الرئيسية / تقارير وملفات / سامي شرف وطقوس الناصرية

سامي شرف وطقوس الناصرية

د.مصطفى الفقي

 

لابد أن أسجل إعجابي بشخص سامي شرف الذي كان سكرتيرًا للمعلومات للرئيس عبد الناصر ثم وزيرًا للدولة لشئون رئاسة الجمهورية، والسبب في ذلك أن الرجل قابض بوعي ويقين على الأفكار والمبادئ التي طرحها عبد الناصر والتي تثبت الأيام دائمًا أن معظمها كان سليمًا ولكن المشكلة كانت في أخطاء التطبيق واستبدال الدولة البوليسية بالدولة السياسية فلقد اكتشف عبد الناصر – عن حق- أن شعبيته الكاسحة تغنيه عن الالتزام بالديمقراطية الحديثة والإنصات للرأي الآخر، وقد يختلف البعض مع السيد سامي شرف ولكن الأمر المؤكد هو أن الرجل يظل نموذجًا رائعًا للوطني المصري الشامخ بعد سبع وأربعين عامًا من رحيل قائده وزعيمه، ولا أظن أن هناك من يمثل الناصرية ويجسدها في عصرنا إلا شخصان أولهما سامي شرف وثانيهما هو محمد فايق قديس السياسة وابن إفريقيا والتعبير الصادق عن سياسات عبد الناصر في الدبلوماسية والإعلام وقد كان وزيرًا للدولة للشئون الخارجية ووزيرًا للإعلام أيضًا ومبعوث عبد الناصر للزعامات الإفريقية في عصره، وأنا شخصيًا شاهد على ما قاله “نيلسون مانديلا” عن محمد فايق عندما التقى الرئيس الأسبق مبارك في عاصمة ناميبيا عشية استقلالها لقد وضعه في

مكانه الطبيعي والطليعي بكل الاحترام والتقدير، أعود إلى سامي شرف لكي أسجل أنني قد قرأت له منذ أيام دراسة رائعة عن وظيفة سكرتير الرئيس للمعلومات التي شغلها باقتدار لم يرتفع أحد إلى مستواه، وبهرني أن العصر الناصري الذي انتهي منذ قرابة نصف قرن كان يأخذ بالأساليب العلمية في وقت لم يكن فيه (الفاكس أو الإيميل أو الإنترنت) موجودين كما أن التليفون المحمول لم يكن معروفًا ولكن سامي شرف استطاع بتوجيه من عبد الناصر أن يقيم شبكة اتصال قوية ومنيعة بين مكتبه في منشية البكري وكل محافظات مصر، كما زاد على ذلك أنه لم يكن موظفًا في مكتب ولكنه كان مثقفًا في وطن! لديه رؤية عميقة وفهم عام لكل ما يدور حوله منذ أن ترك المخابرات العامة وجرى اختيار عبد الناصر له لكي يكون إلى جواره، ولابد أن نسجل هنا أن ذلك العصر كان يعرف أندادًا لعبد الناصر قد يقلون عنه في الزعامة ولكنهم يقتربون منه في الزمالة، زكريا محي الدين يؤثر التعامل مع الرئيس من خلال الأوراق ومكتب سامي شرف، المشير عامر وضباط مكتبه يفضلون التعامل مع الرئيس مباشرة من خلال القائد العام ولا يفضلون أن تمر المعلومات العسكرية من خلال مكتب الرئيس في منشية البكري رغم أن سامي شرف أصلًا هو ضابط كفء في تاريخ العسكرية المصرية، ونتابع ما كتبه السيد سامي شرف عن طريقة تفكير عبد الناصر فنجد أنها

واعية تمامًا بما يجري على المستويين الدولي والإقليمي مدركة للتطورات الداخلية وردود الفعل الشعبية معتمدة على كفاءات نادرة في وقتها من أمثال عزيز صدقي ومصطفى خليل وعبد المنعم القيسوني وسيد مرعي وعبد الرزاق صدقي ومحمود فوزي وحسن عباس زكي وغيرهم من الكفاءات النادرة لذلك العصر، إنه عبد الناصر الذي كان يسعى إلى الكفاءات، وأحسب أن السادات فعل أيضا شيئًا من ذلك عندما استوزر إسماعيل صبري عبد الله والجبلي ومحمود إمام وفؤاد مرسي وغيرهم من النجوم التي سطعت في سماء الوطن لذلك فإنني أزعم أن كثيرًا من خيارات ذلك العصر كانت تعبيرًا عن كفاءات متميزة في الوطن المصري، ولقد بهرني السيد سامي شرف بما كتب من نماذج وأمثلة تدل على انتظام حركة المعلومات وتدفقها وتحليلها أمام القائد الذي كان يقف على يمينه دائمًا كاتب صحفي غير قابل للتكرار هو محمد حسنين هيكل شريكه في الفكر ولسانه في القول وقلمه في البيان، لذلك فإنني أزعم أن عبد الناصر ـــ كما قال بحق الدكتور جلال أمين في مقال له منذ أيام ـــ كان محظوظًا برؤيته ونظرته ومفردات عصره، ويلفت نظري دائمًا الإلمام الواسع للسيد سامي شرف بالعلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل وقدرته على الفهم الدائم والواسع لتلك المراحل وتحليل أبعادها وفهم العلاقة بينها وهو يرد على كثير من الافتراءات بذاكرة حديدية وشخصية

أليفة وقدرة على التفسير المنطقي وتقديم الأحداث الصادقة في زمانها وظروفها، ولعلي أتذكر الآن عندما استدعاني الرئيس الأسبق مبارك إلى حديقة منزله عام 1985 لتكليفي سكرتيرًا له للمعلومات لقد قال لي يومها أنه يضيف إليها كلمة المتابعة حتى لا تضيع المسائل المعلقة في ملفات النسيان، ولا أعلم لماذا تحذلقت وقلت له: يا سيادة الرئيس إنني لم أعمل أبدًا في مكتب مسئول لأنني أفضل حرية الحركة عن الالتزام بتعليمات قد لا أتوافق معها، واعترف أن الرجل كان صبورًا وقال لي ما معناه: إن سكرتير الرئيس للمعلومات والمتابعة منصب يصل أحيانًا إلى درجة وزير وأنت شاب صغير لم يبلغ الأربعين فلابد أن تكون سعيدًا بالاختيار وقد جربتك من قبل ومنذ عامين عندما عملت معي بديلًا للمستشار السياسي أسامة الباز حين أصابته وعكة صحية فرضت عليه أن يلزم الفراش في المستشفى، وأضاف إنه قد وضعني في ذهنه منذ ذلك الوقت وظل يقلب الأمر عامين كاملين حتى استقر رأيه على تعييني في ذلك الموقع، والمعروف أن الرئيس الأسبق مبارك كانت علاقته بالزمن ذات طابع آسيوي فهو يأخذ وقته تمامًا قبل أن يتخذ القرار ثم أنه يملك جهازًا عصبيًا فريدًا ولعل ما تعرض له في السنوات الأخيرة يؤكد ذلك فهو صلب شديد المراس، ولعلي أسجل هنا أن منصب سكرتير الرئيس للمعلومات في عصر الرئيس مبارك وربما في عصر

الرئيس السادات أيضًا عندما شغله الراحل د.أشرف مروان لا يرقى إلى ما تمتع به السيد سامي شرف من صلاحيات وما تحمله من مسئوليات إذ أن لكل عهد ظروفه ورموزه وأفكاره وسياساته، وأتذكر الآن أن اسمي قد أذيع في أجهزة الإعلام في الأسابيع الأولى لعملي مع الرئيس ضمن وفد للمباحثات مع رئيس أجنبي فإذا الدنيا تقوم في الرئاسة ولا تقعد وتصدر تعليمات سريعة إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون بعدم إذاعة اسم سكرتير الرئيس للمعلومات والمتابعة، وتفهمت الأمر راضيًا إلى أن جاء بعدي السفيران رضا شحاته وسامح شكري وخضعا لذات القواعد إلى أن وصل بعدهما السفيران ماجد عبد الفتاح وسليمان عواد فأضيفت إليهما صفة المتحدث الرسمي وأصبح اسميهما مذكورًا في الصحف مذاعًا في التلفاز والمذياع، وأظن أن الأمر ينسحب الآن على زميلنا السفير علاء يوسف الذي يشغل وظيفة مماثلة في مكتب الرئيس عبد الفتاح السيسي، إن أهم ما أثار انتباهي فيما كتبه السيد سامي شرف هو تلك العلاقة بين مكتب الرئيس والأجهزة الأمينة المختلفة فضلًا عن الوزارات السيادية إذ لابد أن يعمل الجميع في إطار منظومة متناغمة من أجل سلامة الوطن ورفاهية الشعب ونهضة الأمة.

عن admin

شاهد أيضاً

التباهي الخادع بزيادة الأحتياطي النقدي .انها الاموال الساخنة وليست استثمارات كما تروجون ؟

بقلم : مصطفى السلماوي قال وزير المالية السيد عمرو الجارحي في رده علي سؤال لمحرر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *