الرئيسية / حوارات ناصرية / الثورة وعباءة الديمقراطية - بقلم : سامي شرف

الثورة وعباءة الديمقراطية - بقلم : سامي شرف

وإضافة إلى فرى الشيوعيين ضد ثورة يوليو، ما يشيعونه بأن الثورة كانت تعمل ضد الديمقراطية .. من الممكن أني أقبل ذلك الحديث من أى أحد إلا الشيوعيين ؛ فتاريخ الشيوعية ينضح بكافة الممارسات التى تتنافى تمامًا مع مبدأ الديمقراطية !! ثم إن من يحاول الترويج لهذه الفرية ؛ سواء من الشيوعيين أم من غيرهم لم يحددوا لنا أى ديموقراطية يقصدونها بالضبط؛ هل يقصدون ديمقراطية «ستالين» أم ديمقراطية « العم سام» ؟!! إذا ما كانوا يقصدوا أىاً منهما فأنا معهم .. نعم ثورة يوليو لم تكن مع هذا أو ذاك وشرف لها أن تكون كذلك ؛ لأنها ثورة أسمى من أن تبطش بشعبها أو تزيف وعيهم، وتستخف بعقولهم بكلمات براقة ليس فيها من الحقيقة شئ .. قائد ثورة 32 يوليو أدرك أن لكل مجتمع تقاليده وموروثاته وتجربته السياسية التى قد تتفق فى بعض جوانبها مع تجارب الآخرين ، إلا أنها أيضًا تختلف فى جوانب أخرى بما تتميز به من خصوصية ـ فلكل مجتمع خصوصية تميزه عما سواه ـ بما يعنى أن استيراد أنماط جاهزة مستقاة من تجارب سياسية أخرى تختلف عنا اختلافا جذرياً لتطبق لدينا ـ كما يروج البعض الآن من مشاريع الشرق الأوسط الكبير وغيره ـ كان كفيلا بأن يحكم بالفشل على تجربتنا من البداية .. أدرك الرئيس عبدالناصر ذلك ، وكان مبدأه أن نستفيد من تجارب الآخرين..نقاط القوة فيها، ونأخذ منها ما يناسب خصوصية مجتمعنا ، ويتوافق مع أهدافنا، وظروفنا السياسية ، والتحديات التى كانت تواجهها الثورة فى الداخل والخارج.

وهنا لدى سؤال : هل كان الدكتور عبدالرزاق السنهورى، وفتحى رضوان، والدكتور سيد صبرى ، كما يقول هؤلاء الشيوعيون يشجعون العسكر على الاتجاه ضد الديموقراطية؟

وأسأل مرة ثانية : هل عندما تولوا مسئولية جريدة « المساء» التى كانت تصدرها مؤسسة دار التحرير التى يرأسها الرئيس جمال عبدالناصر ، وتتبنى اتجاهات الثورة .. لماذا قبلوا تولى المسئولية ما دامت الثورة لم تكن تطبق الديموقراطية كما يدعون ؟ بل كانوا يكتبون فيها ما يشاءون !! كل هذا ولم تكن هناك ديموقراطية ! عجبى !.

ثم يقولون بعد ذلك إن هزيمة يونيو 76 كانت بسبب أزمة الديموقراطية !

نحن نفهم طبعًأ ما هى الديموقراطية ،ولانقلل من أهميتها وإن اختلفنا فى تحديد المفاهيم وفى تشخيص ما إذا كان نظام الرئيس عبدالناصر يعانى من أزمة ديموقراطية أم لا . لقد كان الاتحاد السوفيتى يدعى أنه نظام ديموقراطى ، وكانت حدتو وغيرها من الفصائل الشيوعية تؤيده ، وتتلقى الأوامر منه ومن توابعه فى بلغاريا مثلاً .. ومع ذلك فقد انهار هذا النظام بصورة مهينة لقاء حفنة من الدولارات ، وإلقاء محاضرات ،وعقد لقاءات تليفزيونية فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا ، وفيلا سكنية فى إيطاليا.

وفرنسا أم الحرية والديموقراطية والأحزاب ذات الصوت العالى ، اكتسحتها جحافل النازية فى لمح البصر وسقط النظام سقوطاً مدويّاً.

وقمة الديموقراطية الولايات المتحدة الأمريكية ـ كما تدعى لنفسها ـ نسف أسطولها وطيرانها بالكامل فى لحظات فى بيرل هاربور ، ولم تشفع لها الديموقراطية ولاحقوق الإنسان.

إن قضية الديموقراطية هى بلاشك قضية هامة ، ولكنها أيضًا ذريعة ، وباسمها ترتكب الجرائم والخطايا ، فالديموقراطية مثلاً هى الشعار الذى ترفعه الرأسمالية والإمبرالية الجديدة فى حربها ضد الثورة الوطنية والاجتماعية فى العالم الثالث ، وضد الاشتراكية فى المعسكر الاشتراكى ، فهى تزعم أن معركة العصر هى معركة بين الديموقراطية وبين الشمولية ، و ليست بين الرأسمالية والامبريالية.

والديموقراطية التى تعترف بها وتريد تطبيقها كنموذج يحتذى للعالم الثالث هى ديموقراطية فورموزا بقيادة تشيانج كاى شيك ، أو ديموقراطية كوريا الجنوبية وأخيراً ديموقراطية إسرائيل.

ولكن النظم الأخرى ، نظم عبدالناصر فى مصر ، وسوكارنو فى إندونيسيا ، وسيكوتورى فى غينيا فهى نظم ديكتاتورية شمولية لابد من مقاومتها من أجل الديموقراطية !!

والديموقراطية كانت الذريعة التى انشقت بها الحركة الاشتراكية الدولية بمساهمة القوى الرأسمالية والاستعمارية ، وانقسمت إلى أحزاب اشتراكية ديموقراطية تهاجم الأحزاب الاشتراكية اليسارية ، والأحزاب الاشتراكية الماركسية ؛ بحجة واحدة هى افتقادها وعدوانها على الديموقراطية.

إن الديموقراطية فى البلاد التى عانت من الاستعمار والاستغلال الأجنبى لابد أن تبدأ أولاً بالديموقراطية الاقتصادية والاجتماعية ، وهدم النظام القديم بكل كياناته وعلاقاته، فلا يمكن أن تقوم ديموقراطية فى ظل الأمية أو الجوع أو المرض أو البطالة تظل أغلبية سحقها الاستبداد والاستغلال لا أعنى بذلك بالطبع أننا كنا مثاليين ؛ هناك تجاوزات لن ننكرها ، واعترف بها الرئيس جمال عبدالناصر بنفسه أكثر من مرة فى أقوى وأجرأ نقد ذاتى للتجربة ـ إن هذه التجاوزات موجودة فى أقدم ديمقراطيات العالم ولدى كل من يدعى أنه ديموقراطى ، ولنا فيما حدث للعرب والمسلمين فى بريطانيا والولايات المتحدة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر ، وما تفعله الولايات المتحدة مع الشعب العراقى، وكذلك ذنبها الكيان الصهيونى مع شعب فلسطين ما يؤكد صدق ما أقول ـ ولم يكن هدم المجتمع القديم ليتم بالحوار والإقناع ، بل كان لابد من التشدد مع طبقة قهرت وأذلت الشعب طويلاً . ومهما كانت التجاوزات فى التطبيق فإنها لاتبرر اتخاذ البعض لها سبباً للتنديد بالثورة . وأن تجاوز الشرعية قد صاحب كل الثورات فى العالم شرقه وغربه بلا استثناء ( أمريكا ـ فرنسا ـ روسيا ) ، فالثورة ليست حفلة وإنما هى صراع قوى وهائل. وما حدث فى مصر من تجاوزات لايقارن فى شئ بما حدث فى ثورات أخرى غربية أو اشتراكية أو عربية ، لايقاس فى شئ بما حدث فى الثورة الأمريكية أو الفرنسية أوالروسية أو فى الثورة الجزائرية والعراقية.

إن ما حدث من تجاوزات ينبغى ألا يؤخذ وسيلة لإنكار كل ما حققته الثورة أو تكأة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

والإقطاع والرأسمالية المصرية حكمت مصر طويلاً وتمخض عن حكمهم أن 5.99% من الشعب رزح فى أدنى دركات الإنسانية وتجاوزات القانون ، والشرعية تعنى أول ما تعنى، البحث عن أفضل شكل لديموقراطية اشتراكية لا تنفصل فيها الديموقراطية السياسية عن الديموقراطية الاقتصادية أو الديموقراطية الثقافية، وهى لاتعنى أبدًا إعادة الديموقراطية الرأسمالية الغربية أو سيادة قوانينها . وإن ما حدث من تجاوزات كان حالات فردية واستثناءات ولم يخف القانون ، ولم يعلن الإرهاب العام ولكنه انحرافات وشذوذ، ومن الافتراء الاستناد إليها للقول بأنها ـ الثورة ـ سحقت مصر والمصريين ، ولايجوز إطلاقًا أن يشوه عظمة التجربة ، ونبل أهدافها ومبادئها، وقوة إنجازاتها.

طبعا كلامى هذا ليس تقليلاً أو نيلاً من الإيمان بضرورة تطبيق الديموقراطية التى سعت الثورة بكل طاقاتها فى محاولات لتطبيقها السليم لتستند على أساس تطوير المجتمع.. مجتمع الكفاية والعدل ، وليس مجتمع النصف فى المائة.

هناك سؤال يطرح نفسه على أى سياسى مصرى وهو : لمن كانت ستمنح الحرية السياسية والديموقراطية فى بدايات الثورة ؟

هل كانت ستتاح للباشوات والبكوات والإقطاعيين ومجتمع النصف فى المائة ؟

أم كان من المفروض أن يقودها الفلاح والعامل والفقير الذين رزحوا قروناً طويلة تحت سيطرة الاستعمار وأعوانه وعملائه ؟

وإذا سلمنا بأن الديموقراطية حق لابد من انتزاعه ، فمن كان سينتزعه ؟

شعب يعانى الفقر والجهل والمرض ؟!

الديموقراطية حق لايمنح ، بل ستظل دائمًأ وأبدًا معركة الشعب المستمرة من أجل المشاركة الفعلية فى الحكم ، ومن أجل حرية الكلمة ، وحرية النقد والمعارضة ، وممارسة النقد الذاتى.

وإذا كانت الديموقراطية فى زمن الرئيس عبدالناصر طبقت بمفهوم حق العمال فى المشاركة فى إدارة مصانعهم وشركاتهم ، وحق الفلاح فى امتلاك الأرض، وحق المشاركة فى عضوية المجالس والمؤسسات السياسية والنيابية بنسبة تمثل حقيقة حجمهم فى المجتمع.

لقد سلمنا عبدالناصر الأمانة لنكمل نحن المسيرة بعد الوصول إلى مرحلة النضج السياسى والاجتماعى بمفهوم التعددية السياسية ، كما نادى بها هو قبل رحيله فى اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى العربى يوم 3 أغسطس سنة 7691 . فهل نحن قادرون على تحقيق هذا الهدف أم سنظل نتباكى على الديموقراطية المفقودة ظلماً؟. وإذا كان نظام عبدالناصر هو السبب فى تعطيل مسيرة الديمقراطية ، فماذا عطلها بعد رحيله؟!!

إن الحرية طريق لانهاية له ، ولسوف يظل جمال عبدالناصر رمزاً حيًا للكبرياء الإنسانى والاعتداد القومى والكرامة.. ليس فى مصر فقط ، بل فى الوطن العربى قاطبة ، إن لم يكن فى العالم الثالث كله.

وإنى أحب أن أضع تحت أنظار القارئ الكريم ورقتين أنهى بهما هذه الشهادة :

الأولى : هى تقدير للموقف بخط يد الرئيس جمال عبدالناصر عن الشيوعية فى الجمهورية العربية المتحدة(*).

والثانية : هى صورة فوتوغرافية للخطاب الذى تسلمه الرئيس جمال عبدالناصر ، والذى يقرر فيه قادة التنظيمات الشيوعية المصرية بخط يدهم وبإرادتهم الحرة حل كافة تنظيماتهم فى الجمهورية العربية المتحدة ، والذى سلمونى إياه فى مكتبى بمنشية البكرى .

والبرقية المرفقة بهذه الرسالة تشمل أيضاً مشاركة باقى قادة التنظيمات الشيوعية الذين حالت ظروفهم دون أن يوقعوا بأنفسهم على الرسالة ، وناب عنهم السيد محمد كمال عبدالحليم فى توقيعها.

ويقول « جون بادو» سفير الولايات المتحدة الأمريكية فى مصر : « إن كينيدى كان يعلم كما كان هو يعلم تمامًا أن عبدالناصر لم يكن شيوعيًا ، وإنما كان ثوريًا عملياً» ، بل ويذهب بادو إلى القول بأن الولايات المتحدة كانت تسعى فى ذلك الوقت لإنجاح تجربة عبدالناصر والتى أسماها « الاشتراكية البراجماتية» للدولة بدلاً من أن تندفع مصر فى طريق الشيوعية السوفيتية ، ومما كان يطمئنهم فى ذلك أن ناصر لم يكن أيديولوجيًا ، فقد كان يأخذ بعض الأشياء من النظم الاشتراكية ، لكنه كان أيضًا يأخذ أشياء أخرى من النظم الرأسمالية كلما وجد أن فى هذا أو ذاك مصلحة عملية لاقتصاد بلاده.

وبالمناسبة فإنى أقرر هنا أنه حدث تجاوز تلقائى تم بمعرفة اثنين من ضباط البوليس الحربى ؛ وهما أحمد أنور ، وحسين عرفة اللذان توجها إلى مجلس الدولة فى محاولة للاعتداء على الدكتور عبدالرزاق السنهورى بتصرف شخصى وفردى منهما ، ودون الرجوع لأى مسئول كبير من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، وذلك عقب وصول إشاعة لهما تفيد بأن مجلس الدولة سيصدر فتوى قانونية ضد الثورة ، ولقد حال الرئيس جمال عبد الناصر دون إتمام هذه المحاولة فور علمه بما أقدما عليه فى اللحظة الأخيرة ، وفعلاً تم الاعتذار للدكتور السنهورى بواسطة الرئيس عبدالناصر .

و أحب أن أؤكد هنا أنه لو كانت هناك تعليمات للقيام بمثل هذه الاعتداءات لكان قد تم الاعتداء على نقابة المحامين ، التى كانت قد أصدرت فعلاً فى ذلك الوقت بياناً ضد الثورة ، أو كان قد تم الاعتداء على جريدة المصرى التى كانت بوقاً ضد الثورة !!

الولايات المتحدة الأمريكية تتدخل فى الشئون الداخلية للدول ، وتغير أنظمة دول من أجل خدمة مصالحها الخاصة تحت ذريعة نشر الديمقراطية ، وما فكرة مبادرة الشرق الأوسط الكبير التى تروج لها الآن فى الوطن العربى إلا ذريعة من جانبها للتحكم فى المنطقة ، وتغيرها لصالح الكيان الصهيونى.

عن admin

شاهد أيضاً

اعادة إكتشاف عبد الناصر - بقلم الأخواني السابق: أحمد بان

.. وفى الليلة الظلماء يفتقد البدر، فى مثل هذه الأيام رحل عن عالمنا هذا الراحل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *