الرئيسية / كتاب الوعي العربي / كيف كوَّن تنظيم الإخوان “المسلمين” إمبراطوريته التنظيمية والمالية؟

كيف كوَّن تنظيم الإخوان “المسلمين” إمبراطوريته التنظيمية والمالية؟

د. عبد الخالق فاروق

 

أسباب الانتشار التنظيمي منذ مطلع السبعينات

لم تكن عملية إعادة إحياء جثة تنظيم الإخوان “المسلمين” منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي، بعد أن تعرض التنظيم لعملية سحق وتفكيك كاملين، من خلال الضربتين الأمنيتين اللتين جرتا في أعقاب محاولتهم اغتيال الزعيم جمال عبدالناصر عام 1954، وفي المحاولة الثانية التي قادها سيد قطب عام 1965، وليدة الصدفة، بقدر ما كانت عملية تلاقٍ لرغبتين سياسيتين إحداهما داخلية، تمثلت فى رغبة الرئيس الأسبق أنور السادات فى استخدامهم في مواجهة نفوذ قوى اليسار والناصريين المعارضة لسياساته منذ عام 1972، وهو ما بات معروفًا للجميع من المؤرخين والمحللين، والثانية رغبة أمريكية مُررت أو نُقلت إلى الرئيس السادات من خلال صديقه السعودي الشيخ كمال أدهم، مدير المخابرات السعودية في ذلك الوقت، وقد ساهمت ظروف موضوعية في انتشار واتساع نفوذ جماعة الإخوان “المسلمين” وبقية جماعات الإسلام السياسي، في تلك الحقبة سواء في مصر، أو بقية بلدان المهجر في أوروبا والولايات المتحدة، وكان من أبرز هذه الظروف:

الأولى: تغير إيجابي في مصر منذ عام 1972 لصالح التيارات الدينية عمومًا، وجماعة الإخوان المسلمين خصوصًا، واستخدام الرئيس السادات لهذه الورقة في مواجهة خصومه السياسيين في الداخل، وإرضاء لبعض الأطراف الإقليمية، وخصوصًا المملكة السعودية، وكذا محاولته التقارب مع الولايات المتحدة، وأوربا لمواجهة ما أسماه النفوذ الشيوعي والناصري في مصر والمنطقة العربية.

الثانية: تغير النظرة المصرية لقانون الجنسية والتجنس بجنسية ثانية، وتعديل قانون الجنسية المصري (بالقانون رقم 26 لسنة 1975)، والذي سمح وسهل الحصول على جنسية ثانية للمصريين في الخارج، دون نزع الجنسية المصرية، بحجة الاستفادة من المهاجرين في الخارج، وكذلك فعلت معظم الدول العربية.

الثالثة: الزيادة المطردة في أعداد المبعوثين والدارسين والمهاجرين المصريين والعرب من المسلمين إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وتساهل هذه الدول في منح تصاريح الإقامة والحصول على الجنسية لملايين من هؤلاء، في إطار منظور إستراتيجي متعدد الأبعاد، بعضه يهدف إلى الاستفادة من الطاقات العلمية والعملية لهؤلاء، وبعضه الآخر للاستفادة منهم في المستقبل في اختراق بيئاتهم الأصلية وقت الضرورة.

الرابعة: انسحاب الدولة التدريجي من أهم أدوارها ووظائفها في الرعاية الاجتماعية (التعليم والصحة ورعاية الفقراء) تحت شعار تخفيف العبء عن الدولة، فسمح بذلك لتلك الجماعات، وخصوصًا تنظيم الإخوان “المسلمين”، في التسلل إلى كل المناطق الفقيرة في ربوع مصر ومحافظاتها، لتقديم تلك الخدمات بأسعار متدنية، وأحيانًا مجانية، فكسبت عقول وقلوب كثير من الفقراء والمحتاجين.

وفي أوروبا والولايات المتحدة، انتشر التنظيم وكوادره، مستفيدين من القدرات المالية المتاحة لهم من ناحية، ومن مناخ التسامح الديني والحريات العامة من ناحية أخرى.

ووفقًا للدراسات الديموجرافية – السياسية التي قام بها مركز Pew والتي شارك في إعدادها حوالي خمسين جغرافيًا وخبيرًا وأكاديميًا عام 2009، فقد تبين أن عدد المسلمين في العالم قد بلغ حوالي 1.57 مليار نسمة، يشكلون حوالي 23% من سكان الكرة الأرضية، والمقدر وقتئذ بحوالي 6.8 مليار نسمة، لكن المسح الإحصائي يظهر أنهم يتوزعون على النحو التالي:

– حوالي 60% من المسلمين موجودون في آسيا.

– 20% آخرون يعيشون في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي وشمال إفريقيا.

– والـ 20% الباقون يتوزعون في دول العالم الأخرى، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة أو أمريكا اللاتينية أو أستراليا.

– وأن 87% من هؤلاء المسلمين في العالم من المذاهب السنية، بينما الـ13% الآخرون من أهل الشيعة، والأخيرون يتركزون في أربع دول تقريبًا هي إيران والعراق والهند وباكستان على الترتيب.

وفي دراسة قام بها في عام 2010 أحد المراكز البحثية المعنية بمحاربة التمييز ومساعدة الأقليات، أشارت إلى نتائج مهمة حول انتشار المسلمين في أوروبا، حيث تبين الآتي:

– أن عدد المسلمين في أوروبا – دون حساب تركيا – قد بلغ 44 مليون نسمة.

– وأن المسلمين من أصول أوروبية لا يزيدون على 9 ملايين نسمة.

– بينما الجزء الأوروبي من روسيا الاتحادية يوجد به حوالي 17 مليون نسمة يدينون بالإسلام رسميًا.

– وأن عدد المسلمين في فرنسا يبلغ حوالي 7 ملايين نسمة، يليها إيطاليا بحوالي 6.5 مليون مسلم، ثم ألمانيا بحوالي 5 ملايين مسلم، ثم بريطانيا بحوالي 3 ملايين مسلم، وبعدها هولندا بحوالي مليون مسلم.

– ومن بين هؤلاء المسلمين يوجد حوالي 15 مليونًا من المهاجرين من دول عربية وإسلامية من آسيا، علاوة –بالطبع- على المهاجرين والعمال الأتراك، وقدرت الدراسة أن يتضاعف هذا العدد بحلول عام 2025، وقبل ما ظهر من داعش والقاعدة في مطلع عام 2012، وما أظهراه من جرائم وحشية في عدة بلدان عربية وأوربية، فجعلت الإسلام دينًا غير مرحب به في دوائر واسعة من سكان هذه المجتمعات الأوروبية.

– كما تبين في دراسة أخرى أن معظم المسلمين في أوروبا يقيمون في العواصم والمدن الصناعية.

ويتركز العدد الأكبر من المسلمين في أوروبا في فرنسا (حوالي 6.5 إلى 7 ملايين نسمة)، يليها إيطاليا (6.5 مليون نسمة)، ثم ألمانيا (3.5 مليون مسلم)، وبقية الدول الأوروبية مثل ألبانيا والبوسنة والهرسك، وبلغاريا وهكذا .(Source: Muslim In Europe, A Report On 11 E.U Cities, Open Society Institute, New York – London –Budapest, 2010, At Home Project, Second Edition (osi)

ووسط هذه الكتل الاجتماعية والإنسانية تحركت خلايا تنظيم الإخوان المسلمين، مستفيدة من :

1 – حالة الاستقطاب والعداء في أوساط بعض القوى العنصرية في أوروبا ضد المسلمين في بعض الأوقات من ناحية.

2 – ومستفيدة كذلك من حرية ممارسة الشعائر الدينية والديمقراطية السياسية التي تتمتع بها شعوب هذه البلدان من ناحية أخرى.

3 – والدور الذي لعبه تنظيم الإخوان المسلمين سواء في الحرب ضد الأفكار الاشتراكية والشيوعية والناصرية والبعثية، المعادية للاستعمار الأمريكي والأوروبي للمنطقة العربية والإسلامية، وضد السوفييت في أفغانستان من ناحية أخرى.

قد ساهم تساهل هذه الدول الأوربية – تجاه نشاط هذا التنظيم، في انتشاره وسط بعض المسلمين (السنة العرب خصوصًا)، وخلق كيانات تنظيمية واجتماعية في كثير من هذه الدول.

لقد مكن العمل الدعوي (للإخوان المسلمين) من تأسيس أكثر من 500 مؤسسة في 28 بلدًا أوروبيًا، وذلك عبر اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، الذي يقع مقره في بروكسل، وهو ممثل جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، يديره حاليًا السويدي من أصل عربي “شكيب بن مخلوف”.

كما سمحت حركة الهجرة والتوطن الواسعة النطاق في ألمانيا، خصوصًا من الأتراك والمصريين والسوريين، بزيادة عدد المسلمين المهاجرين والمقيمين في ألمانيا عامًا بعد آخر، حتى وصل وفقًا لبعض التقديرات ما بين 4.8 مليون نسمة إلى 5.3 مليون نسمة، أكثر من نصفهم من الأتراك، وتحديدًا حوالي 2.6 مليون تركي..

وينطبق الأمر ذاته على بقية الجاليات “المسلمة”، سواء في ألمانيا أو في الدول الأوروبية، أو حتى في الولايات المتحدة الأمريكية. بيد أن الكتلة التي يتحرك من خلالها التنظيمات الدينية عمومًا لا تزيد على 10% إلى 20% من إجمالي الجاليات الإسلامية، أي ما بين مليون ومليوني شخص من جميع الجنسيات والأعمار.

ومن أبرز التنظيمات والكيانات التي تتحرك في الأوساط المسلمة في ألمانيا، وربما في أوروبا كلها ثلاثة هي بالترتيب والأقدمية التاريخية:

1 – الجماعة الإسلامية الباكستانية التي أسسها (أبو الأعلى المودودي)، الذي ينظر إليه في باكستان وبعض مسلمي آسيا بأنه المناظر للشيخ حسن البنا للمصريين والعرب من أعضاء الإخوان المسلمين.

2 – تنظيم الإخوان المسلمين بقيادة سعيد رمضان وإبراهيم منير ويوسف ندا، والسوري غالب همت وعصام العطار، وجاء من بعدهم قيادات الجيل الثاني، ومن أبرزهم إبراهيم الزيات وشقيقيه بلال الزيات ومنال الزيات، وأحمد الراوي وآخرين.

3 – تنظيم مللي جروش Milli Gorus التركية – وتعني فكر الأمة – التي أسسها نجم الدين أربكان في الستينيات في ولاية كولون الألمانية، ويقدر البعض عدد أعضائها ومناصريها بحوالي 250 ألف شخص.

لقد تحول مسجد “ميونيخ” والمركز الإسلامي فيها، عبر إقامة شبكة واسعة من المساجد والمراكز الإسلامية الدينية والتعليمية في ألمانيا، إلى مرحلة جديدة تمامًا عبر تأسيس أهم ثلاثة جمعيات وأطر تنظيمية كبرى هي:

1 – الجمعية الإسلامية في ألمانيا عام 1982 Islamic Society Of Germany ( I.G.D )

2 – المركز الإسلامي في جنيف Islamic Center Of Geneva I.C.G

3 – رابطة العالم الإسلامي Muslim World League

والأخيرة مولتها المملكة السعودية، ولكن تحت قيادة وخبرة تنظيم وقيادات الإخوان المسلمين في أوروبا، وتشرف الجمعية الإسلامية في ألمانيا (I.G.D)، التي تقع تحت السيطرة المباشرة والكاملة للتنظيم الدولي للإخوان في ألمانيا، وفقًا لبعض التقديرات على شبكة واسعة من المساجد يقدر عددها بحوالي 200 مسجد، ويكفي أن نشير إلى أن السيد “مهدي عاكف” قد تولى الإشراف عليها والإمامة في مساجدها طوال الفترة (1984 -1987)، ليعود بعدها ليشغل موقع المرشد العام للتنظيم الإخواني في مصر والعالم، ليتأكد أهمية هذه الجمعية في أوروبا، رغم أن هذه الجمعية لا تمثل في بعض التقديرات سوى 3% من إجمالي المسلمين في ألمانيا (أي حوالي 120 ألفًا، غالبيتهم الكاسحة من المصريين والعرب المقيمين في هذه البلاد)، ومن هنا لم تمنحها السلطات الألمانية مزايا القانون (كور) الذي ينص على الإعفاء الضريبي للمؤسسات الدينية (المسيحية أو اليهودية أو الإسلامية)، وحقها في جمع الضرائب لأنصار هذه الديانة أو تلك، بنسبة قد تصل إلى 9% من دخل الأعضاء، بينما منحت هذا الوضع القانوني إلى المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا ومقره في العاصمة برلين، ويسيطر عليه المسلمون الأتراك.

والآن.. ما ملامح صورة الاختراق الإخواني لبقية المجتمعات الأوروبية؟

التغلغل في أوروبا (2)

وقد تولى مسجد “ميونيخ” والمركز الإسلامي فيها من بعد مهدي عاكف شخصية لا تقل خطورة وأهمية في هذا الموقع، وهو السوري غالب همت، الذراع المالي اليمني “ليوسف ندا”، ولم يتركها إلا بعد أن حاصرته الشبهات والاتهامات بتمويل المنظمات الإرهابية، مثل تنظيم القاعدة، والقيام بعمليات غسل أموال من أجل إخفاء هذا النشاط غير المشروع، فترك هذا الموقع عام 2002، ليتولاها من هو أكثر منه خطورة وتشعبًا من قيادات الجيل الثاني، ويدعى “إبراهيم الزيات”، نجل القيادي الإخواني السابق فاروق الزيات.

ويتولى “إبراهيم الزيات” مواقع عديدة داخل التنظيم الدولي للإخوان، ومن خلاله يتنقل بين المؤسسات والمراكز الأوربية ودوائر رسم السياسات فيها، فقد كان رئيسًا لمنتدى الشباب المسلم الأوروبي والتنظيمات الطلابية (FEMVSO) بين عامي 1996 وعام 2002، وفي نفس الفترة (1997) كان رئيسًا للمركز الإسلامي بمدينة (كولون)، وعضو مجلس إدارة هيئة الإغاثة الإسلامية (IRW)، ومقرها مدينة برمينجهام في بريطانيا، وكان الممثل الأوروبي للتجمع العالمي للشباب المسلمينWAMV ، كما عمل بالمجلس الإسلامي في ألمانيا، وعضو في رابطة العالم الإسلامية التي أسسها الإخوان برعاية مالية سعودية منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي، وعضو مجلس تنفيذي الندوة العالمية للشباب الإسلامي(WAMY) ، ونظرًا لتزوجه من ابنة شقيق الزعيم التركي التاريخي “نجم الدين أربكان”، وهي السيدة صبيحة أربكان، فقد أصبح عضوًا في مجلس أمناء (مؤسسة أوقاف ميللي جروش التركية)، وهي مؤسسة مهمة من الناحية المالية، وقدرتها على جمع التبرعات وأموال الزكاة من المسلمين الأتراك في ألمانيا والدول الأوربية. كما يترأس “دار الوقف الإسلامي في بريطانيا” التي تعد بدورها أحد منافذ التنظيم الدولي للحصول على أموال وتبرعات وأموال زكاة من المسلمين في أوروبا، ويمتد نفوذه إلى فرنسا.

كما يشرف إبراهيم الزيات على عدد من الشركات الاستثمارية والعقارية في ألمانيا، التابعة للتنظيم الدولي، ويمتلك – بالإضافة إلى مهاراته الخاصة – نصف دستة من الأشقاء والشقيقات، يلعب كل منهم دورًا في التنظيم الدولي للإخوان في أوربا، ويمكنوا شقيقهم الأكبر من مد نفوذه وسطوته على عدد كبير من منظمات العمل التنظيمي والدعوي والسياسي، فشقيقه بلال الزيات أحد مؤسسي “منظمة الشباب الألماني المسلم”، وهو أحد المسئولين في “اتحاد الطلاب المسلمين في أوربا”، وبالمقابل فإن شقيقته “منال الزيات” التي تزوجت من أحد أنجال عضو مكتب إرشاد الجماعة، والمتحدث الرسمي باسم تنظيم الإخوان في الخارج لسنوات طويلة (الدكتور كمال الهلباوي)، قبل أن يستقيل ويعلن طلاقه للجماعة ونهجها بعد الثورة المصرية في عام 2011، فهي تتولى بدورها الإشراف على بعض المنظمات الإسلامية في الدول الأوروبية.

كما أنشأ “إبراهيم منير”، وبعض معاونيه ما يسمى بـ”المجلس الأوروبي للفتوى والأبحاث”، كمصدر للفتوى الدينية للمسلمين في أوروبا، ووسيلة للتغطية الدينية لعمليات جمع أموال الزكاة والتبرعات، ووضعوا على رأسه الشيخ “يوسف القرضاوي” والشيخ اللبناني “فيصل المولوي” والتونسي راشد الغنوشي، ومن إسبانيا الشيخ عبدالرحمن الطويل، ومن ألمانيا الشيخ محمد الهواري.

ومن هنا نجح إبراهيم الزيات في إقامة صلات وعلاقات قوية مع عدد من المنظمات البحثية والفكرية في أوروبا مثل المعهد الأوروبي للعلوم الاجتماعية (IESH)، والبرلمان الألماني (البوندستاج)، والبرلمان الأوروبي، ليقدم صورة خادعة عن طبيعة الإخوان المسلمين، باعتبارهم يمثلون الإسلام الوسطي المعتدل، في مواجهة التيار العنيف والإرهابي الذي تمثله القاعدة وطالبان وغيرهما، وبرغم ذلك فقد حامت حول الرجل الشبهات في السنوات التي أعقبت الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، خصوصًا بعد اكتشاف قضية مؤسسة الحرمين، وظهور شبهات قوية بشأن عمليات غسل أموال، واختلاس أموال في ألمانيا.

ومن ألمانيا الغربية منذ منتصف الخمسينات، انتقل النشاط الإخواني في أوساط المسلمين العرب إلى بقية الدول الأوروبية على النحو التالي:

ففي بريطانيا:

التي كان لأجهزتها الاستخبارية خبرة طويلة في التعامل مع المجموعات الدينية الإسلامية، منذ احتلالها للهند وباكستان في القرنين التاسع عشر، وحتى منتصف القرن العشرين، وقد كشفت دراسات وثائقية حديثة عن طريقة تعاون واختراق هذه الأجهزة البريطانية لهذه التنظيمات وتوجيهها لخدمة مصالحها وإستراتيجيتها العالمية، وقد برزت أول مجموعة إخوانية في بريطانيا عام 1961 باسم “جماعة الطلبة المسلمين”MSS لطلاب المصريين والعرب، المنضوين تحت عباءة الإخوان المسلمين، الذين كانوا محظورين في مصر ومعظم الأقطار العربية، ثم نشأت مجموعة إسلامية أخرى من دول جنوب وشرق آسيا تحت مسمى “فيدرالية منظمات الطلبة الإسلامية ” FOSIS بقيادة الشيخ “أحمد الأحسن” والشيخ الهندي مصطفى عزامي، وتولى منصب أمين عام هذه الفيدرالية الباكستاني “زياد الدين سردا “، وانضم إليهم فيما بعد كل من عاشور شميس والأمين عثمان والعراقى أسامة التكريتي.

وفى عام 1970 تم إنشاء “بيت الرفاة الاجتماعي الإسلامي، ولعب فيه الإخوان المسلمين دورًا أساسيًا، كما نجح سعيد رضوان في إرساء قواعد النشاط الإخواني في بريطانيا من خلال إقامة المركز الإسلامي عام 1964، بدعم من رياض الدروبي، العراقي الجنسية، وجعفر شيخ إدريس من السودان، وعاشور شميس، واستمر إنشاء الكيانات والمنظمات الإخوانية، واحدة تتوالد من السابقة، وهكذا دواليك، ففي عام 1997 أنشأ كمال الهلباوي ما يسمى “الرابطة الإسلامية في بريطانيا (MAB)التي هي الواجهة الرسمية للتنظيم الدولي للإخوان في بريطانيا، وتنخرط تحت رايتها مجموعات ومنظمات إسلامية عديدة، ثم تولى إدارة الرابطة بعد ذلك ” أنس التكريتي ” وذلك حتى عام 2005، ثم تولاها عمر الحمدون. ويترأسها حاليا الصومالى “أحمد شيخ”.

ويبلغ عدد المسلمين في بريطانيا حاليًا 3.5 مليون نسمة، يمثلون 3% من إجمالي السكان، وتكشف الدراسات الديموجرافية أن 68% من مسلمي بريطانيا من أصول آسيوية، وهو ما شجع أبو الأعلى المودودي وتياره إلى تأسيس البعثة الإسلامية في المملكة المتحدة UKIM عام 1962 في حي أزلينغتون، وهي الآن منظمة كبرى تدير 49 فرعًا في بريطانيا، وتتولى توفير التعليم الإسلامي لأبناء الجاليات الآسيوية .

كما أنشأت الخلايا الإخوانية في بريطانيا ما يسمى “المجلس الاستشاري الوطني للمرأة المسلمة في بريطانيا NMWAG ، والمدهش أن بعض هذه المنظمات ظلت تحصل على دعم مالي من الحكومات البريطانية، وهذا ما حدا بالمنظمات الإسلامية والإخوانية لتنظيم مؤتمر التمويل والتجارة في العاصمة البريطانية عامي 2006 و2008 من أجل إغراء الشركات والبنوك في بريطانيا على التعاون معها، باعتبارها جسر التواصل بين هذه المجتمعات والدول العربية والإسلامية، وبين قطاعات المال والأعمال البريطانية. ويطلق البعض على لندن “لندنستان” تعبيرًا عن تحولها إلى مركز عمليات أساسي للجماعات الإسلامية من كل نوع ومن كل حدب وصوب. أما اختراق التنظيم الإخواني لبقية الدول الأوروبية والولايات المتحدة،

وسائل الانتشار والتغلغل في أوروبا وأمريكا (3)

عبدالخالق فاروق

وفي بلجيكا: تعد رابطة مسلمي بلجيكا (LMB)واجهة الإخوان في هذا البلد، إذ يرجع تاريخ تأسيسها إلى عام 1997، بواسطة كل من منصف شاطار، وكريم عزوزي، وتمتلك الرابطة عشرة مساجد، ولها مقرات في عدة مدن، منها بروكسل وأنفير، وجراند، ويدير الرابطة حاليًا كريم شملال.

أما هولندا: فتعد رابطة المجتمع المسلم واجهة الإخوان فيها، وقد أسسها “يحيي بويافا” في مدينة لاهاي عام 1996، وتضم الرابطة عدة منظمات، منها مؤسسة “اليوروب تراست نيذيرلاند” (ETN)، والمعهد الهولندي للعلوم الإنسانية والإغاثة الإسلامية(95).

وفي إيطاليا: يعد اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية (UCOII)، الممثل الرسمي للإخوان المسلمين فيها، إذ يرجع تأسيسه إلى عام 1990، ويترأسه ”محمد نور داشان”، ويضم الاتحاد ما يقرب من 130 جمعية، ويتحكم في نحو 80% من المساجد الموجودة في إيطاليا، ويمتلك الاتحاد ثلاثة فروع، أحدها ثقافي، والآخر خاص بالنساء، والثالث خاص بالشباب، وقد زاد عدد المساجد في إيطاليا من 351 مسجداً عام 2000 إلى 696 مسجداً عام 2006 (96).

وفي سويسرا: تمثل رابطة مسلمي سويسرا( LMS) الإخوان المسلمين هناك، ويرجع الفضل في تأسيسها إلى محمد كرموس عام 1994، ويوسف ندا، وتمتلك الرابطة الكثير من الفروع في جميع أنحاء سويسرا، ويترأسها حاليًا عادل مجري.

أما فرنسا: وهي تعد مركزًا مهمًا للفكر والحركة السياسية الإخوانية في أوروبا، فيوجد بها ما يقرب من 250 جمعية و100 مسجد تابع للإخوان، وقد كان بداية التأسيس المنظم للنشاط الإخواني في فرنسا عام 1963، حينما أنشأ ”حميد الله” الهندي الجنسية، والمرتبط بالإخوان من خلال علاقته بسعيد رمضان، ما يسمى ”اتحاد الطلبة المسلمين في فرنسا” ( AEIF)، ثم قامت الحكومة الفرنسية بالضغط على هذه المنظمات الموزعة توزيعاً قد يضر بالمصالح الأمنية للدولة الفرنسية، من أجل إيجاد إطار جامع تتعامل معه الدولة باعتباره ممثلًا لها، وقد نجحت عام 1983 في إعلان تأسيس ما يسمى اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ( UOIF )، والذى يلعب فيه الإخوان المسلمون دورًا مؤثرًا وأساسيًا من خلال ( أحمد نشأت ) المتزوج من كريمة المرشد السابق لتنظيم الإخوان مصطفي مشهور (97)، ويتولى إدارتها حاليًا رجلان مغربيان يتسمان بالهدوء والتعقل هما الحاج سامى بريز وفؤاد علوى. وإلى جانب هاتين المنظمتين توجد الجمعية الأخوية الجزائرية بفرنسا ((FAF.

انتشار خلايا الإخوان في الولايات المتحدة:

بدأت هجرة المسلمين بمجموعات صغيرة نسبيًا إلى الولايات المتحدة منذ عام 1840، هاربة من بلاد الخلافة العثمانية، وفي عام 1906 أنشأ مسلمو البوسنة في شيكاغو أول جماعة مسلمة منظمة، تحت إشراف الشيخ “كمال أدوفيتش”.

ويتراوح عدد المسلمين في الولايات المتحدة حالياً بين 7 ملايين و10 ملايين، وقد زاد عدد المسلمين المهاجرين خلال السنوات العشر الأخيرة قبل عام 2012، بسبب تزايد واتساع النزاعات في المناطق العربية والإسلامية كالعراق والصومال وغرب إفريقيا، ووسط أوروبا، وأضيف إليها فيما بعد العراق وسوريا وليبيا. وتشير المصادر البحثية المختلفة إلى توزيع عرقي وإثني محدد للمسلمين في الولايات المتحدة على النحو التالى(98):

التوزيع العرقي والإثنى لمعتنقي الدين الإسلامي في الولايات المتحدة حتى عام 2011

المجموعة العرقية / الإثنية عام 2011

1- السود الأمريكيون 64%

2- البيض الأمريكيون 22%

3- من الأسيان واللاتين 12%

4- آخرون 2%

وقد أظهرت دراسة أخرى أن عشر ولايات أمريكية يتركز فيها نحو نصف المسلمين في البلاد، أهمها ولاية كاليفورنيا (مليون مسلم)، تليها نيويورك (800 ألف مسلم)، ثم ولاية إلينوى (420 ألف مسلم)، وهكذا نزولاً في بقية الولايات (99)، ووفقاً لنتائج أكبر دراسة مسحية استغرق إعدادها نحو عامين من عام 2010 حتى نهاية عام 2011 حول المساجد في أمريكا، قام بها مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR)، وأشرف على إعدادها الدكتور إحسان باجبي، الأستاذ بجامعة “شاو” بولاية سوث كارولينا، وقد شارك في رعاية هذه الدراسة ثلاث منظمات مسلمة أمريكية كبرى هي ”الاتحاد الإسلامي لشمال أمريكا (ISNA) و”اتحاد المسلمين الأمريكيين” بقيادة ”إمام وراث الدين محمد”، والحلقة الإسلامية لشمال أمريكا (ICNA)، بالتعاون مع معهد ”هارتفورد لدراسات الأديان”، أعلن عنها في مؤتمر صحفي عقد بمبنى الصحافة الوطني بالعاصمة الأمريكية واشنطن .

1- أن عدد المساجد الإسلامية بالولايات المتحدة تزيد على 2000 مسجد موزعة بين الولايات الرئيسية، حيث يوجد 257 مسجداً في نيويورك، و246 في كاليفورنيا، و166 في تكساس و118 في فلوريدا و109 في إلينوي و109 في نيوجيرسي و99 في بنسلفانيا و77 في ميشيغان و69 في جورجيا و62 في فيرجينيا.

2- كما أن هناك نمواً كبيراً في عدد المترددين على المساجد في أمريكا، ففي المتوسط، يشارك 1625 مسلمًا بالنشاطات الدينية بكل مسجد من مساجد أمريكا بشكل أو بآخر.

3- كما أن نحو 50 % من المساجد يرتادها 500 مسلم أو أكثر، تتراوح تقديرات عدد المسلمين بأمريكا بين 6 و7 ملايين نسمة، وإن كان يبدو أن هذا التقدير متحفظ في ظل نتائج الدراسة التي تشير إلى ارتياد 2 مليون مسلم للمساجد في الولايات الأمريكية.

وقد نشطت خلايا التنظيم الدولى للإخوان المسلمين مبكرًا، خصوصًا في عقدى السبعينات والثمانينات، في الأوساط العربية والإسلامية، مستخدمة ”المساجد” كنقطة ارتكاز في البداية، ثم إنشاء عشرات الجمعيات والمراكز الثقافية والروابط المهنية، مستفيدة من مناخ الحريات العامة ومساحات الحركة الواسعة في الساحة الأمريكية، فبدأت بإنشاء ”اتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا” (NSA ) عام 1963، علي يد مجموعة من الطلاب المنتمين للتيار الدينى، وخصوصًا الإخوان المسلمين، في مواجهة اتحاد الطلبة العرب الذى كان يغلب عليه الطابع القومى واليسارى، ثم تبعتها بإنشاء”اتحاد الأطباء المسلمين‘‘ عام 1967، وبعدها بسنوات قليلة تم إعلان تأسيس ما يسمى”اتحاد المهندسين الإسلاميين” عام 1969، وأعقبها تأسيس ما سمي ”اتحاد العلميين الاجتماعيين المسلمين” عام 1972، وزحفوا بعد ذلك عام 1977 ليعلنوا تأسيس ما أطلق عليه ”رابطة الشباب المسلم العربى”، وأعقبها بسنوات قليلة إعلان ”الاتحاد الإسلامي في أمريكا الشمالية” ISNA)) عام 1982، وضمت تحت مظلتها اتحاد الجاليات الإسلامية، والجمعية الطبية الإسلامية، وهيئة الوقف الإسلامى، ومركز الدعوة الإسلامية، والحلقة الإسلامية لأمريكا الشمالية ( ICNA )، ومركز الدعوة والتعليم الإسلامي، وبقية الهيئات الإسلامية التى أسهمت فيها خلايا وكوادر الإخوان المسلمين سواء من مصر أو من بقية الفروع الإخوانية من البلدان العربية والإسلامية، بالتعاون والتمويل من الأجهزة السعودية والهيئات والجمعيات الدينية السعودية والكويتية وغيرها. كما تولى محمود أبوالسعود تأسيس المجلس الإسلامى الأمريكى ( AMC ) عام 1990، الذي يعد جمعية دعوية تعمل في مجالات الدعوة والتعليم والإعلام والشباب، وتمثل إحدى كبرى المؤسسات التي تتبع الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة، حيث تمتلك 60 فرعًا في 35 ولاية أمريكية (100).

هذا بالإضافة إلى تأسيس الجمعية الإسلامية الأمريكية عام 1993، بواسطة الطبيب المصرى الإخواني”أحمد القاضى” الذى تزوج من كريمة القيادى في التنظيم الدولي محمود أبوالسعود، بتأسيس جمعية المسلمين الأمريكيين ( MAS ) عام 1992 بمدينة شيكاغو، التى انتقل مقرها فيما بعد إلى ولاية فرجينيا، وأصبحت تضم 53 فرعاً محلياً.

وفي عام 1993 جرى تأسيس إطار تنظيمي جديد أطلق عليه ”الجمعية الإسلامية الأمريكية” American Islamic Society كجمعية دعوية تمتلك 60 فرعًا منتشرة في 35 ولاية أمريكية، بالإضافة إلى إنشاء عدد كبير من المنظمات الإسلامية للدفاع عن حقوق الإنسان، خصوصًا حقوق المسلمين في الولايات المتحدة، وكان من أبرزها مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية ( CAIR ) برئاسة الدكتور نهاد معوض، وبمساعدة ودعم من المملكة السعودية تارة ومن ليبيا القذافي تارة أخرى، وازداد دورها وتأثيرها وسط المسلمين في أمريكا، بعد الهجوم الإرهابي الذى تعرضت له الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وتداعياته التى كانت أهمها زيادة التحرش والتعرض للمسلمين الموجودين في الولايات المتحدة عمومًا، والعرب منهم خصوصا(101).

وتقوم هذه المراكز بإصدار عشرات النشرات والكتب، التي تتناول وتروج لرؤية تنظيم الإخوان المسلمين للإسلام، وتقدمها باعتبارها الرؤية الوسطية المعتدلة للإسلام، في مواجهة التفسير المتطرف لتنظيم القاعدة وأشباهه من التيارات الإسلامية المتطرفة، وهو ما أثبتت بعض التحقيقات التي أجرتها الأجهزة والسلطات الأمريكية بعد أحداث 11/9/2001، وجود صلات تمويلية لها
وسائل التغلغل والانتشار في بلاد المهجر(4)

نجحت الروابط المهنية والثقافية والاجتماعية التي أقامها تنظيم الإخوان المسلمين في بلاد المهجر في إقامة شبكة تحالفات، سواء مع الجمعيات الوهابية أو غيرها من ناحية، وفي اختراق قطاعات مؤثرة من النخب والمراكز البحثية والاستراتيجية الأمريكية، حيث كان إبراهيم الزيات، أمين التنظيم الدولي للإخوان ضيفًا دائمًا على موائد النقاش في كثير من هذه المراكز، وكذلك غيره من الشخصيات “المهنية” الإخوانية.

كما أعطي دور الإخوان المسلمين فيما سمي بـ”الجهاد الأفغاني” صورة مقبولة لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، والغربية عمومًا، حول تنظيم الإخوان وخدماته للسياسة الأمريكية والغربية في إطار الحرب الباردة.

وإذا ذهبنا أكثر في تحديد مجال العمل الحيوي لجماعة الإخوان المسلمين في دول المهجر الأوروبي أو الأمريكي، سواء في مجاله السياسي أو المالي أو الدعوي، فسوف نجد المحددات التالية:

1- أن كوادر وأعضاء وقيادات الجماعة سوف يتحركون في الأوساط السنية وحدها دون مساجد وأوساط الشيعة.

2- وأنهم سوف يتحركون بحرية أكبر بين المترددين على المساجد التي تسيطر على ها الجماعة دون غيرها، وبعيدًا بالقطع عن المسلمين العلمانيين والليبراليين وغيرهم من التيارات الفكرية.

3- وأنهم سوف يتحركون في قطاعات مهنية تحت يافطة إسلامية لكسب التأييد والأنصار والأعضاء الجدد.

4- وأنهم في إطار التنظيم الدولي للجماعة، سوف يتعاونون خططيًّا وعمليًّا مع أعضاء وقيادات الفروع الأخرى لتنظيم الإخوان الموجودين في المهجر، خصوصا السوريين واليمنيين والسعوديين ومن الشمال الإفريقي.

5- وأن هناك قضايا ونزاعات دولية سوف تدفع هؤلاء للتعاون والتنسيق المالي والميداني مثل محاربة السوفييت في أفغانستان، أو مناصرة ما يسمى بالمجاهدين في الصومال، أو البوسنة والهرسك، أو غيرها من مناطق النزاعات، وفي حركة الإغاثة الدولية التي سوف تمثل غطاءً واسعاً للتحركات المالية المشروعة وغير المشروعة.

وهنا تأتي أهمية حصر ومعرفة مراكز عمليات هذه الجماعة من زاويتين:

الأولى: المساجد.

الثانية: المراكز والروابط المهنية والثقافية الإسلامية.

هذه الروافد تمثل الفضاء الحيوي الذي تتحرك وتتنفس من خلاله هذه الخلايا سواء في مصر أو في بلاد المهجر، وتمكنها من الحصول على الدعم المالي، والمساندة السياسية والاجتماعية، ومن خلالها يتم اختراق المؤسسات السياسية في هذه البلاد.

أولا: المساجد الإسلامية في أوروبا وأمريكا كمراكز للعمليات السياسية:

الدارس المدقق في نشاط تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، والحركات الدينية الإسلامية ذات النشاط السياسي (كتنظيم القاعدة أو الجماعة الإسلامية في مصر وغيرها) سوف يكتشف مقدار العلاقة الحميمة والمنحنى الطردي بين زيادة عدد المساجد التي يشرف عليها أئمة تابعون لهذا التنظيم أو ذاك، ودرجة نمو وتوسع نشاطها التنظيمي والسياسي والاجتماعي.

وتشير معظم الدراسات الغربية والأمريكية إلى حقيقة مؤكدة، ألا وهي أن حركة بناء وإقامة المساجد في هذه الدول قد تضاعف بسرعة كبيرة خلال العقدين الماضيين، بما يتناسب مع نمو نشاط هذه الجماعات الإسلامية من ناحية، وزيادة عدد المهاجرين والمبعوثين المسلمين إلى هذه البلاد من ناحية أخرى.

ففي الولايات المتحدة زاد عدد المساجد الإسلامية من 962 مسجدًا عام 1994 إلى 1209 مساجد عام 2000، ثم إلى 2106 مساجد عام 2011، بنسبة زيادة 74% خلال السنوات العشر الأخيرة وحدها(102).

وقد تبين الحقائق التالية:

1- أن 76% من هذه المساجد قد تأسست بداية من عام 1980، ومعظمها تركز في المدن الرئيسية التي أشرنا إليها من قبل، أما المساجد الموجودة بالضواحي فلم تزد على 16% عام 2000، وزادت إلى 28% عام 2011 (103).

2- كما تبين أن عدد من تردد على المساجد الإسلامية في الولايات كلها عام 2000 أثناء صلاة العيد (وهي ذروة التردد على المساجد لدى المسلمين) قد بلغ 2.6 مليون مسلم من جميع الأعراق والإثنيات والمذاهب (104).

3-وأظهرت نفس الدراسة المسحية أن متوسط الحاضرين لصلاة الجمعة بالمساجد كان يتراوح بين 292 مصلياً عام 2000 و353 مصلياً عام 2011 (105). بينما في التقرير الثاني من هذه الدراسة المهمة يشير إلى أن متوسط الدخل الرسمي المعلن للمسجد يتراوح بين 70 ألف دولار و150 ألف دولار سنويا(106).

4-كما تبين أن 66% من أئمة المساجد الإسلامية هناك قد ولدوا خارج الولايات المتحدة، وأن 47% قد حضروا من خارج البلاد منذ عام 2000 (107)، وأن 70% من هؤلاء الأئمة يستخدمون اللغة الإنجليزية في الخطابة، بينما الـ30% الآخرون يستخدمون لغات أخرى (108). كما أظهر المسح أن 77% من هذه المساجد تقيم ورش عمل للمصلين ولبرامج تعليمية(109).

5-أما المدارس التعليمية الإسلامية طوال الوقت Full Timeفقد زادت نسبة الأطفال المسلمين المنخرطين فيها من سن 12 عامًا، من 13% عام 2000 إلى 32% عام 2011، وبالمثل في السنوات من 8 إلى 9 سنوات، من 6% عام 2000 إلى 31% عام 2011 (110).

6-كما أظهر المسح أن 77% من المساجد الإسلامية تقيم ورش عمل للمصلين- أي محاضرات دينية وتعليمية.

ويعترف الدكتور نهاد عوض، رئيس أهم الروابط الإسلامية في الولايات المتحدة بأن (جزءًا كبيرًا من قوة المسلمين في أمريكا تكمن في مساجدهم، فالمساجد في أمريكا هي مراكز للعبادة وساحات لتعبئة المسلمين سياسياً واجتماعياً (111).

صحيح أن كثيرًا من هذه المساجد ليست تابعة لتنظيم الإخوان المسلمين، بل إن دخول دول النفط العربية كالمملكة السعودية ومشايخها من المذهب الوهابي المتشدد، والكويت والإمارات العربية، قد لعب دورًا كبيرًا في بناء عشرات المساجد في الولايات المتحدة، وفي كثير من الدول الأوروبية، ولكننا من واقع المتابعة المباشرة، وحصر المؤسسات والجمعيات والمراكز التي تخضع بشكل أو بآخر لتنظيم الإخوان المسلمين، سواء كانوا مصريين أو عربًا في هذه البلاد، يجعلنا نقدر هذه المساجد بنسبة 20% فقط في الولايات المتحدة (أي نحو 420 مسجداً)، فإذا حسبنا متوسط عدد المترددين عليها (292 مصلياً عام 2000 إلى 353 مصليا عام 2011)، نستطيع أن نقدر أعضاء وأنصار الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة بنحو 147 ألف مسلم فقط، من بين نحو خمسة ملايين أو سبعة ملايين مسلم يقيمون في هذه البلاد.

وقد حظيت المساجد الإسلامية باهتمام الأجهزة الأمنية الأمريكية والأوروبية بعد أحداث الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، للتعرف على دورها في تمويل ودعم الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة أو غيرها من التنظيمات (كتنظيم لاشكر طيبة الباكستاني)، وأصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، الأمر التنفيذي رقم (13224)، الذي بدأت بمقتضاه عملية تحقيق وتقصٍّ وملاحقة واسعة النطاق للأموال والأصول ذات الصلة بالإرهاب (112).

عموماً سوف نعود لتناول هذا الموضوع تفصيلياً في جزء آخر من دراستنا تلك، ولكن ما تشير إليه معظم الدراسات هو الدور المحوري الذي يلعبه المسجد ليس فقط للدعوة الدينية، وإنما هذا هو الأهم والأخطر كوسيلة للتعبئة وجمع الأموال لأنشطة متعددة الأغراض.

أما بالنسبة للدول الأوروبية، فلم نعثر على مرجع شامل كتلك التي قامت بها المراكز البحثية الأمريكية ومؤسسة (كير) للعلاقات الأمريكية الإسلامية، حول حصر المساجد الإسلامية وتوزيعاتها المختلفة، وغالباً سوف نعثر على بيانات جزئية.

1- ففي ألمانيا الموحدة أمكن حصر بيانات 48 مسجداً في عام 2011 موزعة بين مختلف المدن الألمانية، تشرف على الكثير منها خلايا تابعة لتنظيم الإخوان المسلمين الدولي، أبرزها مسجدا “ميونيخ” و”إيخن” (113).

2- أما في بريطانيا التي ظلت الداعم الخفي لجماعة الإخوان المسلمين وللتيارات الإسلامية عموماً في دول المستعمرات البريطانية السابقة (بدءًا من الباكستان انتهاء بالسودان ومصر)، فقد تبين عام 2002 وجود 329 مسجدًا، منها نحو 50 مسجدًا في مدينة برمنجهام وحدها (114)، وقد تضاعف هذا العدد خلال السنوات العشر الأخيرة فتجاوز العدد عام 2011 نحو 1400 مسجدًا في كل المدن والمقاطعات البريطانية واسكتلندا.

3- وفي فرنسا التي يوجد بها نحو 5 ملايين مسلم فقد بلغ عدد المساجد التي يسيطر عليها الإخوان أو بعض حلفائهم من الجماعات الإسلامية الأخرى، التي أمكن حصرها عام 2008 نحو 262 مسجدًا.

وعموماً، فإن المساجد الإسلامية في بقية الدول الأوروبية – خصوصاً في غرب أوروبا- تزيد على ثلاثة آلاف مسجد، منها نحو 1200 مسجد يشرف عليها الأتراك بمختلف تياراتهم وجمعياتهم الدينية.

الثانية: المراكز الإسلامية الثقافية والتعليمية والروابط المهنية.

إذا كانت المساجد هي العمود الفقري للنشاط الاجتماعي والدعوي لجماعة الإخوان المسلمين، سواء في أوروبا أو في غيرها من بلدان العالم، فإن المراكز اٍسلامية الثقافية والتعليمية والروابط المهنية، هي شرايين الحياة والاستمرار لهذه الجماعة وخلاياها المنتشرة في بلاد المهجر. ذلك أنه عبر هذه المراكز والروابط المهنية (روابط أطباء- روابط مهندسين.. الخ) تقوم هذه الخلايا باختراق هذه المجتمعات الأوروبية والأمريكية، ومن خلالها تنجح في الاقتراب أكثر فأكثر من الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية، ومراكز التفكير والبحوث Think Tanks، وعقد الندوات والمؤتمرات، وتنظيم الأعمال والأنشطة المشتركة، ومن خلفها تستطيع خلايا التنظيم وكوادره التخفي من مراقبة الأجهزة الأمنية والاستخبارية، أو التعامل والتعاون مع هذه الأجهزة فيما يمثل مجالًا للتعاون، مثلما حدث في الحرب ضد الاتحاد السوفييتي في إفغانستان، كما سوف نعرض بعد قليل.

وهي قبل ذلك وبعده وسيلة للذوبان في الإطار الأوسع والمجتمع الأوسع، حيث تضم فئات متعددة وأحياناً جنسيات مختلفة ومجموعات إثنية تجمعها رابطة الإسلام بالمعني الواسع للكلمة، على عكس المسجد الذي غالباً ما يضفي أئمته وخطابهم الديني أو السياسي طابعاً محدداً يسهل اكتشافه من السامعين، فإما يقبلون به أو ينفرون منه ويبتعدون عنه.

*************

وخلاصة القول إنه إذا كانت خلايا تنظيم الإخوان المسلمين قد نشطت في ألمانيا، منذ البداية باعتبارها مركز العمليات الرئيسي لكل أوروبا، فقد نجح سعيد رمضان منذ أواخر الخمسينات، وتحديدًا منذ عام 1959 في خلق شبكة من الأعوان والإخوان المساعدين بدءًا بمراقب الإخوان المسلمين السوريين عصام العطار الذي نشط في مدينة (إيخن)، وإبراهيم الزيات وأحمد خليفة، والسوري غالب همت، والباكستاني فاضل يزداني والتركي حسان أردوغان، وبمعاونة ابنيه (هاني وطارق)، في تأسيس العديد من هذه المراكز والروابط المهنية، بالتعاون مع بعض رموز العائلة المالكة السعودية مثل الأمير عبدالله التركي، حيث جري تأسيس 19 منظمة إسلامية، منها 9 منظمات تابعة مباشرة لجماعة الإخوان المسلمين (115)، وأصبحت هذه المراكز تغطي 30 مدينة في ألمانيا، بمظلة يوفرها المركز الإسلامي في ميونيخ، الذي أنشئ عام 1960 بدعم ومساندة سعودية، وخصوصاً من الأمير ” فهد بن عبدالعزيز” وزير الداخلية السعودي الذي منح هذا المركز 80 ألف مارك ألماني في عام 1967 (116).

كما قام سعيد رمضان بتأسيس المركز الإسلامي في جنيف بسويسرا، وترك قيادته بعد فترة لابنه (هاني)، ثم امتد النشاط من ألمانيا إلى بقية الدول الأوروبية، وتحت ستار النشاط الدعوي نجح التنظيم الدولي للإخوان في تأسيس أكثر من 500 مؤسسة وجمعية ورابطة في 28 بلدًا أوروبياً (117)، اتخذ معظمها من عاصمة حلف “الناتو” بروكسل مقرًا رئيسيًا، مثل (اتحاد المنظمات الإسلامية) Federation Of Islamic Organization In Europe ( F.I.O.E) ويشرف عليها السوري المتجنس بالجنسية السويدية “شكيب بن مخلوف”، و(اتحاد منظمات الشباب الإسلامي في أوروبا) World Assembly Of Muslim Youth (W.A.M.Y ) (118).

وفي ضوء الخبرة المميزة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين في أوروبا والولايات المتحدة، قامت المملكة السعودية بتأسيس “رابطة العالم الإسلامي”Muslim World League ( M.W.L ) كذراع سياسية ودعوية للمملكة والحركة الوهابية في العالم الخارجي.

وعاماً بعد آخر، ومع السماح الغربي لحركة الإخوان المسلمين بالحركة في أوروبا والولايات المتحدة، بسبب من دعمهم الفعال لحربهم ضد السوفييت في أفغانستان (119)، ومع التحول الذي جرى في المنطقة لصالح تنظيم الإخوان سواء في عهد الرئيس المصري أنور السادات أو حتى حسني مبارك، وفقاً لما يؤكده المراقبون والمحللون الغربيون أنفسهم (120)، امتلك التنظيم قدرة واسعة على التحرك متخفيًا وسط يافطات اجتماعية مقبولة وخصوصاً خلال الفترة من عام 1984 حتي عام 1987، حينما تولى قيادة النشاط في ألمانيا عضو مكتب الإرشاد مهدي عاكف، الذي سيترك دوره كإمام لمسجد ميونيخ ليعود إلى القاهرة كمرشد جديد بعد وفاة المرشد مأمون الهضيبي.

ولعل الشخص المحوري في نشاط المهجر في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا هو “إبراهيم الزيات “، الذي كان والده فاروق الزيات إماماً لمسجد (هامبورج) في ألمانيا في مطلع الستينات، حيث نجح بالتعاون مع فروع التنظيم الدولي للإخوان في أوروبا، وخصوصاً منظمة الرؤية الوطنية التركية Milli Gorus عام 1996 من تنظيم أكبر مؤتمر لمنظمات الشباب الإسلامي في أوروبا، ضم نحو 35 فرعاً من 11 دولة، في مدينة ليشيستر Leicester وإعلان تأسيس ما يسمي “منتدى المنظمات الأوروبية للشباب والدارسين المسلمينF.E.M.Y.S.O) ) ومقرها بروكسل ببلجيكا، وتوسعت لتصبح عام 2003، تضم نحو 42 منظمة شبابية وطنية لشباب 26 دولة، وهي المنظمة التي تتحرك حالياً ضد مصر ولمساندة تنظيم الإخوان المسلمين بعد عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي في الثالث من يوليو عام 2013.

وعبر علاقات المصاهرة يتم توثيق العلاقات التنظيمية بين قيادات التنظيم الإخواني الدولي، فعلى سبيل المثال، تزوج يوسف ندا من كريمة الرئيس السوري الأسبق (أديب الشيشكلي) ذي الصلة الوثيقة بأجهزة الاستخبارات البريطانية، بينما تزوج نجل مراقب الإخوان المسلمين في سوريا عصام العطار من كريمة يوسف ندا، كما تزوج إبراهيم الزيات، القيادي المؤثر في التنظيم الدولي والشخصية المحورية الأخطر في هذا التنظيم، من السيدة صبيحة أربكان شقيقة أحد قادة الإخوان المسلمين الأتراك السيد صبري أربكان (121).

ومن المنظمات التابعة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين منظمة الرؤية الوطنية التركية Milli Gorus التي تضم في عضويتها نحو 30 ألفًا من العمالة التركية في ألمانيا وأوروبا عموماً، وهذا التنظيم برغم ادعائه أنه يعمل للدفاع عن مصالح المهاجرين الأتراك في المجتمع الديمقراطي الألماني، إلا أنه ووفقاً لبعض المراقبين الغربيين، يعتبر صاحب أجندة أخرى، يعادي فيها قيم المجتمع الغربي، لذا يصنفها جهاز الاستخبارات الألماني باعتبارها منظمة متطرفة، برغم تعاونها مع منظمة الإخوان المسلمين الرئيسية في ألمانيا، وهي (I.G.D)(122)، ويمثل تعاون هاتين المنظمتين لوبي قويًا للتأثير السياسي وتقديم الخدمات الاجتماعية للمسلمين في ألمانيا، كما يمتلكان ميزانيات مالية هائلة.

أما Nathan Brown الباحث المتخصص في شئون الجماعات الإسلامية، فيشير إلى نجاح الإخوان المسلمين في أوروبا في تأسيس “المنتدى الدولي للبرلمانيين الإسلاميين”، الذي يعمل وراء الجماعة لمساندتها في المواقف المختلفة (123).

وترتب على الانتشار التنظيمي للجماعة، سواء في كثير من الدول العربية، أو بعض الدول الأوروبية، أن يوضع نظام مالي ولائحي لهذا التنظيم الأممي ذي الطبيعة العنصرية، وللمرة الأولى يقوم الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر “إخوان أون لاين” بنشر “النظام العام للجماعة”، متضمنًا ديباجة موقعة من المرشد الأسبق “محمد حامد أبوالنصر”، توضح أنه تم اعتماد اللائحة المؤقتة للتنظيم عام 1978، وبناءً على هذه اللائحة انعقد مجلس الشورى العالمي يوم 29 يوليو 1982، حيث أقر النظام العام للجماعة، وتمثل اللائحة الرسمية للتنظيم العالمي، وتكتسب صفة الإلزامية لجميع الأقطار (124).

وفي 28 مارس 1994، أقر مجلس الشورى العالمي- عقب دراسة المقترحات التي قدمها أعضاء الجماعة- التعديلات الجديدة وأصبح النظام العام للجماعة، يضم 54 مادة، مقسمة على ستة أبواب، يضم الباب الأول اسم الجماعة ومقرها “تعد القاهرة المقر الرئيسي للإخوان”.

بينما يشمل الباب الثاني، الأهداف والوسائل، فجماعة الإخوان المسلمين “هيئة إسلامية جامعة، تعمل لإقامة دين الله في الأرض، وتحقيق الأغراض التي جاء من أجلها الإسلام الحنيف”، وتعتمد الجماعة على عدة وسائل لتحقيق هذه الأهداف من خلال الدعوة، التربية، التوجيه، العمل، إعداد الأمة، بينما شمل الباب الثالث “الأعضاء وشروط العضوية”.

ويضم الباب الرابع الهيئات الإدارية الرئيسية للإخوان المسلمين، وهي ثلاث هيئات، الأولى المرشد العام الذي يعد المسئول الأول للجماعة، ويرأس مكتب الإرشاد ومجلس الشورى العام، والهيئة الثانية ممثلة في مكتب الإرشاد العام، القيادة التنفيذية العليا للإخوان المسلمين، والمشرف على سير الدعوة والموجه لسياستها وإدارته، وتتمثل الهيئة الثالثة في مجلس الشورى العام، الذي يعد السلطة التشريعية لجماعة الإخوان المسلمين وقراراته ملزمة.

أما الباب الخامس، فيشمل، “شروط عضوية القطر في التنظيم العالمي”، في حين يتناول الباب السادس والأخير “تنظيم العلاقة بين القيادة العامة وقيادات الأقطار”، ولعل أهم ما تضمنه هذا الباب هو أن لكل قطر الحق في أن يضع لائحته التي تنظم أوجه نشاطه وتتفق مع ظروفه، شريطة ألا تتعارض مع النظام العام للجماعة، ومع وجوب اعتمادها من مكتب الإرشاد العام قبل تنفيذها، كما يقدم كل مراقب عام تقريرًا سنويًا عن سير الدعوة ونشاط الجماعة، والاقتراحات التي يراها كفيلة بتحقيق المصلحة في إقليمه إلى مكتب الإرشاد العام قبل انعقاد الاجتماع الدوري لمجلس الشورى العام.

ويتألف مجلس الشورى العام للتنظيم الدولي من ثلاثين عضوًا على الأقل، يمثلون التنظيمات الإخوانية المعتمدة في مختلف الأقطار.ويعقد جلساته مرة كل عام، في أي مدينة يتيسر اجتماعه فيها من مدن العالم العربي والإسلامي، ومن أكثر الأماكن التي اجتمع فيها مكة أو المدينة تحت مظلة العمرة، كما سبق عقد اجتماعاته في تركيا، وبيروت، وعمان.

ومن أهم القيادات الإخوانية التي لعبت دورًا بارزًا ورئيسًا لتأسيس التنظيم الدولي للجماعة، المرشد الخامس للجماعة “مصطفى مشهور”، الذي يعد الأب الروحي للتنظيم الدولي للجماعة، حيث عمل على توسيع شبكة الإخوان خارج مصر، لتضم التنظيمات الإخوانية المعتمدة في العالم العربي والإسلامي وخارجه، بل امتدت تلك العلاقات لتشمل تنظيمات إسلامية أخرى لا تخضع تنظيميًا لقيادة الجماعة، وإنما كانت متوافقة معها في المنهج كالجماعة الإسلامية في باكستان والحزب الإسلامي في ماليزيا، كما عمل بمشاركة عدد من القيادات مثل كمال السنانيري وأحمد الملط على جمع خيوط كل التنظيمات الإخوانية المنتشرة في العالم لاسيما العالم العربي وساعدهم في ذلك الاجتماعات التي كانت توفرها مواسم الحج، وتحت رعاية أجهزة الاستخبارات السعودية.

وخلال فترة التسعينات، شهد التنظيم الدولي للإخوان خلافًا سياسيًا وفقهيًا بين أعضائه، حول أسلوب التعامل تجاه الغزو العراقي للكويت، الأمر الذي أدى إلى انشقاق إخوان الكويت عن التنظيم.وعقب أحداث 11 سبتمبر 2001، فرضت الولايات المتحدة حالة من التضييق والملاحقات الأمنية العالمية فيما عرف بالحرب على الإرهاب ضد الجماعات الإسلامية، طالت عددًا من رموز الإخوان في الخارج، ومن أبرزهم يوسف ندا وغالب همت وغيرهما.

وقد بدأت مراكز الأبحاث والباحثون الأوروبيون والأمريكيون وأجهزة الاستخبارات فيها، الاهتمام بتتبع ودراسة هذه الظاهرة التي وصفها أحد الدارسين الأوروبيين بأنه بمثابة غزو الإخوان المسلمين لأوروبا (125).

أما كيف أدار هذا التنظيم الإخواني في الخارج وفي الداخل موارده المالية الضخمة؟ وما هي حجمها؟

ومن أبرز هذه الروافد والمصادر المالية الآتي:

1- اشتراكات الأعضاء .

2- التبرعات من الأفراد والمؤسسات والشركات لصالح التنظيم وجمعياته الخيرية.

3- أموال الزكاة والصدقات والتبرعات من الأغنياء أو كبار رجال المال والأعمال والملاك.

4- معونات ومساعدات من جمعيات شقيقة في بعض دول الخليج العربي، ومن جمعيات دولية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

5- أرباح المشروعات الداخلية في مصر (مجالات التجارة والصيرفة والمدارس والمستوصفات وغيرها).

6- أرباح المشروعات في الخارج (التجارة والمصارف وسوق الأوراق المالية وغيرها).

7- مساعدات من بعض أجهزة الاستخبارات العربية والأجنبية .

ثم دخل على الخط منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي عنصران إضافيان ذوا طبيعة دولية، وهما:

8- تدفقات أموال حركة ما يسمى الإغاثة الدولية التي سيطر عليها تنظيم الإخوان المسلمين وفروعه في كل دول العالم.

9- تدفقات وتمويل ما يسمى حركة “الجهاد الأفغاني”.

وسوف نكشف من جانب آخر أن دعائم هذا النشاط الاقتصادي لتنظيم الإخوان المسلمين يقوم على عدة ركائز هي:

الأول: المساجد باعتبارها بؤرة التجمع وجمع الزكاة والتبرعات والصدقات.

الثاني: الأنشطة الاقتصادية المملوكة للجماعة وأفرادها.

الثالث: حركة الإغاثة الدولية.

الرابع: الجمعيات الخيرية والمستوصفات الملحقة بها.

الخامس: الحركة المالية المتدفقة خدمة لما يسمى “الجهاد الأفغاني”، ثم استمر في بقية الساحات مثل الصومال والبوسنة والهرسك والشيشان وشمال غرب الصين والفلبين وغيرها.

الخلاصة والاستنتاج بالنسبة لمصادر إيرادات الجماعة :

بتأمل الصورة الإجمالية ونتائج تحليلنا في هذا الفصل، يمكننا استخلاص حقائق مؤكدة على النحو التالي:

1- قيمة الاشتراكات المجمعة من أعضاء التنظيم من داخل مصر ومن خارجها وفقاً للسيناريوهات الثلاثة هي:

– السيناريو الأول: (المنخفض) يعادل 43.5 مليون جنيه سنوياً.

– السيناريو الثاني: (المتوسط) يعادل نحو 150.0 مليون جنيه.

– السيناريو الثالث: (المرتفع) يعادل نحو 187.5 مليون جنيه .

أي أن المتوسط العام = (43.5+150+187.5)÷ 3 = 127.0 مليون جنيه …….(1)

2- قيمة التبرعات المجمعة من أعضاء التنظيم وأنصاره تتراوح بين:

– السيناريو الأول: (المنخفض) يعادل نحو 70.1 مليون جنيه سنوياً.

– السيناريو الثانى :(المتوسط) يعادل نحو 166.3 مليون جنيه سنوياً.

– السيناريو الثالث (المرتفع) يعادل نحو 603.8 مليون جنيه سنوياً.

أي بمتوسط عام = (70.1+166.3+603.8) ÷ 3 = 280.0 مليون جنيه سنوياً…(2)

وبإضافة تبرعات الشركات ورجال الأعمال الإخوان تصل القيمة إلى 500 مليون جنيه…(3)

3- حصيلة الزكاة المجمعة من أعضاء التنظيم والمتعاطفين معه تتوزع كالتالي:

– الحصيلة من أعضاء التنظيم داخل مصر = 188.1 مليون جنيه سنوياً.

– الحصيلة من أعضاء التنظيم في المهجر العربي = 125.0 مليون جنيه سنوياً.

الحصيلة من أعضاء ومتعاطفين في أوروبا وأمريكا =790 مليون دولار …………………..

وهذا يعادل 4740 مليون جنيه في حال سعر صرف 6 جنيهات للدولار الواحد، أو 5530 مليون جنيه (في حال سعر الصرف 7 جنيهات للدولار الواحد).

وبالتالي فإن مجموع حصيلة الزكاة من أعضاء التنظيم والمتعاطفين معه عام 2012 يقدر:

(188.1 + 125.0 + 4740) =5053.1 مليون جنيه مصري.

أو (188.1 + 125.0 + 5530) = 5843.1 مليون جنيه مصري.

أي بمتوسط 5448.1 مليون جنيه …………………………………………………..(4)

4- حصيلة الأرباح السنوية لمشروعات وشركات التنظيم داخل مصر:

حصيلة أرباح مشروعات التنظيم داخل مصر = 1000.0 مليون جنيه سنوياً…………(5)

5- حصة التنظيم من أرباح مشروعاته خارج مصر

بمتوسط عام =2100.0………………………………….(6)

6- أموال الإغاثة الإسلامية: تدور هذه الحصيلة التي تمول برامج رعاية متعددة الأغراض بين 100 مليون و130 مليون جنيه إسترلينى، أى نحو 1000.0 مليون جنيه مصرى إلى 1300 مليون جنيه مصري سنوياً……………..(7)

قد يتحقق من ورائه وفر مالي يضاف إلى خزائن ومشروعات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

7- أموال ما يسمي “الجهاد الأفغاني”: كان الحجم التقديري للأموال التي تمر عبر تنظيم الإخوان المسلمين خلال فترة الحرب الأفغانية (1980- 1990) تتراوح بين 50.0 مليون دولار و100 مليون دولار سنوياً، كانت تنفق على نشاطه سواء داخل الساحة الأفغانية أو خارجها، وقد يكون تحقق فائض مالي أضيف إلى خزائن ومشروعات هذا التنظيم، لذا لا يمكن اعتبارها إيراداً متدفقاً Flow، أو دخلاً منتظماً وإيراداً سنوياً.

على أية حال، لقد تبين لنا من نتائج هذا العرض أن حصيلة الإيرادات المجمعة سنوياً لتنظيم الإخوان المسلمين في مصر (الفرع المصري) لا تقل عن 8292 مليون جنيه، موزعة على النحو التالي:

الحصيلة المجمعة للإيرادات السنوية لتنظيم الإخوان المسلمين في مصر عام 2012

مصدر الإيراد، الحصيلة السنوية المقدرة (بالمليون جنيه)، ملاحظات

الاشتراكات141.5 جرى استبعاد حصيلة ما يسمى الجهاد الأفغاني

متوسط حصيلة التبرعات من الداخل والخارج 390.0

متوسط حصيلة الزكاة في الداخل والخارج من 2563 إلى 2938

حصيلة أرباح مشروعات داخل مصر 1500

حصته من أرباح المشروعات خارج مصر 2100.0

إجمالي الحصيلة السنوية لإيرادات التنظيم نحو 6694.5 إلى 7069.5

المصدر: عبدالخالق فاروق.

فأين ينفق التنظيم أمواله؟ هذا ما سوف نتناوله في الأسبوع القادم

عن admin

شاهد أيضاً

غُل وأغلال وغلال : لَقَّموة الهزيمة وهضموا حقوقة وقالوا لة هذه سنة الحياة يا عربي؟!

د.شكري الهزَّيل   بادئ ذي بدء لا بد من القول ان  الكثيرون في العالم العربي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *