الرئيسية / كتاب الوعي العربي / قراءة “سوتشية” بقلم : د. كمال خلف الطويل

قراءة “سوتشية” بقلم : د. كمال خلف الطويل

24 نوفمبر 2017

 

لسوريا طبائع عدة , أهمها حساسية تضاريسها الجغراسياسية من داخلٍ وخارجْ , قُصورها عن أن تكون قائدة اقليمها – رغم جدية المحاولة عبر عقود ثلاثة امتدت من 1970 الى 2010 – لكوابح من داخلٍ وخارجْ , ووزنها النوعي في تقرير لا مصائر الاقليم فحسب بل والعالم , ناهيك بالأمة , بحكم عوامل من داخلٍ وخارجْ.

لسوريا – تِبعاً – نكهةٌ تميّزها وسط الكيانات هي نكهة الفارق , بامتياز. من هنا احتدام الصراع السوري وبلوغه مديّات لم تخطر ببال أحد عشية اندلاعه (ليس ادعاءً انني توقعت – صيف 2011 – سقوط مليون ضحية, إن لم يجرِ إيقاف الصراع للتو).

خيض الصراع بتاّلف محورين اقليمييَن – التركي والسعودي – على ثالثٍ – الإيراني – بغية انتزاع اقليم الشام من إهابه , وبإسناد القوة الكونية الأعظم – الولايات المتحدة – للأول , ودعم القوة شبه الكونية المنافسة – روسيا – للثاني. ولأن سيولة اصطفاف أطراف الصراع قد طغت على معالمه فقد تركت مجرى نهره تائهاً بين روافد وشطاّن , وجعلت فهم اّلياته بعضُ شاق.

والحال أن نظرة طائر فوق المشهد السوري , تقيس أوضاع قوى الصراع أواخر 2017 على تلك مطالع 2011 , مفتاحٌ لتبيّن أين نحن الاّن وإلى أين من هنا:

تركيا , التي ضاقت بنفوذ ايران الطاغي في اقليم الشام عشية “الربيع” اغتنمت فرصته , وعلوّ كعب حليفها: الاسلام السياسي في خضمّه , لتقيم مع منافسها السعودي شراكةً تكتيكيةً ابتغاء تقويض ذلك النفوذ , فانتهت بخطرٍ “كردستاني” في الشمال السوري , وبانتباجٍ “جهادي” فيه وفي شرقه, وبلجوءٍ جاوز ملايين ثلاثة الى شمال الشمال.

السعودية , التي تشاركت مع تركيا في مهمة إغراق سوريا بالسلاح والرجال – حتى الجهاديون منهم – , فضلاً عن المال , طلباً لرأس ايران فيها , سرعان ما وجدت الجهادية وقد شبّت عن طوق تنافعها معها لتضحي عدوها الوجودي الأخطر , ثم ما لبثت أن فُجعت بروسيا وإيران وهما يُكسّران , جواً وبراً , “كونتراها” المبعثرة فوق الجغرافيا السورية.

الولايات المتحدة , التي سعت الى إخراج ايران من الشام , مضت من تحت دلف القاعدة في العراق الى مزراب هايدرا جهادية في سوريا والعراق معاً .. أملت عليها تكريس ماوسعها الجهد والطاقة لوأدها وتقويض دولتها المترامية فوق نصف جغرافيتهما , وأودت في طريقها بحواضر عربية وبعشرات ألوف من بنيها الى قاع الموت , وبوهم أن السلاح هو سبيل الاجتثاث , دون أن تحاول أن تفهم أن اندخالها العضوي في الاقليم هو المسبّب الرئيس لتلك الظاهرة.

اسرائيل , التي تعايشت مع اشتباك سوريا معها بالواسطة خارج حدودها , اكتشفت أن بديل سلطة الدولة فيها مجاميعُ قد تزعم اليوم قربَها منها , بل واعتياشها على عونها , لكن حمولة بعضها العقائدية , وإنْ مؤجّلة الإعمال , هي في مكان اّخر .. ناهيك بأن من تشتبك بهم سوريا من خارجْ هم الاّن على خطوط تماسّها من داخلْ.

إيران , التي كانت مرتاحةً في كنف حلفها السوري وجدت نفسها تغالب أعتى هجوم مسلح عليه بِداعيه – أي الحلف – , ثم لتكابد الأمرّين في العراق سعياً الى رد العنقاء الجهادية عن اندياحها فيه وصولاً لتخوم حدودها معه , ولتُزاحمَها الولايات المتحدة في عقرها العراقي على خلفية تسابقهما جرياً للتعامل مع تلك العنقاء وقد استحالت تنّيناً , ثم لتخسر من رصيدها الشعبي بين المسلمين جرّاء تفعيل الاحتلال الأمريكي للعراق للفالق السني-الشيعي.

لكن هناك تطوران طرئا , مابين خريفي 2015 و 1016 , كان وما زال لهما أكبر الأثر في إعادة تشكيل تخوم الصراع واصطفافاته ؛ الأول , الدخول الروسي المباشر في الصراع السوري … والثاني , فوز اليمين البديل – الترامبي – بالرئاسة الأمريكية … والأهم , هو جدلية العلاقة بين الحدثين , وتطبيقاً في المسألة السورية.

في فهم الجدلية , وبعلمِ أن الثاني – وهو الدخيل على المؤسسة الأمريكية الحاكمة بتلاوينها الحمائمية والصقورية , وبنخاعها المحرّك: دولة الأمن القومي – يرى في الصين والإسلام خطري الحاضر والمستقبل , فثمّة توافقٌ كاملٌ مع المؤسسة و”دولتها” لجهة التعامل مع الجهادية السلفية , وأقلٌ من كاملٍ عند الحديث حول تكتيكات التعامل مع إيران وتركيا … معطوفٌ على ذلك كلّه نزوعه للتخفف من التورط في حروب مباشرة عالية الكلفة , واتّكاله على مجمّعٍ اقليمي يضمٌ إليه الليكود الاسرائيلي وقطبَي الخليج … همٌه الأكبر في سوراقيا العربية هو تقويض الجهادية ودرء نكسها , متبوعاً بإضعاف ايران في عمومها بما يشمله من تحصين اسرائيل من وجودٍ لها على جبهتها السورية , وملحوقاً بتعويق تركيا عن حضورٍ فاعل فيها سيّما إن تكامل مع نظيره الإيراني ؛ فإن علَت كلفة الدور عن عتبة التحمّل اكتفى بالأكبر ولانَ في ما يليه , بالنقيض مع “الدولة” روسياً.

هنا بالضبط رهان موسكو على اكتفاء واشنطن-ترامب برأس الجهادية وإعلانها النصر من بوابة الخروج … لكن لدولة الأمن القومي , وهي التي ما فتئت – ولعقود سبع – ترى في روسيا عدوها الوجودي التليد , رأي اّخر مغايرٌ أشدّ التغاير مفاده ان عليها ان تخرج من سوريا , وعبر استنزافها فيها. ورغم أنها الأوزن بامتياز في القرار الأمريكي سورياً إلا أن ما تحت تصرفها من قوة محلية – الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي – ليس موحّد الإرادة تجاه مهمة الاستمرار في الاشتغال كونترا أمريكية متنقلة , وبالتضاد التام مع موسكو , خصوصاً وتشليحه تحالفاته العربية والتركمانية والسريانية يجري على قدم وساق , ثم أن كونترا لانغلي المندثرة لم تعد إلا محض رميم.

وكما نزوع “الدولة” في سوريا صفري فقرار مُقابِله الروسي-الإيراني-التركي صفريٌ أيضاً , ولكلٍ من مكوّنات الثالوث أسبابه … ما سيعزّز فرص فوز هذا الثالوث تمكٌن أطرافه من سدّ ثغرات مواريث تبايناته , والتي تراهن واشنطن – الترامبية والدولتية , سيّان – على توسيع شقوقها والنفاذ عبرها الى فوز , كما نجاحه في زرق الكردية المسلحة بجرعة تعقّل تردّها عن غواية البنتاغون (محتكر قرار “الدولة” السوري) لها بالثبات فوق جغرافيا تعوق التواصل “السوراقي” , وموارد تحرم سوريا من إعادة إعمار خارجة عن نوتته , وتؤمّن له 13 قاعدة عسكرية كفيلة بموازنة الوجودين الروسي والإيراني وأكثر.

إنْ لم تصغِ الكردية المسلحة لمساعي التعقل تلك فمعناه أنها لم تكتفِ بعدو تركي مترّبص فحسب بل أضافت له خصوماً ثلاثة: دمشق وطهران وموسكو , هم مِثلَه لن يرَوا عن السلاح بديلاً.

ينضاف على تلك المعضلة كيفية التعامل مع جهادية ادلب الكبرى , استكمالاً لتقويض غريمتها في الشرق ؛ والتي تقتضي تضافراً تركياً-سورياً يعيدها الى مثوى الدولة المركزية.

عندي أن قمة سوتشي الرباعية , المنعقدة على مرحلتين , لن تجد شريكاً أمريكياً لها في سوريا  , ولو بالسلب , طالما قرار واشنطن الاقليمي في يد “الدولة” (اّخر مثالٍ عليه “تريث” رئيس الوزراء اللبناني عن الاستقالة) … ليس لذلك من مفعولٍ إلا حفز الثالوث على التراص والمضيّ بالصراع الى تخومه , علّه يعمّق الشقاق بين الترامبية و”الدولة” بنجاحٍ يفيض عن أي نجاح سابق لواشنطن في اللعب على تناقضاته البينية , وفي وقتٍ ترشق فيه “الدولة” لدودها بتهم الخيانة.

إذا أردت أن تفهم ما يجري في الرّقة والقامشلي والحسكة ومنبج وعين العرب وعفرين , فما عليك إلا أن تتابع ما يجري داخل حزام واشنطن وبين متصارعَيها ؛ وإن أردت أن تدرك ما يجري في غير مكان فسنّة الاهتداء بمفاعيل فالقها وارتداداته هي أمر اليوم.

 

 

 

 

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

عبد الناصر وجماعة الاخوان بقلم سامى شرف

أسست جماعة الأخوان المسلمين سنة 1926 بواسطة حسن البنا (مدرس ) وشهدت الأربعينات عنف وعنف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *