عيد النصر

بورسعيد الحلم الوطني

د. محمد السيد سعيد

اليوم تحتفل بورسعيد وحدها تقريبا بعيد النصر في 1956. فمنذ سنوات كفت الدولة المصرية عن أن تعد 23 ديسمبر نصراً وطنياً وتركته للمدينة ومحبيها وحدهم! ولولا الملامة لقلت “حسنا فعلت”. فالجهاز الحكومي لم يعد يقوم بشيء مما له علاقة بالعواطف الوطنية والإنسانية والرموز والروايات التاريخية إلا ليفسده.

وعندما يستكمل المجتمع المدني في بورسعيد بناءه المستقل سوف ينتج لنا احتفالاً بيوم النصر أكثر عمقاً وخصوبة. مثقفو بورسعيد بالذات يبحثون بدون كلل عن “قانون” أو عن “روح” المقاومة في هذا البلد الجميل. ويمكن القول إن بورسعيد تجسد روح المقاومة ضد الاستعمار والطغيان كما يمكن القول إن المقاومة هي هويتها الأصيلة والتي عبرت عنها في عشرات من الأحداث الكبري وآلاف من الأحداث الصغري.

ولدت المقاومة مع ولادة المدينة. وهي لذلك تتدفق بتلقائية ودون حسابات. وكثيرا ما انبثقت المقاومة بدون تحضيرات. وعوض فيض الحماس عن بساطة التخطيط والاستعداد والتحضير حتي أثناء معركة 1956.

وما زلت أذكر كيف كان أبي يلاحق الطائرات البريطانية جريا في شارع 100 في أول وثاني أيام عدوان 1956. كان يجري ومعه مئات الأشخاص ببنادق بسيطة ودون أي ساتر. ولربما لم يكن لهذه الملاحقة الطريفة أي أثر سوي إثبات الحضور وقوة الروح. وما زالت بورسعيد تعاني من المسافة بين فيض الحماس وبساطة التخطيط.

ولكنها حتي في ذلك أفضل حالا من غيرها. إذ تحتل المدينة أعلي مكانة في سائر مؤشرات التنمية البشرية تقريبا. ويعني ذلك أنها قاومت بقوة التراجع في نظام التعليم وفي التطور الحضاري العام الذي شهدته بقية البلد. وأشهد أنه كان لدي بورسعيد دائما واحدة من أفضل المؤسسات الصحية في مصر.

وان كانت المقاومة هي روح أو قانون بورسعيد فيوم 23 ديسمبر ليس سوي حالة خاصة اتحدت مع جميع معايير وحوافز المقاومة في مصر كلها. ومع ذلك من الظلم أن نختصر روح المقاومة في بورسعيد في يوم 23 ديسمبر أو في عام 1956، فبورسعيد كانت واستمرت وستكون دائما في طليعة الحركة الوطنية المصرية. المدينة ساهمت بصورة هائلة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه وسط محنة يونيو 1967 الرهيبة. وسريعا ما بلورت تجارب مقاومة رائعة. وكنت أتمني أن يقوم الباحثون علي الأقل بتوثيق تجربة الجيش الشعبي في بورسعيد الذي كان يتولي حماية المدينة بعد يونيو 1967 وصولا إلي دور المدينة المشهود في حرب الاستنزاف وفي حرب أكتوبر.

نحتاج لاحتفال شعبي يقوده المثقفون بيوم 23 ديسمبر.. احتفال يشعل من جديد روح النهضة والمقاومة في المدينة التي جسدت- وما زالت- الحلم الوطني.

عن admin

شاهد أيضاً

مصر بين شراء الوهم وبيعه

عبير ياسين   Jan 02, 2018   عندما كان الرئيس عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *