الرئيسية / تقارير وملفات / 48عاماً على «بحر البقر» انتهى الدرس ولمّينا الكراريس

48عاماً على «بحر البقر» انتهى الدرس ولمّينا الكراريس

84345-مدرسة-بحر-البقر-(1)

Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-04-08 08:47:03Z |  | ì¾vè

15707a41ed30e0_QEMPOKNIFHJLG

الكاتب: ولاء نبيل

 

قبل 48 عاما من الآن صعدت أرواح 30 طفلاً كانوا على مقاعد المدرسة، و23 فلاحاً وشاباً، و10 عمال فى ورشة حدادة مجاورة لموقع القصف – إلى بارئها، ولم يبق سوى 25 آخرين عاشوا بعدها شهودا مصابين على واحدة من أبشع مجازر إسرائيل، هذه المرة لم تحدث فى فلسطين المحتلة وإنما فى قرية بحر البقر بمحافظة الشرقية.لا تزال أسر 62 شهيداً ينتظرون القصاص الذى لا يأتى، وغالبا لن يأتى، يتحدث المصابون عن حقوقهم فى مقاضاة جزارى الأطفال وهم يعرفون أن النظام الذى كان على رأسه «كنز استراتيجى لإسرائيل»، حسبما قال بنيامين بن إليعازر، وزير التجارة الإسرائيلى، عن «مبارك» عقب تنحيه، لن يأتى لهم بحق، ولم يعلق أحدهم آمالا عريضة على تغير الوضع بعد الثورة، ولخصت والدة أحد الشهداء التى تخطت السبعين عاما مطالبها بعد كل هذه السنوات بـ«عايزة أحج». قبل 42 عاما أخبرنا صلاح جاهين بأن الدرس انتهى وأن علينا لملمة الكراريس، فاستجاب النظام لنصيحته ولملم كراريس الضحايا ووضعها فى فصل تعلوه لوحة من ورق مقوى مكتوب عليها بخط اليد «متحف شهداء بحر البقر».

هنا بقايا مدرسة.. قنبلة لم تنفجر وكراريس وملابس ممزقة وأحذية وملفات مدرسية.. هنا آثار مذبحة وصور لجثث أطفال

«

الدرس انتهى لموا الكراريس»، صرخة أطلقها الراحل صلاح جاهين فى قصيدته الرائعة التى كتبها بعد الغارة الإسرائيلية على مدرسة «بحر البقر الابتدائية»، فى 8 أبريل عام 1970، التى راح ضحيتها 19 طفلا بالمدرسة، و23 فلاحاً وشاباً من أهالى القرية، و10 عمال فى ورشة الحدادة المجاورة للمدرسة، فضلاً عن إصابة 25 آخرين.

الآن، وبعد مرور 47 عاماً، لم يعد ما يخلد ذكرى تلك المجزرة سوى «لم الكراريس» وما قامت الدولة بجمعه من بعض متعلقات الأطفال من «مرايل» و«أقلام» و«كتب» و«أحذية» وما تبقى من ملفات، فضلاً عن بقايا لأجزاء من القنابل التى قصفت المدرسة، والتى تم وضعها جميعاً فى متحف عبارة عن حجرة أو فصل من إجمالى 17 فصلا تضمها جدران مدرسة «بحر البقر الابتدائية»، تعلو حجرة المتحف عبارة مكتوبة بخط اليد «متحف شهداء بحر البقر» ولوحة خشبية مكتوب عليها «ممنوع التدخين».

أنت الآن أمام باب المدرسة، المطلى بألوان علم مصر، وفى الدور الأول العلوى يقع المتحف، المغلق بابه الخشبى بقفل حديدى، وفى داخله تراصت على جدرانه الأربعة صور ولوحات لمشاهد الأطفال الذين تعرضوا للقذف ما بين شهيد ومصاب.

سجلت الصور زيارات كبار مسؤولى الدولة للأطفال، ومنهم الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر» ونائبه فى ذلك الوقت «أنور السادات»، ومحافظ الشرقية وقتها الدكتور «فؤاد محيى الدين»، ومدير مستشفى «الحسينية»، ووزير التربية والتعليم.

وبعض الوفود الأجنبية التى توافدت على المدرسة لإدانة الحادث ولزيارة الأطفال، حيث حرصوا على إهدائهم بعض الهدايا، كلعب الأطفال، فى محاولة منهم للتأكيد على براءة من تجاهلت إسرائيل براءتهم.

فى مقدمة المتحف تقابلك لوحة رخامية مكتوب عليها الآية الكريمة: «ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون»، يقابلها تمثال لسيدة ترتدى رداء أسود، وهو رمز لمصر فى حزنها على الضحايا – حسبما أشار أحد العاملين فى المدرسة. على جوانب المتحف الأربعة تراصت صور المجزرة، والمدون أسفلها بعض العبارات التى تشجب الحادث، ومنها صورة لجثة طفل مكتوب أسفلها «هل هذه إنسانية إسرائيل وشجاعة ديان..؟! قتلوا الأنبياء؟!.. فهل يشق عليهم قتل الأبرياء»، فى حين كُتب أسفل صورة لحطام المدرسة عبارة «من بين الحطام سينبعث نور العلم من جديد»، وصورة أخرى لطفلين مصابين يرقدان على أحد أسرّة مستشفى «الحسينية» الأقرب للقرية، والذى تم نقل الضحايا إليه مكتوب أسفلها «إن آلام أبنائنا الصغار ستظل نارا تلهب وجه العار الصهيونى»، و«لقد أثقلت إسرائيل ميزان العدوان»، وأسفل صورة وضع حجر الأساس المدرسة بديلة للمنهارة توجد عبارة «الصهيونية تدمر وتخرب ولن نكف أيدينا عن البناء من أجل السلام»، وفى صورة نرى إحدى الأمهات جالسة بجوار ابنها المصاب وتحتها عبارة «إن ملايين الأمهات فى العالم كله تلعن الاستعمار وجرائمه فى كل مكان على الأرض»،.

وفى صورة جمعت محافظ الشرقية مع وفود أجنبية وجدنا مكتوباً أسفلها «قلوب الآباء المنفطرة لن تنسى وحشية الصهيونية الآثمة».

أما صورة المعونات والوفود الأجنبية فكان مكتوباً أسفلها عبارة «كل الوفود من كل العالم تشجب جرائم الاستعمار»، ورأينا صورة جمعت طفلاً مصاباً وإلى جواره محافظ الشرقية ووزير التربية والتعليم مكتوباً أسفلها «عيون وقلوب كلها أسى ولكن الاستعمار لا يكف عن جرائمه»، وفى صورة لحطام المدرسة كتب أسفلها «فى هذه المدرسة كان الأطفال يتلقون العلم ويرددون أناشيد الحرية والسلام»، كما فسرت العبارات ضم طفلة ذراعيها إلى صدرها وهى نائمة فوق السرير بالمستشفى بعبارة «فى براءة تضم يديها على صدرها لعلها تحتفظ بالحياة لقلبها الصغير».

وفى موقع الجريمة وقف بعض المسؤولين فوق الحطام ودُونت أسفل صورتهم عبارة «لن يفرضوا علينا الاستسلام بأسلوبهم الإجرامى».

كما يحتوى المتحف على ثلاث لوحات مصممة ومرسومة باليد، اثنتان منها مرسومتان فوق السجاد، ورصدتا مشاهد جثث الأطفال على الأرض وسط الحطام، والصواريخ تنهال من فوقهم، والثالثة لمشاهد الأهالى من فلاحى القرية وهم يسارعون لحمل الأطفال، القتلى والمصابين.

ظلت كل تلك المقتنيات فى «متحف أحمد عرابى» لوقوعه فى قرية «هرية رزنة»، مسقط رأس الزعيم أحمد عرابى، والتابعة لمركز الزقازيق، حتى ترددت الأنباء عن ضياع واختفاء بعض معروضات شهداء «مدرسة بحر البقر»، الأمر الذى نفته وقتها «هيئة الآثار» فتم نقل المتحف إلى مقر «مدرسة بحر البقر الابتدائية» فى قلب القرية، خاصة أن من أهم مقتنيات المتحف إحدى القنابل الإسرائيلية التى تم إلقاؤها على المدرسة، ولم تنفجر، والتى تعد حجة على إدانة إسرائيل، ومستنداً للأهالى عند مطالبتها بالتعويضات.

وبحلول ذكرى المجزرة حرص مسؤولو الإدارة التعليمية على تزيين المتحف استعداداً لاستقبال ضيوفه، فى حين بقى النصب التذكارى للشهداء فى قلب القرية فوق جزء من أرض المدرسة، التى تعرضت للقصف، مدون عليه أسماء الأطفال الشهداء، وهو النصب الذى أكد الأهالى أنه ظل يعانى الإهمال لسنوات طويلة منذ وقوع الحادث، حتى قامت المحافظة بترميمه عام 2009، وإحاطته بسور حديدى، ليظل شاهداً على الجريمة التى لن يغفرها التاريخ للعدو.

«نبيلة» «أم الشهيد»: أكد قبل خروجه «إنه مش راجع تانى».. وسمعنا كلمة «شكرا» ثم سقطنا من الذاكرة

■■ أمّا.. قومى اعمليلى ساندويتش.

■ روح بس المدرسة يا «ممدوح» دى جنب البيت.. ولما ترجع ابقى اتغدى مع اخواتك.

تانى.

«مش راجع تانى» عبارة تردد صداها فى أذهان الأم قبل أن تنزل على قلبها كصاعقة البرق فى السماء المظلمة، فانتفضت الأم من أمام الفرن الطينى، حيث كانت تعد من خلاله الخبز لأطفالها الخمسة، قبل أن تلتفت فى ذعر للصغير وتضمه إلى صدرها «ليه بتقول كده يا ممدوح».

أصرت الأم «نبيلة على» على توصيل ثانى أبنائها «ممدوح حسنى» فى ذلك اليوم لمدرسته «بحر البقر الابتدائية»: «كنت خايفة جرار يدوسه.. بعد ما قال لى الكلمة دى».

ومع سماع دوى انفجار هرولت الأم – كما تروى – إلى داخل المنزل، الذى يبعد 100 متر فقط عن المدرسة، وجمعت أولادها، وألقت بهم على الأرض، ثم نامت فوقهم، فى محاولة لاهثة منها لحمايتهم من الموت، مرت الدقائق دون أن تتوقف صواريخ وقنابل العدو عن مهاجمة القرية، حتى كاد يتوقف قلب «نبيلة» عن النبض، خاصة بعد أن رأت شبابيك وأبواب وسقف منزلها الريفى المتواضع تتساقط أمام عينها.

لم يتوقف عويل الصغار من هول الغارة حتى انتهت، فخرجت بعدها الأم على الفور تطمئن على جيرانها لتصطدم بالمفاجأة، التى تنبأ بها قلبها عندما خفق لكلمات الصغير، إنه «ممدوح» عائدا لمنزله، لكنه تلك المرة محمول فوق أذرع اثنين من أهل القرية، جاءا بجثته لأمه بعد أن لقى مصرعه بين عشرات الأطفال الذين سقطوا ضمن ضحايا الغارة على المدرسة.

«ماعرفتش ابنى.. بعد ما نص راسه طارت من القنبلة اللى نزلت عليه، وغرق الدم وجهه وملابسه»، هكذا وصفت الأم مشهد استقبال الشهيد، الذى لم تمحه الأيام ولا السنوات من ذاكرتها، رغم تجاوزها السبعين عاماً.

تروى: «أخذ منى الأهالى الولد، وكفنوه بمعرفتهم، ومنعونى من رؤيته، بعد ما شافوا الحالة اللى وصلت لها، ودفنوه وأعطونى ملابسه المشبعة بالدماء، وهى دى الحاجة الوحيدة اللى فضلت ليا منه، قبل ما ياخدوها لمتحف بحر البقر».

حياة متواضعة عاشتها ومازالت تعيشها الحاجة «نبيلة» داخل قريتها وفى منزلها الريفى المتواضع، المكون من طابق واحد وبعض الغرف ذات السقف الخشبى، وتكسو أرضيتها الأسمنتية حصائر بلاستيك، يعلوها أثاث خشبى متواضع، أبرزه ثلاث أرائك تستقبل عليها «نبيلة» ضيوفها فى «أوضة المسافرين» – كما تصفها. رغم تواضع حياة «نبيلة» فإنها تحرص على متابعة كل ما يدور على أرض وطنها. وأكدت أنها لم تصرف تعويضاً عن طفلها سوى خمسة جنيهات صُرفت بعد وفاته، وإن كانت تعتقد أن هذا المبلغ سيكون بداية لمعاش شهرى تتقاضاه وأسرتها، وسمعنا كلمة «شكراً» مرة واحدة ثم سقطنا من ذاكرة الدولة.

«أحمد» من أمام صورته وهو طفل مصاب فى متحف الضحايا: قلم رصاص أنقذ حياتى من الموت

■■ لأ، اعملى الساندويتش لأنى مش راجع بعد 42 سنة وقف «أحمد» أمام صورته فى «متحف شهداء بحر البقر» ليستعيد المفارقات العديدة التى ربطته بمدرسته، فلم يكن فقط أحد الناجين من الغارة، لكنه بعد عشرات السنين شاء له القدر أن يعمل لمدة خمس سنوات سكرتيراً لنفس المدرسة.

يتذكر «أحمد»، الذى كان طالباً فى الصف الثانى هذا اليوم، عندما شاهد اقتراب الطيران الإسرائيلى من شباك فصله، فشعر بأنها غارة غير عادية، ارتجف على إثرها قلبه، وارتعشت يداه، ليسقط منها قلمه الرصاص، وفى لحظة نزوله أسفل مقعده لجلب القلم، ألقى العدو صواريخه على المدرسة، ليجعلها كومة من الحطام، ويشاء القدر أن يشكل مقعده الخشبى ساتراً لحمايته من الخرسانة المنهارة فوق الرؤوس، وإن كانت إصابته لم تسلم من اختراق سيخ حديدى جبهته.

ظل «أحمد» فى غيبوبته داخل مستشفى الحسينية 25 يوماً، وبمجرد إفاقته سأل عن زميل الدراسة والمقعد وابن قريته وجاره الذى يحمل نفس اسمه، فكان الجواب أنه مات، ليتركه رفيق حياته بمفرده، محملاً إياه أمانة فى رسالة ضمنية، هى «الثأر للدم البرىء».

أصر «أحمد» على مصاحبتنا فى جولتنا بمتحف المدرسة، ليقف لعدة دقائق فى صمت أمام صورته المعلقة فى المتحف وهو طفل مصاب راقد فى غيبوبته، والمكتوب أسفل منها «هل شاهد الضمير الأمريكى هذه الصورة؟!». أفاق «أحمد» من غيبوبته، لكن الأطباء أصروا على الإبقاء عليه تحت رعايتهم فى المستشفى لمدة شهرين، وببراءة الطفولة وفى أول يوم لخروجه من المستشفى مر على حطام مدرسته «ما كانش فى إيدى حاجة وقتها غير إنى أدعى عليهم، لأنهم ما مميزوش بين إنسان وحيوان.. مدنى وعسكرى.. طفل وشاب وشيخ كبير.. فكانت جريمتهم متكاملة بجميع الأركان».

وأضاف: «عاش الضحايا وأهلهم طيلة حياتهم بدون معاش أو تعويض، وكأن الدولة اكتفت بقطع القماش والحلوى والألعاب التى تم توزيعها علينا فى المستشفى».

عن admin

شاهد أيضاً

image44s

بمناسبة انعقاد قمة ملوك وأمراء ورؤساء الدول العربية في الرياض في شهر نيسان/أبريل 2018

  أصحاب الجلالة والسمو والفخامة ملوك وأمراء ورؤساء الدول العربية المحترمين، حضرة أمين عام جامعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *