الرئيسية / مـقالات / محمد حسنين هيكل:أسئلة عن المعركة فى اليمن لماذا الحرب فى اليمن…وأما كانت الحرب فى فلسطين أولى؟!

محمد حسنين هيكل:أسئلة عن المعركة فى اليمن لماذا الحرب فى اليمن…وأما كانت الحرب فى فلسطين أولى؟!

naser-1

 

16/11/1962

رد على عمان والرياض…وإسرائيل التى وجهت نفس السؤال معهما؟!

انتهت مرحلة من مراحل النضال الثورى فى اليمن، أو هى تقترب من النهاية، لكى تفسح الطريق بعدها لمرحلة أخرى انتهت، أو تقترب من نهايتها الآن، مرحلة محاولة غزو اليمن من الخارج.

وأصبح واضحاً أنه لم يعد منها جدوى، ولا بقيت فائدة… لقد مضى أوان هذه المحاولة وضاعت فرصتها إلى الأبد.

ولقد كان الأوان، وكانت الفرصة السانحة لمثل هذه المحاولة، أمراً ممكناً فى الأيام الثلاثة التالية لقيام الثورة فى اليمن.

– أيامها لم تكن قيادة الثورة فى اليمن، قد أعدت قواتها لمواجهة غزو من الخارج، وإنما كان جهدها ينصبّ على تأمين الثورة فى الداخل ومواجهة أى رد فعل قد يقوم به بيت حميد الدين -أسرة الأئمة- أو أعوانهم لاستعادة العرش المتهاوى، تكاد تدفنه تحتها أنقاض قصر البشائر فى صنعاء!

– أيامها لم تكن الجمهورية العربية المتحدة، التى استجابت بكل إحساسها الثورى النابع من المبادئ – لثورة اليمن وندائها قد استطاعت بعد أن تبعث على طول طريق البحر الأحمر بقوة عسكرية كافية – تضع من حول المشاعر والمبادئ درعاً من الصلب، يعزز الوعد بالعمل الإيجابى، ويعزز هذا العمل الإيجابى ذاته بالقوة التى تمكنه من فرض إرادته.

– وأيامها لم تكن الطاقة الثورية التى تفجرت بالتغيير الحاسم فى اليمن، قد استطاعت بعد أن تبعث إشعاعها إلى بعيد، ليؤثر فى كل ما حولها ومن حولها، وينفذ مباشرةً إلى الأعماق.. أعماق الجماهير فى كل الجزيرة العربية، وأعماق كل فرد بين هذه الجماهير تنبض فيه الحياة على أرض الرسالة والهدى.

اليوم تغير الوضع كله واختلف.

– 1 –

– اليوم قيادة الثورة فى اليمن، بتعاون القوات المسلحة والقبائل والشباب المتعلم، أصبحت القوة الحقيقية والوحيدة فوق أرض اليمن.

لقد انهار بيت حميد الدين من أساسه، كما لو كان بيتاً من القش هبت عليه العاصفة، ولقد ظهر أنه لم يكن يعوق العاصفة عن الهبوب إلا ظروف النضال العربى خارج اليمن، والإستراتيجية التى فرضتها المعركة ضد الاستعمار أيام كان عدواناً سافراً يريد بالقوة أن يخضع العالم العربى لنفوذه.

إن إستراتيجية النضال العربى فى تلك الظروف حتمت لبعض الوقت -تكتيكياً- هدنة مع الرجعية المحلية فى العالم العربى – استخدمتها هذه الرجعية أو حاولت استخدامها لصد الموجات الثورية الاجتماعية وكسرها.

لكن تحول المعركة فى ظروف تالية – واشتدادها على الجبهة الاجتماعية، بعد أن اضطر الاستعمار فى أعقاب انتصار السويس إلى أن يتوارى وراء الرجعية المحلية فى العالم العربى -وكان من قبل أمامها- أنهى تماماً عملية الهدنة المؤقتة مع الرجعية – وبالتالى نزع عنها كل أقنعة الزيف التى كانت تتبرقع بها.

ولقد كان بيت حميد الدين -كما أثبتت عبرة انهياره السريع- يقيم حكمه على أساسين:

1- التضليل، باسم الدين مرة، وفى حمى الهدنة مع القوى الثورية فى العالم العربى مرة أخرى.

ثم:

2- العنف، وفارق كبير بين العنف وبين القوة. والقوة أمان وثقة، وأما العنف فتعبير عن الضعف، ورد فعل غريزى لخائف، يريد أن يدارى خوفه ويسبق أعداءه، ولو بالحركة العصبية!

ولقد كان التضليل هو العقبة الحقيقية، فلما انكشفت البراقع عنه، أصبح العنف مسألة أيام تمر أو ساعات، ثم تنقض الحقيقة القوية على الضعفاء والخائفين تذروهم هباءً كبيت قش فى طريق العاصفة!

– 2 –

– واليوم، فإن الجمهورية العربية المتحدة، موجودة، وجوداً مادياً وفعلياً فى اليمن، والهدف من وجودها هو المساعدة على حماية حدود اليمن من محاولات الغزو المتكررة التى اتخذت من أرض غير يمنية قواعد لها.

ومع أن الجمهورية العربية المتحدة أعطت ثورة اليمن منذ اللحظة الأولى تأييدها، صادقاً وخالصاً، فإن القرار بالمساعدة العسكرية لم يتخذ إلا بعد أن كشف الطيارون السعوديون الأحرار نوايا الغزو المبيتة ضد اليمن.

كان الغزو قادماً من الخارج بطريقة لا تقبل الجدل.

الملك سعود يحشد فى نجران، والحشد فى نجران على قدم وساق، وطائرات أمريكية الصنع، وسلاح أمريكى، وطيارون من الأمريكان، فى حركة مستمرة ومتصلة، وطائرات بريطانية من طراز هنتر قادمة من لندن، وجسر جوى للنقل الحربى بين عمان والطائف.

بل أكثر من ذلك…

بدأت العمليات العسكرية فعلاً ضد صاعدة، موجهة من نجران على الناحية السعودية المقابلة لها.

ساعتها، وبعدها، بعث الزعيم السلال يطلب المساعدة العسكرية ضد الغزو على أساس تصريح الجمهورية العربية المتحدة، الذى صدر بتحذير جميع القوى الخارجية من التدخل فى شئون اليمن الداخلية.

وكان لابد للجمهورية العربية المتحدة أن تصون كلمتها… ومبادئها.

وبعث الرئيس جمال عبد الناصر رسالة إلى الرئيس السلال يقول له فيها إن فى الطريق إليه قوة قوامها “كذا… وكذا… وكذا…” ولست فى حِل من التفاصيل فهى حتى الآن فى عداد الأسرار العسكرية…

ورد الرئيس السلال ببرقية تاريخية حملت ثلاث كلمات:

“المزيد… المزيد… المزيد – عبد الله السلال”.

ولم يكن السلال يطلب “المزيد” جزافاً وإنما هو كان يعرف على وجه التأكيد أمر الحشود التى تتجمع، ومبالغ الذهب التى تدفع، وكميات السلاح التى تتحرك نحو حدود اليمن.

ويوم تذاع كل الأسرار فلسوف يتضح أن الجمهورية العربية المتحدة فى استجابتها العملية لثورة اليمن قامت بمعجزة فى التحركات العسكرية.

ولقد قال أحد السفراء الأجانب فى القاهرة:

– لا فائدة الآن أن تقولوا أنكم لم تكونوا على علم بموعد ثورة اليمن؟

وقيل له:

– لقد عرفنا بها كما عرف العالم… وفى نفس الوقت!

وقال السفير الأجنبى:

– إن الملحق العسكرى فى سفارتى، يقول لى أن التحركات العسكرية التى قامت بها الجمهورية العربية المتحدة، كانت تقتضى استعداداً سابقاً مداه شهران على الأقل لكى تتم بالطريقة التى تمت بها!

وقيل له:

– لا حاجة بنا إلى الادعاء… ولا إلى الخوف، ونؤكد لك أن التحرك عسكرياً لم يكن على بال لنا إلا بعد أن تكشفت نوايا الغزو وإلا بعد رسالة السلال.

– 3 –

– واليوم فإن الثورة فى اليمن، قوة تاريخية محركة، فى كل الجزيرة العربية.

إن الثورة بعد أن عبأت قواها الشعبية والعسكرية…

وبعد أن وجدت تحت تصرفها قوة مصرية ضاربة تشارك مع قوات الثورة الوطنية فى الدفاع عن الحدود…

بعد هذا، تمكنت، ربما من غير تدبير منها أو ترتيب، من أن ترسل إشعاعها مباشراً ونفَّاذاً إلى كل الأوضاع القديمة البالية فى الجزيرة العربية.

ولم تعد ثورة اليمن الآن فى خطر من ضغط الرجعيات الملكية عليها.

وإنما الرجعيات الملكية هى المعرضة الآن للخطر من ضغط ثورة اليمن عليها.

ومن هذه النتيجة الواقعة قبل غيرها صدر عن الرئيس عبد الله السلال إنذاره إلى الملكيات الرجعية وإلى الملكية السعودية بالذات فى مقدمتها بأنه إذا لم تتوقف محاولات الغزو ضد اليمن، فإن الجمهورية اليمنية قادرة على الزحف عبر الحدود من الناحية الأخرى “لتطهير الجزيرة العربية من رواسب التخلف والفساد” كذلك منها تحذيره الأخير بضرب القصور الملكية والمطارات فى السعودية إذا وقع عدوان جوى ضد أرض اليمن.

ومن هذه النتيجة أيضاً، ركوع سعود تحت أقدام القيادة العسكرية الأمريكية لكى تساعده بمظاهرة قوة، فكان أن أرسلت فوق قصوره فى الرياض سرباً من طائرات ف – 100 جاءت به من ألمانيا الغربية، لتضع فى قلب الملك الواهى، ولو قطرة من التجلد!

ولقد سألنى سهل حمزة قائد الطيران الأردنى:

– ما هو فى رأيك أثر قدومى إلى القاهرة، وزميلى حربى وتحسين بعدى؟

قلت له:

– لقد بدأتم بهذا العمل مرحلة جديدة من صراع القومية العربية فى اليمن.

انتقلتم بالمعركة من الدفاع إلى الهجوم.

إن مجيء الطيارين السعوديين زملائكم فى بداية معركة اليمن كشف أن الثورة الوليدة فى خطر من غزو الملكيات الرجعية العتيقة.

ومجيئكم أنتم فى هذا الوقت، بعد النصر الذى تأكد فى اليمن، كشف أن الرجعيات الملكية العتيقة هى الآن فى وجه الخطر يزحف عليها ثورة… وشباب!

لقد انتهت مرحلة -كما قلت- وبدأت مرحلة، ولست أريد الآن أن أطل على المرحلة الجديدة، لكنى أريد أن أتلفت إلى المرحلة التى انتهت…

أريد أن أتلفت إليها بإجابات على أسئلة ترددت فى العالم العربى خلالها، وترددت على وجه التحديد من جانب أعداء الثورة فى اليمن، ولقد كنا طوال المرحلة العنيفة التى مضت فى شغل بأحداثها عن أسئلة أعداء الثورة فى الرياض وعمَّان وفى إسرائيل التى كانت تردد بعدهم كل حرف يقولونه!

ولقد كان السؤال الذى حلا لهم جميعاً أن يسألوه -ومن عجب أن تردده إسرائيل- بعدهـم:

– أمَا كان المفروض أن تحاربوا فى فلسطين قبل الحرب فى اليمن؟

وأقول بوضوح:

– نحن -أولاً- لم نذهب إلى حرب فى اليمن.

وأقرب تعبير إلى الحقيقة أننا ذهبنا لكى نمنع حرباً فى اليمن.

ولو قد ملكت القوى الرجعية فرصتها فى اليمن لكان الدم الآن يتدفق أنهاراً، ولكانت الرؤوس المقطوعة معلقة الآن من نوافذ القصور ومن فروع الشجر فى كل اليمن.

لقد ذهبنا إلى اليمن للدفاع عن حق شعبه فى الثورة.

ولكى لا يفرضوا عليه الحرب حتى يستسلم!

وأضيف أيضاً:

– والثورة فى اليمن -ثانياً- لم تكن اختراعاً مصرياً صدَّرته القاهرة إلى اليمن.

وإنما الثورة فى اليمن، أو محاولاتها جرت قبل ثورة مصر.

وبقى الإصرار اليمنى الشعبى عليها يفصح عن نفسه بومضات برق وسط الظلام الكثيف النازل بالظلم على كل اليمن.

سنة 1948 كانت هناك ثورة فى اليمن.

سنة 1956 كانت هناك ثورة فى اليمن.

فيما تلا ذلك من سنوات تكررت محاولات الشباب الحر من الجيش اليمنى ومن خارجه أن يضربوا الإمام بالرصاص، خلاصاً وشبه يأس!

حتى كان يوم السابع والعشرين من سبتمبر الماضى وتمكن شعب اليمن من أن ينتصر -ثورياً- داخل حدود بلاده، وإذا هو يفاجأ بالذين يريدون الانقضاض عليه ليسلبوه النصر.

ولقد كان من واجب كل الذين يؤمنون بشعوب الأمة العربية وبحقها فى الثورة، ما دامت تملك أسبابها وتملك شجاعة مواجهة مسئولياتها، أن يساعدوا شعب اليمن على أن يحتفظ فى يده بالنصر الذى حققته له إرادته الوطنية على أرض بلاده.

ثم تبقى -ثالثاً- مسألة فلسطين:

وأقول من غير تردد:

– لقد كان انتصار الثورة فى اليمن، خطوة فى الطريق إلى فلسطين.

وسوف يكون انتصار الثورة فى السعودية وفى الأردن، وفى كل بلد عربى آخر غيرها تحكمه الرجعية المعادية للتقدم… خطوات على طريق النصر فى فلسطين.

إن فلسطين، وهذه مسألة بالغة الأهمية، لا يمكن أن تعود إلى عروبتها بمغامرة عسكرية محدودة، يقدر أى قائد أن يخوضها ذات صباح، فلا يكون عليه غير أن يعطى الإشارة لجنوده فيكسروا خط الهدنة ويمضوا بعده إلى تل أبيب.

لن تكون هكذا أبداً معركة فلسطين.

وإنما ستكون المعركة، صراعاً عالمياً واسع المدى، لابد أن توضع فيه قوى الأمة العربية كلها وطاقاتها وإمكانياتها حتى يمكن إحراز النصر بطريقة لا شك فيها ولا ظل لشك.

إن الإستراتيجية العالمية كلها الآن تواجه عصراً جديداً يمكن أن نسميه عصر “التوازن الذرى”.

وهذا التوازن يزداد دقة كل يوم ويزداد حساسية.

ولقد وصل فى دقته وحساسيته إلى أنه لم يعد فى مقدور أحد اليوم أن يقرر حمل السلاح لحل مشكلة تواجهه.

ولقد يكون فى طاقة أى قائد اليوم أن يقرر الساعة التى يدخل فيها الحرب ضد أى عدو من أعداء وطنه، لكنه لم يعد بيده أن يقرر متى تنتهى الحرب… ولا كيف تنتهى؟

ذلك كله لا يخضع لإرادته وإنما يخضع لظروف توازن دولى أقوى من إرادة أى فرد.

وأمام عيوننا الآن مثال واضح فى كوبا.

إن كوبا على حد التعبير الشائع تقع على مرمى حجر من شاطئ الولايات المتحدة الأمريكية وخطرها عليها من وجهة النظر الأمريكية ليس موضع جدال، ومن ناحية أخرى فليس موضع جدال أن الولايات المتحدة الأمريكية هى من أقوى القوى العسكرية فى العالم اليوم، بل لا يماثلها فى القوة غير الاتحاد السوفيتى.

ومع ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تقدر على حل مشكلتها مع كوبا عن طريق الغزو المسلح بالطريقة السهلة التقليدية!

لماذا؟

السبب هو ذلك التوازن الذرى المخيف الذى وضع طابعه الرهيب على كل السياسة الدولـية.

ولقد عشنا نحن هنا مثالاً، ربما كان أقرب إلينا من كوبا وهو معركة السويس العظيمة.. لقد جاءت إسرائيل إلينا وفى صحبتها من القوى، ما لا نطمع أن يكون معنا عندما نقرر يوماً أن نذهب نحن إليها…

جاءت إلينا ومعها بريطانيا وفرنسا.

ومع ذلك لم تستطع إسرائيل أن تحقق هدفاً، ولا استطاعت القوى العظمى التى جاءت معها أن تفرض علينا ما لا نريد.

لقد حددت إسرائيل وقت المعركة… أرادتها قبل أن نتمكن مما حصلنا عليه من السلاح واختارت لنفسها أقوى الحلفاء وجرَّتهم وراءها بحبل كالثيران المجنونة التى أطاش صوابها الحقد والكراهـية.

لكن النهاية لم تكن وفق ما رسموه جميعاً أو خططوه… وإنما اختلفت تماما عنه.

لقد كانت فى يدهم جميعاً ساعة بدء الحرب.

ولكن إنهاء الحرب لم يكن فى يدهم.

وإنه لمن الخطأ أن نقول إننا وحدنا قررنا الساعة التى تنتهى فيها المعركة.

لقد قمنا بدورنا البطولى… هذا صحيح.

ولكن دورنا البطولى كان له هدف، هو تمكين التوازن الدولى الذرى، من أن يلعب أثره، ويؤدى دوره الحاسم… وقد كان.

ولقد كان موقف دالاس -مثلاً- ضد الغزو، لا يتحرك حُباً فى سواد عيوننا، ولكنه كان يتحرك تحت ضغط الحقيقة الكبرى وهى أن الموقف قد يفلت والسلام العالمى كله قد يتعرض لإعصار لا يبقى ولا يذر.

ح

ولم يكن جمال عبد الناصر وهو يصدر أمره بابتعاد الطيران المصرى عن سماء المعركة يريد أن يكشف قوات الجيش والشعب لغارات الطيران المعادى… لكنه ملك فى هذه اللحظة وهو يصدر هذا الأمر الشجاع صفاء الرؤية…

كان يقول:

“إن هذه المعركة لن تطول.
إن العالم كله بحرصه على السلام سوف يكتل قوى للضغط ضد العدوان لا قبل له بها.

المهم أن نقف وأن نقاتل حتى نعطى هذه القوى فرصتها لتقوم بدورها الحاسم.

سوف ترغم بريطانيا وفرنسا، بفضل ثباتنا، وبفضل ضغط عالمى بعيد المدى أن تتراجعا وأن تتقهقرا.

ولكن سوف تبقى لنا بعد ذلك إسرائيل.

ولو دفعنا بالطيران المصرى الآن ضد تفوق معادٍ فى الجو لا طاقة له عليه فمعنى ذلك أننا سوف نفقد إلى فترة طويلة درعاً من أقوى دروعنا ضد إسرائيل.

ولقد كان جمال عبد الناصر حريصاً على الطيارين أكثر من حرصه على الطائرات.

كان يقول:

– فى استطاعتنا أن نشترى طائرة فى دقيقة واحدة.. لكننا نحتاج إلى عشر سنوات لإعداد الطيار المقاتل.

– ولما بدأت حركة شعوب الأمة العربية قوية فعالة ضد العدوان… كان جمال عبد الناصر يقول: لقد بدأ رد الفعل.

– ولما تحركت شعوب آسيا وأفريقيا كلها كان جمال عبد الناصر يقول: لن يستطيعوا أن يتقدموا كثيراً من هنا.

– ولما وقفت الأمم المتحدة كلها إجماعاً فى وجه أقلية بريطانية فرنسية إسرائيلية كان جمال عبد الناصر يقول: إن العالم قام بعزل الذين أرادوا عزلنا.

ولقد كان إنذار بولجانين ضد المعتدين، أكثر بكثير من كونه موقفاً سوفيتياً، بل إنه من هذا الاعتبار استمد قوته النادرة، من أنه كان أكثر من مجرد عمل سوفيتى… كان الإنذار وقتها – وهنا براعة الاتحاد السوفيتى الهائلة فى عمليات الحرب الباردة تحت ضغط التوازن الذرى – تعبيراً واضحاً وقاطعاً عن موقف عالمى… عن تيار حرك الإنسانية كلها.

وكان النصر العظيم فى السويس.

وحتى هذا النصر لم يكن انتصاراً مصرياً وطنياً فقط، ولا كان انتصاراً عربياً قومياً، وإنما كان انتصاراً عالمياً وإنسانياً شاملاً.

وألخص ما قلته الآن حتى أستمر بهذا العرض المنطقى إلى خاتمته الطبيعية:

1- إن الاحتكام إلى السلاح ليس عملية سهلة… ولا عملية محلية… إنما هو عملية بالغة التعقيد بحكم التوازن الذرى القائم فى العالم، كذلك هو عملية دولية من ناحية أن أى هزة للأمر الواقع الذى يقوم بالقرب منه هذا التوازن الذرى – مسألة يجب أن يحسب حسابها دقيقاً… وعميقاً إلى أبعد مدى.

2- إن الأمر، والحالة هذه، يتعدى مسئولية أى شعب عربى بمفرده وإنما هو مسئولية الأمة العربية كلها، بشعوبها وطاقاتها وإمكانياتها، ما دامت مصممة على النصر.

3- يضاف إلى ذلك كله سبب ثالث وهو أن إسرائيل بحكم تكوينها لا تقف أمامنا وحدها معزولة عن قوى أكبر منها لها تأثيرها ولها قدراتها.

وإذن ماذا بعد هذا التلخيص؟

إن هذا التلخيص يؤدى بنا إلى نتيجة لابد من مواجهتها وهى أنه لابد من تغيير ضخم فى توازن القوى العربية فى مواجهة الخطر الذى يتهددها.

إن هذا التغيير يمكن تحقيقه بطريقة، وضعتها حيوية الأمة العربية فعلاً موضع التنفيذ، وهى الثورة.

والثورة ليست عملاً سلبياً يهدم الأوضاع المنافية لروح العصر وآماله فقط.

وإنما الثورة أصلاً عمل إيجابى يستهدف بناء الجديد الملائم لروح العصر ولآماله أولاً.

ولقد استطاعت الأمة العربية بحيويتها الدافقة أن تخطو خطوات هائلة فى طريق التغيير وكانت ثورة مصر 1952 أعظم خطواتها. فإنها صنعت للتغيير قاعدة ينطلق منها… وقلعة تحميه لكى يواصل دوره الحتمى.

من هنا فإن الثورة فى اليمن، أو فى غير اليمن حيث الرجعية والتخلف، إسهامٌ فى تدعيم القدرة العربية فى مواجهة العدو ومواجهة المسئولية معاً.

من هنا أيضا فإنى أقول:

– إن أى صدام داخل العالم العربى ينتصر فيه الجديد القادم بالأمل هو تعزيز لقوة الجانب العربى فى ظروف صدام أعنف منه تختلط فيه قوى دولية متشابكة الأطماع والأهداف عند خاتمة المطاف المحتومة فى فلسطين.

كذلك فإن كل شهيد يقع من الآن، فى الصراع من أجل زيادة قدرة الأمة العربية على تحمل مسئولياتها، يشترى حياة آلاف الشهداء عند نفس اللحظة المحتومة فى فلسطين.

ولقد كان انتصار الثورة فى اليمن، هو انتقال بشعب عربى بأسره من حالة كانت أشبه بالعدم فى موازين القوة، إلى بداية طريق الإيجابية الفعالة المؤثرة.

ولقد سألوا فى الرياض وفى عمان، وتابعتهم -أيضاً- إسرائيل، سألوا وألحوا فى السؤال، وذرفوا دموع التماسيح أسفاً على مال صرفناه على الحملة التى ذهبت لنصرة الثورة فى اليمن، وحزناً على أرواح ضاعت هناك على أرض المعركة.

وأقول لهم لكى لا يأسفوا ولا يحزنوا:

– إن تكاليف الحملة العسكرية المؤيدة لليمن وصلت حتى الآن إلى ما يوازى نصف أرباح مصنع واحد فى العام الماضى، هو مصنع الغزل والنسيج فى المحلة!

وخسائرنا حتى هذه اللحظة التى تم فيها إحراز النصر أقل من نصف عدد الذين فقدناهم من أبنائنا فى حادث الكوبرى الهزاز فى القناطر!

والمال يهون حسابه.

وأما الرجال فإن كل قطرة دم طاهر منهم أغلى علينا من كل عروش الملوك ومن كنوزهم.

لكن قطرات دمهم الطاهرة ساعدت شعباً بأسره أن يحتفظ بثورته.

وقطرات دمهم الطاهرة ساعدت أمتهم العربية على أن تسترد من براثن الضياع والعدم، جهد شعب عربى بأكمله، يعزز قواها الإيجابية.

لقد حاربوا فى اليمن من أجل فلسطين.

من أجل زيادة فاعلية أمتهم العربية كلها فى ذلك اليوم المحتوم فى فلسطين.

وسلاماً عليهم جميعاً حيث تركوا قطرات من دمهم هناك على أرض اليمن.

سلاماً… وعرفاناً.

ونصراً!

عن admin

شاهد أيضاً

264521_Large_20140901040052_20

العد التنازلي لحضارة 7 آالاف سنة

نحن نسمع بمناسبة وبدون مناسبة أن الحضارة المصرية عمرها 7 آلاف سنة. وهذا طبعا حقيقي. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *