Jump to content


Most Liked Content


#9 المنهج العلمي في التحليل و أسس التفكير العلمي

كتب بواسطة : admin on 07 February 2015 - 09:00 AM

ملف مرفق  المنهج.pdf   14.14MB   221 عدد مرات التحميل
 

[acronym='']الجمعة 27 فبراير 2015


معهد أعداد الكادر الناصري المحاضرة الثانية - د.صفوت حاتم - الجزء الأول
معهد الكادر الناصري - المحاضرة الثانية- الجزء الأول المحاضرة اليوم - للدكتور صفوت حاتم - المنهج العلمي في التحليل و أسس التفكير العلمي



معهد أعداد الكادر الناصري - المحاضرة الثانية - د.صفوت حاتم


https://www.youtube.com/watch?v=E7CB9BtD7mY&feature=youtu.be
معهد أعداد الكادر الناصري المحاضرة الثانية - د.صفوت حاتم - الجزء الثالث

https://www.youtube.com/watch?v=TdR4J5Dq8JU
معهد أعداد الكادر الناصري - المحاضرة الثانية - مناقشات الأعضاء د.صفوت حاتم
المحاضرة بصيغة البي دي أف علي الرابط التالي
https://www.facebook...93559764047024/
[/acronym]


  • Egypt2100 likes this


#72 تغطية بالفيديو و الصور-المحاضرة الرابعة -الدورة المتقدمة -محاضرة د.محمد رضا ط...

كتب بواسطة : admin on 11 October 2015 - 06:32 AM

8888.jpg 008888.jpg
12068785_1153550411339913_61025026571326

 

 

 

المادة العلمية

ملف مرفق  إمبريالية هذا الزمــــان . لإعلام فى زمن العولمة.doc   144.5KB   31 عدد مرات التحميل SAM_0624.JPG SAM_0626.JPG


  • admin likes this


#7 المحاضرة الثانية: الصراع العربي الصهيوني في إطاره العالمي

كتب بواسطة : admin on 07 February 2015 - 01:08 AM

1.jpg 1.jpg ملف مرفق  الصراع العربي الصهيوني في إطاره العالمي.pdf   35.62MB   332 عدد مرات التحميل

[acronym]
معهد أعداد الكادر الناصري - المحاضرة الرابعة - د.جمال شقرة - الجزء الأول
المحاضرة الرابعة : الصراع العربي الصهيوني في إطاره العالمي http://elw3yalarabi....pic/6-المحاضرة-...
youtube.com





معهد أعداد الكادر الناصري - المحاضرة الرابعة - د.جمال شقرة - الجزء الثاني



‏[acronym][/url][acronym]
معهد أعداد الكادر الناصري - المحاضرة الرابعة - د.جمال شقرة - الجزء الثالث-مناقشة الأعضاء

كيف أرعب كتاب عبد الناصر " فلسفة الثورة " قادة الكيان الصهيوني !!
محاور الأستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من الخمسينيات الي اليوم !
جذور القومية العربية في فكر عبد الناصر قبل ثورة يوليو ...... من أرشيف منشية البكري



معهد أعداد الكادر الناصري - المحاضرة الرابعة - د.جمال شقرة - الجزء الثالث-مناقشة الأعضاء[/acronym][/acronym]

صور مصغرة مرفقة

  • 4.jpg

  • olaamohiiy likes this


#6 المحاضرة الأولي :حول أهداف ووجبات معهد أعداد الكادر الناصري

كتب بواسطة : admin on 07 February 2015 - 12:30 AM

ملف مرفق  حول أهداف ووجبات معهد أعداد الكادر الناصري.pdf   9.3MB   226 عدد مرات التحميل

[acronym]بالفيديو ..معهد الكادر الناصري - المحاضرة الأولي - د.عاصم الدسوقي
 2015-02-20_257941557.jpg
معهد الكادر الناصري
محاضرة الاستاذ الدكتور " عاصم الدسوقي " في دورة معهد الكادر الناصري ..
المحاضرة تضمنت : مفهوم " الكادر " ..مهام الكادر السياسي .. مهارات الكادر السياسي ..الاسلوب العلمي في العمل السياسي ..طبيعة الايديولوجية الناصرية .. تطوير الفكر الناصري بما يتلاءم مع المستجدات ...
محاضرة شاملة ومتخمة بالمعلومات النظرية والتاريخية ..بعد محاضرة الدكتور عاصم حول أهداف ووجبات معهد أعداد الكادر الناصري أدار الدكتور صفوت حاتم نقاش الأعضاء و أسئلتهم






‏20 فبراير‏،2015


safe_image.php?d=AQDDAzUlaga-GMwT&w=158&
معهد أعداد الكادر الناصري المحاضرة الأولي - د.عاصم الدسوقي
الدورة الأولي - حول أهداف ووجبات معهد أعداد الكادر الناصري- القاهرة في 20 فبراير 2015 جدول محاضرات و نظام الدراسة بمعهد أعداد الكادر الناصري : أولا : المحاضر...


حول أهداف ووجبات معهد أعداد الكادر الناصري

صفوت عفيفي :
تشرفت بحضورى أولى محاضرات دورة معهد إعداد الكادر الناصرى ، وسعدت بوجودى داخل أحد البيوت الناصرية * حزب الوفاق الناصرى * بين كوكبه من قاماتنا القوميين والناصريين فى مصر والعالم العربى ، وبين زملائى الدارسين للفكر الناصرى .

Drsafwat Hatem Hatem :
محاضرة الاستاذ الدكتور " عاصم الدسوقي " في دورة معهد الكادر الناصري ..
المحاضرة تضمنت : مفهوم " الكادر " ..مهام الكادر السياسي .. مهارات الكادر السياسي ..الاسلوب العلمي في العمل السياسي ..طبيعة الايديولوجية الناصرية .. تطوير الفكر الناصري بما يتلاءم مع المستجدات ...
محاضرة شاملة ومتخمة بالمعلومات النظرية والتاريخية ...بالفعل محاضرة ممتعة ...





الجزء الثاني
safe_image.php?d=AQDjI_30xIJypjDJ&w=90&h
معهد الكادر الناصري

الدورة الأولي - المحاضرة الأولي - الجزء الثالث- - مناقشات الأعضاء و هيئة التدريس


معهد أعداد الكادر الناصري - الدورة الأولي - المحاضرة الأولي- مناقشات الأعضاء و هيئة التدريس


[/acronym]
مناقشات الأعضاء - الدورة الثانية

المحاضرة الأولي بالدورة الثانية لمعهد الكادر الناصري و الأحتفال بالأستاذ الدكتور عاصم الدسوقي و التي شهدت أقبال كبير من الناصريين و شرفنا بأستقبال أخوة لنا من السودان و لبنان و سوريا كما شرفنا الزملاء خريجي الدفعة الأولي و الذين نظموا أحتفال الدكتور عاصم الدسوقي - و استضاف الحزب العربى الديمقراطى الناصرى هذه الدورة - القاهرة في 10 أبريل 2015


  • jibjabst likes this


#13 مستقبل الوحدة العربية

كتب بواسطة : admin on 09 February 2015 - 09:12 AM

الوحدة العربية .. وأسئلة القرن الجديد بقلم: د. صفوت حاتم
 

[media]



[/media


 

 


scan0015-1.jpg

الوحدة العربية .. وأسئلة القرن الجديد
                                                بقلم: د. صفوت حاتم

1-   كيف يمكن تحقيق الوحدة العربية فى ظل غياب دور مصر الإقليم القاعدة ؟2-   كيف يمكن تحقيق الوحدة فى ظل الاعتراف بإسرائيل وعقد اتفاقيات منفردة معها ؟3-   كيف يمكن مواجهة إسرائيل دون رادع نووى ؟4-   كيف يمكن تحقيق الوحدة العربية فى ظل أحادية القطبية ؟5-   كيف يمكن تحقيق الوحدة فى ظل التبعية ؟6-   كيف يمكن تحقيق الوحدة العربية فى غياب الحزب ؟
* * *
1-


عندما نجح " جمال عبد الناصر " فى تحقيق أول وحدة عربية بين إقليمين عربيين هما مصر وسوريا عام 1958 كان يعلم أن المعركة مع أعداء الوحدة العربية فى الداخل والخارج قد بدأت . فمع هذه الوحدة بدا الحلم الذى طال انتظاره وكأنه قد أصبح قابلاً للتحقيق فى النهاية فقد بدأت الأنظمة المعارضة للمشروع النهضوى العربى فى الانهيار ، فسقط الحكم الشمعونى فى لبنان وسقطت المملكة الهاشمية فى العراق ، وبدا أن هناك اتجاهاً قوياً داخل " الضباط الأحرار " العراقيين الذين قاموا بالثورة يضغط باتجاه الالتحاق السريع بدولة الوحدة الناشئة والتى كان من نتائجها المباشرة نزول القوات الأمريكية فى لبنان والقوات البريطانية فى الأردن بعد أن اجتاحت عمان وبيروت مظاهرات عـارمـة يلهبهـا حلـم الوحدة الـذى فجـره عبد الناصر . وقـد قـدرت وكـالات الأنبـاء آنذاك " رويتـر" و " الأسوشيتدبرس " أن عدد اللبنانيين الذين قصدوا بيروت باتجاه دمشق التى كان يزورها الرئيس عبد الناصر قد وصل إلى نصف مليون ، أى أن نصف لبنان قد شارك واقعياً فى مواكب الرحلة إلى دمشق خلال فترة لا تزيد عن أسبوعين . من ناحية أخرى تأججت الثورة فى الجزائر وبدت الأمور – آنذاك – وكأننا نسير نحو النصر النهائى للمشروع العربى الذى بدأت ملامحه قريبة تداعب الخيال الشعبى . إن الوحدة المصرية السورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة كشف بشكل فجائى وصاعق عن جوهر المشروع النهضوى العربى ، أى الوحدة العربية ، وكشف فى ذات الوقت عن أعداء هذا المشروع ، الخارجيين والمحليين . ( استطاع محمد حسنين هيكل أن يكشف بالوثائق حالة الهوس والجنون التى انتابت هذه القوى بعد إعلان الوحدة المصرية السورية عام 1958 فى كتابه الممتاز " سنوات الغليان" ) . 2-  لقد أدركت القوى المعادية للأمة العربية – من ناحيتها – المعنى التاريخى العميق للوحدة العربية وتأثيرها على توازنات القوى العالمية ومستقبلها . فصراعات القوى الكبرى كانت ولا تزال تدور حول هذه المنطقة بالذات ، ولقد أكسب ظهور النفط فيها لهذا الصراع بعده المستقبلى . فالنفط سيظل وحتى إشعار آخر هو العامل القادر على التحكم فى مستقبل القوى العظمى وتطورها التكنولوجى والحضارى .
     لذلك ليس غريباً أن يعتبر بعض المفكرين العرب أن أكبر انتكاسة لحقت بالمشروع النهضوى العربى المعاصر هو انفصال الإقليم الشمالى للجمهورية العربية المتحدة ( سوريا ) عن الإقليم الجنوبى ( مصر ) . ولم تكن الهزائم العسكرية أمام العدو الصهيونى سوى " تجليات " لهزيمة المشروع الوحدوى بالانفصال عام 1961 .
     والمعروف أن دوائر الحكم فى مصر باتت تحمل " عبد الناصر " شخصياً مسئولية " المغامرة الوحدوية " وتلقى عليه باللوم . يذكر محمد حسنين هيكل أن الرئيس " عبد الناصر " وصف شعوره – آنذاك – كوضع قبطان وجـد سفينته وقد انشطرت إلى نصفين وهى فى وسط البحر، وأنه قضى أياماً طويلة يراجع نفسه ، وسيتذكر تفاصيل تجربة الوحدة وآمالها ومشاكلها . كان شعوره الداخلى أن التجربة جاءت قبل الأوان ولم يكن لهـا أساس موضوعى صلب لتحقيقها فى هذا الوقت بالذات ، ومع ذلك فقد حدث أنها قامت وكان الحرص عليها واجباً . وكان يراوده إحساس بأن الاحتفاظ بالوحدة مهما كانت الظروف كان يمكن أن يعرض سوريا لضرورات أمن لم يكن على استعداد لها وإلا وقع الضرر بهدف الوحدة نفسه . ( سنوات الغليان ، ص 591 ) .
 
ما الجديد فى المسألة ؟    3-  ومنذ هذا التاريخ كتبت آلاف الكتب والمقالات وعقدت مئات الندوات والمؤتمرات لدراسة موضوع الوحدة العربية ، تبحث فى المعوقات والعقبات ، وتقترح الحلول والسياسات ، وتتصور الأساليب والطرق ، ولكن لم نتقدم خطوات كثيرة باتجاه الوحدة . على العكس تدهور الوضع العربى كثيراً منذ هذا الانفصال المشئوم وبعدنا عن كل صور التضامن العربى إلى أشكال مروعة من الصراعات الإقليمية والطائفية والقبلية التى كانت حرب الخليج الثانية وما استخدم فيها من عنف " مجانى " هى أحد مظاهرها الساخرة .مـا الـذى يمكـن أن " تكتشفـه " دراسة جـديـدة عن الوحدة العربية ؟ وما الذى يمكن أن تضيفه إلى آلاف الدراسات والكتب المتخصصة التى كتبت عن هذا الموضوع وجوانبه المختلفة : دور الاقتصاد والتكامل الاقتصادى والعامل الثقافى والعامل الحضارى والبنى السياسية واللغة والصراع الإقليمى .. إلى آخره ؟
مهمة صعبة ومستحيلة :          لذلك لا يبدو منطقياً أن نتكلم عن الوحدة العربية الآن بنفس الخطاب الذى كان سائداً فى الخمسينات والستينات ، فقد كانت الأوضاع السياسية والفكرية السائدة – آنذاك – تشهد حالة صعود لنظام إقليمى عربى قوامه الفكرى الإيمان بالوحدة العربية وقوامه السياسى مواجهة الاستعمار ورفض الأحلاف ، وقوامه الاجتماعى التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية ، وقوامه الطبقى الفئات الكادحة والمسحوقة من الجماهير العربية ، وقوامه التحررى كان تحرير فلسطين من القبضة الصهيونية . ورغم أى تراجعات أو تذبذبات فى هذا المشروع العربى ، فإننا لا يمكن أن ننكر أن السعى لتحقيق هذه الأهداف كان مشروع المستقبل للعرب خلال الخمسينات والستينات .
          لكن تبدل الحال بشكل جذرى بعد وفاة عبد الناصر وبشكل يصعب تصديقه ، فموجة العداء للغرب أفسحت المجال لسياسات وأقوال ترى فى الغرب " المخلص " للعرب من كل مشاكلهم وأولها مشكلة الصراع العربى الصهيونى التى حكمت المنطقة وتوجهاتها فى الحقبة الناصرية على نحو حاد، وهكذا أصبح للغرب 99 فى المائة من أوراق حل المشكلة . وبعد أن كانت سياسة الموالاة للغرب تمارس سراً من بعض الأنظمة العربية ، تحول الأمر إلى سياسات تؤيد الغرب علناً ، وانتشرت مع التعاظم المفاجئ والفج فى الثروة النفطية ، موجة من المتاجرات والمضاربات المالية ، وكشف العالم العربى مرة أخرى عن وجهه المحافظ فى السياسة والفكر والدين والثقافة .
          إن المحافظة السياسية والفكرية التى عرفتها مصر بعد عبد الناصر ستتخطى حدودها وينطلق فيها العالم العربى كله حتى تلك التى ترفع شعارات أو واجهات يسارية فى العراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن الجنوب ( قبل الوحـدة مع الشمال ) والمقاومة الفلسطينية ، لتصبح سياسة مغازلة الغرب نهجكامل ومسيطر فى السياسة العربية الرسمية ، لن تلبث أن تلتحق بها قطاعات من النخبة المثقفة التى رأت أن عجلات الزمن تدور فى الاتجاه المعاكس ، خصوصاً بعد أن انهار المعسكر الاشتراكى انهياراً مدوياً صحبه وما تبعه من إحساس عارم بالخزى من هشاشة البناء الذى شيدت عليه أول تجارب البناء الاشتراكى فى التاريخ والسهولة العجيبة التى انهار بها .
أسئلة القرن الجديد :          يدخل العرب – إذاً – القرن الجديد فى ظل أوضاع جديدة ومخالفة عما كان سائداً ومتوقعاً – خلال بداية الخمسينات والستينات .         هذا القرن الجديد يطرح على العرب أسئلة من نوع جديد حول المستقبل . وهى أسئلة تهم النخبة العربية المهمومة بالمستقبل العربى كوحدة واحدة وليس كوحدات متفرقة فى أقطار متعددة ومتنافرة فى مصالحها .
          لذلك فهى أسئلة موجهة للنخب المؤمنة بمسألة الوحدة العربية ، دون سواها فلسنا معنيين بحـال مـن الأحوال بإقامة ألـف دليـل ودليل على ضرورة الـوحـدة العـربيـة لغيـر المؤمنيـن بهــا مهمـا كانـت عقلانيـة أسبابهم النظرية أو صلابة مواقفهم السياسية !!
السؤال الأول : وحدة عربية فى ظل هيمنة أمريكية ؟          لقد دأب الفكر السياسى التقليدى على الكلام عما سمى " حقبة التوازن الدولى " خلال حقبة الحرب الباردة ، ولكن التحليل السياسى الجاد يفرض على الباحث السياسى كثير من الحرص والحذر فى استعمال الألفاظ . فحقيقة الأمر أنه لم يتواجد قط هذا النوع من " التوازن " بين القوتين العظمتين خلال حقبة الحرب الباردة .
          لقد كشفت أزمة خليج الخنازير عام 1962 ( بسبب نشر الصواريخ الروسية سراً فى كوبا ) وما تبعها من انكسار للموقف السوفييتى أمام الضغوط الأمريكية عن حدود التوازن الدولى الذى تمشى على مساحته الضيقة حركات التحرر الوطنى .
          ربما كان أول من عبر عن " خيبة الأمل " فى هذا التوازن هم ضحاياه الحقيقيون .
          لقد كان " تشى جيفارا " من نفسه لسان حال شعوب العالم الثالث عندما أعلن فى هذا الخطاب : … أن التعايش السلمى بين الأمم لا يشمل التعايش بين المستغلين ( بكسر الغين ) والمستغلين ( بفتح الغين ) بين المضطهدين والمضطهدَين " . كانت هذه العبارة هجوماً صريحاً على المحاولة الروسية الجديدة لتحقيق " تعايش سلمى " مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن جعل " كيندى " " خروشوف " يتنازل عن موقفه ويسحب الصواريخ من كوبا .
          ولقد طور " جيفارا " فكرته عن " التوازن الدولى " وحدوده الضيقة بصورة أكثر قوة فى مؤتمر التضامن الأفرو – آسيوى الذى عقد فى الجزائر فى شباط / فبراير عام 1965 ، والذى هاجم فيه السياسة الروسية بصورة مباشرة ، مسبباً الارتباك للحكومة الكوبية والحنق للروس الذين شعروا بأنهم سبق لهم أن قدموا الكثير لكوبا ، وأنه لا مبرر أن توجه لهم الإهانات .                   ولكن " جيفارا " الذى كان محكوماً " بالمنطق الثورى " لم يكن مستعداً للتضحية بهذا " المنطق " لمجاملة الروس . فحتى الروس كان عليهم أن يعلموا أنه لا توجد منَّة تقديم العون للشعوب المتحررة . وأعلن " تشى جيفارا " أن من واجب البلدان الاشتراكية أن تصفى علاقاتها الضمنية مع الأمم الاستغلالية فى الغرب " . فبالنسبة " لتشى " لم يكن هناك من تحديد للاشتراكية سوى إزالة استغلال الإنسان للإنسان . فليس بوسع أى بلد أن يشيد الاشتراكية بدون أن يساعد جميع البلدان على بناء الاشتراكية ومهاجمة الإمبريالية .
وأعلن " جيفارا " :          " ليس هناك من حدود لهذا " الصراع حتى الموت " ، ولا نستطيع أن نبقى لا مبالين فى وجه ما يحدث فى أى جزء من العالم . إن انتصار أى بلد ضد الإمبريالية هو انتصار لنا ، تماماً كما أن هزيمة أى بلد ضد الإمبريالية هو هزيمة لنا . إن ممارسة التضامن العالمى ليست من واجب البلدان التى تناضل من أجل تحقيق مستقبل أفضل فحسب بل إنها ضروة حتمية أيضاً " .( جيفارا ، آندرو سنكلير ، ترجمة ماهر كيالى ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ) .إن صورة " عالم ثالث " منفصل فى المصالح عن الكتلتين الرأسمالية الشيوعية كانت قد اتضحت تماماً فى ذهن زعماء العالم الثوريين الذى لعب "جيفارا " دور المتحدث الرسمى باسمهم وباسم شعوب العالم الثالث آنذاك . لقد تنبأ " جيفارا " بالكارثة " أو " الوحلة " التى ستغرق فيها شعوب العالم الثالث فى الربع الأخير للقرن العشرين ؛ ففى كلمته فى مؤتمر التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة فى مارس/ آذار عام 1964 حين طالب "بألا يدب التنافس والتنازع بين الأمم الصغيرة فى سبيل الحصول على القروض من الأمم الغنية ، بل عليها أن تتمسك بالتضامن فيما بينها … إذا كانت مجموعة الدول المتخلفة تتنافس فيما بينها بلا جدوى من أجل فتات طاولة الجبابرة ، متيحة بذلـك الفـرصـة لشق صفوفهـا المتفـوقـة عـدديـاً … فإن العالم سيبقى كما هو " .
إن ما كان يطالب به " جيفارا " هو خلق توازن يفرضه تكتل شعوب العالم الثالث ضد الاستغلال ، ولكن الدعم السوفييتى بقى دوماً دون المستوى الكافى لمواجهة الهجمة الإمبريالية التى بدأت فى منتصف الستينات .
لقد أدرك " تشى جيفارا " طبيعة المشكلة ولكن الأسئلة الصعبة ، وأما الإجابات الأصعب فكانت من نصيب " عبد الناصر "
فإذا كان " جيفارا " يمثل الثورة فى رومانسيتها ، فإن عبد الناصر كان يمثل الثورة فى واقعيتها !!
لقد راح " عبد الناصر " يعمل فى اتجاهات متعددة لتحقيق ما كان يحلم به ثوريون عديدون " كجيفارا " .
لقد أتاحت الحرب الباردة والتنافس والصراع بين أمريكا والاتحاد السوفييتى كثيراً من حرية الحركة ، و " المناورة " لعبد الناصر ولحركات التحرر الوطنى فى الخمسينات والستينات من خلال الدعم الذى قدمه الاتحاد السوفييتى لها ؛ لمواجهة الضغوط التى كان يفرضها المعسكر الإمبريالى بقيادة أمريكا .
لا يمكن أن ننكر – فى التحليل الأخير – أن " توازن القوى النسبى " الذى ميز النظام الدولى خلال حقبتىّ الخمسينات والستينات كان أحد العوامل التى ساعدت على نجاح المشروع الناصرى ( المشروع الوحدوى الرئيسى فى الوطن العربى ) وأمدته بحرية مناورة واسعة ( كسر احتكار السلاح .. معركة السد العالى .. معركة تأميم قناة السويس .. العدوان الثلاثى .. معركة التصنيع الثقيل .. الصمود عسكرياً بعد هزيمة يونيو / حزيران 1967 ، وحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر ) .
بلغة أخرى .. نسأل .. هل يمكن تصور كل هذه المعارك بدون التوازن الدولى الذى كان يخلقه وجود الاتحاد السوفييتى ، والذى كان يستفيد منه الرئيس عبد الناصر فى توسيع هامش مناوراته السياسية دولياً وعربياً ؟
فى رأيى أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن هذا التوازن لم يعد موجوداً عند الحديث عن ناصرية جديدة أو ناصريين جدد .. لماذا ؟ .
وعلى الرغم من أن الرئيس عبد الناصر كان استفاد – كثيراً – من التوازن الدولى وحقق بفضله نجاحات سياسية أكيدة ، لكن هذا لم يمنع أن يرجع البعض السبب الرئيسى فى انكسار المشروع الناصرى إلى دور العوامل الخارجية ، أو بالتحديد إلى دور أعداء الأمة العربية ( الصهيونية والإمبريالية)، وهى القوى التى حشدت كل طاقاتها وبشكل متفوق لكسر المشروع العربى الناصرى على الرغم من وجود الاتحاد السوفييتى وما كان يخلقه من توازن سياسى وعسكرى واقتصادى .
يميل لهذا الرأى ، مثلاً ، المفكر المصرى أنور عبد الملك الذى يرى أن إدراك ديالكتيك الواقع العربى – المصرى يجب فهمه فى ضوء حقائق "الجيوبولتيك " ؛ أى عامل الجغرافية السياسية الذى يشكل الأساس الذى يمكن على أساسه فهم وإدراك دلالة المنطقة الحضارية العربية الإسلامية، وما تشكله هذه المنطقة فى ديالكتيك العالم المعاصر وفى تركيب ميزان القوى القائم منذ فترة ليست بالقصيرة فى عصرنا الحديث .
ولاشك أن حجم الوثائق التى كشف عنها فى السنوات الأخيرة توضح بشكل حاسم حجم الهجمة التى تعرضت لها حركة التحرر العربى تحت قيادة الناصرية فى الخمسينات والستينات ، والتى عبرت عن نفسها فى مؤامرات محلية وعالمية وفى سياسات الأحلاف العسكرية والمواجهات المسلحة (عدوان 1956 ، عدوان 1967، حرب اليمن ، حرب الجزائر .. إلى آخره ) .
من ناحية ثانية ثبت بالدليل العملى خلال حقبة التسعينات ( أى بعد انهيار الاتحاد السوفييتى ) أن المنطقة العربية هى أول منطقة " جيوسياسية " تأثرت بهذا الاختلال فى توازن القوى ، والأمثلة على ذلك عديدة .
فالرئيس صدام حسين – مثلاً – ظن – عندما اقتحم الكويت – أنه من الممكن تحقيق مغامرة سياسية وعسكرية ناجحة بدون " اتحاد سوفييتى " يقف وراءه .
وبسبب هذا الخطأ الفادح فى تقدير التوازنات الدولية ، حصدت القيادة العراقية كارثة عسكرية وسياسية واقتصادية بكل المقاييس .. كارثة لا زال يدفع ثمنها الشعب العراقى منذ أكثر من عشر أعوام .
نفس الشئ يمكن أن يقال عن نظام الرئيس معمر القذافى ؛ لقد استطاع القذافى مقاومة ضغوط دولية وإقليمية عديدة خلال حقبتى السبعينات والثمانينات وتمكن من تحقيق مغامرات " مأمونة نسبياً " فى مناطق مختلفة من العالم تمتد من الفلبين إلى أيرلندا الشمالية وصولاً إلى تشاد وإرتيريا وأثيوبيا فى أفريقيا ، ولكن مع بدء حقبة التسعينات ؛ أى بعد سقوط الاتحاد السوفييتى ما لبث أن وجد نفسه محاصراً ومعزولاً داخل حدوده ، ومن ثم بدأ عملية " السير إلى الخلف " والتخلص تدريجياً من السياسات والأفكار التى كان أول المتحمسين لها والاقتراب تدريجياً من الأنظمة السياسية التى كانت لسنوات طويلة محط هجومه وانتقاداته !!
أما الرئيس حافظ الأسد الذى استطاع تحقيق كثير من النجاحات الإقليمية فى منطقة المشرق العربى خـلال حقبـة التحالـف مع الاتحاد السوفييتى .. ما لبث أن غير من لهجة خطابه السياسى لتتلائم مع المغيرات الدولية التى حدثت ، بحيث أننا يمكن أن نقول أن نظام الرئيس الأسد فى ظل الاتحاد السوفييتى ليس هو تماماً فى ظل غياب هذا الأخير وتغير توازنات القوى فى المنطقة !!
فنظام الرئيس حافظ الأسد نجح لفترة طويلة فى الحفاظ على مواقعه عبر منهج " الدفاع الثابت " أو ما كان يسميه السوريون " التوازن الاستراتيجى " بعد أن خرج الرئيس السادات بمصر من دائرة " الصراع العربى الإسرائيلى " بعقد معاهدة كامب ديفيد . لقد استفاد الرئيس الأسد الدعم السياسى والعسكرى الضخم من الاتحاد السوفييتى الذى اعتبر الأسد الحليف القوى الباقى له فى منطقة الشرق الأوسط بعد أن خسر مواقعه فى مصر ، خصوصاً بعـد أن انشغـل الحليف الثانى للاتحـاد السوفييتـى ( العـراق ) بحربـه مع إيران ومـا ظهر فيها من دعـم غربى غيـر خفى لنظام الرئيس صدام حسين .
لكن الانهيار المدوى و " الجارح " للاتحاد السوفييتى سارع بتغيير كل التوازنات فى المنطقة وعجل بتغيير " مؤشرات الساعة السورية " باتجاه الغرب الأمريكى ، خصوصاً بعد حرب الخليج الثانية التى وجد الجيش السورى نفسه يقاتل بجانب أمريكا .. الحليف الأول والقوى لخصمه اللدود إسرائيل .
لقـد كان احتـلال الكويت ومـا أعقبهـا من حـرب على شواطئ الخليج " لحظة عبثية " من لحظات التاريخ العربى .
ولم يقصر الجميع فى دفع الأمور ومحتواها " العبثى " حتى النهاية ، حين دخلوا جميعاً – بما فيهم سوريا – مؤتمر مدريد بلا قيد أو شرط اللهم إلا من شعار بدون محتوى – وعبثى أيضاً – الأرض مقابل السلام الذى لقمه الرئيس جورج بوش للعرب ثم رحل عن البيت الأبيض !!
لم يعد هناك - إذاً - اتحاد سوفييتى ، ولم يعد هناك توازن دولى يمكن اللعب عليه أو المناورة فى ظله .
كل هذا ينقلنا للسؤال الأساسى : كيف يمكن للوحدويين العرب تحقيق برنامجهم السياسى فى ظل الهيمنة الأمريكية على العالم بشكل عام والمنطقة العربية بشكل خاص ؟ مع أى قوى دولية يمكن أن يتحالف الوحدويون العرب الجديد لتحقيق نوعاً من التوازن يمكنهم من تحقيق الوحدة العربية ؟
وسيرد علينا البعض بأنه من المحال وضع إجابة شافية على سؤال من هذا النوع .. فالإجابة على هذا السؤال تستمد مشروعيتها من تطور الأحداث السياسية العالمية ، وما ستتمخض عنه فى السنين القادمة وهو أمر يصعب التكهن به الآن .
البعض ينتظر – بصبر – قيام قطب أوروبى قوى يحدث نوعاً من التوازن مع القطب الأمريكى الوحيد ، خصوصاً أن ما يظهر من تناقضات أوروبية أمريكية فى بعض السياسات التفصيلية هنا وهناك يشجع هؤلاء على هذا الأمل ، أو بالأحرى ، على الصبر والانتظار .
وبغض النظر عن إمكانية حدوث هذا " التوازن " فى المستقبل القريب أو عدمه ، فإن من ينتظرون هذا ينسون أن قيام هذا " القطب الأوروبى " لن ينفصل عن النظام الرأسمالى العالمى الذى تربطه مصالح مشتركة واستراتيجيات عامة فى كل مناطق العالم المختلفة على الرغم من التناقضات الطبيعية بين أجزاءه .
إن التوازن الدولى السابق كان يقوم على أساس الصراع الأيديولوجى بين المعسكرين " الاشتراكى والرأسمالى " ونتج عنه صراع على مناطق النفوذ الاقتصادى والسياسى والعسكرى .. وبدون شك مناطق النفوذ الأيديولوجى .
إن لم يكن ممكناً تحقيق توازن دولى يستفيد منه العرب لتحقيق مشروعهم ، فهل يمكن قلب المسألة رياضياً ؛ أى اعتبار المقدمة نتيجة والنتيجة مقدمة ، هل ينبغى " انتظار " توازن دولى لتحقيق الوحدة العربية .
أم أن الوحدة العربية هى الأداة السياسية المتاحة لنا لتحقيق التوازن الدولى ، والدخول فى صراعات تشكيل العالم الجديد بدلاً من " التسكع " فى طرقات القوى الدولية انتظاراً لما قد يأتى به القدر ؟
السؤال الثانى : وحدة عربية بدون دور مصر ؟إعادة مصر إلى دورها القائد فى عملية التوحيد العربى
          يرى كثير من الباحثين العرب والأجانب أن الرئيس " عبد الناصر " استطاع خلال فترة حكمه أن يعيد صياغة دور مصر فى النظام العربى ، وأن يمسك بقيادة هذا النظام باتجاه الوحدة والخروج من التبعية .
          لم تكن محض مصادفة – إذاً – أن يطلق توفيق الحكيم دعوته عن ضرورة " حياد مصر" بعد شهور قليلة من زيارة الرئيس السادات لإسرائيل ،  وأن يتبعه قائمة لا بأس منها من المثقفين المصريين المعروفين كحسين فوزى و لويس عوض . فالنزعات الانعزالية والإقليمية .. أو " العروبية المبتورة " التى لا ترى العروبة إلا فى ضوء المصلحة المصرية فقط لا زالت لها تأثيرها وصداها فى العقل السياسى المصرى . وكان من الطبيعى – أيضاً – أن  ينشأ فى مواجهة هذا السلوك المصرى الإقليمى – وضده – رد فعل معاكس خارج مصر يذهب إلى حد الدعوة إلى نفض اليد من مصر ، والبحث عن مستقبل عربى بدونها أو على الأقل عدم انتظارها .
          وكما نشطت آلة الدعاية " المصرية " فى تغذية العداء للعرب داخل مصر ، نشطت فى المواجهة آلة الدعاية الأيديولوجية لبعض الأنظمة العربية "الطموحة " فى تغذية نزعة العداء للدور المصرى .
وكان الإعلان عن الوحدة المغاربية عام 1989 – وقبل حرب الخليج مباشرة – مناسبة " لتأصيل " هذه الدعاية وتطويرها فى أيديولوجية تحاول أن تكون منطقية .
          ففى هذا العام – 1989 – عادت مصر إلى الجامعة العربية ، ولكنها وقفت حائرة لا تدرى أين تذهب وإلى أى تجمع تنتمى ، وبلغت السخرية قمتها عندما رفض طلب مصر الانضمام إلى التجمع المغاربى !
          وما لبث أن سعت مصر لتشكيل تجمع آخر باسم " مجلس التعاون العربى " ، يضم مصر والعراق واليمن والأردن ، ولكنه كان تجمعاً غير متجانس فى التكوين وغائم فى الأهداف .
وما لبث أن أتت حرب الخليج بكل تداعياتها الدرامية لتنهى حقبة الأوهام وينتهى معها عملياً مجلس التعاون العربى .. ويفقد المؤسسون للوحدة المغاربية حماسهم ويصبح تجمعهم حبراً على ورق .
على أية حال كانت هذه التجمعات فرصة ذهبية لتأصيل أيديولوجية كاملة – رأت آنذاك – استحالة عودة مصر لأداء دور القطر " القائد " فى المنظومة العربية مرة ثانية ، وأن مصر لم تعد مرشحة لأداء دور الإقليم القاعدة فى عملية التوحيد العربى فى المستقبل القريب والمتوسط وربما فى الأمد الطويل نسبياً ، وأسباب هؤلاء كانت كثيرة .
لماذا تبدو عودة مصر " مستحيلة " فى نظر هؤلاء ؟أولاً : أن هناك تحولات جذرية داخل النظام العربى جعلته يتسم بحالة من حالات " تعدد القطبية " ، بحيث أصبح دور مصر مجرد دور قيادى ضمن أدوار أخرى .
          ثانياً : إن صعوبات مصر الاقتصادية تحتاج إلى وقت طويل لإمكان تجاوزها وتحسين أوضاعها الداخلية بما يسمح لها بالالتفات لدور أكبر فى الساحة العربية .                   ثالثاً : إن دور مصر فى حماية الأمن القومى العربى ( وحدها ) ، كما كان يتصور البعض فى فترات زمنية سابقة ، أصبح أمراً غير وارد بدون القدرات العسكرية والمالية للأقطار العربية الأخرى .
          رابعاً : إن تحولات السياسة الخارجية المصرية منذ منتصف السبعينات والتى تجسدت فى زيارة القدس ومعاهدة " كامب ديفيد " ، والتحالف مع أمريكا والوقوف بجانبها فى حرب الخليج ضد العراق .. والعلاقة مع " إسرائيل " ، كلها أمور نالت من الدور القيادى التقليدى لمصر .
خامساً : أن النظم السياسية لن تقبل بزعامة إحداها خصوصاً وهى تتذكر مشاكلها مع عبد الناصر وتدخله فى شئونها . ( المداح الإدريسى ، هل تفشل الوحـدة المغاربية بغياب الإقليم القاعدة والقيادة المشخصنة ؟ مجلة الوحـدة ، عدد 58 / 59 ، أغسطس 1989 ) .
حقيقة الوضع العربى بدون مصر :          تصدر كل القرائن السابقة عن رؤية تؤمن " باستحالة " عودة مصر إلى دورها كأقليم – قاعدة للنضال العربى . ولا نريد الدخول – هنا – فى متاهات التحليل فى" النوايا " التى تصدر عنها مثل هذه الأفكار ، خاصة أن التغيرات التى حدثت منذ وفاة عبد الناصر كانت تعزز من هذه الرؤية .
يحتاج الأمر – إذاً – إلى نقاش هادئ وموضوعى .         مسألة تعدد القطبية داخل النظام الإقليمى العربى :          إن تغير وضع ميزان القوى الإقليمية داخل النظام العربى ، منذ السبعينات والثمانينات والتسعينات ، جعل النظام العربى يتسم بحالة من حالات " تعدد القطبية " ، بحيث أصبح دور مصر مجرد " دور أساسى " ضمن أدوار أساسية أخرى تلعبها أنظمة إقليمية أخرى ، بل أن بعض هذه الأنظمة طمحت فى لحظات معينة إلى لعب " الدور القيادى " الذى كانت تلعبه مصر سابقاً .
لقد ساهمت الظروف الإقليمية والدولية التى عاشها النظام الإقليمى العربى فى السبعينات فى تطور قدرات أنظمة عربية معينة على الفعل السياسى فى المحيط العربى والدولى ؛ نتيجة عوامل كثيرة أولها ظهور الكتلة النفطية كقدرة مالية وسياسية مؤثرة فى ساحة الصراع الدولى والإقليمى . هذه الكتلة النفطية لم تكن على نفس القدرة من التأثير السياسى أو المالى خلال الخمسينات والستينات .
من جهة أخرى ، أدى الصراع الدولى وحالة الاستقطاب المستمر داخل النظام الإقليمى العربى ، وبشكل خاص القضية الفلسطينية ، ثم الحرب العراقية – الإيرانية ، والحرب الأهلية اللبنانية ، إلى تطور القدرة السياسية لبعض الأنظمة العربية النفطية وغير النفطية ، وتعاظم دورها العسكرى والسياسى فى مسار بعض الصراعات الإقليمية واكتسابها أدوار إقليمية متعاظمة لم تكن موجودة – أو لم تكن على نفس الدرجة من التأثير – خلال حقبة صعود الناصرية .
ونشير بشكل خاص – هنا – إلى التطور فى القدرات السياسية والعسكرية للعراق وسوريا وليبيا .
ذلك صحيح .
غياب الدور القائد لمصر فى المنظومة العربية ، شجع من ناحية ثانية، نوازع الزعامة الإقليمية والشخصية ، بين أقطاب النظام الإقليمى العربى .
المؤسف أن كل هذه النوازع والأدوار لم تستطع أن تعوض دور مصر فى داخل النظام الإقليمى العربى وأن تحقق درجة عليا من " الانضباط " فى النظام الإقليمى العربى خلال فترة " الغياب الإرادى " لمصر ، لقد عملت هذه الأدوار المتعاظمة لبعض الأنظمة العربية على تأجيج عوامل الصراع والتنافر الإقليمى داخل المنظومة العربية وأجهزت تماماً على عوامل التضامن والتجمع العربى بشكل غير مسبوق . وفجأة أصاب الشلل المنظومة العربية أمام أخطار حقيقية وصار النظام العربى مفتتاً ومنقسماً أمام أخطار حقيقية نالت منه ومن فعاليته .
إن جبهة " الصمود والتصدى " التى نشأت بعد معاهدة " كامب ديفيد" ما لبثت أن انهارت وتفرق أقطابها فى صراعات ومهاترات متبادلة ، وعجزت عن مواجهة الوضع الناتج عن توقيع مصر لمعاهدة كامب ديفيد . ولم تلبث أن انهارت الوحدة السورية - العراقية بعد أسابيع قليلة ، على الرغم من الآمال التى عقدت عليها لتحقيق توازن " مشرقى " ؛ لمواجهة الاختلال الذى حدث بتوقيع مصر لاتفاقية منفردة مع إسرائيل .
ثم اندلعت الحرب العراقية – الإيرانية وزادت حالة الاستقطاب داخل المنظومة العربية ، ففى الوقت الذى انحازت دول مجلس التعاون الخليجى للموقف العراقى ومعها مصر ، وقفت سوريا وليبيا مؤيدة للنظام الإيرانى الجديد ، واشتعلت حالة الاستقطاب والتنافر مجدداً .
ثم حدثت الكارثة الكبرى ، وغير المسبوقة ، بغزو إسرائيل للبنان وحصارها للعاصمة اللبنانية لعدة شهور دون أن تتحرك الأقطاب الجديدة الناشئة داخل المنظومة . وبلغت المأساة قمتها عندما وجد رجل الشارع العربى نفسه يشاهد " الخروج " الجارح والمهين للفلسطينيين من لبنان على ظهر سفن تحميها القوات الفرنسية والأمريكية . النظام العراقى يلملم نفسه بعد حربه مع إيران وتداعياتها . النظام السورى ، يحافظ على نفسه بشعار " التوازن الاستراتيجى " على الرغم من تواجده العسكرى فى لبنان وعاصمتها المحاصرة .
والنظام الليبى يمارس – كالعادة – ثوريته اللفظية من بعيد . ثم اكتمل إخفاقه الأيديولوجى بالكفر بفكرة القومية العربية وتبنى الرابطة الإفريقية بديلاً عنها ، دون أن يفسر على الأقل فشل " الاتحاد المغاربى " الذى يضمه مع أربعة دول عربية وإفريقية فى ذات الوقت ؟ !!
أما دول الخليج النفطية لا يهمها فى المقام الأول والأخير إلا "استقرارها " السياسى ، وهى مستعدة دوماً للدفع من خزائنها لمن يؤمن لها هذا " الاستقرار " .. من داخل النظام العربى أو من خارجه .. لا يهم !!
والفلسطينيـون – كالعـادة أيضـاً – يـذهبـون باتجـاه الـريح .. ويدفعون – دوماً – من مستقبلهم ثمناً لتفتت النظام الإقليمى العربى .
كان الموقف كله حزيناً ومهيناً .. ومأساوياً .وكان من الطبيعى أن نصل إلى تداعيات أكثر مأساوية فى ظل هذه "الأقطاب " الجديدة الناشئة .
والخلاصة : أن مقارنة هذا الوضع الجديد ؛ أى " تعدد القطبية " داخل المنظومة العربية بما كان سائداً فى الخمسينات والستينات ، فى ظل قيادة "الناصرية " لن يكون لصالح الوضع الجديد بحال من الأحوال . وبغض النظر عن مشاعر المتعاطفين مع الناصرية أو المعادين لها فى العالم العربى .
لقد استطاعت مصر خلال " الحقبة الناصرية " أن تحقق قدراً كبيراً من الانسجام ، أو بالأحرى ،الاتساق داخل النظام العربى فى مواجهة الأخطار الخارجية الكبرى ، على الرغم من الاستقطاب الأيديولوجى الحاد الذى كان يقسم العالم العربى إلى معسكرين أيديولوجيين متعارضين : معسكر " تقدمى " تقوده مصر ، ومعسكر " رجعى " تقليدى محافظ .
ورغم هذه " الثنائية القطبية الأيديولوجية " ، استطاعت مصر "الناصرية " تحقيق " إجماع " عربى فعال فى مواجهة قضايا مصيرية واجهت الأمة العربية : كالحرب الأهلية اللبنانية عام 1958 ، الموقف من مشروعات إسرائيل لتحويل مجرى نهر الأردن وانبثاق فكرة مؤتمرات القمة العربية ، الإجماع العربى على دعم دول المواجهة فى مؤتمر الخرطوم بعد نكسة يونيو 1967 ورفع شعار " اللاءات الثلاث " ، نجاح عبد الناصر فى إيقاف مذابح أيلول الأسود عام 1970 ، نجاح مصر فى تحقيق إجماع عربى حول دول المواجهة خلال حرب أكتوبر / تشرين 1970 .
حول مستقبل مصر فى عملية التوحيد القومىنعيد تحديد السؤال : ماذا كان يمكن أن يفعله " الوحدويون الجدد " فى هذا الوضع العربى الذى بدأ فى الانهيار ؟
وإذا كنا فى هذه الدراسة لا نستطيع إعادة ما كتبناه رداً على هذه الحجج التى تمثل عينة نموذجية للعقل السياسى " الإقليمى " الذى ينظر للتاريخ العربى فى حدود مصالح إقليمية ضيقة وغير موضوعية . إلا أننا لا نملك إلا التشديد على قضيتين لم يتناولهما ردنا على " المداح الإدريسى " :
أولهما : أن النخب الوحدوية خارج مصر قد فهمت الدور المصرى فى عملية التوحيد القومى على نحو قاصر ؛ فرغم حماسها الزائد فى بعض الأحيان لهذا الدور إلا أنها فهمت الدور المصرى على نحو وحيد الاتجاه من مصر إلى خارجها وليس العكس . صحيح أن مصر هى القطر الذى تؤثر أوضاعه السياسية بشكل حاسم على مسار الأحداث فى العالم العربى أكثر من أى قطر عربى آخر … فأى نهوض قومى بها يقابله نهوض مماثل فى الأوضاع العربية ، كما أن أى انكسار بها يجر معه الأوضاع العربية ويسير بها نحو التدهور .
نحن نتفق هنا مع ما قاله شيخ علماء السياسة العرب المرحوم حامد ربيـع ، مـن أن الفكــر السيـاسـى العـربى لا زال غير واع حتى الآن بحقيقة ما يسمى " بالتداخل الوظيفى " فى المجتمع العربى . وبينما السياسة الأمريكية قد خصصت بوضوح ، ومنذ أن قدر لها أن تخضع ديناميات ومتغيرات الحياة السياسية فى الوطن العربى لعديد من الدراسات الميدانية منذ الستينات . وجعلت هدفها الحقيقى إعاقة التطور والترابط بين " تمصير " العالم العربى ، و " تعريب " الوجود المصرى ( د. حامد ربيع ، تأملات حول مفهوم الوحدة العربية .. نظرة مستقبلية ، مجلة الوحدة ، عدد تجريبى يوليو 1984 ، دراسة مقدمة لندوة " نحو تصور عملى لتحقيق الوحدة العربية " ، طرابلس ، ليبيا ، فبراير 1984 ) .
إن رد الفعل الغوغائى الذى تلى توقيع مصر لمعاهدة كامب ديفيد عام 1979 ، وما نتج عنه من تمزيق للعلاقات الاقتصادية وإيقاف حركة التنقل والترابط الذاتى بين العالم العربى ومصر لم يحقق هدفه فى إعادة مصر .
إن حالات التفتت والصراع والتشرزم والتبعية الأجنبية التى تميز النظام العربى خارج مصر تسهل على أى قيادة مصرية أن تسحب نفسها من الهموم العربية وتنكمش داخل حدودها . فرغم المعارضة التى أظهرها النظام العربى لخطوة الرئيس السادات بزيارة القدس والاعتراف بإسرائيل ( دون مشاورة الآخرين ) ، والتى تمخضت عن قطع شبه جماعى للعلاقات مع مصر، وقيام ما يسمى " جبهة الصمود والتصدى " ؛ والتى ضمت أكبر قطرين فى المشرق العربى ( سوريا والعراق ) ، كما ضمت قطرين لهما وزنهما المؤثر فى المغـرب العربى (الجزائـر والمغـرب ) ، فضـلاً عـن الفلسطينييـن واليمـن ( الجنوبى آنذاك ) .                   ولكن هذه " الجبهة " ما لبثت أن انهارت فى عضون شهور قليلة وانهار معها مشروع الوحدة الثنائية بين نظامى حزب البعث فى سوريا والعراق ، وتوافق معها اندلاع الصراع فى المغرب العربى حول مشكلة الصحراء .                   ولم تلبث حرب الخليج الثانية أن كشفت عن عطب هذا " المنطق " حين انهارت – واحدة بعد الأخرى – مشاريع التجمعات الإقليمية التى كانت قد نشأت عشية هذه الحرب رغم الشعارات الكبيرة التى رفعتها آنذاك : (مجلس التعاون العربى ، الوحدة المغاربية .. مجلس التعاون الخليجى ) . والواقع أن البعض روج فى لحظات معينة لما يمكن أن تلعبه وحدة عراقية – سورية فى تعويض دور الإقليم – القاعدة مصر . وبغض النظر عن الأمانى والنوايا لا نملك إلا أن نقول أن الصراع البعثى ( السورى – العراقى ) منذ منتصف السبعينات لعب دوراً تخريبياً داخل دول التكتل " التقدمى " مماثلاً للدور الذى لعبه الصراع " السوفياتى – الصينى " ) فى المعسكر الاشتراكى خلال الخمسينات والستينات .
          نختصر هذا بالقول أنه كلما كانت مصر قوية كلما كان العرب أقوياء، وكلما تشرزم العرب خارج مصر ، كلما سهل على القوى الإقليمية فى مصر سحبها للداخل والانكفاء على الذات .
عدم إدراك هذه العلاقة ذات الاتجاهين بين مصر والعالم العربى تفسر إلى حد كبير حالة " الانتظار السلبى " الذى عاش عليه – ولا يزال – عدد كبير من الوحدويين والعروبيين فى انتظار أن يأتى " الفرج " من مصر !!                   وهو موقف يصدر – فى رأينا – عن منطلقات مثالية بعيدة عن العلم والموضوعية .
          وثانيهما : أن هذا القصور الوحدوى ساهم – دون قصد – فى ولادة شعور وهمى لدى النخب المصرية بالتفوق و " الإمتياز " لم يكن من السهل عليهم إخفائه فى التعامل مع المحيط العربى ، فظلوا يتعاملون مع مسألة دور مصر العربى وكأنه ضرورة للأمن القومى المصرى القطرى الضيق ، أو حلاً محتملاً لأزمات مصر الاقتصادية وما تفرضه من ضرورة مد النظر إلى العالم العربى الذى يمتلك الثروة اللازمة لحل مشكلتها الاقتصادية .
ينبغى علينا الاعتراف هنا أن جزءًا كبيراً من النخبة السياسة المصرية – وللأسف الوحدوية جزء مها – لا زالت تنظر إلى العالم العربى حولها نظرة انتهازية ونفعية دون إيمان حقيقى بقضية الوحدة العربية ، وهى تعبر فى حالات أخرى عن نزعة " تفوق " وامتياز وهمية ، متغافلة أن العالم العربى الذى كان سائداً فى الخمسينات والستينات والسبعينات أصبح يموج بنخب علمية وثقافية ولا تقل من حيث القدرة والتفوق على النخبة المصرية ، بل تفوقت عليها فى أماكن مختلفة من العالم العربى ، حيث زودها الانفتاح على العالم الخارجى بقدرات تتفوق بها على النخبة السياسية والثقافية المصرية . وما الدور الذى تلعبه النخبة المغاربية فى الدراسات التراثية والاجتماعية واللغوية، أو الدور الذى تلعبه النخبة الخليجية فى مجال الدراسات السياسية ، إلا تعبيراً عـن أن مـراكـز الثقـل الحضـارى قد بدأت فى التنوع والاعتناء بما لا يسمح باحتكار أحد المراكز للدور الحضارى إلا بمقدار تعبيره عن الهموم العربية جميعها وللمستقبل العربى فى كليته .
وهذا أمر اختصت به الطبيعة الجيوسياسية لمصر وليس إمتياز لنخبتها عن غيرهم .
وإذا كان التاريخ قد أثبت " مثالية " التيار الأول وفشل منطلقاته ، فإنه لن يرحم أيضاً دعاة المنطق الثانى .
السؤال الرابع : الاعتراف بإسرائيل والوحدة العربية :لعل البعض لم يجهد نفسه كثيراً فى معرفة السبب وراء تصميم إسرائيل على أن تكون مفاوضاتها مع العرب ، مفاوضات منفردة ، وأن تقيم معاهدات واتفاقيات منفردة مع كل قطر عربى .
فإذا كان هـدف إسرائيـل الأساسى هـو الحصول على " اعتراف عربى " ، فكان من الممكن الوصول إلى هذا عبر مؤتمر دولى كمؤتمر مدريد مثلاً – يشارك فيه العرب مجتمعين كوحدة واحدة ، ويعترفون معاً بإسرائيل (أو يجددون اعترافهم معاً وهذا أجدى لها وأكثر تأثيراً ) ، ولكن إسرائيل أصرت منذ اللحظة الأولى لمؤتمر مدريد على رفض الوفد العربى الواحد وأصرت على مبدأ المفاوضات المنفردة .. لماذا ؟لقد اعتقد البعض أن السبب وراء هذا الإصرار الإسرائيلى – وهو محق بعض الشئ – أنها لا تريد مواجهة العرب كمفاوض واحد .. مفاوض قادر من خلال التنسيق المشترك فرض شروط على إسرائيل وإرغاما على القبول ؛ أى أن رفضها ينبع من دوافع " عملياتية " فى التفاوض ، إى أنه مجرد براعة وفاعلية أسلوب فى التفاوض لا أكثر ولا أقل ، وهو أمر صحيح نسبياً كما قلنا .
ولكن ينبغى أن نتذكر أن إسرائيل كانت ترفض دوماً مبدأ المفاوضات الجماعية وتصر على مبدأ المفاوضات المنفردة منذ اللحظة الأولى لنشأتها . لقد رفضت إسرائيل أثناء اتفاقيات الهدنة بعد نكبة 1948 مبدأ المفاوضة مع الجيوش العربية كطرف واحـد مواجه ، والإصـرار على مبدأ المفاوضة المنفردة . ( يمكن العودة إلى هذه النقطة تفصيلاً فى كتاب " آفى شليم " ، الحائط الحديدى ، مؤسسة روز اليوسف ، ص 44 وما بعدها ) .
لماذا ترفض إسرائيل التعامل مع العرب ككتلة وترى فى التعامل معهم كأقطار متفرقة ضمانة مستقبلية لها ؟
كما هو معروف أن الوحدة البنائية الأساسية للتعامل الدولى فى القانون الدولى هو الدولة ، والدولة هى نوع من العلاقة المشتركة بين خاصتين الأرض والشعب الذى تحدد مدار عملهما " نظرية السيادة " ؛ فسيـادة الـدولـة لا تتعدى حدود شعبها أو مجالها الجغرافى غير المتنازع عليه وعقد المعاهدات – وفضها – هو مظهر من مظاهر السيادة .
وكل المعاهدات التى وقعتها إسرائيل مع الدول العربية تجسد مظهر من مظاهر سيادة الدولة الموقعة ، ولا تنصرف إلى ما عداها من دول مهما جاء من حواشى وبهرجات لفظية عن السلام الشامل لدول المنطقة .
ولكن يبقى وضع – حسبت له إسرائيل حسابه – وهو سيناريو اتحاد دولة عربية من تلك التى وقعت معها معاهدة مع دولة عربية أخرى لتقوم دولة جديدة ذات سيادة على شعب مختلف ومجال جغرافى مختلف .. ما هو موقع الاتفاقيات التى تم توقيعها مع إسرائيل من الدولة السابقة ؟
هل يكفى أن تعلن الدولة الجديدة التزامها بالمعاهدات والالتزامات القانونية للدولتين المتحدتين السابقة على الوحدة بينهما ؟هل تصبح المعاهدات مع إسرائيل ملزمة للدولة الجديدة حتى لو كان أحد طرفيها غير مشارك فى المعاهدات والاعتراف بإسرائيل .. مثلاً ؟
وهل قيام دولة عربية جديدة يعنى إسقاط المعاهدة القديمة " تلقائياً " من جانب واحد .
وهل يعتبر هذا " الإسقاط من جانب واحد " عملاً عدائياً يعطى إسرائيل أو الضامنين للمعاهدة حق استخدام القوة لإعادة الأمر لما هو عليه ؟
لنأخذ على سبيل المثال نص معاهدة " كامب ديفيد " فى الفقرة الخامسة من المادة السادسة على ما يلى : " مع مراعاة المادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة ، يقر الطرفان بإنه فى حالة وجود تناقض بين التزامات الأطراف بموجب هذه المعاهدة وأى من التزاماتها الأخرى فإن الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة هى التى تكون ملزمة ونافذة " .
ثم أضافت إسرائيل إلى اتفاقية " كامب ديفيد " شرطاً غريباً يمنع مصر من التحايل مستقبلاً " من توقيع أى اتفاقية أو معاهدة مع أى طرف آخر إذا تعارضت مع الالتزامات التى أخضعت مصر نفسها لها فى " كامب ديفيد". إذ أوردت الفقرة الرابعة من المادة السادسة من المعاهدة ما يلى : " يتعهد الطرفان بعدم الدخول فى أى التزام يتعارض مع هذه المعاهدة " .
وبغض النظر عن استخدام لفظ " أى التزام " وهو أمر مفتوح وغير محدد بالتوقيع على التزامات أخرى ذات صفة تعاقدية ، إذ يكفى هنا النية وليس الفعل التعاقدى ذاته .
بغض النظر عن هذه المسألة نسأل : هل نية الوحدة السياسية بين مصر – مثلاً – وأى قطر عربى آخر لقيام دولة جديدة ( كما حدث مع قيام الجمهورية العربية المتحدة من مصر وسوريا ) يعتبر التزاماً يتعارض مع معاهدة " كامب ديفيد " – أو غيرها من معاهدات مع إسرائيل – ويوجب على إسرائيل اتخاذ التدابير اللازمة لردع الطرف الآخر أو مطالبته بتنفيذ المعاهدة؟
ولكن ماذا لو قررت مصر الدولة – مثلاً – التحرر من هذه القيود وقررت المضى فى عملية الوحدة الاندماجية مع قطر عربى آخر – أو أكثر – لتكوين دولة وحدوية جديدة ؟الحقيقة أن إسرائيل وأمريكا لم يستبعدا حدوث حالات من هذا النوع؛ فوضعا نوعاً من التدابير الأمنية فى المعاهدة وخاصة بطبيعة انتشار الجيش المصرى فى سيناء . ولكنهما حرصتا على الحصول على ضمانات تخص مصر تلزمها وحدها – دون أن تكون هناك ضمانات تلزم إسرائيل بالمثل – وهـو مـذكـرة التفاهـم الأمريكيـة الإسرائيليـة التى أرسلهـا الـرئيس الأمريكـى " كارتر " إلى كلٍ من رئيس الوزراء المصرى مصطفى خليل ، ورئيس الوزراء " مناحم بيجين " قبل يوم واحد من توقيع الاتفاقية؛ أى فى 25/3/1979 ، وقد جاء فيها :( أ )  حق الولايات المتحدة الأمريكية فى اتخاذ ما تعتبره ملائماً من إجراءات فى حالة حدوث انتهاك لمعاهدة السلام ، أو تهديد بالانتهاك بما فى ذلك الإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية .(ب)  تقدم الولايات المتحدة الأمريكية ما تراه لازماً من مساندة لما تقوم به إسرائيل من أعمال لمواجهة هذه الانتهاكات خاصة إذا ما رأت أن هذه الانتهاكات تهدد أمن إسرائيل بما فى ذلك على سبيل المثال ، تعرض إسرائيل لحصار يمنعها من استخدام الممرات الدولية ، وانتهاك بنود معاهدة السلام بشأن الحد من القوات أو شن هجوم مسلح على إسرائيل . وفى هذه الحالة فإن الولايات المتحدة الأمريكية على استعداد للنظر بعين الاعتبار وبصورة عاجلة فى اتخاذ إجراءات مثل تعزيز وجود الولايات المتحدة فى المنطقة ، وتزويد إسرائيل بالشحنات العاجلة ، وممارسة حقوقها البحرية لوضع حد للانتهاك .(جـ)  سوف تعمل الولايات المتحدة بتصريح ومصادقة الكونجرس على النظر بعين الاعتبار لطلبات المساعدة الاقتصادية لإسرائيل وتسعى لتلبيتها.
هذا الخطاب الذى وافقت عليه مصر وأصبح جزءاً لا يتجزأ من معاهدة " كامب ديفيد " ، يشكل معاهدة تحالف واضحة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية فى مواجهة مصر ؟ !
وهو يعرض – أولاً – التدابير التى اتخذتها أمريكا لحماية إسرائيل من أى انتهاك مصرى : دبلوماسى .. اقتصادى .. عسكرى .. ضد إسرائيل . ولكن ماذا لو أن الانتهاك كان من جانب إسرائيل ضد مصر .. هل ستقوم الولايات المتحدة باتخاذ ذات التدابير ضد إسرائيل لضمان تنفيذ المعاهدة ؟
على أية حال يبقى سؤال ذو صلة بموضوعنا عن الوحدة العربية وهو: ما هى حدود الإجراءات " الدبلوماسية " التى نص عليها الضمان ، والتى يمكن أن تعتبرها أمريكا وإسرائيل انتهاكاً لمعاهدة السلام ؟
وهل اندماج الدولة المصرية مع دولة عربية أخرى يعتبر إجراءاً دبلوماسياً يتيح لإسرائيل الإدعاء بانتهاك معاهدة " كامب ديفيد " .. ويتيح لأمريكا اتخاذ التدابير المنصوص عليها فى خطاب الضمان ؟
وذلك مجرد نموذج لما يمكن أن تفعله إسرائيل فى حالة الوحدة السياسية بين قطرين أو النية بالتوحيد بينهما !!
على أية حال – وكما يقول الدكتور عصمت سيف الدولة فى تشريحه القانونى الممتاز لمعاهدة " كامب ديفيد " – لم توجد ولن توجد اتفاقية دولية غير قابلة للإلغاء من طرف واحد ، ولكن على من يلغيها حينئذ أن يدفع ثمن هذا الإلغاء فى مواجهة الطرف الآخر والمجتمع الدولى … ( د: عصمت سيف الدولة ، هذه المعاهدة ، دار الثقافة الجديدة ) .
ونضيف نحن من عندنا " نظرية السيادة " التى تقرر للشعب إمكانية استخدام السيادة والاندماج مع شعب آخر لتكوين دولة جديدة ذات سيادة جديدة على الأرض الموحدة والشعب الموحد فى ظل دولة جديدة ذات سيادة .
وقد يعتبر البعض هذا النقاش نوعاً من " الفانتازيا " مستحيلة الحدوث عملياً .
ولكن الفكر المعاصر – جداً – يشمل نوعاً من هذا الجدل " غير الفانتازى " فقد ثار جدل بعد انهيار الاتحاد السوفييتى السابق حول طبيعة الدولة التى ترث التزامات الدولة القديمة ، وبشكل خاص ديون الآخرين على الاتحاد السوفييتى السابق ، وهل ينبغى ردها لكل الجمهوريات المتخارجة عنه أم ترد للجمهورية الروسية وحدها ؟ أم أنها تسقط نظراً لأن أى من الجمهوريات المتخارجة ليس هو بالقطع الدولة القديمة حصراً .
ونفس الشئ حدث عندما حدث اندماج ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية فقد نشأت دولة جديدة كان لكلٍ منهما التزامات دولية سابقة .. كيف تم التصرف حيالها ؟على أى حال .. هذا جدل قانونى وفقهى خطير ، ولكن له نتائج سياسية وعسكرية قد تكون أخطر بكثير فى حالتنا العربية ؟
السؤال الخامس : عن أسطورة التكامل الاقتصادى :عدد كبير من الباحثين – والسياسيين أيضاً – الذين تصدوا لدراسة أسباب تعثر الوحدة السياسية بين العرب ، يخلصون إلى أن من أهم أسباب هذا التعثر هو غياب التكامل الاقتصادى بين الأقطار العربية . والواقع أن هناك مئات – بل آلاف – الكتب والدراسات عن ضرورة التكامل الاقتصادى وإمكانيات التكامل الاقتصادى وأشكال التكامل الاقتصادى .. إلى آخره .
ولكن لم يتصد الكثيرون لمعرفة سبب فشل هذا التكامل الاقتصادى وعدم تحققه بين الأقطار العربية رغم مرور كل هذه السنين ، ولا زال البعض " يحلم " بخطوات للتكامل الاقتصادى تصل بالعرب إلى الوحدة الاقتصادية على غرار " الوحدة الأوروبية " .
والـواقـع أن فكــر " التكامـل الاقتصـادى " هو فكر " مثالى " ودعاته " فاشلون " على الرغم من دعاوتهم التى تبدو عقلانية ومستندة على مقومات مادية ؛ أى الاقتصاد ، وعلى أسس موضوعية هى أن التكامل الاقتصادى يخدم مطلب التنمية الشاملة لكل الأقطار العربية وكطلب التنمية هو بدوره ومطلب جماهيرى تفرضه الرغبة العارمة فى أن تخرج جماهير هذه الأمة من دائرة الفقر والتخلف والتبعية !!
لماذا – إذاً – نعتبره فكراً " مثالياً " وفاشلاً .. ؟
أولاً : لأن التكامل الاقتصادى يقتضى – ضمن ما يقتضى – أن تكون هناك فوائد اقتصادية يمكن أن تجنيها الأقطار من هذا التكامل الاقتصادى . والواقع أن التبادل التجارى بين الدول العربية – الذى يأخذه البعض كأحد مؤشرات الوحدة والتكامل الاقتصادى – لازال ضعيفاً للغاية . وقد قدر أحمد الجويلى – أمين مجلس الوحدة الاقتصادية العربية – التجارة البينية خلال العشر سنوات الماضية بحوالى 27 مليار دولار يمثل البترول ما يزيد على 50 فى المائة منها ، وهذه النسبة لا تشكل سوى 8.6 من جملة التجارة العربية الخارجية .
والخلاصة المأساوية : هى أن التبادل التجارى بين الأقطار العربية مازال ضعيفاً للغاية . وهو من الضعف بحيث إذا توقف التبادل التجارى بين الأقطار العربية كلية ، فإن اقتصاديات هذه الأقطار لن تصاب بأضرار محسوسة .
ثانياً : أن انتقال رؤوس الأموال بين الأقطار العربية لا زال محدوداً أو معدوماً بين أقطار السوق العربية المشتركة ؛ فالاستثمارات العربية البينية ضئيلة ولم تزد عن 15 مليار دولار خلال الفترة من 1985 حتى 2000 (أى 15 عاماً ) .
وتبلغ رؤوس الأموال النازحة فى إحصاءات عام 2000 نحو 730 مليار دولار . بينما ترفع مصادر أخرى حجم رؤوس الأموال العربية المستثمرة فى الخارج إلى تريليون دولار ( ألف مليار دولار ) . إذ يقدر أمين مجلس الوحدة العربية الاستثمارات العربية فى الغرب وأمريكا بين 800 مليار و 1000 مليار دولار . ( أحمد جويلى ، التكامل الاقتصادى العربى ، الأهرام و 15 يوليو / تموز 2002 ) .
وكان حجم الاستثمارات العربية فى الخارج قد تراجع من 850 مليار دولار فى نهاية الثمانينات ، إلى نحو 675 مليار فى نهاية التسعينات بالإضافة إلى 50 مليار دولار استثمارات فى العقارات والأسهم وغيرها ومعظمها مودع فى مصارف أجنبية فى الولايات المتحدة الأمريكية . ويرجع تراجع حجم الاستثمارات العربية فى الخارج إلى انفاقات حرب الخليج الأولى والثانية. (القدس العربى ، العدد 3593 ، 28 نوفمبر / تشرين الثانى 2000). فالاستثمار فى الأقطار العربية لا يحقق الربحية القصوى التى يبحث عنها رأس المال – بحكم طبيعته – مقارنة بما هو حادث فى بلدان الغرب وأمريكا . ولا توجد أى إغراءات مادية لجذب رأس المال العربى إلى أى قطر عربى .
ثالثاً : انتقال العمالة العربية :          وإذا كانت الأقطار العربية لا ترى فائدة يمكن أن تجنيها من زيادة حجم التجارة البينية أو الاستثمار فيما بين بعضها البعض ، فربما يدعى البعض أن هذا لا ينطبق بنفس الدرجة على انتقال العمالة بين الأقطار العربية، وخاصة بين الدول النفطية والدول غير النفطية . فالتقديرات المحافظة تفيد بتواجد ثلاثة ملايين عنصر من الطاقة البشرية العربية يعملون فى أقطار عربية غير أقطارهم . ولكن المفارقة هى أن المستوعب الرئيسى لهذه العمالة العربية هى دول الخليج . وهى من الدول غير المشاركة فى اتفاقية السوق العربية المشتركة ، ولا تتمتع هذه العمالة ، فى حرية انتقالها وحقوق عملها ، بالمزايا التى تنص عليها اتفاقية السوق المشتركة ؛ أى أن هذا التفاعل البشرى المكثف نسبياً ، لم يتم أساساً بسبب اتفاقيات التكامل التى وقعتها هذه البلدان رسمياً ، وإنما فى ظل عوامل السوق الكلاسيكية ( العرض والطلب ) كقرب المسافة ورخص الأجور وتشابه الخلفية الحضارية؛ لذلك لا تتردد السعودية ودول الخليج – مثلاً – فى الاستعانة بعمالة غير عربية من إيران والهند وباكستان وتركيا ، حيث تقرب المسافة وترخص الأجور . أو حتى استقدام عمالة بعيدة من كوريا والفلبين ، حيث يعوض بعد المسافة تدنى الأجور وارتفاع الإنتاجية .
          لقد أوضحت دراسة " نادر فرجانى " الآثار السلبية لعملية انتقال العمالة داخل الوطن العربى ، ولكن ما يهمنا فى هذه الدراسة ، هو تأثير هجرة العمالة على توليد مشاعر مضادة للوحدة العربية والتماسك العربى لدى كثير من المواطنين العرب الذين تعرضوا لآثارها السلبية . فلقد استخدمت الأنظمة العربية النفطية عملية استقدام العمالة كورقة فى الصراعات الإقليمية التى كانت تحدث فى قمة النظام الإقليمى العربى . وحتى قبل حرب الخليج كانت العمالة المصرية والتونسية ضحية للصراع الليبى – المصرى ، والصراع الليبى – التونسى . لقد خلقت ظروف العمل والمعيشة التى تعرضت لها العمالة العربية فى الأقطار المستقبلة على شيوع تناحرات تحتية بين المواطنين العرب من المقيمين والمهاجرين . وعندما تنشأ هذه المشاعر فإنها لا تبقى محصورة فى نطاق المشاركين مباشرة فى الهجرة ، وإنما تتسرب لدوائر أوسع من المواطنين العرب . خصوصاً عندما أقدمت بعض الأنظمة القطرية المعادية للوحدة العربية فى تكبير وتضخيم مثل هذه التصرفات الشاذة لضرب فكرة الوحدة العربية من أساسها ، ومحاصرة نفوذ الأنظمة المنافسة على مواطنيها . ( راجع بشكل خاص نادر فرجانى ، الهجرة داخل الوطن العربى ، المستقبل العربى ، العدد 10/1983 ) .
          لقد شكلت الخمسينات والستينات حقبة الصراع فى قمة النظام الإقليمى العربى .. ولكن حقبتى السبعينات والثمانينات ستعملان على نزول الصراعات العربية إلى تحت .. إلى القاعدة .. إلى المواطنين العرب أنفسهم .                وهى ضربة لم يتوقعها الوحدويون ولم يحسبوا لها حسابها ولم يقدروا نتائجها .. وبالتالى لم يستطيعوا حتى هذه اللحظة مواجهتها ؟ !!وكانت حرب الخليج الثانية متغيراً حاسماً فى انتقال وهجرة المواطنين العرب داخل الأقطار العربية .
لم يكن المواطنون العراقيون والكويتيون هم الضحية الوحيدة لهذه الحرب العبثية ؛ فبمجرد حدوث الغزو وتكاثف سحب الحرب ، شهدت منطقة الخليج أكبر وأسرع حركة انتقال وتهجير بشرية عرفتها المنطقة ، فخلال أيام قليلة كان مئات الآلاف من البشر يتحركون فى موجات خرافية عبر الصحراء العراقية الأردنية خوفاً من أهوال الحرب ، وبين شهر أغسطس وشهر نوفمبر 1990 كان حوالى 700 ألف شخص يعبرون الحدود الأردنية فى ظل أوضاع حياتية مزرية على الرغم من كل جهود منظمة الصليب الأحمر .
لقد أوضحت هذه الحرب ، وما أعقبها من ممارسات عقابية ضد بعض الجاليات العربية ، بجلاء الجانب " الابتزازى " الذى تلعبه حركة الهجرة والعمالة فى داخل الوطن العربى . كل هذه النتائج – وغيرها كثير – شكلت صورة بشعة للواقع الذى أنتجته حرب الخليج الثانية فى الوطن العربى والتى ستنعكس بدورها على مجمل الصراع العربى الصهيونى .
رابعاً : المديونية والتبعية للغرب :مظهر أخر من مظاهر فشل الطريق الاقتصادى للوحدة العربية هو التبعية المطلقة للغرب اقتصادياً وسياسياً ، وشكلت حرب الخليج الثانية تعميقاً لحالة العربى للقوى الخارجية .
وقد ظهرت بجلاء ظاهرة الاستدانة من الخارج كأحد أشكال التبعية . وهكذا وجدت الدول النفطية نفسها – لأول مرة – تشارك مع شقيقاتها العربيات غير النفطيات نفس المأساة ؛ ونقصد مأساة " المديونية " وهموم الدَيّن !!
فلقد أظهرت البيانات والإحصائيات السنوية الواردة فى التقارير الاقتصادية الدورية منذ انتهاء حرب الخليج الثانية أن المديونية قد تفاقمت عاماً بعد عام منذ هذه الحرب المشئومة ، بحيث أصبحت تشكل أكبر استنزاف للموارد المالية للدول العربية يستحيل معها تحقيق أى نمو اقتصاديات الدول العربية المزمنة ؛ كالفقر والبطالة والتضخم وتراجع قيمة العملات المحلية … إلى آخره .
وكانت أكثر التقارير المتفائلة تقدر أن المديونية العربية بشقيها الداخلى والخارجى قد بلغت مع نهاية عام 1999 ؛ ( أى عشر سنوات بعد حرب الخليج الثانية ) حوالى 375 مليار دولار، و منها 156 مليار دولار ديون داخلية ، أى ما يعادل 41 فى المائة من إجمالى الناتج المحلى العام لعام 1991 . وهذه الأرقام لا تشمل – بالطبع – الديون العراقية التى كانت قد تجاوزت عن نفس الفترة 120 مليار دولار .
أى أن مجمل الديون العربية يرتفع بإضافة العراق إلى 490 مليار دولار ؛ أى 78 فى المائة من إجمالى الناتج المحلى العربى العام عام 1999 .
أما عن خدمة الديون ( أى الفوائد السنوية ) فكان يصل إلى 11.6 فى المائة ، وعليه فإن إجمالى الفوائد السنوية المترتبة على الديون العربية يصل إلى نحو 56.9 مليار دولار سنوياً . وتتوزع ديون دول مجلس التعاون الخليجى بالإضافة لليمن على النحو التالى : السعودية 69.2 مليار دولار (ديون عامة ، القسم الأكبر منها داخلى وتشكل ما نسبته 120 فى المائة من إجمالى الناتج المحلى ) ، قطر 7.3 مليار دولار تعادل 60 فى المائة من الناتج الإجمالى المحلى ، اليمن 4.9 مليار دولار . ويبلغ مجموع ديون الدول الثلاث 181.4 مليار دولار .
وتبلغ إجمالى الديون المترتبة على الدول العربية الواقعة فى شمال أفريقيا وهى : ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا نحو 75.5 مليار دولار . وهى على النحو التالى : ليبيا 3.8 مليار دولار ، تونس 11.3 مليار دولار وتشكل 56 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى ، الجزائر 28 مليار دولار وتشكل 60 فى المائة من الناتج الإجمالى ، المغرب 30 مليار دولار ، موريتانيا 2.4 مليار دولار . ومع الأخذ فى الاعتبار معدل الفائدة السنوية فإن خدمة الديون للدول المغاربية الخمس يبلغ نحو 8.758 مليار دولار .
أما الديون المترتبة على كل من سورية والعراق ولبنان والأردن فتبلغ نحو 172.804 مليار دولار ، موزعة على النحو التالى : العراق 120 مليار دولار ، سوريا 22 مليار دولار ؛ أى نحو 130 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى ، لبنان 23.0 مليار دولار ويمثل 140 من الناتج الإجمالى ، الأردن 7.304 مليار دولار .
وتقدر خدمة ديون هذه الدول بأكثر من 20 مليار دولار سنوياً .أما الديون المترتبة على كل من مصر والسودان والصومال وجيبوتى فهى بمقدار 91 مليار دولار . وهى على النحو التالى : مصر 68.2 مليار دولار وتشكل أكثر من 75 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى ، السودان 20 مليار دولار ديون قديمة ، الصومال 2.6 مليار دولار ، جيبوتى 200 مليون دولار ، وتبلغ الخدمات السنوية لهذه الديون نحو 10.55 مليار دولار .
والسبب الرئيسى وراء ارتفاع هذه المديونية هو اعتماد الأنظمة العربية على سياسات واستراتيجيات سياسية واقتصادية غير ملائمة ، وبما يتجاوز واقع الدول العربية وإمكاناتها وكذلك تضخم الاستيراد وتمويله بالافتراض وكذلك الفساد الإدارى والمالى وتدنى الإنتاجية .
وهكذا تفاقمت أزمة الدول العربية – النفطية وغير النفطية – واستنزفت مواردها فى خدمة الين وتسديد القروض بدلاً من توجيهها إلى التنمية، وكذلك تمويل عمليات الاستيراد الجديدة من القروض الجديدة .
وقد أدى ذلك إلى تعميق تبعية الاقتصاديات العربية للمؤسسات المالية الدولية ، وفى نفس الوقت قيام مؤسسات الإقراض الدولية باستغلال حاجة النظام الإقليمى العربى إلى القروض الجديدة لفرض شروط اقتصادية وسياسية واجتماعية مجحفة وغير متناسبة مع ظروف هذه الدول ، مما أدى إلى حدوث كثير من الهزات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة . وقد تمثل هذا فى استنزاف احتياطات الدول العربية من العملات الأجنبية ، مما أدى إلى تراجع أسعار صرف العملات المحلية وتراجع قيمتها .
وهكذا تدهور النمو الاقتصادى وتراجعت معدلات الأجور مما أدى تفاقم ظاهرة الفقر والبطالة فى هذه البلدان ، وما يصاحبها من دفع أصحاب الكفاءات والطاقات العربية للهجرة إلى الخارج بحثاً عن فرص عمل أفضل . وهنا تكون الخسارة مزدوجة تتمثل فى خسارة تأهيل هذه الكوادر وكذلك خسارة مجهوداتهم بعد أن أصبحوا منتجين .
وفى هذا السياق تؤكد الإحصاءات المتوفرة أن الدول العربية تساهم بنحو " الثلث " فى هجرة أصحاب الكفاءات العلمية فى البلدان النامية ، وبمقارنة حركة الهجرة بمجموع خريجى الجامعات العربية ، لوحظ هجرة 50 فى المائة من الأطباء و 23 فى المائة من المهندسين و 15 من العلماء ومعظم هؤلاء يتوجهون إلى الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبا الغربية واستراليا .كما أنه فى الوقت الذى تستمر فيه المديونية العربية فى التفاقم ، تواصل رؤوس الأموال العربية زحفها إلى الأسواق الغربية ، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية بحثاً عن الاستقرار والأمان والربح .
خامساً : لأن التكامل الاقتصادى والوحدة الاقتصادية تتطلب أن يكون هناك قرارات وممارسات ذات طابع سياسى من طرف النخب الحاكمة لفرض هذا التكامل الاقتصادى ، وهذا يعنى أولوية السياسى على الاقتصادى . (ينبغى الرجوع فى هذا الموضوع بالذات إلى الدراسة الموسوعية التى قدمها نديم البيطار حول هذا الموضوع والمعنونة : النظرية الاقتصادية والطريق إلى الوحدة العربية ومعهد الإنماء العربى ، بيروت . فقد دلل البيطار فى هذه الدراسة على " مثالية " الطريق الاقتصادى فى الانتقال من التجزئة إلى الوحدة عبر تجارب التوحيد القومى عبر التاريخ ، مع تحليل خاص لتجربة الوحدة الأوروبية وتبيان أولوية السياسى على الاقتصادى فى هذه التجربة ) .
الخلاصة : أن أولوية الطريق الاقتصادى للوصول إلى الوحدة العربية ليس سوى وهم يعارضه الاقتصاديون المؤمنون بالوحدة العربية من واقع خبرتهم بالاقتصاديات المجزأة ودور العوامل السياسية فى التأثير فى العوامل الاقتصادية . ( يمكن بشكل خاص الرجوع للندوة التى أجرتها مجلسة المستقبل لصفوة من رجال الاقتصاد العرب الوحدويين بعنوان : الفكر الاقتصادى وتعثر مسيرة الوحدة ، المستقبل العربى، عدد 12 ، 1980 ) .
السؤال السادس : وحدة عربية بدون حزب وحدوى ؟استطاع عبد الناصر بشخصيته الاستثنائية تحقيق حالة من التأييد الشعبى والنضالى – بل والتنظيمى – حول مسعاه الوحدوى ، ولكن هذه الحالة انهارت تماماً فى السنوات الأخيرة وتفتت الحركة الوحدوية إلى " حركات متعددة متناحرة فى داخل الوطن العربى ككل وفى داخل كل قطر على حدة ، كيف يمكن لتيار ينادى " بالوحدة " أن يعجز عن " توحيد " صفوفه ومواجهة أعداءه وخصومه " ؟
إن المنطق السياسى بسيط فى هذه المسألة بالذات : هل يمكن بناء وحدة عربية بدون حزب وحدوى يحشد وينسق ويناضل من أجل الوحدة العربية فى كل الأقطار ؟
إن غياب هذا الحزب هو النفى العملى على مسألة الوحدة العربية .وبدون حزب وحدوى لا يمكن الحديث – جدياً – عن الوحدة العربية .
والواقع أن الفكر السياسى العربى خلال الأحقاب الثلاثة الأخيرة (حقب النكسة الوحدوية ) ركز على أهداف أخرى أكثر التصاقاً بالواقع اليومى للحياة السياسية فى الأقطار ، وبشكل خاص هدف الديمقراطية السياسية . وقد أدى هذا إلى خلاف فكرى وسياسى حول طرق وأدوات ووسائل الوصول إلى الوحدة العربية . فهناك تيارات تعتبر أن الوحدة هى بداية كل نضال أو جهد ، بينما يعتبر البعض أن الوحدة هى محصلة نهائية لمجمل النضالات والتطورات الأخرى من اقتصادية وديموقراطية .
وقد دافع دعاة الديمقراطية – بشجاعة – عن أولوية النضال من أجل الديمقراطية فى الوقت الحالى ، أملاً أن يؤدى تحرير الجماهير العربية من الاستبداد إلى انتقالها – دون شك – إلى الوحدة السياسية .
ولكن الواقع العملى يثبت أن انتقال بعض الأقطار العربية إلى أشكال من الانفتاح السياسى المحكوم ولم ينشأ عنه – تلقائياً – تحسن فى الوضع أداء النظام الإقليمى العربى على المستويات الأخرى من اقتصادية وسياسية وعلى مستوى المواجهة مع المخاطر الخارجية .
فالمحصلة النهائية لثلاثين عاماً من التركيز على النضال الديمقراطى القطرى ( بمفهومه الضيق ) لم تنتج سوى تبعية كاملة لأمريكا ، وهيمنة كاملة للتحالف الصهيونى – الاستعمارى .
ومن الطبيعى أن يعكس هذا التباين فى الأولويات والأهداف نفسه فى المسألة التنظيمية ؛ أى على طبيعة الأداة السياسية والنضالية التى تؤدى إلى هذه الأهداف .
إلا أنه من الواضح ، والملفت للنظر أيضاً ، أن المناقشات حول المسألة التنظيمية ، قليلة جداً وذات طبيعة تقريرية ، حيث أن كل تيار فكرى أو سياسى يقرر الشكل التنظيمى الذى يراه مناسباً ومنسجماً مع أيديولوجيته أو نظريته السياسية دون أن يكلف نفسه عناء مناقشة التيارات الأخرى منطلقاً من هذه الناحية بالذات . وربما يعود النقص فى المناقشات حول ( المسألة التنظيمية ) فى الفكر السياسى العربى ، إلى انحصار هذه المناقشات داخل النخب الحزبية دون خروجها بشكل كاف  إلى جمهور المهتمين بهذه القضايا . أو نتيجة لترفع غالبية أفراد النخبة المثقفة عن الدخول فى العمل الحزبى والسياسى تحت وهم " الحياد الفكرى " أو " الموضوعية العلمية " .. وهو موقف عقيم – فى رأينا – ويعكس عدم نضج فكـرى وسياسى ؛ فالمجتمعات لا تتحرك بالأفكار العظيمة ولكن بالعمل السياسى المكثف . وبقدر نضج السياسة والسياسيين تتسارع عملية التطور أو تتباطأ .
صعوبات بناء الحزب الوحدى :أولاً : ظروف التجزئة فى العالم العربى وما أدت إليه من ضعف وسائل الاتصال بين الأقطار وتجريم هذه الاتصالات فيما لو حدثت . وتشتد  هذه الحواجز ارتفاعاً كلما اشتد زخم النضال فى أحد الأقطار واتسعت فعاليته كى تمنع انتقاله وتأثيره إلى القطر الآخر . كذلك لجَزْء عدد من المناضلين الوحدويين إلى النضال القطرى والإنغماس فيه نتيجة الظروف المفروضة عليهـم أو للإيمـان الوهمى بـأن تحسين الشروط السياسيـة فـى القطـر ستؤدى " تلقائياً " إلى الانتقال للنضال القومى . وقد أدى هذا الاتجاه إلى ضعف الوحدة الفكرية بين المناضلين فى الأقطار وتوزع أولوياتهم وتفاوت المستوى والتهرب من الالتزامات المركزية القومية . خصوصاً فى ظل غياب صحيفة مركزية وتثقيف مشترك وخطة نضال قومية واحدة .
والنتيجة الطبيعية لكل هذا أن النضال القطرى لم يتحسن بحال من الأحوال ، بل زاد الطين بله وتكونت الشلل والتجمعات القطرية المتصارعة والمتناحرة والهامشية .
ثانياً : أن النضال القطرى يفرض أسلوباً خاصاً من التحالفات والمناورات المتعارضة فى ظل غياب استراتيجية مركزية قادرة على ضبط الأداء ، فالتنوع فى المهام والظروف من نضال ديمقراطى علنى ، إلى نضال مسلح ضد المحتل الأجنبى ، أو النضال من أجل مكاسب اجتماعية يعكس نفسه فى أسلوب عمل المناضلين من أجل الهدف النهائى وهو تحرير وتوحيد الأمة العربية ، ولكنه فى الوقت نفسه يُكَّون تفاوتات نفسية ففى ظروف المواجهة اليومية مع الموت فى الكفاح المسلح تنشأ لدى المناضل ثقة كبيرة بالنفس ، التى إذا لم تترافق مع وعى كبير ، فيمكن أن تؤدى إلى إحساس بالذاتية والتعالى فى التعامل مع المناضلين فى المستويات الأخرى أو الأقطار الأخرى الذين يمارسون النضال الديمقراطى العلنى القائم على الجدل النظرى أساساً . إن هذا التباين يسهم فى تشكيل القاعدة الفكرية والسياسية والتنظيمية وحتى النفسية ، للتشقق والتمزق داخل التنظيم القومى ذاته ، وعلى أسس قطرية فى كثير من الأحيان .
ثالثاً : إن مهمة قيام الحزب الوحدوى تواجه بمقاومة من الأحزاب والتنظيمات القطرية ذات التوجه الوحدوى ؛ فبعض هذه الأحزاب والمنظمات ارتبط بمصالح قيادات وزعامات تاريخية – وغير تاريخية – وهى غير مسعدة للتنازل عن مكاسبها وخصوصيتها ورصيدها لصالح عمل قومى أكبر يمكن أن يعرضها للضياع أو التحلل ‍‍ !!
السؤال السابع: هل هناك عوامل تدفع إلى الوحدة العربية فى السنين القادمة؟          نعم … الواقع أنى لدى قناعة شخصية فى أن العوامل الدافعة باتجاه الوحدة العربية قد أصبحت الآن أكثر مما كانت عليه فى العقود الأربع السابقة (أى منذ انهيار تجربة الوحدة بين مصر وسوريا ) على الرغم من الصورة القاتمة التى تميز الواقع العربى الراهن ، والذى تشرزم بشكل غير معهود منذ حرب الخليج الثانية … كيف ؟
          أولاً : أن العالم العربى أصبح يشهد درجة عالية من الاستواء الاجتماعى والاقتصادى لم تكن متوافرة فى حقبة الخمسينات والستينات ، حيث كان التفاوت الحضارى والاجتماعى بين الأقطار العربية يقف حجر عثرة أمام عملية التوحيد . لقد مكنت الدخول النفطية والهجرة داخل الوطن العربى وخارجه إلى تحقيق مستويات عالية من النمو الاقتصادى وتطوير المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والصحية والخدمية . إن المقارنة السريعة للأحوال الاجتماعية فى عُلى بلدان المغرب أو المشرق أو بلدان الخليج أو مصر لا تكاد تلمح فروقاً كبيرة فى درجة الاستواء الحضارى كتلك التى كانت موجودة قبل أربعين عاماً .
ثانياً : إن العالم العربى الذى كان قد شهد تميزاً واضحاً فى النخب الثقافية والفكرية والسياسية لبلدان المشرق العربى ومصر فى الخمسينات والستينات – وربما السبعينات – أصبح يشهد الآن ظاهرة نضج وتطور "مذهل " للنخب المثقفة فى بلدان المغرب والخليج العربى والسعودية واليمن . فلقد ساهمت الدفقة البترولية بعد حرب أكتوبر إلى توسع هائل فى الخدمة التعليمية وحدوث " طفرة " هائلة فى تركيبة النخب المتعلمة فى هذه الأقطار وانفتاحها على أفكار وتيارات حديثة ، الأمر الذى يشكل – فى رأينا – نقلة استراتيجية فى مستوى الوعى العام فى هذه الأقطار . صحيح أن هذه " النخب الجديدة " لم تأخذ بعد زمام المبادرة والفعل فى هذه الأقطار ؛ نظراً لسيطرة القيم العائلية والعشائرية أو القبلية ، إلا أن السنين القادمة ستشهد – حتماً – دوراً متصاعداً لهذه النخب وينضج كثير من مفاهيمها عن الأمة والوطن والمواطنة والعقلانية السياسية وحقوق الإنسان والرشادة الاقتصادية ، وغيرها من المفاهيم التى تضغط على الوطن العربى منذ أكثر من عقدين وتتصاعد فى ذهن النخب العربية ويحقق درجة عالية من التقارب المفاهيمى والفكرى والشخصى .
ثالثاً : إن العقود الثلاثة الفائتة ( السبعينات والثمانينات والتسعينات ) شهدت درجة عالية من السيولة والاختلاط بين النخب الفكرية العربية وبعضها البعض عبر المهرجانات والتظاهرات الأدبية والفنية والثقافية والسياسية التى تقام فى كل بقاع العالم العربى ، والنمو الهائل فى وسائل الإعلام والصحافة المحلية أو المهاجرة واستضافتها للكتاب العرب من مختلف الأقطار العربية (التى ساعدت عليها أيضاً الدفقة المالية البترولية لبعض الأقطار العربية ) . صحيح أن حرب الخليج الثانية ضربت هذه الظاهرة ضربة موجعة بما مثلته من استنزاف اقتصادى للبلدان النفطية ( التى كانت تستضيف غالباً هذه التظاهرات ) ، وبما نتج عنها من استقطاب داخل النخبة العربية المثقفة بسبب مواقفها من هذه الحرب .
لكن يمكننا القول أن هذه النخب بات يتولد داخلها الإحساس – مرة أخرى – بضرورة تجاوز آثار هذه الحروب واستئناف مشروعاها الثقافى والسياسى خارج الإطر الضيقة التى ترسمها لهم النظم القطرية .
رابعاً : إن التطور المذهل فى وسائل الاتصال والفضائيات والإنترنت، عمل على تهشيم الحدود القطرية ، وأطلق المواطن العربى من سيطرة الفكر الواحد للدولة الحاكمة . فمهما بلغت سيطرة الإعلام الحكومى وتحكمه ، لم يعد قادراً على حجب المعلومات ، أو احتكارها أو منعها من الدول أو مراقبتها على الحدود .
إن الرقابة على الصحف والمطبوعات والمنشورات ومنع ما قد يسيئ منها للنظام الحاكم سقطت للأبد مع دخول العالم العربى عصر الفضائيات والإنترنت . إن المعلومة التى قد تمنعها الأنظمة القمعية لن تلبث أن تصل للمواطن العادى فى غرفة نومه بواسطة الفضائيات أو عبر الإنترنت والفاكس.إن القوى الوحدوية لم تتلمس حتى هذه اللحظة أهمية التعامل مع ثورة المعلومات، وما تتيحه لها من إمكانيات ضخمة فى التواصل عبر وفوق الحدود الإقليمية من خلال الإنترنت، وفى خلق تيار شعبى واسع مؤيد للوحدة العربية فى الأقطار المختلفة عبر الفضائيات المستقلة داخل الوطن العربى وخارجه . ولكن لـن يطول هـذا القصور فقوانين العصر القادم ستفرض نفسها على الجميع .
إن مفهوم الأمن السياسى فى العالم العربى سيتغير حتماً مع هذه الثورة الإعلامية . إن الأمن الوقائى ( بمعنى محاصرة الأفكار والمعلومات ومراقبة تسربها ) سيفقد دوره تدريجياً مع تطور وانتشار وسائل الاتصال الجديدة ، وسيجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما : إما التركيز على وسائل القمع المباشر لكبت أى احتمالات للتغيير والثورة ، أو القبول بإصلاحات واسعة ( وإن كانت متدرجة ) فى بنيتها السياسية تضمن مشاركة أوسع فى القرار السياسى والثروة الاقتصادية .
خامساً : إن المتابعة الدقيقة للحياة السياسية فى الأقطار العربية – كلها وبدون استثناء – تنبئ عن اتجاه " خجول ومتردد " نحو الانفتاح السياسى ،  ونحو إعطاء جرعات متدرجة من الحرية السياسية .
هذا الانفتاح السياسى " الخجول " يجد دوافعه فيما ذكرناه سابقاً عن نمو ونضج النخـب المثقفـة ، واتساع حاجاتهـا فى التعبيـر عن نفسها وامتلاكها " للوعى النقدى " وسعيها إلى المشاركة فى القرار السياسى ، واستفادتها النسبية من تطورات الثورة الإعلامية .
إن السنوات العشر القادمة ستحمل مفاجآت كثيرة فى العالم العربى ، ولعل نضوج كل هذه الاتجاهات " الإيجابية " و " التحكم " فى مساراتها ووصولها إلى منتهاها سيضع حتماً مسألة الوحدة العربية على رأس جدول أعمال القوى السياسية الوحدوية ، بشرط أن تنجح فى انتهاج أسلوب علمى وواقعى فى العمل الوحدوى … ولكن كيف ؟
إنه سؤال الحاضر والمستقبل .


  • Sanforaksa likes this