الرئيسية / حوارات ناصرية / جمال عبدالناصر.. حالة سياسية وقومية فريدة في التاريخ العربي

جمال عبدالناصر.. حالة سياسية وقومية فريدة في التاريخ العربي

 


القاهرة – من أورينت برس

مر 47 عامًا على رحيل القائد العربي والزعيم المصري جمال عبدالناصر، لكن العالم لا يزال يحتفل حتى يومنا هذا بذكرى ميلاده، لما تركه من أثر كبير على الساحة السياسية والاجتماعية والإنسانية عموما.

شكل الزعيم جمال عبدالناصر حالة رئاسية من الصعب جدًا أن تتكرر، فلم يحدث تغييرات جذرية في مصر فحسب، بل لعب دورا عربيا وعالميا يشهد له.

اليوم، يحتفي العالم بالذكرى المئوية لميلاد رجل غير مجرى الأحداث والتاريخ في مصر والأمة العربية وفي العديد من دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

فالتجربة الناصرية التي امتدت من 23 تموز/يوليو 1952 حينما حدثت الثورة المصرية بقيادة جمال عبدالناصر، إلى 28 أيلول/سبتمبر 1970 حينما وافته المنية، كانت نبراسًا اهتدت به ثورات مختلفة، وقاعدة دعم لحركات وطنية في عدد من الدول.

«أورينت برس» أعدت التقرير التالي:

لم يكن جمال عبدالناصر، الرئيس الثاني لمصر فحسب، بل قائدا عربيا وقوميا تمكن من التأثير على دول برمتها وترك إنجازات في حقول كافة. منطلقا من ثورة يوليو، أرسى عبدالناصر دعائم فكره الذي انتشر خارج حدود مصر، وجعل من مصر دولة طليعية في العالم العربي.

على الصعيد الداخلي، أحدثت التجربة الناصرية تغييرات جذرية في المجتمع المصري ونظامه السياسي والاقتصادي والعلاقات الاجتماعية بين أبنائه، وكانت أيضا ثورة استقلال وطني ضد الاحتلال البريطاني لمصر الذي امتد لعقود طويلة.

أما على الصعيد الخارجي، فقد لعب الرئيس المصري جمال عبدالناصر أدوارا مختلفة، لعل أبرزها الدعوة والعمل لتحرر وتوحد البلاد العربية، وبناء سياسة عدم الانحياز ورفض الأحلاف الدولية في زمن صراعات الدول الكبرى وقمة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، فضلا عن التأثير على دول عدة وتشجيعها على إطلاق ثورات غيرت مسار تاريخها.

إنجازات مختلفة

اتسعت دائرة إنجازات التجربة الناصرية لتتخطى أداة التغيير العسكرية التي بدأت بها التجربة، أي مجموعة «الضباط الأحرار» في الجيش المصري. إن الأهداف التي عملت من أجلها طوال عقدين من الزمن تقريبا، أي إلى حين وفاة الزعيم جمال عبدالناصر عام 1970، اتسعت وباتت أشمل من «المبادئ الستة» التي أعلنها «الضباط الأحرار» عام 1952 عند انطلاق الثورة. وهكذا، بقيت الثورة تتسع وتتكرس إلى أن أصبحت محطة تاريخية بارزة، ما قبلها لا يشبه ما بعدها.

في البداية، كانت مبادئ الثورة مصرية بحتة وتتعامل مع القضاء على الاستعمار البريطاني لمصر وتحكّم الإقطاع والاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم في مصر، وتدعو إلى إقامة عدالة اجتماعية وبناء جيش مصري قوي وحياة ديمقراطية سليمة. كما شكل التحدي الصهيوني المتمثل بوجود دولة إسرائيل، والمدعوم والمستخدم من قبل الغرب، أبرز ما واجهته ثورة يوليو من قوة إعاقة حاولت عرقلة دورها الخارجي وإنجازاتها الداخلية.

لكن هذه المبادئ الستة باتت أكثر بكثير مع سعة تأثير القيادة الناصرية وشمولية حركتها وأهدافها لعموم المنطقة العربية ودول العالم الثالث، وهو ما يفسر عظمة الإنجازات، وكيف أن الثورة كانت تيارا شعبيا خلف قائد ثوري مخلص، حققت الكثير داخل مصر وخارجها وكانت أكبر من حجم السلبيات والانتكاسات.

يلخص مراقبون التجربة الناصرية بأهداف عدة، لعل أبرزها: الدعوة إلى الحرية، بمفهومها الشامل لحرية الوطن ولحرية المواطن، وبأن المواطنة الحرة لا تتحقق في بلد مستعبد أو محتل أو مسيطر عليه من الخارج. كذلك، فإن التحرر من الاحتلال لا يكفي دون ضمانات الحرية للمواطن.

ضرورة تحقيق التغيير السياسي: الذي يتطلب بناء مجتمع ديمقراطي سليم تتحقق فيه المشاركة الشعبية في الحكم، وتتوافر فيه حرية الفكر والمعتقد والتعبير، وتسود فيه الرقابة الشعبية وسلطة القضاء.

الشق الاجتماعي

أما في الشق الاجتماعي، فإن ذلك يتطلب بناء عدالة اجتماعية تقوم على تعزيز الإنتاج الوطني وتوفير فرص العمل وكسر احتكار التعليم والاقتصاد والتجارة.

أضف إلى ذلك المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن خصوصياتهم الدينية أو العرقية، والعمل لتعزيز الوحدة الوطنية الشعبية التي بدونها ينهار المجتمع ولا تتحقق الحرية السياسية أو العدالة الاجتماعية أو التحرر من الهيمنة الخارجية.

وأرسى القائد جمال عبدالناصر فكرة اعتماد سياسة عدم الانحياز ورفض الارتباط بأحلاف عسكرية أو سياسية تقيد الوطن ولا تحميه، تنزع إرادته الوطنية المستقلة ولا تحقق أمنه الوطني.

طريق الوحدة

واعتبر القائد جمال عبدالناصر أن الطريق إلى التكامل العربي أو الاتحاد بين البلدان العربية لا يتحقق من خلال الفرض أو القوة بل كما قال «إن الإجماع العربي في كل بلد عربي على الوحدة هو الطريق إلى الوحدة».. وقال القائد جمال عبدالناصر أيضا في «الميثاق الوطني»: «طريق الوحدة هو الدعوة الجماهيرية. ثم العمل السياسي من أجل تقريب يوم هذه الوحدة، ثم الإجماع على قبولها تتويجا للدعوة وللعمل معا». وقال أيضا في الميثاق: «إن اشتراط الدعوة السلمية واشتراط الإجماع الشعبي ليس مجرد تمسك بأسلوب مثالي في العمل الوطني، وإنما هو فوق ذلك، ومعه، ضرورة لازمة للحفاظ على الوحدة الوطنية للشعوب العربية».

ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة

أما على صعيد مواجهة التحدي الإسرائيلي، فقد وضع الزعيم جمال عبدالناصر منهاجا واضحا لهذه المواجهة، وخاصة بعد حرب عام 1967، يقوم على: بناء جبهة داخلية متينة لا تستنزفها صراعات طائفية أو عرقية ولا تلهيها معارك فئوية ثانوية عن المعركة الرئيسة ضد العدو الإسرائيلي، ومن خلال إعداد للوطن عسكريا واقتصاديا بشكل يتناسب ومستلزمات الصراع المفتوح مع العدو.

فضلا عن وضع أهداف سياسية مرحلية لا تقبل التنازلات أو التفريط بحقوق الوطن والأمة معا، ورفض الحلول المنفردة أو غير العادلة أو غير الشاملة لكل الجبهات العربية مع إسرائيل.

والعمل وفْق مقولة «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة» وأن العمل في الساحات الدبلوماسية الدولية لا يجب أن يعيق الاستعدادات الكاملة لحرب عسكرية تحرر الأرض وتعيد الحق المغتصب.

ناهيك عن وقف الصراعات العربية العربية، وبناء تضامن عربي فعال يضع الخطوط الحمراء لمنع انزلاق أي طرف عربي في تسوية ناقصة ومنفردة، كما يؤمن هذا التضامن العربي الدعم السياسي والمالي والعسكري اللازم في معارك المواجهة مع العدو الإسرائيلي.

السياسة الخارجية

أما من أبرز إنجازات الرئيس جمال عبدالناصر على صعيد السياسة الخارجية فإنه وافق على مطلب السوريين بالوحدة مع مصر في الجمهورية العربية المتحدة، والتي لم تستمر أكثر من ثلاث سنين تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961) وسط مؤامرات دولية وعربية لإجهاضها.

كما استجاب لدعوة العراق لتحقيق أضخم إنجاز وحدوي مع العراق وسوريا بعد تولي الرئيس العراقي المشير عبدالسلام عارف رئاسة الجمهورية العراقية بما يسمى باتفاق 16 نيسان/ ابريل 1964.

فضلا عن تأسيسه منظمة عدم الانحياز مع الرئيس اليوغوسلافي تيتو والإندونيسي سوكارنو والهندي نهرو.

وآخر مهام عبدالناصر كان الوساطة لإيقاف أحداث أيلول الأسود في الأردن بين الحكومة الأردنية والمنظمات الفلسطينية في قمة القاهرة في 26 إلى 28 سبتمبر 1970، حيث عاد من مطار القاهرة بعد أن ودع صباح السالم الصباح أمير الكويت. عندما داهمته نوبة قلبية بعد ذلك، وأعلن عن وفاته في 28 ايلول/ سبتمبر 1970 عن عمر 52 عاما بعد 18 عاما قضاها في رئاسة مصر، ليتولى الحكم من بعده نائبه محمد أنور السادات.

أما إنجازاته الداخلية فهي كثيرة لعل أبرزها: تأميم قناة السويس، بناء السد العالي، تأميم البنوك الخاصة والأجنبية العاملة في مصر، إقرار قوانين الإصلاح الزراعي وتحديد الملكية الزراعية والتي بموجبها صار فلاحو مصر يمتلكون للمرة الأولى الأرض التي يفلحونها ويعملون عليها وتم تحديد ملكيات الإقطاعيين بمائتي فدان فقط. إلى جانب إنشاء التلفزيون المصري (1960)، وإقرار قوانين يوليو الاشتراكية (1961)، وإبرام اتفاقية الجلاء مع بريطانيا عام 1954، والتي بموجبها تم جلاء آخر جندي انجليزي عن قناة السويس ومصر كلها في الثامن عشر من حزيران/ يونيو 1956.

عن admin

شاهد أيضاً

«الناصرية».. مرجعية العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطنى

د. جمال زهران يمثل العام 2018م، ذكرى مرور (100) مائة عام على ميلاد الزعيم جمال …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *