختلف على إدانة المؤامرة التى تستهدف الاغتيال السياسى ، أو الانقلاب العسكرى ، ضد عبد الناصر فهذا وفقاً للقانون ، والشرع ، والأخلاق ، مدان حتى لو قام به عبد الناصر نفسه ضد غيره من القادة العرب ، لأنه سلوك همجى ، يدخلنا فى دائرة من التيه السياسى لا نهاية لها ، المستفيد الأول ، والأخير فيها هو عدو هذه الأمة منذ 1948 وحتى اليوم (2014) ، الكيان الصهيونى وحليفته الاستراتيجية ؛ واشنطن .
* ان التاريخ الذى ذكرنا طرفاً منه ، تناساه أو نسيه بعض المؤرخين المحسوبين على الناصرية ومنهم الأستاذ هيكل فى شهادته على العصر، مثلما تناساه أو نسيه الكثير من المتبتلين (القوميين سابقاً) فى محراب زمن البترودولار والوهابية ؛ والنسيان او التناسى _فى ظنى-إدانة جديدة ، لمؤامرات الاغتيال السياسى ، ولأولئك الذين أرادوا باغتيال عبد الناصر ، اغتيال (الدور المصرى) ، وليس مجرد شخص القائد ؛ هكذا قالت وثائقهم ووثائق حلفائهم من الإنجليز والأمريكيين بعد سنوات على تلك المؤامرات ، إلا أن الشاهد ، والمؤكد أن عبد الناصر ، لم يمت موتاً طبيعياً ، فحجم المؤامرات (ومنها المؤامرة الوحيدة التى ذكرها هيكل ؛ المؤامرة الأمريكية المسماة بالدكتور عصفور) كلها تؤكد أن الرجل كان مستهدفاً وأن تحالف الرجعية العربية (وفقاً لمصطلحات ذلك الزمان) وأمريكا وإسرائيل ، كان يستهدف قتله أو الضغط النفسى والسياسى عليه حتى يموت بهدوء ، وببطء ، وليس بالضرورة عبر وضع السم فى الكريمات ومواد التدليك – كما أشيع لاحقاً – ونحسب أن مؤامرة 1967 ، وهزيمة الجيش المصرى وقتها مثلت بداية الموت السياسى لهذا الزعيم الكبير ، وكان (موته الجسدى) تحصيل حاصل لاحقاً لهذا الموت السياسى .
* ان عبد الناصر ، لم يكن مرحلة . أو جملة اعتراضية من جمل التاريخ المصرى والعربى الحديث ، ولكنه كان رمزاً للصمود والتحدى ، لتحقيق الوحدة ، ومقاومة إسرائيل والاستقلال الاقتصادى الوطنى ، نعم كانت له أخطائه بل خطاياه ، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نسجل أن مصر فى عصره ، كانت دولة مهابة الجانب ، مؤثرة الدور ، فى محيطها وعالمها ، على النقيض تماماً من حالها اليوم . ولأنها كانت كذلك ، ولأن (ناصر) كان أيضاً مثلها ، كبيراً ومهاباً ، ومؤثراً ، لذلك كانت مؤامرات اغتياله كثيرة وحاضرة ، ودائمة وإذا لم نعيد قراءتها فى ضوء ما يجرى لمصر اليوم من محاولات ومؤامرات تقزيم ، متعمدة ، بعد ثورتى 52 يناير و30 يونيو ،فإننا نكون قد فشلنا مرتين ، الأولى فى قراءة التاريخ ، والثانية فى حماية الحاضر ، والله أعلم .
مجلة الوعي العربي