الرئيسية / كتاب الوعي العربي / مئوية ميلاد عبد الناصر: قرن الحركة الصهيونية وتوسعها المستمر – محمد عبد الحكم دياب

مئوية ميلاد عبد الناصر: قرن الحركة الصهيونية وتوسعها المستمر – محمد عبد الحكم دياب

 

 

Jan 27, 2018

نتناول في هذه السطور التحول الثالث من تحولات القرن، الذي بدأ بمولد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في كانون الثاني/يناير 1918، وانتهى في هذا الشهر؛ يناير 2018.. وهو عن الحركة الصهيونية، وعلينا ونحن نتناولها ألا نخلط التاريخ بالأساطير وروايات الأحبار ورجال الدين؛ الذين يسقطون وقائع التاريخ وحركته من حسابهم.
والبحث في جذور الحركة الصهيونية نجدها مغروسة بين أساطير وروايات شفاهية وكلام مرسل وسجلات قادة اليهود وأشياعهم، ومن يُخَدِّمون عليهم من إعلاميين وكتاب غربيين أو «مُتغرِّبين»؛ يعتمدون أساسا على العهد القديم «التوراة»؛ المكتوب منذ ما يقرب من ألف عام قبل الميلاد. تفاصيل كثيرة قد تُخرِجُنا عن الموضوع.
فتعبير «صهيون» ورد لأول مرة في التوراة؛ متلازما مع الملك البابلي نبوخذنَصَّر الثاني، الذي حكم في سنة 600 ق.م تقريبا، وكان كلدانيا ذاعت شهرته فيما ورد عنه، وفيما حدث في عصره عن السبي البابلي. وحديثا ربط مفكرون صهاينة بين السبي وحاجة اليهود لوطن قومي، في محاولة لإثبات قدم فكرة الوطن القومي، وأنها ضاربة في عمق الزمن، ونبوخذنصر الثاني المقصود غير نبوخذنصر الأول، وحكم فيما بين 1126 – 1103 ق.م،
وإذا ما دخلنا مباشرة إلى أحداث متعاقبة تباعا؛ في الفترة من عام 1890 إلى 1945، سنكتشف جوانب مجهولة كثيرة، وهي فترة شهدت ظهور ما عُرِف بـ«العداء للسامية» في روسيا؛ ويشير مؤرخون إلى الأعداد الكبيرة من اليهود، الذين سكنوا المناطق الغربية من الامبراطورية الروسية؛ كانوا يعاملون بخشونة من قِبَل المواطنين الروس، وذلك دفع بآلاف منهم إلى ترك تلك المناطق والاتجاه نحو أوروبا، ووصل عددهم لحوالي 2.5 مليون يهودي، وبتنامي معدل الهجرة زاد العداء لليهود، وشعر يهود أوروبا بالقلق، فدفعوا بالمهاجرين من روسيا إلى مواصلة طريقهم إلى الولايات المتحدة، التي اعتبرها المستوطنون الأوائل «إسرائيل الجديدة». وذلك في وقت تبنى فيه أثرياء يهود حلولا تخفف من وطأة تدفق الهجرة اليهودية والمشاكل المترتبة عليها. بادر البارون موريس دي هيرش وأنشأ مستوطنات يهودية في الأرجنتين، وقام البارون إدوند دي روتشيلد بنفس العمل في فلسطين.
وحين وصل هتلر إلى حكم ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية؛ بدأت معسكرات وورش الأعمال الشاقة في الظهور خصيصا لليهود، ووصلت حد الاضطهاد الجماعي إبّان الحرب. واستثمرت الحركة الصهيونية ذلك لتسريع إقامة الكيان المطلوب، وكان السواد الأعظم منهم قد اقتنع برأي النّاجين من المعسكرات النازية، وتركيزهم على أهمية وجود كيان لحمايتهم.
واللافت للنظر أن الحروب العالمية بدت وكأنها اندلعت لتنفيذ المخططات الصهيونية، فأثناء الحرب العظمى وبعدها وُضِعت قرارات المؤتمرات الصهيونية موقع التنفيذ؛ فتح باب هجرة اليهود إلى فلسطين تحت سمع وبصر عصبة الأمم، وإقرار وجود الصندوق القومي اليهودي لتمويل الهجرة، وتقسيم الامبراطورية العثمانية بما يتوافق مع المطالب الصهيونية، والالتزام بتقسيمات اتفاق سايكس بيكو. ووضع الشام تحت الوصاية الفرنسية، وإخضاع فلسطين للانتداب البريطاني، وهما الدولتان الراعيتان للمشروع الصهيوني منذ ما قبل ولادته.
والذي أشرف على الشأن الفلسطيني بعد الحرب العظمى المندوب السامي البريطاني؛ هربرت صمويل؛ المعادي للصهيونية، وتحول ليصبح أشد المتعصبين لها، وذلك أدهش حاييم وايزمان؛ الرئيس الرابع للمنظمة الصهيونية العالمية، وأول رئيس للدولة الصهيونية، فحين اقترح لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني لقاء يجمع وايزمان بصمويل رفض وايزمان بشدة، إلى أن فوجئ بتأييد صمويل للمشروع الصهيوني، ونظر لمطالب وايزمان باعتبارها متواضعة للغاية، هذا بجانب ما نتج عن الحرب العظمى من ظهور المملكة العربية السعودية، واكتمالها عام 1932 بعد اكتساح عبد العزيز آل سعود للحجاز، وإبعاد الهاشميين إلى الشام والعراق.
غيرت الحركة الصهيونية من مسارها بتأثير موازين القوى الجديدة، فكثفت جهودها لإقامة الدولة المنتظرة، وتحركها لجمع الأموال اللازمة للتنفيذ، والضغط على بريطانيا لمنع استقلال فلسطين أو تمتعها بحق تقرير المصير، مع ذلك تزايد عدد اليهود المعارضين لمشروع الدولة، وأدى صعود أدولف هتلر عام 1933، إلى تراجعهم وعودتهم لتأييده، وزادت تبعا لذلك وتيرة الهجرة إلى فلسطين، ولعبت الولايات المتحدة دورا غريبا حين أغلقت أبوابها أمام المهاجرين اليهود، وهي التي تعتبر نفسها «إسرائيل الجديدة».
وعلى الجانب العربي زاد توافد اليهود إلى فلسطين من غضب العرب وسخطهم، وتفجرت أطول ثورة في التاريخ العربي واستمرت من 1936 حتى 1939، واضطرت سلطات الانتداب إلى إيقاف الدعوة لهجرة اليهود. وتشكلت الميليشيات اليهودية المسلحة للتصدي للثورة والمقاومة، ومن أهمها ميليشيات الهاغاناه وأرغون.
وخلال الحرب العالمية الثانية أوقف الطرفان المتصارعان معاركهما لمواجهة النازية وأوقفا معاركهما ضد القوات البريطانية، وخلّفت الحرب آلاف اليهود المشردين، الذين عقدوا العزم على عدم العودة لبلادهم، وتحت تنامي الشعور القومي في المستعمرات، وبرز الدوران الأمريكي والسوفييتي؛ وورثت أمريكا دور بريطانيا، وتسلمت مسؤولية رعاية المشروع الصهيوني، وصب خروجها من العزلة في قناة المشروع الصهيوني.
وكانت بريطانيا قد أعلنت رغبتها الانسحاب من فلسطين عام 1947، وفي 29 تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، الأولى عربية والثانية يهودية، ورفض العرب القرار واشتعل القتال بينهم وبين الصهاينة؛ فور إعلان قيام الدولة الصهيونية في 14 أيار/مايو 1948. وحققت الأمم المتحدة بذلك أهم أهداف الحركة الصهيونية بقيام الدولة، وترتب على ذلك دمج الميليشيات الصهيونية المسلحة في الجيش الصهيوني، الذي روع الفلسطينيين، وحولهم إلى لاجئين في الأقطار العربية المجاورة، أو فيما تبقى من فلسطين؛ سواء ما أصبح تحت الإدارة المصرية في غزة، أو وُضِع تحت الرعاية الهاشمية في الضفة الغربية، واتسعت حدود الدولة الصهيونية حتى خطوط وقف إطلاق النار عام 1967.
ولم تتوقف الحروب الصهيونية؛ منذ الغارة الوحشية على قطاع غزة في 1955، وفي مشاركة بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر في 1956، واحتلال باقي فلسطين والجولان السورية وسيناء المصرية، وارتكاب جرائم حرب في لبنان وسوريا ومصر، وشنت الدولة الصهيونية حربها ضد لبنان عام 2006 وضد غزة في 2008 وحرب 2012 ضد المقاومة الفلسطينة، ولم تنته الصراعات الصهيونية الدامية بعد.
وأثبتت الوقائع والأحداث بشكل دائم أن جوهر الحركة الصهيونية عقيدة عدوانية تقتات بدماء وبأرواح الأبرياء، وتعيش على أشلاء محيطها؛ بالقتل والاغتصاب والتدمير، وأضحت دعوات السلام دعوات للإذعان والتنازل عن الحقوق، وصارت كاشفة للعوار العنصري والإرهابي؛ حتى بقي الكيان الصهيوني كيانا عدوانيا عنصريا وحيدا على سطح الكرة الأرضية؛ عن طريقه دُمرت كل مقومات السلام العادل، وقُوِّضت كل سبل التعايش والتسامح، وانتشرت عدواه في بقاع العالم.. وصار ما يجري في «القارة العربية»، عنوانا يدل عليه؛ اقتتال بيني وحروب داخلية؛ طائفية ومذهبية وقبلية ودينية ومناطقية.
وينبئ وصول ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة بخطر داهم على العالم، وليس «القارة العربية» فحسب؛ لاعتناقه العقيدة الصهيونية الدموية.. لا تمانع من تدمير العالم، ولن تتوانى عن مد إمبراطوريتها من المحيط إلى الخليج، ولن تتورع في استخدام السلاح النووي لفتح باب التوسع والإبادة والتطهير العرقي ضد «القارة العربية»، ويحيي ترامب تراث أجداده المستوطنين، الذين ابادوا الهنود الحمر، ويتخلص من العرب، ويصبحون أثرا بعد عين.
مثلت الحركة الصهيونية أكبر تحد واجه عبد الناصر، وكان شديد الصلابة في التصدي لها ولأذنابها. وتعامل بمبدأ «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة»، ولا يسترد بالإذعان والتفاوض غير المستند لأسلحة المقاومة والمقاطعة الشاملة!!.

عن admin

شاهد أيضاً

غُل وأغلال وغلال : لَقَّموة الهزيمة وهضموا حقوقة وقالوا لة هذه سنة الحياة يا عربي؟!

د.شكري الهزَّيل   بادئ ذي بدء لا بد من القول ان  الكثيرون في العالم العربي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *