الرئيسية / تقارير وملفات / إيران.. الأداء الاقتصادي-الاجتماعي والاضطراب السياسي – بقلم :د.أحمد السيد النجار
Iranian students scuffle with police at the University of Tehran during a demonstration driven by anger over economic problems, in the capital Tehran on December 30, 2017. Students protested in a third day of demonstrations, videos on social media showed, but were outnumbered by counter-demonstrators. / AFP PHOTO / STR (Photo credit should read STR/AFP/Getty Images)

إيران.. الأداء الاقتصادي-الاجتماعي والاضطراب السياسي – بقلم :د.أحمد السيد النجار

 

تشهد إيران حراكا جماهيريا بشأن قضايا اقتصادية-اجتماعية بالأساس مثل البطالة والغلاء وتدهور مستويات المعيشة للفقراء والطبقة الوسطى في ظل معدلات التضخم المرتفعة وفرض المزيد من الضرائب لتمويل الإنفاق العام في الموازنة الجديدة والتكهنات برفع أسعار الوقود. وإضافة لتلك الأسباب الاقتصادية تظل الطبيعة الاستبدادية وحتى الفاشية لأي نظام سياسي-ديني محفزا للمعارضة لكل من يحلمون بالحرية والديموقراطية. لكن التظاهرات رفعت شعارات قومية تطلب انكفاء إيران على ذاتها بعيدا عن الانخراط في القضية الفلسطينية أو مساندة الدولة السورية وحزب الله. كما أن الليبراليين الإيرانيين يشاركون فيها بفعالية وهم الأقرب للغرب وحتى لإسرائيل ويتوق البعض منهم لفاشية نظام الشاه القديم بديلا للفاشية الدينية!!
ورغم أن بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرون تبدو مُقحمة من أصدقاء الغرب على سياق المشاكل الحقيقية في إيران، إلا أن ذلك لا يبرر تجاهل السلطة لتلك المشاكل التي يعاني منها الشعب الإيراني والادعاء بأن الأمر برمته مؤامرة خارجية رغم أن محاولة الاستغلال الأمريكية للأحداث حاضرة وعدائية.
وإيران دولة مذهبية بامتياز في ظل ولاية الفقيه الشيعي بسلطاته الروحية والمادية الكبيرة، وأيضا في ظل احتكار التنظيمات المذهبية وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني لهيكل القوة العسكرية في إيران. وإيران هي واحدة من القوى الثلاث الكبرى في منطقة الشرق الأوسط وهي مصر وتركيا وإيران، ولا يؤبه عند حساب ذلك بالدول الصحراوية المخبولة التي لا تسمح لها إمكانياتها السكانية والحضارية والثقافية وأدوارها التاريخية ومقبوليتها الإقليمية بالقيام بدور القيادة إقليميا بينما تصر هي على ذلك فترتكب حماقات وتشعل حروب وصراعات وتبني أحلاما امبراطورية خرقاء تستنزف خزائنها الريعية وتتحول إلى ركام على رأسها بعد ذلك!
وبلغ عدد سكان إيران عام 2017 نحو 80,7 مليون نسمة يعيش 73% منهم في المدن. ويبلغ متوسط عمر الفرد فيها نحو 75,5 سنة. وبلغت قيمة ناتجها القومي الإجمالي نحو 512 مليار دولار، ومتوسط نصيب الفرد منه نحو 6550 دولار. وبلغ ناتجها القومي الإجمالي مقدرا بالدولار وفقا لتعادل القوى الشرائية نحو 1362 مليار دولار، ومتوسط نصيب الفرد منه نحو 17430 دولار في عام 2015.
وتملك إيران احتياطيات ضخمة من النفط بلغت نحو 157,5 مليار برميل تعادل نحو 12,3% من إجمالي الاحتياطيات العالمية وتأتي في المرتبة الثانية عالميا بعد مملكة عائلة سعود (266,6 مليار برميل). وتنتج إيران نحو 3,1 مليون برميل يوميا مما يضعها في المرتبة الخامسة أو السادسة بالتبادل مع العراق. وهذا المستوى من الإنتاج متدني ولا يتناسب مع حجم الاحتياطيات العملاقة والاحتياجات الاجتماعية لزيادات إيرادات تصدير النفط في صورته الخام أو بعد تكريره لمنتجات وتصنيع البتروكيماويات منه. وتحتاج إيران مثلها مثل العراق للتفاوض لمضاعفة حصتها من إنتاج النفط على حساب دول صغيرة وأقل احتياجا وتحصل على حصص إنتاجية كبيرة لا مبرر لها. وتملك إيران احتياطيات عملاقة من الغاز الطبيعي بلغت نحو 34 تريليون متر مكعب تشكل نحو 17,3% من الإجمالي العالمي. وتحتل المرتبة الثانية عالميا في هذا الشأن بعد روسيا (47,8 تريليون متر مكعب). وتنتج إيران نحو 213 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا وتأتي في المرتبة الثالثة عالميا بعد الولايات المتحدة (728 مليار متر مكعب) وروسيا (579 مليار متر مكعب). والاحتياطيات الإيرانية من الغاز تكفي للاستمرار في مستوى الإنتاج الراهن نحو 160 سنة.
وبلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي الإيراني نحو -7,7% عام 2012، ونحو -0,3% عام 2013، ونحو 3,2% عام 2014، ونحو -1,6% عام 2015، ونحو 12,5% عام 2016، ونحو 3,5% عام 2017. وكما هو واضح فإنه نمو متذبذب يتحول إلى ركود عميق في سنوات لم يكن فيها أي مبرر للركود مثل عامي 2012، و 2013 حيث سجلت أسعار النفط فيهما مستويات قياسية بلغت 109,5 دولار للبرميل في المتوسط عام 2012 وهو أعلى سعر اسمي تاريخي للنفط خلال عام كامل. ونحو 105,9 دولار للبرميل عام 2013. وأداء الاقتصاد الإيراني في هذا الشأن سئ ومتذبذب ومرتبط بحجم إنتاج النفط والغاز وأسعارهما كأي دولة لم تصب ما أصابته إيران من تطور وتقدم! وحتى استغلال إيرادات النفط والغاز في تطوير وتنويع الاقتصاد لم تحدث بكفاءة حيث ما زالت القطاعات الأولية مثل الزراعة والصناعات الاستخراجية تهيمن على النشاط الاقتصادي، بينما يقتصر إسهام الصناعات التحويلية على نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث تم توجيه الاهتمام للصناعات العسكرية بصورة أساسية. وترتيبا على ذلك النمو المتذبذب والانحدار إلى هوة الركود في بعض السنوات، بلغ معدل البطالة وفقا للبيانات الرسمية نحو 11%، لكنه أعلى كثيرا في الواقع حيث تنزع إيران شأن كل الدول النامية إلى تقليل معدل البطالة لإظهار الأداء الحكومي أفضل مما هو في الواقع!
وهذه البطالة الكبيرة حتى وفقا للبيانات الرسمية تعني حرمان أكثر من ثلاثة ملايين إنسان من حق العمل وكسب العيش بكرامة. ونظرا لعدم وجود أي نظام لدعم العاطلين فإنهم يصبحون عالة على أسرهم وسببا في تدني مستويات معيشتها وانزلاق البعض منها إلى هوة الفقر.
أما معدل ارتفاع أسعار المستهلكين (مؤشر معدل التضخم) فقد بلغ نحو 10,5% في العام الحالي، مقارنة بنحو 9% عام 2016، ونحو 11,9% عام 2015، ونحو 15,6% عام 2014، ونحو 34,7% عام 2013، ونحو 30,8% عام 2012. وهي عموما من البلدان التي يعتبر معدل التضخم فيها أعلى كثيرا من المتوسط العام في البلدان النامية (4,3%). ومعروف أن معدل التضخم المرتفع يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية أو الدخول الحقيقية للفقراء والطبقة الوسطى. كما أنه يعيد توزيع الدخل والثروة لصالح أصحاب حقوق الملكية على حساب أصحاب حقوق العمل من العاملين أيا كان نوع ومستوى عملهم. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن أفقر 10% من السكان في إيران يحصلون على 2,6% من الدخل، ويحصل أفقر 20% من السكان على 6,4% فقط من الدخل، ويحصل أفقر 40% من سكان إيران على 17,3% من الدخل، بينما يحصل أغنى 20% من سكان إيران على 45,2% من الدخل. وهو بالتأكيد توزيع سئ للدخل يفرض الحاجة والضرورة لتحسين توزيع الدخل عبر تمكين البشر من كسب عيشهم بكرامة من خلال فرص العمل، وتطبيق نظام عادل للأجور، وإعادة توزيع الدخل من خلال نظام ضريبي متعدد الشرائح وتصاعدي، وتحسين الدعم والتحويلات ودعم الخدمات العامة وبخاصة الصحية والتعليمية.
وتحقق إيران في الفترة الأخيرة فائضا في ميزان حسابها الجاري سواء في سنوات ارتفاع أسعار النفط أو تراجعها. وقد بلغ الفائض في ميزان الحساب الجاري الإيراني كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي نحو 5,1% عام 2017، مقارنة بنحو 4,1% عام 2016، ونحو 2,4% عام 2015، ونحو 3,2% عام 2014، ونحو 6,7% عام 2013، ونحو 6% عام 2012.
وتعتبر إيران دولة خفيفة الديون أو بلا ديون خارجية تقريبا حيث تمكنت من خلال إيرادات صادراتها النفطية من تخفيض قيمة ديونها الخارجية من نحو 20 مليار دولار عام 2010، إلى نحو 5,5 مليار دولار فقط عام 2014 وهي تعادل نحو 1,1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي لإيران.
ورغم نشاطها العسكري الخارجي في العراق وسورية إلا أن إنفاقها العسكري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يبلغ نحو 3%، علما بأن الانفاق العسكري لمملكة عائلة سعود بلغ 10,4% من الناتج المحلي الإجمالي السعودي، وبلغ الإنفاق العسكري للكيان الصهيوني نحو 5,8% من الناتج المحلي الإجمالي له عام 2016. لكن الإنفاق العسكري الإيراني يبقى أعلى من الإنفاق العام على الصحة الذي يبلغ 2,8% من الناتج المحلي الإجمالي لإيران. وللعلم فإن الانفاق العالمي على الصحة يبلغ أكثر من ضعف الإنفاق العسكري العالمي.
وكانت الحكومة الإيرانية تأمل أن يؤدي اتفاقها النووي مع الغرب إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إليها، لكن الذي حدث هو أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تتدفق لإيران تراجعت من 4,7 مليار دولار عام 2012، إلى 3,1 مليار دولار عام 2013، إلى 2,1 مليار دولار عام 2014، ومثلها في عام 2015 قبل أن تتحرك لأعلى لتبلغ نحو 3,4 مليار دولار عام 2016، لكنها تبقى أقل كثيرا من المستوى المسجل عام 2012.
ويبدو التعويل الإيراني على الاستثمارات الأجنبية في دفع النمو الاقتصادي أمرا يفتقد للمنطق ويعكس ضعف كفاءة الإدارة الاقتصادية في دولة تملك احتياطيات هائلة من النفط والغاز، وتبلغ إيرادات صادراتها منهما أكثر من 60 مليار دولار عند المستويات المتدنية للسعر حاليا، وكانت تزيد عن 110 مليار دولار عام 2011.
وإذا جمعنا الطبيعة الاستبدادية للنظام السياسي الديني، والتمييز القائم على وضع قوة الأمة في يد تنظيم مذهبي تمييزي هو الحرس الثوري الذي تم تصدير نموذج سئ ومشابه له للعراق (الحشد الشعبي الشيعي)، مع انتشار البطالة وما ينتج عنها من فقر، وسوء توزيع الدخل، وضعف كفاءة الإدارة الاقتصادية في توظيف الموارد النفطية والغازية الهائلة، فإنه من الطبيعي أن تكون هناك احتقانات يمكن أن تولد احتجاجات دون حاجة لأي طرف خارجي. وإن كان من الضروري الإشارة إلى أن أعداء إيران لن يقصروا في محاولة استغلال تلك الاحتجاجات بأسوأ صورة ممكنة، وحتى إن حدث ذلك فإن اللوم يقع على الحكم في إيران الذي لم يحل المعضلات التي تسبب الاحتقانات والاحتجاجات. وقد يستطيع النظام الإيراني تجاوز الأزمة السياسية بكل السبل وعلى رأسها القمع، لكنها ستكون قابلة للتجدد إذا لم تتم معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية الموضوعية للاضطرابات.إيران.. الأداء الاقتصادي-الاجتماعي والاضطراب السياسي
أحمد السيد النجار
تشهد إيران حراكا جماهيريا بشأن قضايا اقتصادية-اجتماعية بالأساس مثل البطالة والغلاء وتدهور مستويات المعيشة للفقراء والطبقة الوسطى في ظل معدلات التضخم المرتفعة وفرض المزيد من الضرائب لتمويل الإنفاق العام في الموازنة الجديدة والتكهنات برفع أسعار الوقود. وإضافة لتلك الأسباب الاقتصادية تظل الطبيعة الاستبدادية وحتى الفاشية لأي نظام سياسي-ديني محفزا للمعارضة لكل من يحلمون بالحرية والديموقراطية. لكن التظاهرات رفعت شعارات قومية تطلب انكفاء إيران على ذاتها بعيدا عن الانخراط في القضية الفلسطينية أو مساندة الدولة السورية وحزب الله. كما أن الليبراليين الإيرانيين يشاركون فيها بفعالية وهم الأقرب للغرب وحتى لإسرائيل ويتوق البعض منهم لفاشية نظام الشاه القديم بديلا للفاشية الدينية!!
ورغم أن بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرون تبدو مُقحمة من أصدقاء الغرب على سياق المشاكل الحقيقية في إيران، إلا أن ذلك لا يبرر تجاهل السلطة لتلك المشاكل التي يعاني منها الشعب الإيراني والادعاء بأن الأمر برمته مؤامرة خارجية رغم أن محاولة الاستغلال الأمريكية للأحداث حاضرة وعدائية.
وإيران دولة مذهبية بامتياز في ظل ولاية الفقيه الشيعي بسلطاته الروحية والمادية الكبيرة، وأيضا في ظل احتكار التنظيمات المذهبية وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني لهيكل القوة العسكرية في إيران. وإيران هي واحدة من القوى الثلاث الكبرى في منطقة الشرق الأوسط وهي مصر وتركيا وإيران، ولا يؤبه عند حساب ذلك بالدول الصحراوية المخبولة التي لا تسمح لها إمكانياتها السكانية والحضارية والثقافية وأدوارها التاريخية ومقبوليتها الإقليمية بالقيام بدور القيادة إقليميا بينما تصر هي على ذلك فترتكب حماقات وتشعل حروب وصراعات وتبني أحلاما امبراطورية خرقاء تستنزف خزائنها الريعية وتتحول إلى ركام على رأسها بعد ذلك!
وبلغ عدد سكان إيران عام 2017 نحو 80,7 مليون نسمة يعيش 73% منهم في المدن. ويبلغ متوسط عمر الفرد فيها نحو 75,5 سنة. وبلغت قيمة ناتجها القومي الإجمالي نحو 512 مليار دولار، ومتوسط نصيب الفرد منه نحو 6550 دولار. وبلغ ناتجها القومي الإجمالي مقدرا بالدولار وفقا لتعادل القوى الشرائية نحو 1362 مليار دولار، ومتوسط نصيب الفرد منه نحو 17430 دولار في عام 2015.
وتملك إيران احتياطيات ضخمة من النفط بلغت نحو 157,5 مليار برميل تعادل نحو 12,3% من إجمالي الاحتياطيات العالمية وتأتي في المرتبة الثانية عالميا بعد مملكة عائلة سعود (266,6 مليار برميل). وتنتج إيران نحو 3,1 مليون برميل يوميا مما يضعها في المرتبة الخامسة أو السادسة بالتبادل مع العراق. وهذا المستوى من الإنتاج متدني ولا يتناسب مع حجم الاحتياطيات العملاقة والاحتياجات الاجتماعية لزيادات إيرادات تصدير النفط في صورته الخام أو بعد تكريره لمنتجات وتصنيع البتروكيماويات منه. وتحتاج إيران مثلها مثل العراق للتفاوض لمضاعفة حصتها من إنتاج النفط على حساب دول صغيرة وأقل احتياجا وتحصل على حصص إنتاجية كبيرة لا مبرر لها. وتملك إيران احتياطيات عملاقة من الغاز الطبيعي بلغت نحو 34 تريليون متر مكعب تشكل نحو 17,3% من الإجمالي العالمي. وتحتل المرتبة الثانية عالميا في هذا الشأن بعد روسيا (47,8 تريليون متر مكعب). وتنتج إيران نحو 213 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويا وتأتي في المرتبة الثالثة عالميا بعد الولايات المتحدة (728 مليار متر مكعب) وروسيا (579 مليار متر مكعب). والاحتياطيات الإيرانية من الغاز تكفي للاستمرار في مستوى الإنتاج الراهن نحو 160 سنة.
وبلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي الإيراني نحو -7,7% عام 2012، ونحو -0,3% عام 2013، ونحو 3,2% عام 2014، ونحو -1,6% عام 2015، ونحو 12,5% عام 2016، ونحو 3,5% عام 2017. وكما هو واضح فإنه نمو متذبذب يتحول إلى ركود عميق في سنوات لم يكن فيها أي مبرر للركود مثل عامي 2012، و 2013 حيث سجلت أسعار النفط فيهما مستويات قياسية بلغت 109,5 دولار للبرميل في المتوسط عام 2012 وهو أعلى سعر اسمي تاريخي للنفط خلال عام كامل. ونحو 105,9 دولار للبرميل عام 2013. وأداء الاقتصاد الإيراني في هذا الشأن سئ ومتذبذب ومرتبط بحجم إنتاج النفط والغاز وأسعارهما كأي دولة لم تصب ما أصابته إيران من تطور وتقدم! وحتى استغلال إيرادات النفط والغاز في تطوير وتنويع الاقتصاد لم تحدث بكفاءة حيث ما زالت القطاعات الأولية مثل الزراعة والصناعات الاستخراجية تهيمن على النشاط الاقتصادي، بينما يقتصر إسهام الصناعات التحويلية على نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث تم توجيه الاهتمام للصناعات العسكرية بصورة أساسية. وترتيبا على ذلك النمو المتذبذب والانحدار إلى هوة الركود في بعض السنوات، بلغ معدل البطالة وفقا للبيانات الرسمية نحو 11%، لكنه أعلى كثيرا في الواقع حيث تنزع إيران شأن كل الدول النامية إلى تقليل معدل البطالة لإظهار الأداء الحكومي أفضل مما هو في الواقع!
وهذه البطالة الكبيرة حتى وفقا للبيانات الرسمية تعني حرمان أكثر من ثلاثة ملايين إنسان من حق العمل وكسب العيش بكرامة. ونظرا لعدم وجود أي نظام لدعم العاطلين فإنهم يصبحون عالة على أسرهم وسببا في تدني مستويات معيشتها وانزلاق البعض منها إلى هوة الفقر.
أما معدل ارتفاع أسعار المستهلكين (مؤشر معدل التضخم) فقد بلغ نحو 10,5% في العام الحالي، مقارنة بنحو 9% عام 2016، ونحو 11,9% عام 2015، ونحو 15,6% عام 2014، ونحو 34,7% عام 2013، ونحو 30,8% عام 2012. وهي عموما من البلدان التي يعتبر معدل التضخم فيها أعلى كثيرا من المتوسط العام في البلدان النامية (4,3%). ومعروف أن معدل التضخم المرتفع يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية أو الدخول الحقيقية للفقراء والطبقة الوسطى. كما أنه يعيد توزيع الدخل والثروة لصالح أصحاب حقوق الملكية على حساب أصحاب حقوق العمل من العاملين أيا كان نوع ومستوى عملهم. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن أفقر 10% من السكان في إيران يحصلون على 2,6% من الدخل، ويحصل أفقر 20% من السكان على 6,4% فقط من الدخل، ويحصل أفقر 40% من سكان إيران على 17,3% من الدخل، بينما يحصل أغنى 20% من سكان إيران على 45,2% من الدخل. وهو بالتأكيد توزيع سئ للدخل يفرض الحاجة والضرورة لتحسين توزيع الدخل عبر تمكين البشر من كسب عيشهم بكرامة من خلال فرص العمل، وتطبيق نظام عادل للأجور، وإعادة توزيع الدخل من خلال نظام ضريبي متعدد الشرائح وتصاعدي، وتحسين الدعم والتحويلات ودعم الخدمات العامة وبخاصة الصحية والتعليمية.
وتحقق إيران في الفترة الأخيرة فائضا في ميزان حسابها الجاري سواء في سنوات ارتفاع أسعار النفط أو تراجعها. وقد بلغ الفائض في ميزان الحساب الجاري الإيراني كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي نحو 5,1% عام 2017، مقارنة بنحو 4,1% عام 2016، ونحو 2,4% عام 2015، ونحو 3,2% عام 2014، ونحو 6,7% عام 2013، ونحو 6% عام 2012.
وتعتبر إيران دولة خفيفة الديون أو بلا ديون خارجية تقريبا حيث تمكنت من خلال إيرادات صادراتها النفطية من تخفيض قيمة ديونها الخارجية من نحو 20 مليار دولار عام 2010، إلى نحو 5,5 مليار دولار فقط عام 2014 وهي تعادل نحو 1,1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي لإيران.
ورغم نشاطها العسكري الخارجي في العراق وسورية إلا أن إنفاقها العسكري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يبلغ نحو 3%، علما بأن الانفاق العسكري لمملكة عائلة سعود بلغ 10,4% من الناتج المحلي الإجمالي السعودي، وبلغ الإنفاق العسكري للكيان الصهيوني نحو 5,8% من الناتج المحلي الإجمالي له عام 2016. لكن الإنفاق العسكري الإيراني يبقى أعلى من الإنفاق العام على الصحة الذي يبلغ 2,8% من الناتج المحلي الإجمالي لإيران. وللعلم فإن الانفاق العالمي على الصحة يبلغ أكثر من ضعف الإنفاق العسكري العالمي.
وكانت الحكومة الإيرانية تأمل أن يؤدي اتفاقها النووي مع الغرب إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إليها، لكن الذي حدث هو أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تتدفق لإيران تراجعت من 4,7 مليار دولار عام 2012، إلى 3,1 مليار دولار عام 2013، إلى 2,1 مليار دولار عام 2014، ومثلها في عام 2015 قبل أن تتحرك لأعلى لتبلغ نحو 3,4 مليار دولار عام 2016، لكنها تبقى أقل كثيرا من المستوى المسجل عام 2012.
ويبدو التعويل الإيراني على الاستثمارات الأجنبية في دفع النمو الاقتصادي أمرا يفتقد للمنطق ويعكس ضعف كفاءة الإدارة الاقتصادية في دولة تملك احتياطيات هائلة من النفط والغاز، وتبلغ إيرادات صادراتها منهما أكثر من 60 مليار دولار عند المستويات المتدنية للسعر حاليا، وكانت تزيد عن 110 مليار دولار عام 2011.
وإذا جمعنا الطبيعة الاستبدادية للنظام السياسي الديني، والتمييز القائم على وضع قوة الأمة في يد تنظيم مذهبي تمييزي هو الحرس الثوري الذي تم تصدير نموذج سئ ومشابه له للعراق (الحشد الشعبي الشيعي)، مع انتشار البطالة وما ينتج عنها من فقر، وسوء توزيع الدخل، وضعف كفاءة الإدارة الاقتصادية في توظيف الموارد النفطية والغازية الهائلة، فإنه من الطبيعي أن تكون هناك احتقانات يمكن أن تولد احتجاجات دون حاجة لأي طرف خارجي. وإن كان من الضروري الإشارة إلى أن أعداء إيران لن يقصروا في محاولة استغلال تلك الاحتجاجات بأسوأ صورة ممكنة، وحتى إن حدث ذلك فإن اللوم يقع على الحكم في إيران الذي لم يحل المعضلات التي تسبب الاحتقانات والاحتجاجات. وقد يستطيع النظام الإيراني تجاوز الأزمة السياسية بكل السبل وعلى رأسها القمع، لكنها ستكون قابلة للتجدد إذا لم تتم معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية الموضوعية للاضطرابات.

عن admin

شاهد أيضاً

مصر بين شراء الوهم وبيعه

عبير ياسين   Jan 02, 2018   عندما كان الرئيس عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *