الرئيسية / كتاب الوعي العربي / سد النهضة بين عُقَد الاحتلال وضعف الحكم غير الرشيد – بقلم:محمد عبد الحكم دياب

سد النهضة بين عُقَد الاحتلال وضعف الحكم غير الرشيد – بقلم:محمد عبد الحكم دياب

Nov 25, 2017

فشلت مفاوضات القاهرة حول سد النهضة، فشعر المرء بخطر حقيقي وقلق من هول ما في هذا الملف، فحياة المصريين مهددة، وزادت المخاطر مع اكتمال البناء في يوليو/تموز الماضي، ومر السد بسلسلة غير مجدية من المفاوضات، التي انتهت جلها في صالح اثيوبيا، وقد حازت على تأييد السودان. وكسب الموقف الأثيوبي مشروعيته من توقيع «المشير» على «اتفاق المبادئ» ممثلا لمصر ووقعه رئيس الوزراء الأثيوبي والرئيس السوداني في آذار/مارس 2015.
اثيوبيا من دول المنبع، وعلى تماس بحوض النيل الأزرق، وهو ينبع من بحيرة «تانا»، ومساحة هذا الحوض ممتدة على حوالي 235 ألف كيلو متر مربع. ومعظمه يقع على الهضبة الحبشية، ويمر بمنحدرات هابطة بانسياب في اتجاه سهول السودان، ويمثل رافدا يزود المجرى الرئيسي.
وفي محاولة للتعرف على رأي رواد مواقع «التواصل الاجتماعي» من السودانيين عن السد فوجئت بأن الغالبية العظمى تؤيد وتتمنى إلحاق الضرر بمصر، ليس بسبب ما سيجنيه المواطن السوداني من منافع، إنما لمجرد إلحاق الضرر بالمصريين، وبروح ثأرية لافتة للنظر، وبدا ذلك تطرفا في إثارة نعرات جاهلية، لبدت الأجواء بسحب سوداء لإخفاء حقائق التاريخ والجغرافيا والدين واللغة والثقافة والعادات والتقاليد. وبدت كأن رواسب التخلف الناشئة عن الاحتلال والقهر والاستبداد والفقر عادت أشد مما كانت.
عادت بي الذاكرة إلى تسعينيات القرن الماضي، وكانت معاهدة «كامب ديفيد» قد أتت أكلها، وأطلت الفتن برؤوسها بين السودان ومصر… وعلت نغمة الاستعمار المصري للسودان، كتبت وقتها مقالا عنوانه «السودان لم يكن مستعمرة مصرية يوما»، والسبب بسيط هو خضوع البلدين للاحتلال البريطاني نفسه. وركام تلك المعاناة زاد الموقف من سد النهضة تعقيدا، وبدا موقف الحكومة السودانية مشجعا للجانب الأثيوبي، هذا مع اعترافنا بغياب الرشد الرئاسي والحكومي المصري، وخطأ توقيع «المشير» على خطاب المبادئ، الذي زاد من التمادي الاثيوبي دون مراعاة لأي اعتبارات مصلحية أو إنسانية، واستسهال «المشير» التنازل عن الحقوق كحل لمشاكل كثيرا ما نشأت بين الأشقاء والشركاء والجيران والغرباء.
ورغم «أوراق الاعتماد» التي يقدمها العرب دوريا لتل أبيب وواشنطن ولأغلب عواصم الغرب، وأهمها ورقة «شيطنة» خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وإثارة كل ما يؤدى إلى «تلغيم» علاقات دول «القارة العربية» ببعضها وبجيرانها، ووصلت سهامها إلى صدور المعنيين بسد النهضة، وتاريخ فصم عرى مصر بالسودان وافريقيا قديم، وعادة يلصق بثورة يوليو/تموز، وكله سابق على قيامها وعلى مولد عبد الناصر نفسه، وأقدم من البداية الفعلية الموثقة في اتفاقيه عام 1899، المبرمة بين سلطة الاحتلال البريطاني وخديوي مصر عام 1899، وعززت غزو مصر عام 1882، وعلى المنوال نفسه وقعت «حكومة الوفد» معاهدة 1936، فأكدت على ما جاء في اتفاقية 1899 بشأن السودان، وكل ذلك وغيره حدث قبل ثورة يوليو/تموز بعقود.
ونلجأ لمذكرات إسماعيل صدقي (1875 – 1950)، أسوأ ساسة مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وشهادته غير مجروحة فلم يكن ثائرا ولا معاديا للاحتلال، وكانت شهادة كاشفة لدور الاحتلال في «تلغيم» العلاقة المصرية السودانية. يقول صاحب المذكرات «كانت السياسة الانجليزية تهدف من زمن بعيد إلى التدخل في شؤون السودان، والاشتراك في حكمه، أو على الأصح التفرد بحكمه دون مصر»، فحَمَّلت المصريين «العبء الأكبر من تضحيات في الأنفس والأموال، إذ لا يمكن أن ننسى أن الجيش المصري أبيد في حوادث الدراويش (يقصد أنصار المهدي الكبير)، وهو تحت إمرة قواد من البريطانيين. وعلى أثر انتهاء الحملة سافر اللورد كرومر سنة 1898 إلى السودان، وألقى خطابين في أم درمان وفي الخرطوم أوضح فيهما أغراض الحكومة االبريطانية – تلك الأغراض التي تضمنتها فيما بعد اتفاقية السودان».
قال اللورد كرومر للسودانيين: «وقد شاهدتم العلمين الانجليزي والمصري يخفقان على هذا المكان. وفي هذا إشارة إلى أنكم ستحكمون في المستقبل بملكة انجلترا وخديو مصر.. والممثل الوحيد في السودان عن الحكومتين البريطانية والمصرية سيكون سعادة السردار (أول حاكم انجليزي للسودان – سير فرنسيس ريجنالد ونجت) الذي أودعت فيه جلالة الملكة وسمو الخديو تمام ثقتهما.. إعلموا أن البلاد السودانية لا تستمد أحكامها من القاهرة ولا من لندن بل أن السردار وحده هو الذي يقوم بالعدل بينكم، فلا يجب التعويل على أحد غيره»
ويستطرد صدقي «ظهرت آثار تلك التصريحات في اتفاقية السودان فيما بعد» وحين عاد اللورد كرومر من السودان زار الخديو عباس، فأبلغه أن اللورد سالسبوري وزير الخارجية البريطانية بعث بمشروع اتفاق انجليزي مصري يخص السودان، وأنه سلم نسخة منه إلى وزير الخارجية المصرية بطرس باشا غالي».. واسترسل في القول: «ومشروع هذه الاتفاقية قد جاء من لندن مكتوبا مهيئا للتنفيذ. واستطاعت بريطانيا أن تجبر مصر على قبوله بحذافيره وأن يضطر مجلس النظار (الوزراء) إلى قبوله سنة 1899».
وفي السنوات الأخيرة صارت مياه النيل مصدرا لتجاذبات مصرية سودانية اثيوبية بسبب حصة مصر المقررة من المياه. ووقفت وراء أزمة سد النهضة دول عدة داعمة، منها من حرض اثيوبيا على تعطيش مصر والسودان، ووقفت اشنطن وتل أبيب ودول غربية أخرى معها، وطالت الاتهامات دولاً أخرى كتركيا والصين ودولا خليجية بتمويله، ولتركيا سوابق في تعطيش وحرمان العراق وسوريا من حق كل منهما في مياه دجلة والفرات، ويبدو أن اثيوبيا سارت على الدرب التركي..
واستفاضت دراسة منشورة لرئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث في القاهرة، رفعت سيد أحمد، في عرض المخاطر التي يحملها «سد النهضة» منها انخفاض حصة مصر من 55 مليار إلى 18 مليار متر مكعب من المياه، وبوار ملايين الأفدنة، وانخفاض معدل توليد كهرباء السد العالي بـ37% عن المعدل المعتاد، بجانب آثار أخرى تتعلق بملء خزان السد بالمياه، وبدأ هذا العام، وتعمل اثيوبيا على تخزين المياه في أقل من 3 سنوات، وقصر المدة يصيب مصر بالعطش، ويلحق الضرر بأراضيها القديمة بدرجة أكبر من الأراضي الجديدة، التي تستخدم طرق الري الحديثة، وخلل الدورة الزراعية، والأراضي تزرع لمرتين أو ثلاث في السنة، لتنخفض لمرة واحدة. والآثار الاجتماعية على سكّان الريف كارثية، ويتراوح عدد المتضررين بين 7 ملايين نسمة إلى 12.8 مليون نسمة. وقد يزيد إلى 20.2 مليون نسمة.
هذة مخاطر لا ينبغي تركها للهواة ولا لمن يتنازلون عن الحقوق مجانا، أو من اعتاد بيع المرافق العامة والأصول «وخصخصتها»، ولا لمن يفضلون بيوت الخبرة والمراكز الأجنبية، الفنية والبحثية، التي لا تجب إلا عند الضرورة، وأغلبهم متواطئون. فالمال أهم من مستقبل الأوطان وحياة المواطنين ومستقبل الأبناء والأحفاد.
وأتت تصريحات «المشير» الخشنة متأخرة، بعد أن ضاعت الفرص، ومن لم يفلح في حل أزمة واحدة من أزمات البلاد المتفاقمة أو يخففها في أربع سنوات.. كيف له أن يواجه مصيبة بهذا الحجم ومن صناعته. ومصر كانت «هبة النيل» أضحت تواجه خطرا وجوديا، فأرضها مهددة بالبوار وشعبها قد يفنى من العطش.

عن admin

شاهد أيضاً

عبد الناصر وجماعة الاخوان بقلم سامى شرف

أسست جماعة الأخوان المسلمين سنة 1926 بواسطة حسن البنا (مدرس ) وشهدت الأربعينات عنف وعنف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *