الرئيسية / كتاب الوعي العربي / مئوية ميلاد عبد الناصر: قرن الخروج الأمريكي من العزلة – محمد عبد الحكم دياب

مئوية ميلاد عبد الناصر: قرن الخروج الأمريكي من العزلة – محمد عبد الحكم دياب

Jan 20, 2018

أشرنا في العدد الماضي لتحولات ثلاثة مؤثرة على المئة عام من ميلاد عبد الناصر حتى الآن؛ ومررنا على التحول الأول وهو ظهور المملكة العربية السعودية بمراحلها الأربع، بما لها من تأثير على مشروع عبد الناصر التحرري الاشتراكي الوحدوي، وهذه المرة نتناول التحول الثاني الخاص بالخروج الأمريكي من العزلة، وكانت بدايته خجولة في «مؤتمر الصلح» بباريس مطلع عام 1919؛ اكتملت بالاشتراك في الحرب العالمية الثانية، واستخدام السلاح النووي في تدمير مدينتي هيروشيما ونغازاكي اليابانيتين.

العزلة استقرت في التكوين السياسي والنفسي الأمريكي بوصول المستوطنين الأوروبيين البيض إلى «العالم الجديد» عقب الكشوف الجغرافية، والعزلة سمة الجماعات الوافدة للاستيطان والإحلال محل سكان البلاد الأصليين. وأول من أرساها هو «جورج واشنطن»؛ أول رئيس للولايات المتحدة، فمع انتهاء «حرب التحرير» الأمريكية أواخر القرن الثامن عشر؛ حذر أعضاء الكونغرس من التورط في الحروب الأوروبية، واستمر ذلك الحال لأكثر من قرن ونصف القرن؛ حتى حين طرح الرئيس «وودرو ويلسون» مشروع «عصبة الأمم» بعد الحرب لعظمى قوبل برفض الكونغرس، وتفضيل العزلة على المشاركة في تلك المنظمة المقترحة.

وساعد على ذلك كم الثروات الطبيعية الهائلة، وندرة السكان، وجهود المستوطنين الأوائل في نشر مبدأ «التبشير الأمريكي»؛ المتحرر من الالتزامات الخارجية وأعبائها، وتبنيه خطابا أوسع من التبشير الديني، وامتد إلى مجالات السياسة والاقتصاد والمال، واعتبر الرأسمالية هبة الولايات المتحدة للعالم؛ صورة ذهنية صورت للعالم أن أمريكا دولة معطاءة ونزيهة في تعاملها مع الدول الأخرى. وتحولت هذه إلى عقدة تأصلت في الطبقة السياسية الأمريكية.

وتعززت تلك الصورة بحالة دينية؛ قيل عنها «لم يكن غريبا أن يولد المجتمع والدين في آن واحد»، وذلك لكون المستوطنين الجدد من البروتستانت، فسادت كنائسهم وانتشر مذهبهم، وتطور اقتصادهم المغاير للتطور الأوروبي، والمتحرر من قيود أرستقراطية العصور الوسطى في أوروبا، وأدى توفر الأرض وندرة الأيدي العاملة إلى طفرات كبيرة في مجالات النمو والتقدم والقوة.

وتهودت أمريكا مبكرا، واعتبرت نفسها «أورشليم جديدة» أو «كنعان جديدة»، وشبَّهت مستوطنيها بالعبرانيين؛ الفارين إلى «أرض ميعاد جديدة». وبنت اعتقادها على أنها «إسرائيل جديدة»، وقاعدة استيطان بروتستنتي مُهَوَّد؛ مرتبط بـ«المسيحية اليهودية»، التي صعدت بعودة المسيحية الغربية لأسبانيا؛ بجهود يهود متحولين للمسيحية، ومعروفين بـ«يهود المارانو»، من بداية القرن السادس عشر، وصاروا جنودا لتنفيذ خطة الرب المزعومة لـ«نهاية التاريخ» وإعادة اليهود إلى فلسطين انتظارا لعودة المسيح. وبهذا ردت البروتستانتية الاعتبار لليهودية، وجعلت من العهد القديم (التوراة) مرجعا أعلى للعقيدة الأمريكية، وغالت بمطالبة الحكومة البريطانية بإعلان التوراة دستورا للبلاد.

وصارت عودة اليهود إلى فلسطين أساس اللاهوت البروتستانتي الأمريكي، وقاعدة «اللاهوت الصهيوني» فيما بعد، إذا جاز التعبير، واحتلت أساطير «المسيح المنتظر» والأساطير التوراتية الأخرى مكانا بارزاً فيه، ويلتزم «التبشير الأمريكي» بمخرجاتها، وأدبياتها وتراكماتها، وظلالها العنصرية وجوهرها الاستيطاني، وترسيخ الصورة النمطية، التي قسمت العالم إلى أخيار وأشرار.

وكان لها تأثيرها الأكبر على السياسات الأمريكية، وهذا هو المفكر الأمريكي «صمويل هنتنغتون»؛ صاحب «صراع الحضارات»، يرفض وصف الولايات المتحدة بمجتمع مهاجرين؛ تتعدد أعراقه وهوياته وثقافاته، ويقول أن من أعلنوا الاستقلال، كانوا جماعة متجانسة من المستوطنين البريطانيين البروتستانت؛ قدموا ليستقروا في أمريكا ويعمروها (أي يستعمروها). ووضعوا بذور المبادئ والثقافة الأنكلو ـ بروتستانتية في المجتمع الأمريكي.

ويرى هنتنغتون أن هوية الولايات المتحدة محددة؛ بهوية أولئك المستوطنين، ولها ركائز أربع هي: الجنس الأبيض، والهوية الإنجليزية، والمسيحية البروتستانتية، والثقافة الإنكليزية البروتستانتية، واستمرت مسيطرة حتى نهاية القرن التاسع عشر.

وذكر الكاتب الأمريكي «جون غراي»:«إن الولايات المتحدة، تقف متفردة بين البلدان المتقدمة، وأن الحديث عن أنها تمثل مجتمعاً علمانيا سخيف ومناف للعقل، فالتراث العلماني في الولايات المتحدة أضعف منه في تركيا، واستطلاعات الرأي تبين أن الأمريكيين هم أكثر الشعوب تردداً على الكنيسة، وأشدها أصولية في العقيدة المسيحية».

وبنهاية الحرب العظمى ساد اعتقاد بأن موافقة ألمانيا على الهدنة في تشرين الثاني/نوفمبر 1918؛ يجعل مقررات واتفاقات مؤتمر الصلح حاملة لروح مبادئ ويلسون التي عُرِضت على «مؤتمر الصلح»، الذي بدأ في 18 كانون الثاني/يناير 1919 بحضور ممثلي 32 دولة حليفة، واستبعاد الدول المهزومة والمحايدة وروسيا، واقتصر على الدول المنتصرة لاقتسام غنائم الحرب وفرض إرادتها على المهزومين، وبالفعل فرضت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة إرادتها على العالم.

وتغيرت خرائط أوروبا، فتفككت إمبراطوريات ألمانيا والنمسا، وتغيرت الحدود السياسية للدول الأوروبية، وظهرت دول جديدة؛ كالمجر وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا، وحدثت تغييرات جوهرية في حكم عديد من الدول؛ أخذت تركيا وألمانيا بالنظام الجمهوري، وتقلصت النمسا إلى جمهورية صغيرة، أما روسيا فقد انتقلت من نظام قيصري لنظام شيوعي بعد ثورة 1917 بقيادة فلاديمير إليتش أوليانوف (لينين).

وافق المؤتمر بالإجماع على قيام «عصبة الأمم،»؛ لحل النزاعات الدولية سلميا، وخلق جو من التفاهم والثقة بين الشعوب، واتخذت مقرها في جنيف بسويسرا، ولم تقبل الولايات المتحدة أن تكون عضوا فيها. وأقر مطالب بريطانيا وفرنسا بالانتداب على دول عربية مشرقية، ولم يأبه باعتراض الأمير فيصل بن الحسين، الذي حضر بصفة مراقب.

المهم أن ما فشل فيه الرئيس ويلسون عام 1919، نجح فيه الرئيس روزفلت بعد الحرب العالمية الثانية، وتمكن من إقناع الكونغرس بأهمية الانفتاح على العالم، وإحلال «الأمم المتحدة» محل «عصبة الأمم»؛ لتضم الولايات المتحدة، فتربعت على عرش العالم، واندلعت الحرب الباردة، واتخذت وتيرتها الساخنة؛ في كوريا وفيتنام وجنوب شرق آسيا، وانتهت مع سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق واندلاع حروب وسط أوروبا وتفتيت يوغوسلافيا.

وانتقلت السخونة إلى «القارة العربية» والعالم الإسلامى باشتعال الحرب الأفغانية والحرب الإيرانية العراقية، ثم حرب الخليج الثانية، والغزو الأمريكي للعراق، ولم يكن متوقعا لهذه الحروب أن تنتهي بلا آثار، فكانت الأزمة الاقتصادية العالمية المتفاقمة من 2008، وإلى أن جاءت صدمة ثورتي تونس ومصر في بدايات 2011، فانتبهت الولايات المتحدة إلـى أهمية الاستدارة نحو «القارة العربية»، واعتماد «مواليها» في إشعال حرب من نوع جديد؛ يمكن وصفها بـ«حرب الميليشيات العالمية»؛ تمويلا وسلاحا واختراقا وفتنا وتأليبا وتحريضا وسفكا للدماء، ونجحت في محاربة العرب بالعرب والمسلمين بالمسلمين.

وصلت العنصرية الأمريكية مداها بإعلان القدس عاصمة للدولة الصهيونية. وسُئِلت أليست أمريكا هي التي وقفت ضد العدوان الثلاثي عام 1956، ووجدت في ذلك تسطيحا للأمور، فالرئيس الأمريكي أيزنهاور وقتها؛ لم يكن معنيا بوقف العدوان، وكان كل همه تأديب الذين قاموا به من وراء ظهره، ومن يومها تعلموا الدرس، ولم يُقْدِموا على خطوة كهذه دون إذن وعلم البيت الأبيض.

والوضع العربي يتجه من السيئ إلى الأسوأ، ولم يبق الا الطوفان، وبإمكان العرب وحدهم أن يوقفوه، وهذه قصة أخرى؛ كان ذلك عن التحول الثاني؛ خروج أمريكا من العزلة وثمنه، وبقي التحول الثالث عن الحركة الصهيونية خلال هذا القرن؛ من ميلاد عبد الناصر حتى الآن، وماذا فعلت بنا؟.

عن admin

شاهد أيضاً

غُل وأغلال وغلال : لَقَّموة الهزيمة وهضموا حقوقة وقالوا لة هذه سنة الحياة يا عربي؟!

د.شكري الهزَّيل   بادئ ذي بدء لا بد من القول ان  الكثيرون في العالم العربي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *