الرئيسية / كتاب الوعي العربي / من الآثار النفسية والسياسية لمسيرة العودة الفلسطينية – بقلم: محمد عبد الحكم دياب

من الآثار النفسية والسياسية لمسيرة العودة الفلسطينية – بقلم: محمد عبد الحكم دياب

5ac7472795a597f2308b45dc

Apr 07, 2018

06qpt699.jpg

هناك قضايا لا تموت بمرور الزمن ولا تسقط بالتقادم، وأهمها القضية الفلسطينية، ليس لأنها قضية احتلال أو غزو فحسب بل لأنها الأكثر عدلا على مدى التاريخ البشري.. وينحاز إليها كل صاحب ضمير حي، وتمثل تجسيدا حقيقيا لواقع الظلم المستشري في العالم، والذي تفاقم مع استفحال الظاهرة الاستعمارية وتطورها إلى تفكيك وإعادة تركيب العالم وفق الأهواء والمصالح الاحتكارية والاستعمارية.. ومنذ 30 آذار/ مارس الماضي دخلت القضية الفلسطينية طورا جديدا في مقاومة الوجود غير الشرعي لدولة الاستيطان الصهيوني، وفي العمل على استعادة الحق الشرعي لأهل البلاد وأصحابها الأصليين بأساليب غير تقليدية.

وكلما استفحل الظلم تصور أربابه أنهم تمكنوا مما اغتصبوه إلى الأبد، وأن صاحب الحق سيعدم الوسيلة التي تمكنه من بذل الجهد وتقديم التضحيات التي تعيد له حقه. وها هم الفلسطينيون يثبتون أنهم لن يعدموا الوسيلة، ويبدأون مسيرة العودة الطويلة في وقت تستعد فيه الحركة الصهيونية ودولتها، وروافدها الأوروبية والأمريكية، وتوابعها العربية والإسلامية؛ تستعد للاحتفاء بنقل السفارة الأمريكية للقدس، وأيا كان تفسير الدوافع وراء هذه المسيرة بأنها لإفساد الفرحة الصهيونية للاحتفال بنقل السفارة الأمريكية أو غير ذلك.. فهذا لا يلغي الحقوق الشرعية والقانونية والإنسانية. فالفلسطيني هو الذي اغتُصِبت أرضه وتم طرِده بالقوة منها، هو في نفس الوقت حق عربي؛ إسلامي مسيحي، وفوق ذلك فهو حق إنسان له كل الحقوق المتساوية مع حقوق بقية البشر. وإحياء فكرة مسيرة العودة في الظروف المتردية الحالية فيه رد الاعتبار الأخلاقي لقضية عانت من تفريط الغالبية العظمى من أصحاب القرار فيها، وتقديمهم تنازلات بررت إسقاط ذلك الحق المقدس والتاريخي.

مسيرة العودة وصفها بيان لجنة التنسيق المسؤولة: «هي مسيرة سلمية شعبية مليونية فلسطينية تنطلق من غزة والضفة الغربية والقدس والأردن ولبنان وسوريا ومصر، باتجاه الاراضي التي تم تهجير الفلسطينيين منها عام 1948»، وتتزامن مع ذكرى إحياء يوم الأرض، وتتم بخطة متدرجة ومتصاعدة؛ تبدأ باعتصام سلمي مفتوح على خطوط الحدود الفاصلة بين فلسطين التاريخية وبين دول الجوار العربية، وتقف على بعد 700 متر منها؛ تتخلله فعاليات وطنية؛ فنية وإعلامية وتعبوية؛ تشد أنظار الرأي العام؛ المحلي والعربي والعالمي، وحراك فعال يؤكد الجدية في عودة اللاجئين إلى أرضهم وديارهم. 

وتتحرك المسيرة بشكل حثيث في اتجاه الداخل الفلسطيني، بعد نصب الخيام وممارسة الحياة الطبيعية بالقرب من السياج العازل للأرض الفلسطينية المغتصبة، وأمام متابعة أجهزة ووسائل الإعلام والصحافة العالمية لهذا الحدث التاريخي، وإيصال رسائله إلى العالم؛ تذكره بمأساة الشتات واللجوء الفلسطيني، وبالحق في العودة، ومن المخطط أن يتواصل الاعتصام المفتوح لأسابيع وقد يمتد لشهور، مع تأكيد الطابع السلمي للمسيرة؛ كشكل نضالي جديد، يختلف عن المواجهات وقذف الحجارة، ويضمن عدم حيدة المسيرة عن رسالتها، ويحول دون اشتباك شبان مسيرة العودة مع قوات الاحتلال والمستوطنين، والتقدم التدريجي على مراحل وإطالة أمد التعبئة والتحشيد الداخلي والخارجي. والإشراف هنا معقود لهيئات تتولى الإدارة والتوجيه والإعاشة لامركزيا؛ بأساليب مرنة وبسيطة وممكنة؛ لتلبي احتياجات المعتصمين، وتعالج ما يطرأ بين الساحات، وتحقيق أقصى نجاح ممكن.

وفكرة مسيرة العودة راودت خيال كثيرين؛ عربا وأجانب، ومن أكثر من عشرين عاما؛ في تسعينيات القرن الماضي، راودت الفكرة كاتب بريطاني شاب، وناقشها مع عدد من الزملاء والأصدقاء؛ كنت من بينهم، وبذل ذلك الشاب جهدا كبيرا في إيجاد وسيلة سلمية تؤكد الحق الفلسطيني في العودة، وكانت عينه مركزة على شد أنظار الرأي العام العالمي، ووضع لذلك مشروعا أطلق عليه «انتفاضة العودة 2000»؛ تختم الألفية الميلادية الثانية، وتبدأ الألفية الثالثة، وتضَمَّن المشروع ترتيبات وإجراءات كفيلة بإنجاحه، ونُشِر المشروع في كتاب صدر في 1997 باللغتين الانكليزية والعربية. وعادت الفكرة إلى الحياة على أيدي شباب فلسطيني، وجاءت في وقت مطلوب، وانطلقت مع ذكرى «يوم الأرض»، وتستمر حتى حلول يوم النكبة وذكرى إعلان دولة الاغتصاب على أرض ليست لها.

وأهم آثار هذه مسيرة العودة النفسية والسياسية أنها تتحدى الشعور العام بالاحباط، وترفض التسليم الرسمي بالعجز والدونية بكل مستوياته، وتدين القرار الأمريكي باعتبار القدس عاصمة أبدية للدولة الصهيونية، ونقل سفارتها اليها. 

حلت مسيرة العودة في ظروف بدت فيها المصالحة الفلسطينية متعثرة، وعلى وشك الاصطدام بالحائط والوصول لطريق مسدود، ومن المأمول أن تصحح مسيرة العودة مسار الكفاح الوطني الفلسطيني، وتصوب بوصلته باتجاه العدو الحقيقي؛ مغتصب الأرض.. وطارد الشعب.. ومـُصادر الحق المشروع والإنساني في التحرير والعودة والتعويض. 

ومسيرة العودة بمثابة رافعة للمعنويات الفلسطينية والعربية والإسلامية والمسيحية والإنسانية في كل الأصقاع وبين الملل والنِّحَل. وبها يتكرس هذا الحق ويهل أمل جديد في سماء فلسطين والعرب والمسلمين والإنسانية، وتبعا لذلك يتخلص الفلسطينيون من «غيتو» العزلة المفروض عليهم، ومن ضغط الاستقطاب الراهن؛ فلسطينيا وعربيا وإسلاميا.. فضلا عن الضغوط الصهيو أمريكية الشديدة، وهوان يفرضه تحالف إقليمي، جعل من «القارة العربية» مجالا حيويا ورديفا للمجهود الصهيو أمريكي لشطب الفلسطينيين من معادلات الحياة. 

والمتابع لتصريحات محمد بن سلمان ولي العهد السعودي خلال مقابلته مع مجلة «أتلانتيك» الأمريكية؛ تجده يساوي بين الجاني والضحية، ويمنح نفسه حق التصرف في الأرض الفلسطينية، ويتنازل عن شيء لا يملكه؛ منكرا حق أصحابه المطلق فيه، وقدمه دون وجه حق من بين أوراق الاعتماد المطلوبة منه لتل أبيب وواشنطن من أجل المُلك واعتلاء العرش الذي يتطلع إليه، وأعطى نفسه حق توزيع حصص الحقوق بين الفلسطينيين والصهاينة، وصرح: «أن الفلسطينيين والصهاينة لديهما الحق في العيش على أرضهما»

ومسعى مسيرة العودة يستهدف تجاوزا للتردي القائم وكسر الحاجز النفسي، الذي أعاق أي تقدم على صعيد الحل العادل، بجانب أن الوقت الطويل نسبيا المقرر لتنفيذ مسيرات العودة يتيح أوسع مجال للمشاركة، ويبعث برسائل عدة إلى الرأي العام العالمي عن عدالة القضية، وسلمية وسائلها لاستعادة ما تم اغتصابه على مدى أكثر سبعين عاما، وبتواطؤ استعماري واضح؛ استُخدمت فيه الأمم المتحدة وقراراتها الجائرة كمخالب تنهش وتمزق الكيان العربي الفلسطيني، وتعجز عن فضح جرائم وانتهاكات الاحتلال وإجراءاته القمعية والتعسفية والدموية. 

والشعب الفلسطيني ما زال محتفظا بطاقاته المتجددة والإصرار على حقوقه المشروعة، وما زال على قناعة بعدالة قضيته وحقه في الوجود والعودة إلى دياره وأرضه. والرسالة الأهم من مسيرة العودة هي إدانة الإدارة الصهيونية في البيت الأبيض، وإسقاط «صفقة القرن» المزعومة، وكشف مخاطرها على أوضاع «القارة العربية»، وهذه المرة تجد التصدي، والإصرار الواضح على المواجهة، وتقديم الدماء الزكية، التي تروي أرض فلسطين، وتستفيد من صحوة إنسانية وعالمية، ومن مطالبات أوروبية عديدة بالتحقيق في مجازر ووحشية جيش الاستيطان الصهيوني، وشجبها الدائم لاستخدام «القوة المفرطة» أي الإرهاب ضد المواطنين العُزَّل، وتأكيدها على حق الفلسطينيين في الاحتجاج والتظاهر. 

ومع ذلك علينا ألا نأمن تواطؤ «الصهاينة» العرب والمسلمين؛ القدامى والجدد!! 

عن صحيفة «القدس العربي» اللندنية

عن admin

شاهد أيضاً

p24

كامب ديفيد.. شرعية الخيانة وخيانة الشرعية

إعداد: خالد الخولى بينما كان الوطن العربى يعانى من نير الاحتلال والتبعية انطلقت ثورة يوليو …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *