الرئيسية / كتب و دراسات / كيف ساهم طه حسين ومثقفو عصره في تأسيس إسرائيل؟

كيف ساهم طه حسين ومثقفو عصره في تأسيس إسرائيل؟

 

كرم منصور

دائمًا ما يشغل موضوع «اليهودية فى مصر» العديد من الباحثين والمثقفين المصريين، فى ظل ما له من أهمية فى تشكيل الوعى الوطنى حول جزء جدير بالدراسة والاطلاع من تاريخنا الحديث.

وبعيدًا عن السياسة أو حتى الجوانب الديموجرافية «السكانية» المتعلقة بـ«اليهود فى مصر»، يبرز عامل آخر فى غاية الأهمية بالنسبة لهذا الموضوع، هو «النشاط الثقافى لليهود فى مصر»، الذى شغل تساؤلات الدكتورة عوطف عبدالرحمن، أستاذة تاريخ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وحاولت الإجابة عنه فى كتابها: «الاختراق الصهيونى لمصر من ١٩١٧ حتى ٢٠١٧».

فى هذا الكتاب، ترصد الأستاذة الكبيرة كل مَن ساند المشروع اليهودى فى مصر، ووفر له إمكانيات التمدد والانتشار، وجعل إسرائيل «صديقًا» لا «عدوًا»، وتتهم مثقفين كبارًا من أمثال طه حسين، ومحمد حسين هيكل، والعقاد، وأحمد لطفى السيد، بأنهم حازوا ثقة مثقفين يهود فى مصر، بل إنها ترى أن «عميد الأديب العربى» كان إحدى أدوات اختراق الصهيونية لمصر.. ولأهمية ما طرحته «عبدالرحمن» فى الكتاب، تستعرض «الدستور» فيما يلى أحد فصوله كاملًا:

أشرف على دكتوراه عن «فضل اليهود على العرب».. وألقى محاضرة بمدارس الطائفة بالإسكندرية
لم ينجح اليهود فى السيطرة على المراكز الرئيسية فى الاقتصاد المصرى، واستقطاب اهتمام ورعاية القيادات الوطنية ورؤساء الحكومات ورجال القصر فحسب، بل امتد نفوذهم فى محاولات متصلة لاجتذاب عطف ومساندة القيادات الفكرية والثقافية فى مصر.

نجحوا فى تحقيق ذلك إلى حد بعيد، والواقع أن الطائفة اليهودية لم تدخر جهدًا فى استثمار جميع الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى مصر لصالح أبنائها فى البداية، ثم لخدمة الحركة الصهيونية، من خلال شبكة متعددة الخيوط.

وحرص المثقفون اليهود على تأسيس الجمعيات الثقافية لإحياء الثقافة «العبرية»، ودراسة العلوم المتصلة بتاريخ اليهود فى الشرق، استكمالًا للمخطط الذى يهدف إلى تحقيق العزلة الكاملة وجدانيًا وفكريًا لليهود المقيمين فى مصر، ومنعهم من الاندماج الحضارى والثقافى فى المجتمع المصرى، وذلك بالعمل على تعلم اللغة والتراث الثقافى العبرى.

وفى إطار هذا الاهتمام، أنشأ اليهود المثقفون «جمعية أصدقاء الجامعة العبرية فى القدس» ١٩٢٥، باعتبارها ركيزة ثقافية للحركة الصهيونية فى فلسطين، وفى الفترة الممتدة من ١٩٢٥ إلى ١٩٣٥ نشطت أوساط المثقفين اليهود فى إنشاء العديد من التجمعات والمؤسسات الثقافية، منها «النادى العبرى» و«اتحاد المدارس اليهودية» و«جمعية هرتزل»، وذلك للدعاية للغة العبرية وتشجيع الثقافة العبرية والعمل على نشرها بين يهود مصر.

وتتجسد خطورة الدور الثقافى للمثقفين اليهود فى مصر، فى محاولة الالتفاف حول كبار الكُتاب والأدباء المصريين، وبالتالى ضمان امتناعهم عن كتابة أى شىء يؤدى بشكل أو بآخر إلى كشف النوايات الحقيقية للنشاط الصهيونى الذى كان يحاول التخفى خلف القناع الدينى لليهود المصريين.

ونجح اليهود بالفعل فى اكتساب ثقة وتعاطف ومشاركة مثقفين من أمثال طه حسين ومحمد حسين هيكل والعقاد ولطفى السيد وغيرهم، وفيما يتعلق بطه حسين فقد تتلمذ على يده كثير من الطلبة اليهود أمثال «إسرائيل ولفنسون»، الذى أعد رسالة دكتوراه عن «تاريخ اليهود فى بلاد العرب فى الجاهلية وصدر الإسلام»، أشرف عليها الدكتور طه حسين، وركزت على إظهار فضل اليهود على العرب.

وقد أحاطت الصحافة اليهودية الدكتور طه حسين باهتمامها الواضح، خاصة عندما أعيد إلى الجامعة بعد إقصائه عنها لفترة طويلة عام ١٩٣٤، وبادر أحد المثقفين اليهود بترجمة كتاب «الأيام» إلى اللغة العبرية، كما زار «حسين» مدارس الطائفة الإسرائيلية فى الإسكندرية عام ١٩٤٤، وكان فى استقباله كبار الشخصيات اليهودية، وعلى رأسهم الحاخام الأكبر «فنتورا».

كما أعدوا نشيدًا خاصًا للترحيب به، وألقى محاضرة فى دار المدارس الإسرائيلية أبرز فيها علاقة اليهود بالأدب العربى، وهو ما استثمرته الدوائر اليهودية أفضل استثمار، ونشرته الصحف اليهودية والصهيونية فى صفحاتها الأولى، واعتبرته وثيقة دعائية مهمة لليهود.

عميد الأدب العربى رئيس تحرير «الكاتب» بـ«تمويل صهيونى» لإقامة الدولة المحتلة
تميزت هذه المرحلة بأساليب الاختراق المقنّعة والسافرة، لاستقطاب المثقفين المصريين، واستمالة القوى السياسية المصرية، والتسلل داخل الصحف المصرية، والضغط على الصحافة الوطنية بالأساليب الاقتصادية مثل الاشتراكات والإعلانات، وإصدار صحف يهودية ذات توجه صهيونى، وإصدار صحف مشتركة، والتصدى المباشر للصحف المصرية التى تنبهت منذ وقت مبكر للخطر الصهيونى وفضحت الأهداف الصهيونية.

وعندما استكملت الحركة الصهيونية وجودها داخل المجتمع المصرى الذى تمثل فى تأسيس فرع للمنظمة العالمية الصهيونية عام ١٩١٨، علاوة على الهيئات والنوادى الثقافية والرياضية والمساندة الاقتصادية من جانب كبار الرأسماليين اليهود فى مصر، حينئذ أصبح للحركة الصهيونية صحفها المستقلة والناطقة باسمها، وقد تحقق ذلك خلال العشرينيات، حيث أصبحت هناك صحف صهيونية تمويلًا ومضمونًا وأهدافًا.

واستلزمت مرحلة العشرينيات التى شهدت صدور «وعد بلفور» اللجوء إلى أساليب دعائية اتسمت بالحذر والتخفى وراء أقنعة مختلفة مستهدفة التأثير على الرأى العام المصرى وكسب تأييده وتعاطفه إلى جانب الحركة الصهيونية على أساس أن اليهود يسعون إلى إيجاد ملجأ فقط للمضطهدين منهم فى فلسطين.

لذلك حاولت التخفى وراء عدة أقنعة مثل صدور معظم الصحف الصهيونية باللغة الفرنسية «الفجر» و«المجلة الصهيونية» و«إسرائيل»، كما حاولت التخفى وراء الواجهات الدينية «مجلة الاتحاد الإسرائيلى».

وفى الثلاثينيات مع تدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين، اختلفت أساليب الدعاية كمًا ونوعًا، وطرحت الصحف الصهيونية مفهوم «الدولة اليهودية المستقلة» كحل أمثل للمشكلة اليهودية بعد أن كانت تقصره فى العشرينيات على «الوطن القومى لليهود» فحسب دون التجرؤ على الإفصاح عن الهدف الحقيقى وهو «الدولة اليهودية المستقلة».

وعندما أقبلت الأربعينيات وأصبح تحقيق «الوطن القومى اليهودى» فى فلسطين قاب قوسين أو أدنى، وانكشف تمامًا الخطر الصهيونى أمام أعين الرأى العام العربى والمصرى، أصبح لزامًا على الحركة الصهيونية أن تعيد النظر فى أساليبها الدعائية، وتحاول استحداث أساليب جديدة تتلاءم ومتطلبات المرحلة.

وتحقيقًا لهذه الأهداف، لم تقدم الحركة الصهيونية على إدارة صحف جديدة فى الأربعينيات، بل فوجئ الرأى العام المصرى بأسلوب دعائى صهيونى جديد يتلخص فى إصدار مجلة مصرية ذات طابع ثقافى ضمت نخبة من كبار المثقفين والمفكرين المصريين وبتمويل يهودى صهيونى، وهى مجلة «الكاتب» المصرى التى صدرت فى أكتوبر ١٩٤٥ وكان يرأس تحريرها «طه حسين».

وقد تعرضت مجلة «الكاتب» المصرى لحملة عنيفة من جانب بعض الصحف المصرية مثل «مصر الفتاة» وغيرها، متهمة إياها بالخضوع للسيطرة الصهيونية، وأن الهدف من إصدارها هو العمل على استقطاب المثقفين المصريين لصالح الحركة الصهيونية وشراء صمتهم إزاء الصراع العربى الإسرائيلى فى فلسطين.

مشاركة لطفى السيد فى افتتاح «الجامعة العبرية» يكشف التورط مع «أبناء هرتزل»
انتهت معظم الجهود الصهيونية للتقارب مع المفكرين والمثقفين المصريين إلى ضمان «تحييد» فئة المثقفين المصريين، خاصة هؤلاء الذين ينتمون إلى التيار القومى المصرى، ويؤمنون بانتماء مصر إلى الحضارة المتوسطية.

يهمنا فى هذا الصدد أن نشير إلى مشاركة المثقفين المصريين للدوائر الصهيونية، نتيجة تأثرهم بالدعاية الصهيونية التى استغلت جميع المداخل الدينية والعلمانية للنفاذ إلى العقل المصرى مستهدفة السيطرة عليه وكسبه إلى جانبها.

فحدث أن تم اشتراك مصر فى الاحتفال بافتتاح «الجامعة العبرية» سنة ١٩٢٥، بإيفاد الأستاذ لطفى السيد، مدير الجامعة المصرية، مندوبًا رسميًا، وهو ما أثار عاصفة من الاحتجاج من جانب الفلسطينيين عبّرت عنها الصحف الوطنية فى فلسطين وكثير من القيادات الوطنية.

وحاول لطفى السيد استدراك الأمر فزار المعاهد الإسلامية، وأصدر بيانًا رسميًا أعلن فيه الظروف والملابسات الدقيقة التى أحاطت بمهمته فى القدس، خاصة أن الدعوة صدرت عن معهد علمى من المفروض انعدام صلته بالسياسة كما هو شأن الجامعات العلمية.

لكنه فى الوقت نفسه، أبدى ارتيابه من «المبالغة» التى أحيط بها الاحتفال بافتتاح الجامعة العبرية، ما ينطوى على الترويج للدعوة الصهيونية، ومما أكد له ذلك ما نما إلى علمه من أن لغة الجامعة هى «العبرية»، ولذلك امتنع عن إلقاء كلمته فى الاحتفال حتى لا يُفهم منه تأييد مصر للعنصر الصهيونى وتفضيله على العنصر العربى فى فلسطين.

والواقع أن الدعوة لحضور احتفالات الجامعة العبرية لم تقتصر على الجامعة المصرية فحسب، بل وُجهت دعوة مماثلة إلى الشيخ محمد بخيت، مفتى الديار المصرية سابقًا، وكذلك الدكتور أحمد زكى باشا، فأهملاها ولم يردا عليها، وقد ذهب فريق من اليهود المصريين إلى «الشيخ بخيت» ورجوه باسم العلم أن يحضر تلك الحفلة فاعتذر لكبر السن ومشقة السفر فألحوا عليه وعرضوا عليه تسهيلات كبيرة فى السفر، فلما ضاق بهم ذرعًا أوضح لهم أنه لا يستطيع أن يحضر احتفالا يسىء إلى أهل فلسطين الذين هم فى حالة حداد بسبب بهذه الجامعة.

واستغلت الدوائر الصهيونية حضور لطفى السيد حفل افتتاح الجامعة من الناحية الدعائية إلى مدى بعيد، وشاركتها فى ذلك وكالات الأنباء الأوروبية والصحف والإذاعات، حتى إن وكالة «رويترز» لم تذكر مِن أسماء من حضروا ذلك الحفل إلا اسم لطفى السيد.

كذلك علقت صحيفة «بالستين ويكلى» الصهيونية على ذلك بقولها: «حضور مندوب مصر هذه الحفلة كان دليلًا على أن مصر العاقلة لا ترى فى الصهيونية رأى أهل فلسطين»، وأشاد اليهود المصريون باشتراك مصر فى افتتاح جامعتهم بالقدس، ونوه يوسف بوتو، عضو مجلس الشيوخ المصرى أحد اليهود المصريين الذين شاركوا فى احتفالات الجامعة العبرية، إلى «عطف الحكومة المصرية على القضية الصهيونية، واستشهد على ذلك بإرسالها صاحب العزة أحمد لطفى السيد مندوبًا عن الجامعة المصرية».

«المقطم» و«السياسة» و«الاتحاد».. وقائع تأييد «شعب الله المختار» فى الصحف المصرية
تباينت العلاقة بين الصحف الصهيونية والمصرية طبقًا للمواقف التى كانت تتبناها الأخيرة إزاء الحركة الصهيونية فى مصر من ناحية والصراع الفلسطينى الصهيونى من ناحية أخرى، وتفاوت درجات التقارب والعداء.

هناك بعض الصحف المصرية قدمت مساندة كاملة للصحافة الصهيونية فى مصر، وصلت إلى المستوى الذى لا يستطيع أن نفرق من خلاله بين ما تطرحه الصحف المصرية وتلك الصحف الصهيونية، خصوصًا فى وجهات النظر المؤيدة للجانب الصهيونى فى صراع ضد الشعب العربى فى فلسطين.

ونذكر فى هذه المناسبة «المقطم»، اللسان الناطق باسم الاحتلال البريطانى فى مصر، التى أدت دورًا رئيسيًا فى الدعوة والترويج للفكر الصهيونى طوال الفترة السابقة على صدور صحف صهيونية فى مصر، وحتى بعد أن أصدر ليون كاسترو أول صحيفة صهيونية تعبر عن المنظمة الصهيونية العالمية ١٩١٨، وهى «المجلة الصهيونية»، ظلت «المقطم» تواصل دورها فى خدمة الحركة الصهيونية بأساليب متعددة.

وكذلك صحيفة «السياسة» لسان حال حزب «الأحرار الدستوريين»، فقد كانت تروج للدعوة إلى التفاهم بين العرب واليهود، وترى أن حل المشكلة الفلسطينية يكمن فى تحقيق هذا التفاهم من أجل إقامة الوطن المشترك، وهى النغمة التى حازت صدى مقبولًا لدى الدوائر الصهيونية.

وأرسلت صحيفة «هآرتس» الصهيونية رسالة نشرتها صحيفة «السياسة» فى عددها بتاريخ ٢٨ سبتمبر ١٩٢٩، جاء فيها أنها «تؤكد أسفها الشديد لأنها لأول مرة فقط تسمع صوتًا مستنيرًا فى العالم الإسلامى يشجب سياسة العنف التى يسلكها الشعب الفلسطينى لتحقيق أمانيه»، وذلك بعد أن نشرت «السياسة» مقالًا لـ«عبدالله عنان» فى عددها الأسبوعى استنكر فيه أسلوب العنف الذى لجأ إليه الشعب الفلسطينى فى «أحداث البراق» ١٩٢٩.

وقد تبنى الدكتور محمد حسين هيكل، رئيس تحرير صحيفة «السياسة»، دعوة التفاهم بين العرب واليهود، فدعا إلى تأليف لجنة يهودية عربية تضطلع بهذا العبء، وكان يرى أن حل المشكلة الفلسطينية لا يكون إلا بين العرب واليهود، ولا ينتظر من الدولة الإنجليزية أو «عصبة الأمم» أن تتوسط لهذا التفاهم لأنه يلوى عليها مقاعدها الاستعمارية.

وأشادت صحيفة «إسرائيل» صوت الحركة الصهيونية فى مصر بمقال الدكتور «هيكل» باعتباره «خير ما كتب إلى الآن باللغة العربية بأسلوب برىء من الهوى وملىء بروح الإخلاص والصراحة فى مشكلة فلسطين».

واستَعْدَت صحيفة «السياسة» السلطات ضد الفلسطينيين المقيمين فى مصر، مهددة إياهم بالطرد بسبب اتهامهم بإثارة الطائفية فى مصر بسبب النشاط الدعائى الذى كانوا يقومون به لتزويد الرأى العام المصرى بالمعلومات والحقائق عن «أحداث البراق». ولم تنس «السياسة» أن تشيد باليهود المصريين وتؤكد اعتزاز مصر بوجود هذا العنصر الذكى العامل بين عناصرها.

وتعد صحيفة «الاتحاد» من أبرز الصحف التى كانت تربطها بالصحافة الصهيونية علاقة تفاهم ومودة، خلال فترة العشرينيات والثلاثينيات، وأبدت لذلك اهتمامًا متزايدًا بمتابعة أحوال اليهود فى مصر والدول العربية، وكانت تركز على حوادث الاضطهاد التى تعرض لها اليهود فى روسيا وألمانيا.

وكانت ترى أن حياة فلسطين قد بلغت من الازدهار والقوة خلال السنوات التى تدفقت فيها الهجرة اليهودية مصحوبة برءوس الأموال مما لا يمكن إغفاله، وأنه من الخطأ البين الاعتقاد بأن فلسطين أصبحت مأوى الفقراء والمشردين، لذلك فإن إنشاء الوطن القومى فى فلسطين يعد فاتحة عهد جديد فيها وسيكون هذا العهد حافلًا بالعجائب والمدهشات.

رغم ذلك، كان يوجد بجانب الصحف المصرية المتعاطفة مع الصهيونية مثل «المقطم» و«السياسة» و«الاتحاد» و«الشعب»، بعض الصحف ذات الاتجاه المعتدل مثل «الأهرام»، وقد حظيت هذه الصحف سواء الموالية للصهيونية أو المعتدلة بعناية واهتمام الصحافة الصهيونية فى مصر.

بينما تعرضت الصحف الوطنية ذات الاتجاه المعادى للصهيونية مثل «البلاغ» و«كوكب الشرق» و«المصرى» و«الصرخة» و«مصر الفتاة الاشتراكية» و«صوت الأمة» للهجوم الشديد من جانب الصحافة الصهيونية.

___________________________________________________________________________________

هل سهّل طه حسين اختراق الصهيونية لمصر؟

وجدي الكومي

الأحد 10/12/2017
يأتي صدور كتاب “الاختراق الصهيوني لمصر من 1917 حتى 2017″، للباحثة عواطف عبد الرحمن في وقته تماما، وكأن مؤلفته كانت تعلم بالغمة القادمة، وتتوقع كارثة إعلان دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل… وليس من المستغرب عن عواطف عبد الرحمن التي اعتقلها السادات ضمن مجموعة كبيرة من معارضي سلامه مع إسرائيل مطلع الثمانينات، أن تصدر هذا الكتاب، وهي ترصد فيه كل من ساند المشروع الصهيوني في مصر، ووفر له إمكانيات التمدد والانتشار في البيئة المصرية، وجعل إسرائيل صديقا في وضع شاذ ومغاير لمكانتها الطبيعية آلا وهي “العدو”.

تؤكد عواطف عبد الرحمن أن فكرة الكتاب شغلتها منذ سنوات، عندما هالها غياب الوعي لدى الأجيال الجديدة بماهية الصراع العربي الصهيوني، وتاريخ ومركزية القضية الفلسطينية، وتطوراتها وحقيقة المشروع الصهيوني والصراع الوجودي بين هذا المشروع والمشروع القومي العربي.

تُحمّل عواطف عبد الرحمن اتفاقية كامب ديفيد التي دشنها السادات عام 1978، مسؤولية الانحراف عن المسار الصحيح لمواجهة تحديات الماضي وتعدد بعد كامب ديفيد اتفاقيات الصلح المزعومة مع إسرائيل، ومنها اتفاق أوسلو عام 1993، واتفاق وادي عربة مع الأردن عام 1994، تشير عواطف إلى أن أخطر ما أسفرت عنه هذه الاتفاقيات تتمثل في المحاولات الصهيونية لإعادة تشكيل عقول الأجيال الجديدة ووجدانهم بحجب الحقائق التاريخية والثوابت الوطنية سواء ما يتعلق بالحركة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني الاقتلاعي في فلسطين، أو الثوابت القومية في عالمنا العربي.

تضع المؤلفة يدها على مكمن الخطر، حينما تذكر في كتابها، أن مناهج الكتب المدرسية المصرية، كاشفة عن هذا التحول في وعي الأجيال الجديدة إزاء الصهاينة، والقضية الفلسطينية، تشير إلى أن الباحث الإسرائيلي أوفير وينتر، أجرى دراسة بعنوان “السلام مع إسرائيل في الكتب المدرسية المصرية ومقارنة التغييرات التي طرأت بين عهدي مبارك والسيسي” ونشرها في دورية تقارير استراتيجية إبريل مايو 2016، الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، وذكر الباحث الإسرائيلي أن المناهج الجديدة قدمت إسرائيل في اعتبارها بلدا صديقا وليست عدوا، ولم تتطرق لحروب مصر وشهدائها على أيدي الإسرائيليين كما حذفت أهم بنود معاهدة السلام المرتبطة بالقضية الفلسطينية، مثل الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ودور مصر المحوري في مساندتهم.

أسئلة كبيرة بلا إجابة

تستعرض عواطف عبد الرحمن اتفاقيات السلام التي إبرمت مع إسرائيل، تحت بند التسوية السلمية التي بدأها السادات واستمرت خلال عصر مبارك على مدى 30 عاما ولا تزال مستمرة بعد ثورة 25 يناير 2011، تذكر المؤلفة أن مصر ضحت بآلاف الشهداء دفاعاً عن حقها في حماية حدودها وأمنها القومي، لكن تراجعها عن هذا الهدف الاستراتيجي وخروجها من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي بتوقيعها اتفاقيات الصلح والاستسلام للشروط الأميركية الصهيونية، كان له آثاره الكارثية على مجمل الأوضاع المصرية والفلسطينية والعربية، وتطرح عدة أسئلة، منها: ماذا حققت التسوية لكل من القضية الفلسطينية والأمن القومي المصري؟ وهل استطاعت مصر بعد 37 عاما من توقيع كامب ديفيد أن تحتفظ بسيادتها كاملة على سيناء، خاصة بعد توقيعها الاتفاق الأمني مع إسرائيل وأميركا في يناير 2009، والذي يؤكد أن مصر ليس لها سيادة كاملة على أرض سيناء ومياهها الإقليمية ومجالها الجوي.

اليهود في مصر

تسلّط عبد الرحمن الضوء على وجود اليهود في مصر، مستعينة بالمصادر التاريخية التي أرجعت وجودهم إلى عام 1650، قبل الميلاد، حينما هاجر يعقوب وأولاده إليها، واستقر بعضهم في منطقة الفيوم، بعد خروج النبي موسى من مصر 1300 ق.م، بعد هذا الجزء التاريخي الشيق، تقفز المؤلفة إلى الخريطة الاجتماعية والطائفية لليهود، تشير هنا كيف انقسم اليهود إلى ثلاث شرائح أساسية، شكلت العائلات الأرستقراطية، الثرية، ورجال الأعمال البارزين، في مجالات تصدير القطن وغيرها، وأخيرا صغار الحرفيين والباعة الجائلين، وفقراء اليهود. كما تمر عواطف عبد الرحمن على دور اليهود الاقتصادي في مصر، ومساهماتهم في إنشاء وتوجيه البنوك وشركات التأمين، وشركات الأراضي الزراعية، التي عملت على امتلاكها، واستغلالها، والمضاربة فيها، وتمويل المشروعات الاقتصادية وإدارتهم لبنوك التسليف والرهون. تكشف عواطف كيف تسبب النشاط المصرفي لبنوك موصيري وسوارس والعقاري المصري” وهي من أقدم البنوك اليهودية في مصر، في حدوث الأزمة المالية الحادة في مصر عام 1907، نتيجة تمويل هذه البنوك المضاربات في الأراضي الزراعية وأراضي البناء، مما أسفر عن نزع ملكية كثير من المزارعين المصريين.

تتحدث فيه عواطف عبد الرحمن عن الدور الخطير للمثقفين اليهود في مصر، الذين حاولوا الالتفاف حول كبار الكتاب والأدباء المصريين والتقرب إليهم، لكسب تعاطفهم مع القضية الصهيونية، فنجحوا في اكتساب ثقة طه حسين، ومحمد حسين هيكل، والعقاد، ولطفي السيد. توجه عواطف عبد الرحمن سهام النقد إلى طه حسين، وتحمله مسؤولية تجاهل القضية الفلسطينية، في أكثر من موضع، بل وتتهمه بأنه كان إحدى أدوات اختراق الصهيونية لمصر، إذ تشير عواطف إلى أن عميد الأدب العربي أشرف على رسالة دكتوراه بعنوان “تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام” لتلميذ طه حسين الباحث اليهودي إسرائيل ولفنسون، الذي أظهر فضل اليهود على العرب في رسالته، كما تشير عواطف إلى أن الصحافة اليهودية أحاطت طه حسين باهتمامها الواضح، خصوصاً عندما أعيد إلى الجامعة بعد إقصائه عنها، كما ترجم أحد المثقفين اليهود كتاب “الأيام” إلى العبرية. تبرز عواطف أيضا زيارة طه حسين لمدارس الطائفة الإسرائيلية في الإسكندرية عام 1944، وتقديمه محاضرة في دار المدارس الإسرائيلية التي تناول فيها علاقة اليهود بالأدب العربي.

ولعل ما تشير إليه عواطف في كتابها يندرج تحت بند ظروف العصر، فلا يمكن لي كقارئ الكتاب إدانة تصرفات طه حسين آنذاك، فلم تكن قضية التطبيع مع الكيان الصهيوني قد ظهرت بهذا الوضوح الحالي، ولكن عواطف عبد الرحمن تمضي بقوة أكبر، وتفند هذه الحجة، إذ تكشف أن طه حسين تلقى هجوماً في الصحافة العربية بسبب هذه المحاضرة، وأن الصحافة اليهودية تصدت للدفاع عنه، مما يعني أن مجايلي عميد الأدب العربي أدانوا هذه المحاضرة والزيارة.

الاختراق الصهيوني لمصر

تشير عواطف في الفصل الثاني من الكتاب إلى أن مراحل اختراق الصهيونية لمصر مرت بأطوار عديدة، أولها قبل صدور وعد بلفور عام 1917، تلفت هنا إلى أن هناك نشاطاً صهيونياً ملحوظاً شهدته القاهرة منذ العام 1896، حينما وفد إلى مصر جوزيف باروخ، الذي أسس أول جمعية صهيونية في القاهرة سماها “جمعية ركوخيا الصهيونية”، كما ترجع عواطف عبد الرحمن بداية النشاط الصهيوني بزيارة هرتزل لمصر عام 1904، لبحث مشروع الاستيطان الصهيوني مع السلطات المصرية.

ولعل المهم في هذا الجزء من الكتاب، الإشارات التاريخية التي تمنحها المؤلفة للقارئ، بخصوص تأسيس الاتحاد الصهيوني في مصر عام 1913، الذي ترأسه جاك موصيري أبرز الصيارفة المصريين عام 1916، عام واحد قبل صدور وعد بلفور. لكنها تعود مرة أخرى في هذا الجزء من الكتاب إلى اتهام طه حسين بأنه كان إحدى أدوات الاختراق الصهيوني لمصر، إذ تشير إلى أن الحركة الصهيونية اعتمدت على الصحافة المصرية للدعاية لها، ومنها “المقطم”، و”الأهرام”، ثم في الأربعينيات، فوجئ الرأي العام المصري، بأسلوب دعائي صهيوني جديد يتلخص في إصدار مجلة مصرية ذات طابع ثقافي ضمت نخبة من كبار المثقفين والمفكرين المصريين وهي مجلة “الكاتب المصري”، التي ترأسها طه حسين، تقول عواطف: تعرضت المجلة لحملة عنيفة من جانب بعض الصحف المصرية، مثل “مصر الفتاة”، متهمة إياها بالخضوع للسيطرة الصهيونية، وأن الهدف من إصدارها استقطاب المثقفين المصريين لصالح الحركة الصهيونية، وشراء صمتهم إزاء الصراع العربي الإسرائيلي في فلسطين.

تحيل عواطف قارئ الكتاب إلى مصدر آخر في هامش الصفحة التي وردت فيها الفقرة لكتاب آخر من إصدارها بعنوان “الصحافة الصهيونية في مصر من 1897 إلى 1954.

هل كان طه حسين أداة في يد الصهاينة لاختراق مصر؟

تحاول عواطف عبد الرحمن جاهدة القول إن طه حسين كان لعبة في يد الصهاينة، فتشير إلى أن شركة الإعلانات الشرقية التي أدارها الصهاينة في مصر، والتي تحكمت في تجارة الورق، استخدمت هذا السلاح، للضغط على الصحف المصرية، خصوصا أثناء الصحف المصرية، إذ كانت تمنح الصحف المصرية الموالية لها أولوية الحصول على حاجتها من الورق، مثلما حدث مع صحيفة الشمس الصهيونية ومجلة الكاتب المصري، التي يرأس تحريرها طه حسين، إذ أنهما حصلا على حاجتهما من الورق على الرغم من صدور القانون الذي يحرم بيع ورق الصحف، والاتجار فيه، ويعفي وزارة التموين من مسؤولية توفير الورق للصحف الجديدة.

وتمضي المؤلفة لتعدد المطبّعين الآخرين، أو هؤلاء الذين ساهموا في اختراق الصهاينة لمصر، ومنهم حكومة محمد محمود باشا، التي وقفت ضد ثورة الشعب الفلسطيني عام 1929، ولكنها تعود مرة أخرى إلى الإشارة أن طه حسين عرض رؤية المجلة إزاء الصراع الفلسطيني الصهيوني، من خلال إحدى مقالاته الافتتاحية، التي تناول فيها وصفا مفصلا لرحلته من القاهرة إلى بيروت، حيث أبدى تعاطفه مع المهاجرين اليهود على ظهر السفينة، وأشار إلى أنهم سوف يقيمون في وطن ليس وطنهم. تأخذ عواطف على طه حسين أنه لم يطرح الحل الصحيح للمشكلة، مكتفيا بقوله: ولكن في الأرض أوطانا كثيرة أقدر على إيوائهم من فلسطين.

كما تطرح المؤلفة في هذا الجزء أسماء من هددوا الفلسطينيين وأساءوا للقضية، وكانوا عوناً للصهاينة، ومنهم صحيفة “السياسة” التي هددت الوطنيين الفلسطينيين في مصر بالطرد لإثارتهم الفتن، وإسماعيل صدقي الذي تولى الوزارة عام 1930، وصادر وأغلق كثيرا من الصحف الوطنية المصرية المنددة بالصهيونية، وبطشه بجريدة “الشورى” الفلسطينية التي كانت تصدر في القاهرة ويرأس تحريرها محمد علي الطاهر من مؤيدى حزب الوفد، كما أن إسماعيل صدقي هو من اعتقل الفلسطينيين الذين هتفوا ضد بلفور أثناء مروره على القاهرة، وهو من رعى صحيفة إسرائيل التي أنشأها ألبرت موصيري منذ عام 1920.

كما أوفدت حكومة زيور باشا أحمد لطفي السيد مندوباً عن الجامعة المصرية لحضور احتفالات افتتاح الجامعة العبرية عام 1925، وهي الواقعة التي طاردت لطفي السيد طويلا، وحاول التملص منها وإنكارها.

يأخذ الكتاب شكل السرد التاريخي، ففي الفصل الثالث تتناول مؤلفته ثورة يوليو والمشروع الصهيوني، وقسمت هذا الجزء 3 أقسام، أولها الفترة الناصرية، وثانيها، الفترة الساداتية، ثم فترة مبارك، ثم ردود أفعال نتنياهو على ثورة 25 يناير. وفي هذه الفصول تؤرخ عواطف عبد الرحمن لأبرز معارك الصحافة المصرية مع التطبيع، ومنها المواجهة التي اندلعت ضد عبد المنعم سعيد ولطفي الخولي أثر زيارتهما إلى إسرائيل، وكذلك تفرد فصولا في الكتاب لوقائع التطبيع السياسي والاقتصادي خاصة في مجالات الزراعة والري، ودور يوسف والي مهندس التطبيع الزراعي مع إسرائيل الذي عقد مؤتمرا اقتصاديا في واشنطن لدراسة التعاون بين علماء مصر وإسرائيل، بل وتناولت المؤلفة مشروعات نقل المياه شرقا، ومحاولات إسرائيل لإقناع إثيوبيا ببيع جزء من حصتها المقررة من مياه النيل لها.

 

عن admin

شاهد أيضاً

كتاب : الاقتصاد المصري في ربع قرن 1952-1977

  رابط للتحميل المباشر https://drive.google.com/file/d/1FWaeD_XpZlFc5hqJ2HJIAHG8Ni20XAzP/view?usp=sharing الاقتصاد المصري في ربع قرن 1952-1977 : بحوث ومناقشات المؤتمر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *