الرئيسية / كتاب الوعي العربي / خريطة الاختلال المروع لتوزيع الثروات- عدد المليارديرات في مصر يعادل مجموعهم في بلجيكا وهولندا واليابان والمكسيك واليونان مجتمعين!!

خريطة الاختلال المروع لتوزيع الثروات- عدد المليارديرات في مصر يعادل مجموعهم في بلجيكا وهولندا واليابان والمكسيك واليونان مجتمعين!!

أحمد السيد النجار
يشكل صدور تقرير الثروات العالمي عن بنك الائتمان السويسري (Credit Suisse)، مناسبة سنوية لتأمل توزيع الثروات بين دول العالم وداخل كل بلد وتأثير ذلك التوزيع على السلام الاجتماعي والسلام العالمي. ومن الضروري الإشارة إلى أن تقديرات تقرير الثروات العالمي بشأن حجم الثروات في العالم تقل عن الواقع حيث أن هناك ثروات غير مشروعة تكونت في الاقتصاد الأسود ومن الفساد، وهي بطبيعتها ثروات مخفية يصعب حصرها ووضعها في الحسبان خاصة لو تم اختزانها في صورة ذهب أو أموال سائلة أو عقارات غير مسجلة أو في جزر الأوفشور للتهرب الضريبي ولإخفاء الثروات المنهوبة من مختلف بلدان العالم وبخاصة من الدول النامية وضمنها الدول العربية.
ولابد من التأكيد بداية على أن عدالة توزيع الدخل ليست ترفا اجتماعيا بل هي ضرورة لاستمرارية وتواصل النمو الاقتصادي. وهذا ليس حكما قيميا بل حقيقة اقتصادية تتصادم مع النزوع الشره للاستحواذ على الناتج والثروات من قبل الرأسمالية بالذات في طبعتها المتوحشة المتحللة أو المعفاة بقوانين الضرائب من المسئولية الاجتماعية.
وكلما تحسنت عدالة توزيع الدخل والثروة في أي مجتمع فإن حصة الطبقات الدنيا من الدخل تزيد وتتحول إلى طلب فعال على السلع والخدمات مما يحفز منتجيها في أي اقتصاد نشط إلى تأسيس استثمارات جديدة لإنتاج السلع والخدمات التي يوجد طلب فعال عليها. وهذه الاستثمارات وإنتاجها تعني زيادة الناتج ونموه. كما أنها تعني توظيف عاملين جدد وتوزيع دخول جديدة عليهم مما يخلق طلبا فعالا جديدا يحفز استثمارات أو توسعات استثمارية جديدة في دورة لا تنتهي طالما كان هناك عدالة في توزيع الناتج بين العاملين وأرباب العمل. وهذه التفاعلات المتراتبة تسمى مضاعف الاستثمار وهو محرك فعال للنمو الاقتصادي المتواصل.
هرم الاختلال الرهيب في توزيع الثروات العالمية
من بين عالم يبلغ عدد سكانه نحو 7400 مليون نسمة يشير التقرير إلى أن هناك 36 مليون من الراشدين (من تجاوزوا سن الرشد) يشكلون 0,7% من الراشدين في العالم، يمتلك كل منهم مليون دولار فأكثر، وبلغ مجموع ثرواتهم في عام 2017 نحو 128,7 تريليون دولار أمريكي، تشكل نحو 45,9% من إجمالي الثروات العالمية. وهناك 391 مليون راشد يشكلون نحو 7,9% من مجموع الراشدين في العالم، ويمتلك كل منهم ثروة تتراوح بين 100 ألف دولار ومليون دولار. وبلغ مجموع ملكياتهم عام 2017 نحو 111,4 تريليون دولار تشكل نحو 39,7% من إجمالي الثروات العالمية في العام نفسه. وإذا جمعنا الفئتين معا فإن نحو 427 مليون من الراشدين في العالم يشكلون نحو 8,6% من مجموع الراشدين في العالم ويمتلك الفرد منهم ثروة قيمتها 100 ألف دولار فأكثر، يمتلكون ما مجموعه نحو 240,1 تريليون دولار تشكل نحو 85,6% من إجمالي الثروات العالمية.
وهناك 1054 مليون راشد يشكلون نحو 21,3% من إجمالي الراشدين في العالم، وتتراوح ملكيات كل منهم بين 10 آلاف دولار و100 ألف دولار. وبلغ مجموع ملكياتهم نحو 32,5 تريليون دولار تشكل نحو 11,6% من إجمالي الثروات العالمية عام 2017.
وفي قاعدة هرم الثروات العالمية يقبع 3474 مليون راشد يشكلون نحو 70,1% من مجموع الراشدين في العالم وتتراوح ثروة كل منهم بين لا شئ تقريبا إلى 10 آلاف دولار. وبلغ مجموع ملكياتهم نحو 7,6 تريليون دولار وهو ما يعادل نحو 2,7% من إجمالي الثروات العالمية.
المليارديرات في مصر الفقيرة أكثر من المليارديرات في دول عربية وأجنبية غنية
نشر تقرير الثروات العالمي (Global Wealth Databook 2017, p. 123.) بيانات عن الثروات والأثرياء في العديد من الدول العربية. ومن الصادم حقا أن العدد الأكبر لمن تبلغ ثروة كل منهم مليار دولار فأكثر موجود في مصر وهي واحدة من دول الدخل المتوسط المنخفض، حيث يوجد بها 19 ملياردير تزيد ثروة كل منهم عن مليار دولار، مقارنة بـ 16 شخص في الإمارات وهي ضمن دول الدخل المرتفع، و5 أشخاص في المغرب وهي ضمن دول الدخل المتوسط المنخفض، ومثلهم في الكويت وهي واحدة من دول الدخل المرتفع. وإن كان من الضروري الإشارة إلى أن البيانات الخاصة بدول الخليج لا تتسم بالدقة حيث تتحرك ثروات كبيرة في مسارات يصعب رصدها في صورة ملكيات للذهب والأموال السائلة والعقارات غير المسجلة، أو في الملاذات التي تتجمع فيها الأموال المشروعة والفاسدة والمتهربة من الضرائب في جزر الأوفشور الأجنبية أو حتى في ملاذ إقليمي مناظر مثل دبي. وحتى في مصر والمغرب فإن من يعملون في الاقتصاد الأسود في تجارة الآثار والمخدرات والسلاح يمكنهم تكوين ثروات عملاقة من أعمال خارجة على القانون مما يضطرهم لإخفائها في ملاذات الأموال الفاسدة أو في صورة ذهب وسيولة وعقارات غير مسجلة.
ويبلغ عدد من يمتلكون مليار دولار فأكثر 5 أشخاص في جنوب إفريقيا وهي من دول الدخل المتوسط المرتفع، و 4 أشخاص فقط في اليابان وهي من أعلى دول الدخل المرتفع، ومثلهم في المكسيك وهي ضمن دول الدخل المتوسط المرتفع. كما بلغ العدد 5 أشخاص في هولندا، وشخصين في بلجيكا، و 22 شخصا في فرنسا، و 14 شخصا في النرويج، و 11 شخصا في النمسا، و17 شخصا في أسبانيا وكلها ضمن دول الدخل المرتفع التي تقدم بيانات أكثر دقة من الدول النامية.
وتؤكد تلك البيانات على سوء توزيع الثروة في مصر التي يزيد عدد المليارديرات المعروفين فيها عن الأعداد المناظرة في دول أغني كثيرا مثل اليابان وبلجيكا والنمسا وهولندا والنرويج وأسبانيا!! وحتى المغرب يزيد عدد الميارديرات المعروفين فيه (5) عن الأعدادا المناظرة في اليابان (4)، والمكسيك (4)، واليونان (4)، وبلجيكا (2)! كما تؤكد على غياب الآليات الكفيلة بتحقيق العدالة الاجتماعية في مصر من خلال نظم التشغيل والأجور والضرائب ودعم الخدمات العامة والدعم السلعي والتحويلات.
ومن يتأمل الصورة الكلية لهرم توزيع الثروات المعروفة في العالم كما يوضحه تقرير الثروات العالمي سيجد أنه عالم ينطوي على سوء توزيع مروع للثروات. وفي مثل هذا العالم الذي تغيب فيه قيم العدل والتكافل والنهوض المشترك، من الطبيعي أن نتوقع تصاعد العنف الاجتماعي والجنائي والسياسي والطائفي والعنصري في داخل البلدان المنقسمة طبقيا بحدة وغلاظة، وبين البلدان المختلفة في مستويات معيشتها وفي حصتها من الاستحواذ على ثروات العالم. ومن الطبيعي أيضا أن تكون هناك موجات من الهجرة القانونية وغير القانونية من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية بحثا عن فرص أفضل للحياة.
وداخل كل بلد تنتج الثروات المتراكمة من ناتج العلم والعمل والاحتشاد الادخاري والاستثماري لتسريع نمو الثروة المستقبلية على حساب الاستهلاك في الحاضر. كما تنتج الثروات أيضا من قدرة البعض على استغلال قوة العمل وتلك هي أكثر الثروات قانونية رغم استغلاليتها. كما تنتج أيضا من التمكن من استغلال العلاقة بالسلطة بصورة فاسدة للاستئثار بالموارد والأعمال العامة وتكوين جبال من الأموال والثروات عبر السيطرة على الأصول والأراضي العامة والإتجار فيها. كما تنتج من خلال الاقتصاد الأسود والتربح الفاسد من الوظائف العامة. أما التباين في الثروات بين البلدان فقد ولده عصر الاستدمار والنهب واستغلال دول مهيمنة لبلدان وشعوب أخرى. كما تم خلق الثروات أيضا من خلال انتصار بعض البلدان لقيم العمل والعلم والتقدم التكنولوجي والاحتشاد الادخاري والاستثماري بما مكنها من النهوض والتقدم وتكوين ثروات أعلى من بلدان أخرى. كذلك يتم تكوين الثروات والتباين بين ثروات الأمم من خلال تقييم أسعار السلع التي تنتجها الدول المهيمنة وشركاتها بصورة مرتفعة ومبالغ فيها، مقارنة بالسلع التي تنتجها الدول النامية بما ينتج الاختلال في معدل التبادل الدولي بين سلع الدول المتقدمة والمهيمنة وسلع الدول النامية. وقبل كل ذلك هناك استغلال الدول الكبرى في الغرب وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية لوضعية عملتها كعملة احتياط دولية في نهب دول أخرى أو العالم بأسره.
كما يتزايد الاختلال في توزيع الثروات عالميا من خلال الاحتكار التقني والمبالغة في قيمة ورسوم استخدام التقنيات التي تنتجها البلدان المتقدمة، مع مقاومة التطور التقني للدول النامية من خلال الاستحواذ على أهم العقول الموجودة لديها عبر توفير بيئة علمية وامتيازات مالية لعقول تلك الدول لجذبها بصورة تلقائية. ويساعد على ذلك سيطرة الجهل والاتجاهات السلفية المعادية للعلم والتحضر في الكثير من الدول النامية وعدم الاهتمام بالبحث العلمي مما يشكل مناخا طاردا تلقائيا لأهم العقول في تلك البلدان. وفي الحالات التي تتوفر فيها سلطة حاكمة تدرك أهمية العلم وتوفر بيئة مناسبة للبحث العلمي وتعزز الدوافع الوطنية لدى عقولها، فإن الدول المتقدمة وأجهزة استخباراتها لم تتورع عن ارتكاب جرائم التصفية ضد بعض علماء الدول النامية. لكن العديد من الدول النامية استطاعت حماية علمائها وتعزيز مسيرتها العلمية وحققت بالتالي تقدما فارقا على كافة الأصعدة. وأبرز النماذج لذلك هي الصين والهند.
إنه باختصار عالم يسوده الظلم واللامساواة داخل كل بلد وبين بلدان العالم. ويتوقف إصلاح اختلالات توزيع الثروة داخل كل بلد على نضال كل المؤمنين بالعدالة وأصحاب المصلحة في تحقيقها لتمكين الفقراء من توليد وحيازة الدخل عبر تشغيل العاطلين وبناء نظام عادل للأجور، ودعم المشروعات الصغيرة والتعاونية، وإصلاح النظام الضريبي الذي يعتبر الآلية الرئيسية لإعادة توزيع الدخل، وإصلاح نظام الدعم والتحويلات ودعم الخدمات الصحية والتعليمية العامة لصالح الفقراء ومحدودي الدخل. أما إصلاح اختلالات توزيع الثروة عالميا فيتوقف على إيجاد بديل للنظام النقدي الدولي الفاسد الذي يسهل لدول العملات الحرة الرئيسية وبخاصة الولايات المتحدة الإثراء على حساب العالم عبر الإصدار النقدي غير المغطى بالذهب أو بالإنتاج. كما يتوقف أيضا على تكتل الدول النامية والناهضة لضمان أسعار عادلة لصادراتها وتحسين معدل التبادل الدولي وعلى إلزام الدول الغنية بتقديم مساعدات للدول الفقيرة تكفيرا عن النهب التاريخي والتدمير والتشويه الذي أحدثته الدول الاستدمارية في البنى الاجتماعية والاقتصادية للدول النامية التي احتلتها في العهد الاستدماري. كما يتوقف على الاحتشاد الادخاري والاستثماري في الدول النامية لتحقيق نهوضها الاقتصادي بسواعد وأموال أبنائها، وأيضا عبر احترام العلم والعمل كبوابة للتقدم والثراء وإحداث قطيعة مع الجهل والخرافة.

عن admin

شاهد أيضاً

تغييب السياسة وبناء دولة وعاصمة موازية ليس حلا بقلم :محمد عبد الحكم دياب

Jan 06, 2018   بدأ عام 2018؛ عام انتخابات الرئاسة المصرية، المحاطة بالغموض وكأنها سر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *