الرئيسية / حوارات ناصرية / سامى شرف يكتب إرادة التنمية والاعتماد على الذات

سامى شرف يكتب إرادة التنمية والاعتماد على الذات

7 ديسمبر 2017

          إن قضية التنمية والسعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي الذي انتهجته ثورة يوليو تؤكد أن الاعتماد علي النفس ورفض التبعية هو الطريق السليم، ويعني الاعتماد علي النفس أن يسعي الاقتصاد إلي تعظيم قدرته الادخارية، وإلي تعبئة مدخراته، وحسن توجيهها إلي ما يتمتع فيه بميزة نسبية، ويكون دور رأس المال الأجنبي مكملا وليس هو الأساس، شريطة أن يأتي بالشروط وفي المجالات التي تحددها خطة التنمية، ورغم ارتفاع تكلفة بناء الخبرة الذاتية، إلا أن العمل على تحقيقها ضمانة أساسية لعملية التنمية، وهو ما يعني أن نقص الخبرة المحلية لا يجب أن يبرر الاعتماد علي الخبرة الأجنبية دون إعداد حقيقي لكوادر وطنية عالية الكفاءة.

 

          وحين بدأت ثورة يوليو مشروع التنمية، لم تكن غاية طموحها تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستعاضة عن الواردات فحسب، بل كانت تهدف لما هو أبعد من هذا؛ حيث التصنيع عالي الكفاءة والجودة الذي يمكن تصدير فائضه للخارج، ومن ثم كان الاهتمام على أعلى مستوى بالتصنيع؛ فكانت المرحلة الأولي تهدف إلى تثبيت الصناعة في السوق المحلية تمهيدا للانطلاق إلي الأسواق العالمية.

 

          كان هناك إدراك بأن الانطلاق في هذا المسار  يدعمه أن تكون الدولة علي صلة وثيقة بمجموعة من الدول المجاورة المقاربة لها في أوضاعها الاقتصادية؛ يقوم كل منها بالتخصص في عدد محدود من المجالات، ثم يجري التبادل فيما بينهما علي نحو يفتح أمام كل منها سوقا رحيبة هي سوق التجميع الإقليمي.

 

          ويتيح هذا التوسع في المجالات التي يجري التخصص فيها نتيجة لتوزيع التخصصات فيما بينها أو ما يطلق عليه ” تقسيم العمل الدولي “، ولذلك فقد بات من المسلمات بين اقتصاديي الدول النامية أن التنمية المستقلة تتم باعتماد جماعي علي النفس.

 

           ولقد أزعج هذا الاتجاه الذي ساد بين الدول النامية في الستينات الدول الرأسمالية، فبدأ الحديث عن الاعتماد المتبادل، وخرجت الرأسمالية من الستينات مصابة بأزمات مستعصية أفضت إلي ركود وتضخم وبطالة، ولم تجد بعد سبيلا إلي التخلص منها، ومن ثم تأتي الحملة المسعورة التي تريد القضاء علي التنمية المستقلة، وذلك بالدعوة إلى الخصخصة التي تفتح الباب أمام تغلغل رأس المال الأجنبي الخاص، والتوجه للسوق الخارجي على حساب تلبية احتياجات السوق المحلي، وهو ما يزيد من الاعتماد علي الاستيراد في تلبية الحاجات الضرورية، إنتاجية كانت أم استهلاكية بما في ذلك الغذاء الضروري.

 

          وقد شهد العقدان الأخيران اعتمادا علي قطاعات تضيف إلي قدرات الاقتصاد المالية، ولكنها لا تستطيع تنشيط قدراته الإنتاجية، وتعتمد على قطاعات اقتصادية خدمية بالأساس؛ مثل الاعتماد على عائدات قناة السويس، والبترول، وتحويلات العاملين المصريين بالخارج، والسياحة، وجميعها قطاعات ذات حساسية شديدة للتطورات الخارجية والداخلية، وعرضة للتقلب باستمرار، مما يجعل الاقتصاد القومي في حالة من عدم اليقين وعدم الاستقرار؛ لذا لابد من العودة لبناء القاعدة الإنتاجية المتنامية، التي تقوم على قطاعات إنتاجية حقيقية تضيف للدخل القومي، وتلبي احتياجات ضرورية للسوق المحلي، وتكون قادرة على التطور والنمو بعيدا عن تأثيرات العنصر الخارجي قدر الإمكان.

 

          وأرجو أن أنهي كلامي حول هذ القضية بالاستشهاد بما كتبه جون بادو سفير الولايات المتحدة الأمريكية في القاهرة خلال فترة إصدار القرارات الاشتراكية فقد ذكر في كتابه « ذكريات الشرق الأوسط « The middle East Remembered ، ما نصه:

«وحينما صدرت القوانين الاشتراكية وكنت سفيرا للولايات المتحدة الأمريكية في القاهرة ، ثارت ضجة حولها فقررت تكوين فريق عمل من رجال السفارة لدراستها بدقة، وانتهينا إلي أن حجم القطاع العام الجديد في مصر أقل منه في إسرائيل وفي الهند وفي فرنسا وفي بريطانيا بل وفي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وأن النظام المصري لا يصادر القطاع الخاص أو يغلق الطريق أمامه، بل علي العكس سوف يحفزه ويدفعه للمنافسة في ظل اقتصاد مختلط كما حدث في هذه الدول” .

          فقد رصدت الدراسة المشار إليها؛ أن ( 18%) من القوي الإنتاجية المصرية هي التي تم تأميمها، ثم قارنت الدراسة هذه النسبة مع مثيلاتها في بعض الدول الأخرى؛ فوجدت مثلا أن القوي الإنتاجية التي تسيطر عليها الدولة في إسرائيل تبلغ نحو ( 30% )، وفي الصين  نحو (25% )، وفي الولايات المتحدة نفسها ( 29% ) من القوي الإنتاجية تخضع للإشراف الحكومي.

عن admin

شاهد أيضاً

عبد الناصر وجماعة الإخوان – بقلم سامى شرف

أسست جماعة الأخوان المسلمين سنة 1928 بواسطة حسن البنا (مدرس) وشهدت الأربعينيات عنفا وعنفا مضادا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *