الرئيسية / أخــبار / عالم يتمرد وأمريكا وحلفاؤها مرتبكون وغاضبون! بقلم: محمد عبد الحكم دياب
Palestinian Foreign Minister Riyad al-Malki addresses the General Assembly prior to the vote on Jerusalem, on December 21, 2017, at UN Headquarters in New York. UN member-states were poised to vote on a motion rejecting US recognition of Jerusalem as Israel's capital, after President Donald Trump threatened to cut funding to countries that back the measure. / AFP PHOTO / EDUARDO MUNOZ ALVAREZ

عالم يتمرد وأمريكا وحلفاؤها مرتبكون وغاضبون! بقلم: محمد عبد الحكم دياب

Palestinian Foreign Minister Riyad al-Malki addresses the General Assembly prior to the vote on Jerusalem, on December 21, 2017, at UN Headquarters in New York.
UN member-states were poised to vote on a motion rejecting US recognition of Jerusalem as Israel’s capital, after President Donald Trump threatened to cut funding to countries that back the measure. / AFP PHOTO / EDUARDO MUNOZ ALVAREZ

Dec 23, 201

صوت أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ أول أمس (الخميس) بأغلبية كبيرة لصالح مشروع قرار يحث الولايات المتحدة على سحب قرار اعتبار القدس عاصمة للدولة الصهيونية، وجاء التصويت بموافقة 128 دولة مقابل رفض 9 وامتناع 35 عن التصويت. وكانت الدول التسع التي صوتت ضد القرار هي: الولايات المتحدة والدولة الصهيونية وغواتيمالا، وهندوراس، وجزر مارشال، وميكرونيسيا، وناورو، وبالاو، وتوغو. أما الدول التي صوتت لصالح القرار، فقد جاء من بينها 4 من 5 دول تتمتع بعضوية دائمة في مجلس الأمن؛ بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين. وسبق لترامب أثناء ترؤسه لاجتماع حكومته قبيل ساعات من اتخاذ القرار الأممي؛ سبق له التهديد «بقطع المساعدات المالية عن الدول التي ستصوت لصالح مشروع القرار».

وهذا الجنون وحَّد العالم؛ شرقه وغربه.. شماله وجنوبه.. وما بينهم؛ بشعوبه وثقافاته وأديانه وأعراقه وألوانه.. فقيره وغنيه.. كبيره وصغيره؛ توحد ضد الغطرسة، ولأول مرة بدت واشنطن بلا حلفاء أو أصدقاء، فأعاد طرح القضية الفلسطينية كما يجب أن تكون، وهذه الظاهرة العالمية جديرة بالاحترام، ولفت الأنظار لإجماع نادر الحدوث.. وهناك مؤشرات على أن العالم قد تحول فعلا، وفي طريقه ليكون أكثر تحررا وتفاعلا مع القضايا الإنسانية والمصيرية والعادلة والكبرى، وأقل خوفا من التهديدات وأكثر جرأة على تحديها.. وهذا لم يمنع من وجود حكام من دول «القارة العربية» تتخذ موقفا مغايرا، ولم تشعر بالحرج من وقوف العالم منتصرا للقدس ورافعا رايات فلسطين، ولم تهتز فيها شعرة حين اتحدت كلمته على رفض قرار ترامب، و«خصخصة» المدينة المقدسة لحساب الحركة الصهيونية وحدها، وتجاوز قيمتها الدينية لليهودية والمسيحية والإسلام، وكأنهم لا يعرفون شيئا عن قيمتها التاريخية والثقافية والحضارية والإنسانية للبشرية جمعاء.

وجاء المشروع الذي تقدم به ممثل مصر في مجلس الأمن؛ ضد قرار ترامب.. ناعما.. هينا.. لينا.. حرص على إثارة نقاط ثلاث؛ الأولى الالتزام باستمرار التفاوض، والتأكيد على «أن أي حل لمسألة القدس يتم عبر المفاوضات» والثانية إشارة خجولة إلى ما يمكن أن يلحق بالطبيعة السكانية، وكأن التركيبة السكانية لم يلحقها تغيير أو أذى، ونص على أن «أية قرارات وأعمال تبدو وكأنها تغير طابع أو وضع أو التركيبة الديمغرافية»، والثالثة الاستناد إلى الجانب القانوني وحده لإبطال مفعول القرار وإلغائه، على أساس أنه خطوة «ليس لها أي مفعول قانوني وهي باطلة ويجب إلغاؤها»..

ومن صاغ لمشروع المصري كان يراهن على سلام غير قائم، وزواج حرام بين صاحب حق ومغتصب، وكأن ترامب يجهل أنه ألقى بكل ذلك في وجه العالم أجمع، وسواء جاء ذلك عفوا أو عمدا فإنه أعاد الصراع إلى وضعه الطبيعي، وعرى التطبيع المصطنع بين المظلوم والظالم، وبين الضحية والجاني، وبدت روح المشروع المصري وكأنها طوق نجاة لانتشال ترامب من ورطته، وانتزاعه من شيطانه الذي صور له قدرته الخارقة على فرض أمر واقع يتحدي العالم.

رسخت بلدان عربية لدى ترامب ذلك التصور؛ حين استجابت لجزية فرضها عليها، وحصل من دولة واحدة على جزية هي الأكبر في التاريخ البشري؛ دُفِعت لشراء استقرار مزيف وطموح غير مشروع، ومقدم تحت حساب العدوان على إيران، والاستمرار في إحراق سوريا، وتصفية المقاومة الوطنية والإسلامية في فلسطين ولبنان، وتعزيز مكانة الملك القادم، وإذا كانت هذه جزية دُفعت من دولة واحدة، ووصلت إلى أكثر من أربعمئة مليار دولار، فماذا سيقدم غيرها الأكثر ثراء؟!.

ما زالت الحكومات الموقعة على معاهدات الإذعان؛ مصر والأردن وفلسطين؛ ما زالت تخدع نفسها بسلام مسموم، وقد أكد لها ترامب أنه كان سرابا؛ أعاد الصراع إلى سيرته الأولى. وأثبت لهم خطأ وخطل مَن ظنوا أن الحق المغتصَب يعود بالتفاوض، والسلام المفتقد يتحقق بإدمان التنازل والإغداق على العدو، والتغطية على الحقوق المشروعة والتاريخية؛ بالتدليس والتزييف وطمس الهوية الوطنية وشيطنة الانتماء القومي، وترويج أساطير تبرر الاحتلال والاستيطان والتطهير العرقي والتمييز العنصري.. فالعرب والفلسطينيون والشعوب المتآخية والمتجاورة؛ سكنوا هذه الأرض واستقروا فيها من قبل ظهور اليهودية نفسها، وكل ذلك التلفيق جاء به المشروع الصهيوني تجسيدا سياسيا لحركة عنصرية مستحدثة؛ ظهرت في القرن التاسع عشر، ووجدت الظاهرة الاستعمارية فيه مبتغاها كمشروع للتوسع والهيمنة والسيطرة على العالم.

والحياة الإنسانية عادة تمر بدورات من المد والجزر، وبتعاقب موازين القوى كتعاقب الليل والنهار، وإذا كان العالم يعيش حقبة تنتصر للاستغلال والظلم والإرهاب، ومن المتوقع أن تصحح من نفسها وتُعدل من موازينها في قادم الأيام. وفلسطين والقدس وغيرهما من الأراضي العربية المحتلة أُخِذَتْ بالقوة فيما قبل نكبة 1948 وبعدها، ويصح في استردادها اعتماد قاعدة أن «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة» وهذه قاعدة أثبتت جدواها على مر العصور. وحين بزغ عصر التحرر القومي والاستقلال الوطني، وتم الأخذ بها بعد الحرب العالمية الثانية، تحررت واستقلت أغلب بلدان ودول «القارة العربية» والعالم الإسلامي، ومعهما قارات آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية..

والظروف الحالية مواتية؛ فالموقف العالمي الفريد، يحتاج من العرب استرداد الإرادة، واستجماع القوة، ولم الشمل، والرهان على الذات والقدرات والطاقات الشابة، ولسوف يكتشفون أن بلطجة ترامب من معالم الضعف البالغ، وهو وأمثاله يفكرون بعضلاتهم ويتسلطون على الناس بأموالهم وقوتهم الغاشمة، وكل شيء عندهم له ثمن، والمال الوفير يغري بشراء الذمم والبشر والحجر، وهم أعجز عن التفكير بعقولهم، أو تنمية قدراتهم ومهاراتهم التي تُميز البشر عن البقر.

والعرب ليسوا ضعفاء ولا مستسلمين، وتاريخهم المعاصر يؤكد ذلك، وضعفهم الراهن سببه استلاب عاشوه وعايشوه، وتمكن منهم على مدى نصف القرن الأخير. وعليهم أن يتذكروا أن أجدادهم وآباءهم حولوا المقاومة إلى كيان اعتباري اعترف به العالم، وليتذكروا أن الأجداد والآباء بنوا جيش التحرير الفلسطيني، وفي حياتهم توحدت الفصائل تحت راية واحدة هي راية منظمة التحرير الفلسطينية.

وتحملوا مسؤوليتهم مع الجزائر والمغرب وعدن والجنوب المحتل ومحميات الخليج، وهذه فرصة الآن ليبادر الفلسطينيون باستئناف السير على طريق التحرير والعودة، ومساعدة الأشقاء واجبة إن لم تكن فرض عين فعلى الأشقاء الفلسطينيين أن يجعلوها فرض كفاية، حتى تسترد «القارة العربية» عافيتها، بعد أن رد العالم لها اعتبارها، وخرست ألسنة وحناجر المطبعين والانهزاميين، واتخاذ ذلك الطريق يقتضي خلع الثياب القديمة والبالية، وضخ مياه جديدة نقية في نهر الحياة الجاري والمتجدد، وقد كان راكدا وعطنا.

وخدم ترامب بحماقته وخطله القضية الفسطينية خدمة بالغة، وسقط رهانه على قصر نفس العرب، وسرعة واستسلامهم. والعالم تغير كثيرا، بعد  كانون الأول/ديسمبر الحالي.. أضحت هناك إمكانية لقيام كتلة تاريخية صلبة؛ تتحرك بين ما يقارب 400 مليون عربي، وأخرى إسلامية تقدر بأكثر من مليار نسمة، وثالثة مسيحية، لا تقل عن مليار آخر؛ مرشحة للزيادة، إذا ما انتُزع فتيل التوتر، وقُضي على التعصب، وعودة الاعتبار الوطني لمسيحيي الشرق والعرب، ولا يجب أن يؤخذوا بجريرة المسيحية الصهيونية؛ المتغلغلة في المجتمع الأمريكي، وكثير من دول أوروبا والغرب؛ وهكذا تحتل فلسطين مكانتها السابقة كأساس لوحدة كلمة العرب والمسلمين، ولتبدأ بشغل مكانها ومكانتها في الصفوف الأمامية، وفي طليعة القوى القادرة والمدافعة عن الحق والسلام القائم على العدل.. ورب ضارة نافعة.

عن admin

شاهد أيضاً

كيف تعاونت سوريا و أيران في العراق مع المخابرات البريطانية و الأمريكية ؟

هكذا ولد العراق الجديد من “سفاح” جاسم محمد معروف فالفرق الدقيق بين النكاح والسِفاح هو …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *